من خلال دراستي لآراء الإمام الحَوفي النحوية وجدته حر التفكير، وحر الاختيار، يأخذ من المذهب، ولا يلتزم به، ويقول برأيه دون تعصب، فقد كان يأخذ من مذهب البصريين كثيرا، ولكنه لم يكن متعصبا، ويأخذ من مذهب الكوفيين أحيانا، ولم يتبعهم، ولم يسر في ركابهم، وهذه في الحقيقة سمات المذهب البغدادي (١)، أي أن مذهب شيخنا الإمام الحَوفي، بغدادي بمفهوم عام، وإن كان ميله مع البصريين.
ومن الأمثلة التي تدل على أنه أيد البصريين كثيرا، ورد على الكوفيين، قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾:" ﴿ذَلِكَ﴾ رفع بالابتداء، ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الخبر متعلق بمعنى الاستقرار، و﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما تقدم مما أخبر به، ﴿عَلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿فَضْلِ اللَّهِ﴾، ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾، ﴿النَّاسِ﴾ عطف على النون والألف بإعادة الخافض، لأن المضمر لا يعطف عليه إلا بإعادة العامل (وهذا على مذهب سيبويه والجمهور وأمَّا الكوفيون فاحتجوا بجواز العطف على الضمير المجرور دون إعادة العامل لوروده في القرآن ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذي تَسَاءَلُونَ به وَالْأَرْحَامِ﴾ (٢) بالخفض، وهي قراءة أحد القراء السبعة، وهو حمزة الزَّيَّات".
_________________
(١) ينظر الطنطاوي، محمد الطنطاوي، نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، ت: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل، ط ١، (مكتبة إحياء التراث الإسلامي، ٢٠٠٥ م-١٤٢٦ هـ)، ص ١٥٣.
(٢) ينظر قسم التحقيق، ص ٢٠٠. سورة النساء، الآية: ١.
[ ٤٨ ]
والأدلة على هذا من كلامه أنه أعرب الآية وفق قول البصريين، وصدر كلامه بالنقل عن سيبويه وعنهم، وجعله مذهب الجمهور ضمنًا. ثم أورد رأي الكوفيين بعد ذلك. (١).
وكذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾: " ﴿فَيَكِيدُوا﴾، الفاء جواب النهي فلذا نصب بها ﴿فَيَكِيدُوا﴾ وحذفت النون علامة النصب، ﴿لَكَ﴾ متعلق بـ "يكيدوا"، (والنصب بأن مضمرة بعد فاء السببية المعتمدة على النهي والنفي وما في معناهما هو مذهب البصريين (٢».
والأمثلة على ذلك من كتابه كثيرة جدا فلا داعي لذكرها.
ومن الأمثلة التي تدل على أنه كان يذهب مذهب الكوفيين أحيانا قوله عند تفسير قوله تعالى:
﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين﴾ " ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما، على تقدير: وإن كنت من قبله إلا غافلا، ويجوز أن تكون إن شرطا أي: إن كنت من الغافلين عن قصة يوسف وإخوته، حتى أتيناك بها ودللناك عليها، ولم تكن تهتدي لها". وهذا الذي رجحه هو مذهب الكوفيين (٣).
_________________
(١) ينظر الخلاف بين البصريين والكوفيين في هذه المسألة عند ابن الأنباري أبي البركات، كمال الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، (ت: ٥٧٧ هـ)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين، ط ١، (بيروت: صيدا: المكتبة العصرية،١٤٢٤ هـ- ٢٠٠٣ م)، ٢/ ٤٦٣. ينظر قسم التحقيق، ص ١٢١.
(٢) ابن الأنباري أبو البركات، مرجع سابق، ٢/ ٤٥٤.
(٣) ينظر قسم التحقيق، ص ١١٠.
[ ٤٩ ]
وكذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ " ﴿حَتَّى﴾ غاية ناصبة لـ ﴿تُؤْتُونِ﴾، وعلامة النصب: حذف النون، والنون الموجودة مزيدة مع ياء النفس (١)، قلتُ: والمشهور عند النحاة أن البصريين يقولون: إنَّ "حتى" لا تنصب بنفسها بل تنصب بـ"أن" مضمرة بعدها" (٢).
وكذلك قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾: " ﴿ذَلِكَ﴾ رفع بالابتداء، ﴿لِيَعْلَمَ﴾ نصب بلام كي، وهي متعلقة بفعل محذوف تقديره ردي الرسول ليعلم، واللام وما عمل فيها خبر ﴿ذَلِكَ﴾ " (٣).
وقوله أيضا عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾: " ﴿أَفْتُونِي﴾ وألفه ألف قطع، ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾، ﴿إِنْ﴾ حرف شرط، ﴿لِلرُّؤْيَا
_________________
(١) ينظر قسم التحقيق، ص ٢٥٥.
(٢) سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، (المتوفى: ١٨٠ هـ)، الكتاب، ت: عبد السلام محمد هارون، ط ٣، (القاهرة: مكتبة الخانجي، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م)، ١/ ٤١٣. وهذا على مذهب الكوفيين. أما البصريون فيرون: أن "حتى" لا تنصب بنفسها بل تنصب بـ"أن" مضمرة. ابن السراج، مرجع سابق، ١/ ٤٢٦. درويش، محيي الدين بن أحمد مطفى (ت: ١٤٠٣ هـ) إعراب القرآن وبيانه، ط ٤، (بيروت: دمشق: دار اليمامة،١٤١٥ هـ)، ٥/ ١٩،١٨. الخراط، أبو بلال، أحمد بن محمد، المجتبى من مشكل إعراب القرآن، ط ١، (المدينة المنورة، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤٢٦ هـ) ١/ ٢٤٣.
(٣) ذهب الكوفيون إلى أن لام "كي" هي الناصبة للفعل من غير تقدير"أن" نحو"جئتك لتكرمني". وذهب البصريون إلى أن الناصب للفعل "أن" مقدرة بعدها، ولام كي لا تنصب بنفسها عند البصريين، والتقدير: جئتك لأن تكرمني. ابن الأنباري أبو البركات، مرجع سابق، ٢/ ٤٦٩. العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٣٥.
[ ٥٠ ]
تَعْبُرُونَ﴾ اللام متعلقة بـ ﴿تَعْبُرُونَ﴾ وجاز دخول اللام مع تعدي الفعل لتقدمها، وجواب الشرط ما تقدم (١).
_________________
(١) وهذا رأي كوفي، لأن الكوفيين يجيزون تقدم جواب الشرط على أداة الشرط، وأما البصريون فلا يجيزون هذا بل يقولون: هذا دليل على الجواب وليس الجواب نفسه. ابن الأنباري أبو البركات، مرجع سابق، ٢/ ٥١٣.
[ ٥١ ]