كان الشعب المصري في عهد الفاطميين يتكون من:
١ - الطبقة الأولى أهل السنة وكانوا يختلفون مع الشيعيين-أنصار الفاطميين، الذين لم يدخروا وسعًا في نشر مذهبهم في المساجد، والقصور، وفي دور العلم، وغيرها، وقد فعلت هذه السياسة فعلها في الناس، فتحول بعض من السنيين إلى المذهب الفاطمي- رغبة في الهبات والمناصب.
٢ - أما الطبقة الثانية فهي طبقة المغاربة-الذين قامت الدولة الفاطمية على أكتافهم في بلاد المغرب، ثم في مصر، وكان الفاطميون يعتمدون عليهم في جيوشهم.
٣ - الطبقة الثالثة هي طبقة أهل الذمة-وهم النصارى، واليهود (١)، وقد دفعت رغبة الكثيرين منهم في الحصول على العطايا، والمناصب، إلى اعتناق المذهب الإسماعيلي لأغراض مادية أخرى من جهلة أهل السنة، فادعوا أن في اليوم الثاني عشر من المحرم، قتل مصعب بن الزبير فصنعوا له مأتما، كما تفعل الشيعة للحسين، وزاروا قبره كما زاروا قبر الحسين، وهذا من باب مقابلة البدعة بمثلها، ولكن لا يرفع البدعة إلا السنة الصحيحة.
وكانت أحوالهم سيئة أحيانا حيث هدم الحاكم بأمر الله الكنائس، وألزمهم بالصلبان في أعناقهم وألبس اليهود العمائم السود- نكاية، وإهانة لزي بني العباس.
٤ - الطبقة الرابعة هي طبقة الأتراك، الذين كثر عددهم منذ أيام الدولة الطولونية.
٥ - الطبقة الخامسة هي طبقة السودانيين، الذين كثر عددهم في مصر منذ عهد كافور الإخشيدي، وظهر أمرهم في أيام الخليفة الحاكم بأمر الله الذي استعان بهم على الأتراك (٢).
_________________
(١) الذهبي، دول الإسلام، مرجع سابق، ١/ ٢٣٥.
(٢) حسن، مرجع سابق، ٣/ ٤٧٩.
[ ٢٥ ]
فالمجتمع في عصر الإمام الحَوفي مجتمع غير متوازن، لأن الحكام من طبقة غريبة بعيدة عن الشعب، وهم خليط من الموالي والأعاجم، وأما الكثرة الغالبة فهم أهل السنة، الذين غلبوا على أمرهم، يشاركهم قلة من الجراكسة والأتراك، وهؤلاء في أغلب الأحيان يعدون من الدرجة الثالثة، لا حق لواحد منهم أن يظهر في المجتمع، وإذا ظهر فإنهم يأخذون منه كل شئ.
ولاشك في أن الحالة السياسية إذا كانت مضطربة، تبعها اضطراب في الحياة الاجتماعية، حيث يسود الجاهل، ويتسلط الظالم، وبالتالي تضيع القيم، وتمحى المبادئ، وينتشر الجهل، فيعم الفساد بعموم الجهل- ولا حول ولا قوة إلا بالله. فيترتب على ذلك انحلال اجتماعي، وفساد خلقي، وتفكك أسري، لأن الحياة القاسية تجعل الإنسان لا يفكر إلا في نفسه (١)، ولا يشغله إلا حاله بخاصة، لأن الدافع الديني قد ضعف فقد أضعفته الدولة، وقضت عليه (٢)، ولم تترك الأغنياء، ليساعدوا الفقراء.
وفي عهد الفاطميين، بنى الخليفة العزيز الفاطمي كثيرا من القصور، التي تدل على وفرة ثروة مصر، ومن ذلك، القصر الغربي- وكان يقع غربي القصر الشرقي الذي بناه جوهر الصقلي للخليفة المعز، شرقي مدينة القاهرة. ويمتاز الفاطميون ببناء المناظر، وهي أماكن اتخذها الخلفاء في القاهرة، وغيرها، للتنزه، والاحتفال ببعض الأعياد.
كان الحاكم بأمر الله سفاكًا للدماء، معطاء للمال، قتل عددا كثيرا من كبراء دولته صبرا بلا ذنب، وكتب سب الصحابة على المساجد، واتخذ له فقيهين يعلمانه، ثم ذبحهما صبرا، وقتل عدة سبايا، وغرق عجائز، وأثقلت الدولة المحتاجين بالإتاوات.
_________________
(١) حسن، مرجع سابق، ٣/ ٤٩٠.
(٢) الذهبي، دول الإسلام، مرجع سابق، ١/ ٢٤٢، ٢٤٥.
[ ٢٦ ]
هذه هي صورة سريعة عن الحياة الاجتماعية في عصر الإمام الحَوفي، فهل أثر ذلك على مسيرته العلمية؟ أقول: كلا، فعلماؤنا الأجلاء لا تهمهم الدنيا، ولا يهمهم أخذ جائزة من السلطات والسلاطين. والذي يهمهم رضى الله، وثوابُه، ولذلك نفع الله بعلمهم فانتفع بهم الأجيال على مر العصور، والأزمان.
[ ٢٧ ]