﵇
_________________
(١) فائدة في فضل السورة: قال ابن كثير: وهي مكية. وقال: روى الثعلبي وغيره، قال: قال رسول الله ﷺ: " عَلِّمُوا أَرِقَّاءَكُمْ سُورَةَ يُوسُفَ، فَإِنَّهُ أَيُّمَا مُسْلِمٍ تَلَاهَا، أَوْ عَلَّمَهَا أَهْلَهُ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، هَوَّن اللَّهُ عَلَيْهِ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَأَعْطَاهُ مِنَ الْقُوَّةِ أَلَّا يَحْسِدَ مُسْلِمًا " تفسير الثعلبي، ٥/ ١٩٦. وأورده الزيلعي في تخريج الكشاف، ٢/ ١٧٩. ورواه الواحدي في الوسيط، ٢/ ٥٩٩. وقالوا لا يصح لضعف إسناده بالكلية. وقد ساقه الحافظ ابن عساكر متابعا عن النبي ﷺفذكر نحوه وهو منكر من سائر طرقه. وروى البيهقي في " الدلائل " أن طائفة من اليهود حين سمعوا رسول الله ﷺ يتلو هذه السورة أسلموا لموافقتها ما عندهم. عن ابن عباس. ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي البصري ثم الدمشقي (ت: ٧٧٤ هـ) تفسير القرآن العظيم، ت: سامي بن محمد سلامة، ط ٢، (دار طيبة للنشر والتوزيع،١٤٢٠ هـ-١٩٩٩ م)، ٤/ ٤١٣ بتصرف. وقال العلامة مجد الدين الفيروزابادى مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب (ت: ٨١٧ هـ) رحمه الله تعالى: لم يرد في فضلها سوى أحاديث واهية. الفيروزآبادي، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، ت: محمد علي النجار، (القاهرة: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي، (بصائر ذوى التمييز)، ١/ ٢٦٠. وقال- رحمه الله تعالى: المقصود الإجمالي من سورة يوسف ما يأتى: عرض العجائب التي تتضمنها من حديث يوسف، ويعقوب، والوقائع التي فى هذه القصة: من تعبير الرؤيا، وحسد الإخوة، وحيلهم فى التفريق بين يوسف وأبيه. وتفصيل الصبر الجميل من جهة يعقوب، وبشارة مالك بن دعر بوجدان يوسف. وبيع الإخوة أخاهم بثمن بخس، وعرضه على البيع والشراء، بسوق مصر، ورغبة زليخا وعزيز مصر فى شرائه، ونظر زليخا إلى يوسف، واحتراز يوسف منها، وحديث رؤية البرهان، وشهادة الشاهد، وتعيير النسوة زليخا، وتحيرهن فى حسن يوسف، وجماله، وحبسه فى السجن، ودخول الساقي والطباخ إليه، وسؤالهما إياه ودعوته إياهما إلى التوحيد ونجاة الساقي، وهلاك الطباخ، ووصية يوسف للساقي بأن يذكره عند ربه. وحديث رؤيا مالك بن الريان، وعجز المعبرين عن تعبير رؤياه. وتذكر الساقي يوسف، وتعبيره لرؤياه فى السجن، وطلب مالك يوسف، وإخراجه من السجن، وتسليم مقاليد الخزائن إليه، ومقدم إخوته لطلب الميرة، وعهد يعقوب مع أولاده، ووصيتهم فى كيفية الدخول إلى مصر وقاعدة تعريف يوسف نفسه لبنيامين، وقضائه حاجة الإخوة، وتغييبه الصاع فى أحمالهم، وتوقيف بنيامين بعلة السرقة، واستدعائهم منه توقيف غيره من الإخوة مكانه، ورده الإخوة إلى أبيهم، وشكوى يعقوب من جور الهجران، وألم الفراق وإرسال يعقوب إياهم فى طلب يوسف وأخيه، وتضرع الإخوة بين يدي يوسف، وإظهار يوسف لهم ما فعلوه معه من الإساءة وعفوه عنهم، وإرساله بقميصه وصحبتهم إلى يعقوب، وتوجه يعقوب من كنعان إلى مصر، وحوالة يوسف ذنب إخوته على مكايد الشيطان، وشكره لله-تعالى-على ما خوله من الملك، ودعائه وسؤاله حسن الخاتمة، وجميل العاقبة، وطلب السعادة، والشهادة، وتعيير الكفار على الإعراض عن الحجة، والإشارة إلى أن فى قصة يوسف عبرة للعالمين فى قوله: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ سورة يوسف، الآية: ١١١. وهذه السّورة ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. انتهى. الفيروزآبادي، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، مرجع سابق، ١/ ٢٥٥ - ٢٥٧.
[ ١٠٤ ]
قال ابن عباس (١): نزلت بمكة فهي مكية (٢).
_________________
(١) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول اللهﷺ، صحابي، حبر هذه الأمة، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، (ت: ٦٨ هـ) بالطائف. الأصبهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران ت: ٤٣٠ هـ، معرفة الصحابة، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، ط ١، (الرياض: دار الوطن للنشر،١٤١٩ هـ- ١٩٩٨ م)، ٣/ ١٦٩٧. ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عاصم النمري القرطبي ت: ٤٦٣ هـ، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ت: علي محمد البجاوي، ط ١، (بيروت: دار الجيل،١٤١٢ هـ-١٩٩٢ م)، ٣/ ٩٣٤.
(٢) النحاس، معاني القرآن الكريم ت: محمد علي الصابوني،ط ١، (مكة المكرمة: جامعة أم القرى، ١٤٠٩ هـ)، ٣/ ٣٩٥.قال القرطبي، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأناري الخزرجي (ت: ٦٧١ هـ) الجامع لأحكام القرآن، ت: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، ط ٢، (القاهرة: دار الكتب المصرية، ١٣٨٤ هـ-١٩٦٤ م)، ٩/ ١١٨ ـ: وهي مكية كلها. وقال ابن عباس وقتادة: إلا أربع آيات منها. وروي أن اليهود سألوا رسول اللهﷺ- عن قصة يوسف فنزلت السورة، وقال سعد بن أبي وقاص: أنزل القرآن على رسول اللهﷺ- فتلاه عليهم زمانا فقالوا: لو قصصت علينا، فنزل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ سورة يوسف، الآية: ٣. فتلاه عليهم زمانا فقالوا: لو حدثتنا، فأنزل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ سورة الزمر، الآية: ٢٣. قال العلماء: وذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن، وكررها بمعنى واحد في وجوه مختلفة، بألفاظ متباينة على درجات البلاغة، وقد ذكر قصة يوسف ولم يكررها، فلم يقدر مخالف على معارضة ما تكرر، ولا على معارضة غير المتكرر، والإعجاز لمن تأمل. وقال الفيروزآبادى: هذه السّورة مكِّيّة بالاتِّفاق .. الفيروزآبادى، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، مرجع سابق، ١/ ٢٥٥. فائدة: وقول ابن عباس﵄- بأنها مكية باعتبار النزول المكاني وهذا يؤيد من قال: كل ما نزل بمكة فهو مكي، وليس باعتبار من قال كل ما نزل قبل الهجرة فهو مكي وكل ما نزل بعد الهجرة فهو مدني، [وهذا الأخير الذي أميل إليه، وهو ما رجحه كثير من الأئمة] فقد قال ابن جزي: اعلم أنّ السور المكية هي التي نزلت بمكة ويعد منها كل ما نزل قبل الهجرة، وإن نزل بغير مكة، كما أنّ المدنية هي السورة التي نزلت بالمدينة ويعدّ منها كل ما نزل بعد الهجرة وإن نزل بغير المدينة. وقد قال: إن سورة يوسف﵇- من السور المكية بلا خلاف. ابن جزي، مرجع سابق، ١/ ١٣. وقال الزركشي: اعلم أن للناس في ذلك ثلاثة اصطلاحات: أحدها: أن المكي ما نزل بمكة والمدني ما نزل بالمدينة. والثاني: وهو المشهور أن المكي ما نزل قبل الهجرة وإن كان بالمدينة والمدني ما نزل بعد الهجرة وإن كان بمكة. والثالث: أن المكي ما وقع خطابا لأهل مكة والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة. الزركشي، مرجع سابق،١/ ١٨٧. وقال السيوطي: اعلم أن للناس في المكي والمدني اصطلاحات ثلاثة: أشهرها: أن المكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعدها سواء نزل بمكة أم بالمدينة عام الفتح أو عام حجة الوداع أم بسفر من الأسفار. الإتقان في علوم القرآن، مرجع سابق، ١/ ٣٧.
[ ١٠٥ ]
قولُهُ ﷿:
﴿الر﴾ قد تقدم القول فيه (١)،
روي عن ابن عباس أنه
_________________
(١) قال الإمام الحوفي في بداية تفسيره لسورة البقرة من مخطوطه: القول في معنى ﴿الم﴾ سورة البقرة، الآية: ١. اختلف أهل التفسير وأهل اللغة فيها فروي عن عطاء عن أبي الضحى عن ابن عباس قال: ﴿الم﴾ أنا الله أعلم، فـ ﴿الر﴾ أنا الله أرى، و﴿المص﴾ أنا الله أفصل، وروي عن سعيد بن جبير مثل ذلك وروي عن علي بن أبي طلحة عنه ﴿الم﴾ و﴿المص﴾ و﴿كهيعص﴾ وما أشبه ذلك أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله جل اسمه وروي عن قتادة أنه اسم من أسماء القرآن، وروي عن مجاهد قال: هي فواتح السور وقال أبو عبيدة والأخفش: هي افتتاح كلام وقال قطرب: إنما جيئ بها لأنهم كانوا ينفرون عند استماع القرآن فلما سمعوا ﴿المص﴾ و﴿الم﴾ استكبروا هذه اللفظة فلما أنصتوا له ﷺ، أقبل عليهم بالقرآن المؤلف ليثبته في آذانهم، ويقيم الحجة عليهم. وقيل هذه الحروف اشتبهت على اليهود فقالوا الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم، أربعون في أشباه لهذا كثير، فأنزل الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ سورة آل عمران، الآية: ٧. أي أصلُ الكتاب وهو الحلال والحرام، والفرائض، والحدود، وما أشبه ذلك نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ سورة الأنعام، الآية: ١٥١. إلى أخر الآيات الثلاث فهذه، وما كان مثلها المحكمات فأما المتشابهات عليهم، أعني اليهود فـ ﴿الم﴾ و﴿المص﴾ و﴿الم﴾ و﴿المر﴾ وما أشبه ذلك اتبعوه طلبا للفتنة، وطلب تأويل منتهى مدة هذه الأمة فأنزل الله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ سورة آل عمران، الآية: ٧ .. أي لا يعلم منتهى هذه الأمة وما يؤول إليها أمرها من السعادة والشقاء إلا الله-جل وعز- وروي عن جابر بن عبدالله، قال: مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله وهو يتلو فاتحة سورة البقرة ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ سورة البقرة، الآية: ١ - ٢. فأتى أخاه حيي بن أخطب في رحال من يهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل عليه ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ﴾ سورة البقرة، الآية: ١ - ٢. قال: أنت سمعته قال: نعم فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه فقال: يا محمد ألم تذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك ﴿الم﴾ فقال رسول الله: بلى قالوا: جاءك بها جبريل من عند الله فقال: نعم فقالوا: لَقَدْ بَعَثَ اللَّه قَبْلَك أَنْبِيَاء مَا نَعْلَمهُ بَيَّنَ لِنَبِيٍّ مِنْهُمْ مَا مُدَّة مُلْكه وَمَا أَجَل أُمَّته غَيْرك فَقَامَ حُيَيّ بْن أَخْطَب وَأَقْبَلَ عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ فَقَالَ لَهُمْ الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أَفَتَدْخُلُونَ فِي دِين نَبِيّ إِنَّمَا مُدَّة مُلْكه وَأَجَل أُمَّته إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَة ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه فقال: يا محمد هل مع هذا غيره؟ فقال: نعم، قال: ماذا؟ قال: ﴿المص﴾ فقال: هذا أثقل وأطول الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد ستون فهذه إحدى وثلاثون ومائة. فَقَالَ: فَهَلْ مَعَ هَذَا غَيْرُهُ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: نَعَمْ ﴿الر﴾ فقال: هذا أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدى وثلاثون ومائتان هل مع هذا يا محمد غيره قال: نعم ﴿المر﴾ قالوا: وهذا أطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا ثم قاموا عنه فقال: أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار مَا يُدْرِيكُمْ، لَعَلَّهُ قَدْ جُمِعَ هَذَا كُلُّهُ لِمُحَمَّدٍ، إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبع مائة سنة وأربع سنين فقالوا: لقد تشابه علينا أمره. ويروى أن هذه الآيات نزلت فيهم: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ سورة آل عمران، الآية: ٧.انتهى من تفسير الإمام الحوفي للحروف المقطعة. قال الشيخ أحمد شاكر﵀- في تعليقه على تفسير ابن جرير: " هذا حديث ضعيف الإسناد. ابن جرير، مرجع سابق، ١/ ٢٢١. وقال أبو حاتم: لم نجد الحروف المتقطعة إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله بها ورأيت بعض أهل العلم يختار قول مجاهد قال: لأن الأسماء الأعلام كلها منقولة للتفرقة بين المسميات، فمتى لم يرد بالاسم أو الكلمة معنى الأصل وهي على جهة النقل لكون حروف المعجم نقلت إلى التسمية وكل ما كان في القرآن من نظيره فهو مثله في كل قول.
[ ١٠٦ ]
قال: (أنا أرى) (١).
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣) إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾
﴿تِلْكَ﴾ رفع على إضمار مبتدأ أي: هذه الآيات (٢)، تلك الآيات التي وعدتم بها (٣)، والفرق بين هذه وتلك: أن هذه لما تدانى وتلك لما تراخى (٤)، والإشارة بـ ﴿تِلْكَ﴾ إلى ما تقدم من ذكر
_________________
(١) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ في قوله ﴿الر﴾ قال: فواتح السور أسماء من أسماء الله وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات وابن النجار في تاريخه عن ابن عباس ﵄ في قوله ﴿الر﴾ قال: أنا الله أرى. السيوطي، الدر المنثور، (بيروت: دار الفكر)، ٤/ ٣٣٩.
(٢) التقدير: هذا، ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ على الابتداء والخبر. النَّحَّاس، إعراب القرآن، ط ١، (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢١ هـ)، ٢/ ١٨٩.
(٣) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٨٧.
(٤) الزجاجي، أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق البغدادي النهاوندي (ت: ٣٣٧ هـ)، اللامات، ت: مازن المبارك، ط ٢، (دمشق: دار الفكر،١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م)، ١/ ١٢٦. المرادي، أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المصري المالكي (ت: ٧٤٩ هـ) توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك، شرح وت: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر، ط ١، (دار الفكر العربي، ١٤٢٨ هـ-٢٠٠٨ م)، ١/ ٤٠٩.
[ ١٠٧ ]
السورة في ﴿الر﴾ (١) كأنه قيل: سورة يوسف تلك آيات الكتاب المبين، وعلى هذا: تكون تلك آيات الكتاب المبين، جملة مفسرة لألف لام راء هذه الآيات، تلك الآيات، وقيل: إلى ما يأتي من ذكرها على التوقع لها، آيات الكتاب خبر ﴿تِلْكَ﴾، و﴿الْكِتَابِ﴾ خفض بإضافة ﴿آَيَاتُ﴾ إليه، و﴿المُبِينِ﴾ نعت لـ ﴿الْكِتَابِ﴾ (٢)،
و﴿الْمُبِينِ﴾ بمعنى المبيّن، ﴿قُرْآَنًا﴾ نصب بـ ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، والهاء عائدة على ﴿الْكِتَابِ﴾، ويجوز أن تكون عائدة على خبر يوسف، وهو الأشبه بالمعنى، لأن اليهود سألوا عن خبر يوسف و﴿قُرْآَنًا﴾ نصب على الحال (٣) أي: مجموعا (٤)، و﴿عَرَبِيًّا﴾ نعت لـ ﴿قُرْآَنًا﴾، ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ (٥)، وهي علامة المضمر المرفوع، يخبر بها الجبار عن نفسه، والجماعة وهي مبنية، وضمتها لالتقاء الساكنين، واختيرت الضمة لأن من علامة المجموع
_________________
(١) فائدة: تقرير إعجاز القران الكريم إذ هو مؤلف من مثل: ﴿الر﴾، ﴿الم﴾، ﴿طس﴾، ﴿ق﴾، ومع هذا لم يستطع العرب أن يأتوا بسورة من مثله. أبو بكر الجزائري، جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، ط ٥، (المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، ١٤٢٤ هـ/٢٠٠٣ م)، ٢/ ٥٩٢.
(٢) الزجاج، مرجع سابق، ٤/ ١٠٧. النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١٨. صافي، محمود بن عبد الرحيم (ت: ١٣٧٦ هـ)، الجدول في إعراب القرآن الكريم، ط ٤، (دمشق: دار الرشيد، بيروت: مؤسسة الإيمان، ١٤١٨ هـ)، ١٢/ ٣٧٦ ..
(٣) الزجاج، مرجع سابق، ٤/ ٣٧٩. القيسي، أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (ت: ٤٣٧ هـ)، مشكل إعراب القرآن، ت: د. حاتم صالح الضامن، ط ٢، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤٠٥ هـ) ١/ ٣٧٧.
(٤) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٨٧.
(٥) الدعاس، أحمد عبيد وأحمد محمد حميدان وإسماعيل محمود القاسم، إعراب القرآن الكريم، ط ١، (دمشق: دار المنير ودار الفارابي، ١٤٢٥ هـ)، ٢/ ٧٨.
[ ١٠٨ ]
الواو، والضمة من الواو (١)، وقيل الأصل: نحن، نقلت ضمة الحاء إلى النون (٢)، ﴿نَقُصُّ﴾ خبر ﴿نَحْنُ﴾، ﴿عليك﴾ متعلق بـ ﴿نَقُصُّ﴾، ﴿أَحْسَنَ الْقَصَص﴾ مصدر، تقديره: قصصا أحسن القصص (٣)،
﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿نَقُصُّ﴾، وما بمعنى الذي، وإن شئت جعلتها وأوحينا بمعنى المصدر أي: بوحينا، ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾، ﴿هَذَا الْقُرْآَنَ﴾، ﴿هَذَا﴾ نصب بـ ﴿أوْحَيْنَا﴾، و﴿الْقُرْآَنَ﴾ نعت لـ ﴿هَذَا﴾ (٤)، ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين﴾، ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما، على تقدير: وإن كنت من قبله إلا غافلا (٥)، ويجوز أن تكون إن
_________________
(١) سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء (ت: ١٨٠ هـ) الكتاب، ت: عبد السلام محمد هارون، ط ٣، (القاهرة: مكتبة الخانجي، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م)، ٤/ ٢٤٢. ابن السراج، أبو بكر محمد بن السري بن سهل النحوي (ت: ٣١٦ هـ)، الأصول في النحو، ت: عبد الحسين الفتلي، (بيروت: مؤسسة الرسالة)، ٢/ ٣٩٩.
(٢) القيسي، مشكل إعراب القرآن، مرجع سابق، ١/ ٧٩.
(٣) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٨٩. العكبري، أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله (ت: ٦١٦ هـ)، التبيان في إعراب القرآن ت: علي محمد البجاوي، (القاهرة: عيسى البابي الحلبي وشركاه)، ٢/ ٧٢٠ .. الأنصاري، زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (ت: ٩٢٦ هـ)، إعراب القرآن العظيم، حققه وعلق عليه: د. موسى على موسى مسعود، ط ١، (دار النشر: لاتوجد، رسالة ماجستير، ١٤٢١ هـ-٢٠٠١ م)، ١/ ٣٣٩.
(٤) النَّحَّاس،،إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩٠.العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٢٠.
(٥) والكوفيون يقولون «إن» بمعنى «ما» واللام بمعنى إلّا. النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٣/ ٣٠١. واللام للفرق بين إن المخففة من الثقيلة، وبين النافية، فهي تدخل في خبر المخففة لا النافية، واسمها ضمير الشأن، أي: وإن الشأن والحديث وقيل: إنها النافية، واللام بمعنى: إلا، أي: وما ﴿كَانُوا مِنْ قَبْلُ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، (آل عمران، الآية: ١٦٣) وبه قال الكوفيون، والجملة على التقديرين: في محل نصب على الحال. الشوكاني، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله اليمني (ت: ١٢٥٠ هـ)، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، ط ١، (دمشق: بيروت: دار ابن كثير، دار الكلم الطيب، ١٤١٤ هـ)، ١/ ٤٥٣ - ٤/ ١٢٤.
[ ١٠٩ ]
شرطا (١) أي: إن كنت من الغافلين عن قصة يوسف وإخوته (٢)،
حتى أتيناك بها ودللناك عليها، ولم تكن تهتدي لها، ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾، ﴿إِذْ﴾ ظرف العامل فيه اذكر، ويجوز أن يكون العامل ﴿نَقُصُّ﴾ أي: نقص عليك، ﴿إِذْ قَالَ﴾ ﴿لِأَبِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿قَالَ﴾، ﴿يَا أَبَتِ﴾ (٣) بكسر التاء على تقدير: ياء النفس (٤)، وحذفها: للِاجْتِزَاءِ بالكسرة منها (٥)، وإدخال تاء التأنيث على الأب فإنما تدخل في النداء لا غير لأنه موضع تعبير، كما سمي المذكر بالمؤنث، كعين ونفس، يراد بها الرجل وكما قالوا: غلام يَفَعةٌ ورجل يَفَعةٌ (٦)، ومن قال يا أبتَ بالفتح: قلب الياء ألفا وحذفها وبقي الفتحة دالة عليها، والوقف في الكلام بالهاء، وهي في المصحف بالتاء، ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾، ﴿إِنِّي﴾ مستأنف، و﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾ في موضع نصب بـ ﴿رَأَيْتُ﴾، إلا أنه مبني (٧)،
و﴿كَوْكَبًا﴾
_________________
(١) إن هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة بينها وبين النافية، والضمير في ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ عائد على الإيحاء المفهوم من أوحينا، والمعنى: إنك قبل إيحائنا إليك كنت من الغافلين عن هذه القصة. الشوكاني، مرجع سابق، ٣/ ٦. قلت: وهذا هو المختار وأما قول الإمام إنها شرط فتخريجه بعيد لاحتياجه للتقدير الذي ذكره المؤلف. درويش، مرجع سابق، ٤/ ٤٤٩.
(٢) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٨٨ ..
(٣) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٨٨، ٨٩، ٩٠. النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩١، ١٩٠. القيسي، مشكل إعراب القرآن، مرجع سابق، ١/ ٣٧٨، ٣٧٧.
(٤) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢٣١، ٣/ ١٣٨.الأنصاري، إعراب القرآن العظيم، مرجع سابق، ١/ ٣٣٠
(٥) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٤٠٨. ابن الوراق، أبو الحسن محمد بن عبد الله بن العباس (ت: ٣٨١ هـ)، علل النحو، ت: محمود جاسم محمد الدرويش، ط ١، (الرياض: مكتبة الرشد،١٤٢٠ هـ-١٩٩٩ م)، ١/ ٣٣٥ - ٤٣٠. العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٠٥١. ابن الصائغ، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن حسن بن سِباع بن أبي بكر الجذامي، (ت: ٧٢٠ هـ)، اللمحة في شرح الملحة، ت: إبراهيم بن سالم الصاعدي، ط ١، (المدينة المنورة: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، ١٤٢٤ هـ/٢٠٠٤ م) ٢/ ٦١٧.
(٦) ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن على، الأنصاري الرويفعى الإفريقى (ت: ٧١١ هـ)، لسان العرب، ط ٣، (بيروت: دار صادر، ١٤١٤ هـ)، ٨/ ٤١٥.
(٧) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩٠ .. النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩٠ - ١٩١ - ١٩٢. العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٢١.
[ ١١٠ ]
نصب على التمييز (١)، ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ نصب الشمس والقمر بإضمار فعل دل عليه، ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ ليعطف ما عمل فيه الفعل ما عمل فيه الفعل (٢)، والتقدير: ورأيت الشمس والقمر رأيتهم، وكنى عن الشمس والقمر بالهاء والميم وكذا بالياء والنون في ساجدين فإنما ذلك للخبر عنهم بفعل من يعقل، إذ السجود لا يكون إلا ممن يعقل (٣)، والهاء والميم مفعول أول، و﴿سَاجِدِينَ﴾ مفعول ثانٍ، ﴿لِي﴾ متعلق بـ ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾، وإن شئت جعلته متعلقا بـ ﴿سَاجِدِينَ﴾ وعليه المعنى (٤).
القولُ في القراءةِ:
قرأ ابن عامر (٥): "ياأبتَ" بفتح التاء في جميع القرآن، الباقون: بكسرها في جميع القرآن (٦) ﴿يَا أَبَتِ﴾ فمن فتح: فعلى قلب ياء النفس ألفا وحذفها لدلالة الفتحة عليها، ومن كسر: فعلى إرادة
_________________
(١) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩٠. ابن الصائغ، مرجع سابق، ١/ ٤٣٧.
(٢) والظاهر أن هذه العبارة تكررت من الناسخ وقد يجبر التكرار أو السقط هكذا [ليعطف ما عمل فيه الفعل المذكور على ما عمل فيه الفعل المحذوف] والراجح لدي من توجيه الإمام الحوفي أن مذهبه منع عطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية وهذا مذهب ابن جني ولذلك قدر الفعل رأيت قبل الشمس والقمر على ما يفهم من"رأيتهم" التالية. ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، مرجع سابق، ص ٦٣٠.
(٣) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩١. النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩١ - ١٩٢ - ١٩٣.
(٤) سيبويه، مرجع سابق، ٢/ ٤٧. أبو منصور الثعالبي، عبد الملك بن محمد بن إسماعيل (ت: ٤٢٩ هـ)، فقه اللغة وسر العربية، ت: عبد الرزاق المهدي، ط ١، (إحياء التراث العربي، ١٤٢٢ هـ-٢٠٠٢ م) ١/ ٢٦٥.
(٥) ابن عامر أبو عمران عبد الله بن عامر اليحصبي على الأصح، إمام أهل الشام في القراءة، والذي انتهت إليه مشيخة الإقراء بها، (ت:١١٨ هـ)، ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، مرجع سابق، ١/ ٤٢٥.
(٦) ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٤٤. النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩٠. ابن خالويه، أبو عبد الله الحسين بن أحمد، (ت: ٣٧٠ هـ)، الحجة في القراءات السبع، ت: عبد العال سالم مكرم، ط ٤، (بيروت: دار الشروق، ١٤٠١ هـ)، ص ١٩١ - ١٩٢. الأزهري الهروي، أبو منصور محمد بن أحمد، (ت: ٣٧٠ هـ)، معاني القراءات، ط ١، (السعودية: مركز البحوث في كلية الآداب، جامعة الملك سعود، ١٤١٢ هـ-١٩٩١ م)، ٢/ ٤٦.
[ ١١١ ]
الياء وحذفها والِاجْتِزَاءِ بالكسرة منها (١)، واختلف في الوقف، وابن عامر يقف بالهاء وروي عن ابن كثير (٢)،
والباقون: بالتاء، وقياس من كسر أن يقف بالتاء، لأن الياء مقدرة، وكذا من قدر حذف الألف، وإن الفتحة في التاء ليس على تقدير حذف الألف، وإنما هي على تقدير الإفخام (٣) كما هي في يا طلحة، وقف بالهاء ووجه دخول الهاء في ﴿يَا أَبَتِ﴾ كأنه العوض من حذف الياء إذ حذفها يكثر في النداء.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم: ﴿تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (٤) حلاله وحرامه، ورشده وهداه (٥).
_________________
(١) والتاء في يا أبت: تاء تأنيث عوضت عن ياء الإضافة في قراءة من كسرها؛ لأنه حركها بحركة ما قبل ياء الإضافة؛ لتدل على ذلك، وهي في قراءة من فتح عوض من الألف المبدلة من ياء الإضافة في قولك: "يا أبا"، وفتحت تحريكا لها بحركة ما قبل الألف أبو شامة، أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي، (ت: ٦٦٥ هـ)، إبراز المعاني من حرز الأماني، (بيروت: دار الكتب العلمية)، ١/ ٥٣١.
(٢) وهو المتواتر عن ابن كثير. ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ت: علي محمد الضباع، (ت: ١٣٨٠ هـ) (المطبعة التجارية الكبرى، تصوير دار الكتاب العلمية)، ٢/ ١٣١. عبد الله بن كثير الداريّ المكيّ، أبو معبد (٤٥ - ١٢٠ هـ) أحد القراء السبعة، مولده ووفاته بمكة .. ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر البرمكي الإربلي ت: ٦٨١ هـ، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ت: إحسان عباس، (بيروت: دار صادر،١٩٠٠ م)، ٣/ ٤١. الذهبي، تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، ت: الدكتور بشار عوّاد معروف ط ١ (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ٢٠٠٣ م)، ٣/ ٤٤٦. ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، مرجع سابق، ١/ ٤٣٣ - ٤٤٤.
(٣) يقصد المؤلف بذلك التفخيم وهو ما عبر به الإمام السخاوي، أبو الحسن علم الدين علي بن محمد (ت: ٦٤٣)، فتح الوصيد في شرح القصيد، ت: د. مولاي محمد الإدريسي الطاهري دكتوراه، ط ١، (الرياض: مكتبة الرشد، السلسلة: سلسلة رسائل جامعية،٩٢، ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ م)، ٣/ ١٠٠٤. حيث قال: إن التاء في أبت على التفخيم كما في كلمة علامة وهو المعبر عنه في زماننا بتاء المبالغة.
(٤) فائدة: وصف القرآن بالبيان في فاتحة هذه السورة، يناسب موضوع القصة. قال محمد رشيد رضا: "فاتحة هذه السورة هي فاتحة سورة يونس إلا وصف القران بالمبين هنا، وبالحكيم هناك، وهما في أعلى ذروة من البيان، وأقصى مدى من الحكمة والإحكام، اختير في كل من السورتين ما يناسبها: فسورة يونس موضوعها أصل الدين، وهو: توحيد الألوهية والربوبية، وإثبات الوحي، والرسالة بإعجاز القرآن، والبعث والجزاء، وهي من الحكمة. وهذه موضوعها قصة نبي كريم، تقلب في أطوار كثيرة، كان قدوة خير، وأسوة حسنة فيها كلها فالبيان بها أخص" رشيد رضا، شمس الدين محمد رشيد بن علي رضا بن محمد بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (ت: ١٣٥٤ هـ)،تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، (الهيئة المصرية العامة للكتاب،١٩٩٠ م)، ١٢/ ٢٠٨.
(٥) عبدالرزاق، أبو بكر بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (ت: ٢١١ هـ)، (تفسير القرآن العزيز-تفسير عبد الرزاق)، ت: د/مصطفى مسلم محمد، ط ١، (الرياض: مكتبة الرشد، ١٤١٠ هـ-١٩٨٩ م) ١/ ٣١٧. ابن جرير، أبو جعفر الطبري محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، (ت: ٣١٠ هـ)، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ت: عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط ١ (دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان،١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م)، ١٣/ ٥.
[ ١١٢ ]
قاله مجاهد (١) وقتادة (٢)، وقال معاذ (٣): بيّن الحروف التي سقطت عن السر للأعاجم، وهي ستة أحرف (٤)
والأولى والله أعلم، المبين لمن تلاه وتدبر ما فيه من حلاله، وحرامه، وسائر ما حواه من صنوف
_________________
(١) مجاهد أبو الحجاج بن جبر الإمام الحبر المكي أحد الأعلام، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي ولد في خلافة عمر. يروي عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ت ١٠٣ هـ. ابن سعد،أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي ت: ٢٣٠ هـ الطبقات الكبرى،ت: محمد عبد القادر عطا: ط ١ (بيروت: دار الكتب العلمية،١٤١٠ هـ-١٩٩٠ م)، ٦/ ١٩. ابن حَنْبَل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ت ٢٤١ هـ، (الْأَسَامِي والكنى للْإِمَام أَحْمد رِوَايَة ابْنه صَالح)، ت: عبد الله بن يوسف الجديع، ط ١، (الكويت: مكتبة دار الأقصى، ١٤٠٦ - ١٩٨٥)، ١/ ١٢١.
(٢) قتادة أبو الخطاب بن دعامة السدوسي الضرير الأكمه، مفسر كتاب الله، عالم أهل البصرة، مات بواسط في "الطاعون"، (ت: ١١٧ هـ). المزي، جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف الكلبي المزي (ت: ٧٤٢ هـ)، تهذيب الكمال، ت: بشار عواد معروف، ط ١، (بيروت: مؤسسة الرسالة،١٤٠٠ هـ-١٩٨٠ م)، ٣/ ١٥٥. الذهبي، تذكرة الحفاظ، مرجع سابق، ١/ ١٢٢.
(٣) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ الخزرجي الأنصاري، كان أعلم الأمة بالحلال والحرام. وهو أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد النبيﷺ. أسلم وهو فتى، وآخى النبيﷺ بينه وبين جعفر بن أبي طالب. مات في طاعون عمواس. (ت: ١٨ هـ). ابن عبد البر، مرجع سابق، ٣/ ١٤٠٣. ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، مرجع سابق، ٦/ ١٠٧. الزركلي، مرجع سابق، ٧/ ٢٥٨.
(٤) ابن جرير، ت: أحمد محمد شاكر، ط ١، (مؤسسة الرسالة،١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م)، ١٥/ ٥٥٠ .. ومن الحروف ما لا يخلو منه أكثر الكلمات، حتى قالوا: إن كل كلمة ثلاثية فصاعدا لا يكون فيها حرف أو حرفان منها، فليست بعربية، وهي ستة أحرف: د ب م ن ل ف، ومنها ما لا يتركب بعضه مع بعض، إذا اجتمع في كلمة، إلا ان يقدم، ولا يجتمع، إذا تأخر، وهو: ع هـ، فإن العين إذا تقدمت تركبت، وإذا تأخرت لا تتركب، ومنها ما لا يتركب إذا تقدم، ويتركب إذا تأخر، وهو: ض ج، فان الضاد إذا تقدمت تركبت، وإذا تأخرت لا تتركب في أصل العربية، ومنها مالا يتركب بعضه مع بعض، لا إن تقدم ولا إن تأخر، وهو: س ث ض ز ظ ص، فاعلم ذلك. ابن منظور، مرجع سابق، ١/ ١٤.
[ ١١٣ ]
معانيه (١)، لأن الله أخبر أنه مبين، ولم يخبر بإِبَانَته عن بعض ما فيه دون جميعه (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: أنزلنا هذا الكتاب المبين ﴿قرآنًا عربيًا﴾ على العرب، لأن لسانهم وكلامهم عربي، فأنزل الكتاب بلسانهم ليعقلوه ويفهموا ما فيه (٣)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٤)، وذلك قوله: ﴿لعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٥).
وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عليك أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٦)، يقول لنبيه محمدﷺ: نحن نقص عليك يا محمد أحسن القصص بوحينا إليك هذا القرآن فنخبرك فيه عن الأخبار
_________________
(١) قال الشيخ أحمد شاكر تعليقا على الطبري: على إسناد هذا الأثر وهذا خبر آفته الوليد بن سلمة وهو كذاب بتصرف. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٦.
(٢) ابن جرير، المرجع السابق.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٥/ ٥٥١.
(٤) سورة إبراهيم، الآية: ٤. فائدة: كل كتاب سماوي أنزله الله بلسان قومه حتى يعقلوه K ويفهموه، لتقوم الحجة عليهم. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٣٠.
(٥) ابن عطية، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام الأندلسي المحاربي (ت: ٥٤٢ هـ)،المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ت: عبد السلام عبد الشافي محمد، ط ١، (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢٢ هـ)، ٣/ ٢١٨. ابن الجوزي، أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد (ت: ٥٩٧ هـ) زاد المسير في علم التفسير، ت: عبد الرزاق المهدي، ط ١، (بيروت: دار الكتاب العربي ١٤٢٢ هـ)، ٢/ ٤١٢.
(٦) فائدة: قال العلماء: وإِنما سميت قصة يوسف﵇- أحسن القصص، لأنها جمعت ذكر الأنبياء، والصالحين، والملائكة، والشياطين، والأنعام، وسير الملوك، والمماليك، والتجار، والعلماء، والرجال، والنساء، وحيلهن، وذكر التوحيد، والفقه، والسرّ، وتعبير الرؤيا، والسياسة، والمعاشرة، وتدبير المعاش، والصبر على الأذى، والحلم والعزّ، والحكم، إِلى غير ذلك من العجائب. ابن الجوزي، مرجع سابق، ٢/ ٤١٣.
[ ١١٤ ]
الماضية، وأنباء الأمم السالفة، والكتب التي أنزلناها في العصور الخالية. وإن كنت من قبل أن نوحيه إليك لمن الغافلين عن ذلك لا تعلمه (١)، وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله-صلى الله عليه- لمسألة أصحابه، أن يقص عليهم (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾، يقول تعالى: وإن كنت يا محمد لمن الغافلين عن نبأ يوسف بن يعقوب بن إسحاق إذ قال لأبيه يعقوب: إني رأيت أحد عشر كوكبا، وقيل: إن رؤيا الأنبياء كانت وحيا (٣)، وروى جابر بن عبد الله (٤)
قال: إن النبي صلى الله
_________________
(١) مقاتل، أبو الحسن بن سليمان بن بشير الأزدي البلخى (ت: ١٥٠ هـ)، تفسير مقاتل بن سليمان، ت: مقاتل عبد الله محمود شحاته، ط ١، (بيروت: دار إحياء التراث، ١٤٢٣ هـ)،٢/ ٣١٨.ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٧. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٠٠.
(٢) المستدرك على الصحيحين للحاكم، باب تفسير سورة يوسف ﵇، ٢/ ٣٧٦. رقم الحديث ٣٣١٩. ووافقه الذهبي وقال: صحيح. وفي تفسير الطبري قال: حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: حدثنا حكام الرازي، عن أيوب، عن عمرو الملائي، عن ابن عباس، قال: قالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ قال: فنزلت: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ سورة يوسف، الآية: (٣) .. قال الشيخ أحمد شاكر تعليقًا: " أيوب بن سيار، أبو عبد الرحمن"، لم أجده بهذه الكنية وإنما ذكروا" أيوب بن سيار الزهري المدني"وكناه البخاري" أبا سيار"، قال البخاري: " منكر الحديث"، وقال ابن حبان: " كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل" قلت هكذا مقطوعا، وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. ابن جرير، مرجع سابق، ١٥/ ٥٥٢. وبنحوه ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٠٩٩. ابن عطية، مرجع سابق، ٣/ ٢١٨. ورواه ابن أبي حاتم بإسناد حسن مرفوعا عن مصعب بن سعد عن سعد قال: نزل على رسول الله ﷺ القرآن فتلاه عليهم زمانا. فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا. فأنزل الله تعالى: ﴿الر﴾ ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ابن تيمية، أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، مجموع الفتاوى، ت: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، (المدينة النبوية: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤١٦ هـ/١٩٩٥ م)، ١٧/ ٤٠.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٠٩. المستدرك على الصحيحين للحاكم، باب تَفْسِيرُ سُورَةِ الصافات، ٢/ ٤٦٨، رقم الحديث ٣٦١٣.، لكن بلفظ: «رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ» عن ابن عباس ﵄. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه " ووافقه الذهبي. على شرط الشيخين. قلت: إسناده حسن، رجاله ثقات خلا سماك، قال الحافظ: التقريب (٢٦٢٤): صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة وقد تغير.
(٤) ابن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السّلميّ- يكنى أبا عبد اللَّه، وأبا عبد الرحمن، وأبا محمد-على أقوال. أحد المكثرين عن النبيّ ﷺ، وروى عنه جماعة من الصّحابة، وله ولأبيه صحبة. وتوفي سنة أربع وسبعين. وقيل سنة ثمان وسبعين. ابن عبد البر، مرجع سابق، ١/ ٢١٩. ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، ط ١ (بيروت: دار الكتب العلمية،١٤١٥ هـ)، ١/ ٥٤٦.
[ ١١٥ ]
عليه وسلم جاءه رجل من يهود يقال له بستان اليهودي فقال له: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رأها يوسف أنها ساجدة له، ما أسماؤها؟ قال: فسكت رسول اللهﷺ فلم يجبه بشيء، ونزل عليه جبريل فأخبره بأسمائها، قال: فبعث رسول الله إليه فقال: هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ قال: نعم، فقال: خزنان، وَالطَّارِق، وَالذَّيَّال، وَذُو الكتفات، وَقَابِس، وَوَثَّاب وَعَمُودَيان، وَالْفَلِيق، وَالْمُصْبَح، وَالضَّرُوح، وَذو الْفَرْع، وَالضِّيَاء، وَالنُّور، فقال اليهودي: أي والله إنها
[ ١١٦ ]
لأسماؤها (١).
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ﴾ في منامي لي سجودا (٢)، ولمّا خبَّر عنها بفعل من يعقل أجرى ضميرها ضمير من يعقل، فقال: ﴿سَاجِدِينَ﴾ ولم يقل ساجدات (٣). ومثل ذلك قوله: ﴿يَا
_________________
(١) تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري للزيلعي، سورة يوسف ﵇، الحديث الثاني، ٢/ ١٦٠. قال: قلت رواه الحاكم في مستدركه في كتاب الرؤيا عن جابر بن عبد الله قال: جاء بستان اليهودي إلى النبيﷺ- فقال: يا محمد هل تعرف النجوم التي رآها يوسف يسجدن له فسكت﵇حتى جاءه جبريل فأخبره فقال: (يَا يَهُودِيّ لله عَلَيْك إِن أَخْبَرتك أَن تسلم قَالَ: نعم) فقال ﵇: (هِيَ خربَان والطارقُ وَالذَّيَّال وَقَابِس وَالْعَمُودَانِ وَالْفَيْلَق وَالْمصْبح وَالضَّرُوح وَذُو الكتفات وَوَثَّاب رَأَىهَا يُوسُف مُحِيطَة بِأَكْنَافِ السَّمَاء سَاجِدَة فَقَصَّهَا عَلَى أَبِيه فَقَالَ لَهُ أَبوهُ إِن هَذَا أَمرٌ قد تشَتَّتَ وسيجْمعُه اللهُ بعدُ) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي عليه. وقال ابن كثير: ورواه البيهقي في الدلائل .. وقد روى هذا الحديث الحافظان، أبو يعلى الموصلي، وأبو بكر البزار في مسنديهما، وابن أبي حاتم في تفسيره، أما أبو يعلى، فزاد: قال رسول الله ﷺ: «لَمَّا رَأَىهَا يُوسُفُ قَصَّهَا عَلَى أَبِيهِ يَعْقُوبَ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: هَذَا أَمْرٌ مُتَشَتَّتٌ يَجْمَعُهُ اللَّهُ مِنْ بَعْدُ،-قَالَ: وَالشَّمْسُ أَبُوهُ وَالْقَمَرُ أُمُّهُ» تفرد به الحكم بن ظهير الفزاري، وقد ضعفه الأئمة وتركه الأكثرون، وقال الجوزجاني: ساقط بتصرف. ابن كثير في تفسيره، ط العلمية، آية:٥. ٤/ ٣١٧. قال الشيخ أحمد شاكر تعليقًا على تفسير ابن جرير: أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه، ولكن العجب أنه صححه، فإن هذا الخبر قد تفرد به الحكم بن ظهير، وهو واهي الحديث متروك بتصرف. ابن جرير، مرجع سابق، ٥/ ٥٥٥. فائدة لعرض الرواية الإسرائيلية: نقد الرواية: هذه الرواية غير صحيحة من جوانب نجملها في التالي:
(٢) إن الحاكم صححها في مستدركه، تصحيح الحاكم غير معتد به عند العلماء إلا إذا وافقه غيره، ولم يصحح هذه الرواية أحد من العلماء غير الحاكم في المستدرك.
(٣) يظهر أنها من الإسرائيليات وأُلصقت بالنبي زورًا وبهتانًا، لأن يوسف﵇ رأى كواكبا بصورها لا بأسمائها، ولا يوجد علاقة فيما ترمز إليه الرؤيا والأسماء التي جاءت في الحديث.
(٤) جاءت الأسماء الإحدى عشر مختلفة من تفسير إلى آخر، حيث جاءت في الدر المنثور حرثان بدلًا من جربان، وأيضًا اسم دنان، بدلًا من وثاب، وأيضًا في رواية السيوطي هودان بدلًا من عمودان والفيلق بدلًا من الفليق، وهذا الاختلاف في الأسماء في تفسير الدر المنثور للسيوطي عما جاء في تفسير الطبري والحوفي دليل إلى الزعم المكذوب في الرواية.
(٥) يوجد في سند الرواية الحكم بن ظهير، وقد ضعفه أئمة الحديث، وتركه الأكثرون منهم ولم يرووا له لشدة الضعف فيه، وقال الجوزجاني: "إنه ساقط، وصاحب حسن يوسف".
(٦) نقل أبو شهبه عن الإمام الذهبي في "ميزان الاعتدال" قال ابن معين: ليس بثقة أي الحكم ابن ظهير وقال: ليس بشيء وضعفه البخاري فقال: منكر الحديث، وقال مرة: تركوه وهو راوي حديث: "إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه"! فهل مثل هذا يعتد بروايته وبحسبه سقوطًا عندما قال عنه البخاري: "منكر الحديث" وتركوه. زهد، أد. عام العبد زهد، الإسرائيليات في تفسير ابن جرير الطبري لسورة يوسف عرض ونقد، مؤتمر خطر الروايات الواهية على الإسلام المنعقد الثلاثاء-الأربعاء ٧ - ٨ ذو القعدة ١٤٣٢ الموافق ٤ - ٥/ ١٠/٢٠١١ م (غزة-كلية أصول الدين-الجامعة الإسلامية)، ص ١٤ بتصرف.
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٩.
(٨) الثعلبي، أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم، (ت: ٤٢٧ هـ)، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، ت: الإمام أبي محمد بن عاشور، ط ١، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤٢٢ هـ-٢٠٠٢ م)، ٢/ ٣٠. الخازن، أبو الحسن علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي، (ت: ٧٤١ هـ)، لباب التأويل في معاني التنزيل، ت: تصحيح محمد علي شاهين، ط ١، (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٥ هـ)، ٢/ ٥١١. القرطبي، مرجع سابق، ٢/ ١٨٧.
[ ١١٧ ]
أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ (١) ولم يقل ادخلن مساكنكن. وقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾، وقال: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾، فكرر الفعل، فإنما ذلك على التوكيد، كما يقول: كلّمت زيدا كلّمته وقيل: إن الكواكب الأحد عشر (٢):
كانت إخوته، والشمس والقمر أبويه (٣)، وقيل: أبوه
_________________
(١) النمل، الآية: (١٨).
(٢) فائدة: ثبوت الرؤيا شرعًا ومشروعية تعبيرها، ما جاء عن أبي قتادة أنه قال: كنت لأرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت النبيﷺ- يقول: (الرُّؤْيَا الحَسَنَةُ مِنَ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلاَ يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفِلْ ثَلاَثًا، وَلاَ يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ) (أخرجه البخاري، مجلد ٩، ص ٤٣، باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها، رقم ٧٠٤٤)، قد تتأخر الرؤيا فلا يظهر مصداقها إلا بعد سنين عديدة، مشروعية الحذر والأخذ بالحيطة في جميع الأمور وخاصة الهامة منها .. اجتباء الرسل واصطفاؤهم أمر إلهي، لا يتدخل فيه أحد، فالله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته. كما أن الشمس والقمر والكواكب زينة السماء الدنيا، كذلك الأنبياء والعلماء زينة الأرض وبهم يهتدي في الظلمات كما يهتدي بالأنوار. الآيات دلالة على صدق نبوة محمدﷺحيث قص هذه القصة وهو لم يقرأ كتب الأولين وهو أمي لا يخط، ولا يكتب وهي موافقة لما في الكتب السماوية، دلالة على وحدة الرسالات، وأنها ﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ سورة: النمل، الآية، ٦. ينظر: أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري ٢/ ١٩٩، وأيضًا التفسير الحديث لدروزة محمد عزت، ٤/ ١١، وأيضًا تفسير المنار محمد رشيد بن علي رضا، ١٢/ ٢١٣.
(٣) مقاتل، مرجع سابق، ٢/ ٣١٨. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١١.أبو السعود، العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٩٨٢ هـ)، تفسير أبي السعود= إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (بيروت: دار إحياء التراث العربي)، ٤/ ٢٥٣.
[ ١١٨ ]
وخالته (١)، روي عن ابن عباس. وقد تضمنت الآيات البيان عما توجبه الحكمة من الإنابة مما يؤدي إلى المعرفة بما فيه من الفائدة، والبيان عما يوجبه جعل القرآن عربيا عن التمكين لفهم معانيه بما يقتضيه العقل فيه، والبيان عما يوجبه الحكم في أخبار الأولين، من طلب القصص بأنبائهم لما في ذلك من العبرة بأحوالهم، والتأدب بما جرى من شأنهم، والبيان بتقديم البشارة بما فيه النعمة، والعبرة بما يأتي من موافقة المخبر في الرؤيا: من سجود الإخوة له على ما بينا في الحال الأولى.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿الْكِتَابِ الْمُبِين﴾ تمام (٢)،
وكذا ﴿تَعْقِلُونَ﴾، و﴿الْغَافِلِينَ﴾ ليس بتمام (٣) في إن دخلت "إذ" في الصلة أي: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ذلك الوقت، والتمام ﴿سَاجِدِينَ﴾.
_________________
(١) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣١٧.
(٢) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٢٩. وقال: تام الداني، عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر أبو عمرو، (ت: ٤٤٤ هـ) المكتفى في الوقف والابتدا، ت: محيي الدين عبد الرحمن رمضان، ط ١، (الأردن: دار عمار،١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م) ص ١٩١. قال: (المبين) حسن. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، ت: شريف أبو العلا العدوي، ط ١، (بيروت: دار الكتب العلمية،١٤٢٢ هـ-٢٠٠٢ م)، ص ١٩١. فائدة: قال ابن الجزري: الوقف الذي اصطلح عليه الأئمة (بالتام) لتمامه المطلق، يوقف عليه ويبتدأ بما بعده، وإن كان له تعلق فلا يخلو هذا التعلق إما أن يكون من جهة المعنى فقط، وهو الوقف المصطلح عليه (بالكافي) للاكتفاء به عما بعده، واستغناء ما بعده عنه، وهو كالتام في جواز الوقف عليه والابتداء بما بعده. وإن كان التعلق من جهة اللفظ فهو الوقف المصطلح عليه (بالحسن) ; لأنه في نفسه حسن مفيد يجوز الوقف عليه دون الابتداء بما بعده للتعلق اللفظي، إلا أن يكون رأس آية، فإنه يجوز في اختيار أكثر أهل الأداء لمجيئه عن النبي - ﷺ - في حديث أم سلمة- رضي الله تعالى عنها - أن النبيﷺ [كَانَ إِذَا قَرَأَ قَطَّعَ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ]. رواه أبو داود ساكتا عليه، والترمذي وأحمد وأبو عبيدة وغيرهم، وهو حديث حسن وسنده صحيح. وكذلك عد بعضهم الوقف على رءوس الآي في ذلك سنة .. وقال (فالوقف التام) أكثر ما يكون في رءوس الآي وانقضاء القصص نحو الوقف على ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] والابتداء ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السورة السابقة: ٢] ونحو الوقف على ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [السورة السابقة: ٤] والابتداء ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [السورة السابقة: ٥] ونحو ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] والابتداء ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [السورة السابقة: ٦] ونحو ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [السورة السابقة:٢٠] والابتداء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [السورة السابقة: ٢١]، النشر في القراءات العشر، ١/ ٢٢٦.
(٣) فائدة: "قوله ليس بتمام على اعتبار "إذ" متعلق بلفظة الغافلين، أما في حال تقدير عامل نحو لفظة "واذكر" ففي هذه الحالة يكون الوقف على غافلين تامًا. ووافق المصنف النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٢٩. وخالف المصنف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٤ حيث قال "تمام".ووافق المصنف الأشموني، أحمد بن عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم المصري الشافعي (ت:١١٠٠ هـ)، منار الهدى في بيان الوقف والابتدا، ت: عبد الرحيم الطرهوني، (القاهرة: دار الحديث، ٢٠٠٨ م)، ص ١٩١.
[ ١١٩ ]
وقولُهُ جلَّ ثناؤه:
﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾
﴿يَا بُنَيَّ﴾ (١)، نداء مضاف، وهو تصغير ابن، وحذفت الياء منها للِاجْتِزَاءِ بالكسرة عنها، ومن فتح الياء فتحها على أصلها، لأن أصلها الفتح، أعني ياء النفس، لأنه لما احتيج إلى حركتها إذ لا يكون اسم على حرف واحد ساكن، فاختيرت الفتحة لخفتها مع نقل الياء (٢)، ويراد بالتصغير مع
_________________
(١) المبرد، أبو العباس، محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، (ت: ٢٨٥ هـ) المقتضب، ت: محمد عبد الخالق عظيمة، (بيروت: عالم الكتب)، ٤/ ٢٤٩.ابن السراج، مرجع سابق، ١/ ٣٦٥. الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٥٤.النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩٢.
(٢) ابن مالك، أبو عبد الله جمال الدين محمد بن عبد الله الطائي الجياني، (ت: ٦٧٢ هـ)، شرح الكافية الشافيةت: عبد المنعم أحمد هريدي، ط ١، (مكة المكرمة: جامعة أم القرى مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي كلية الشريعة والدراسات الإسلامية،)، ٣/ ١٣٢٣ - ١٣٢٤. المرادي، مرجع سابق، ٢/ ١٠٨٧.
[ ١٢٠ ]
عظم شأنه، أنه صغير لا إرادة التحقير (١)، ﴿رُؤْيَاكَ﴾ نصب بـ ﴿تَقْصُصْ﴾ ﴿عَلَى إِخْوَتِكَ﴾، متعلق بـ ﴿تَقْصُصْ﴾ (٢)، ﴿فَيَكِيدُوا﴾، الفاء جواب النهي، فلذا نصب بها ﴿فَيَكِيدُوا﴾ وحذفت النون علامة النصب، ﴿لَكَ﴾ متعلق بـ يكيدوا، ﴿كَيْدًا﴾ مصدر (٣)،
﴿إنَّ الشَّيْطَانَ﴾ مستأنف فلذا كسرت ﴿إِنَّ﴾، ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾، الكاف متعلقة بما دل عليه المعنى، فهي منصوبة (٤)، والمعنى: كما أعطاك الرؤيا، كذلك يعطيك الاجتباء، وهو مشتق من جبيتُ الشيء إذا حصلته لنفسك، ومنه جبيت الماء في الحوض (٥)، ﴿ويُعَلِّمُكَ﴾ معطوف على ﴿يجْتَبِيكَ﴾، ﴿مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿يُعَلِّمُكَ﴾، ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عليك﴾، ﴿عليكَ﴾ متعلق بـ ﴿يُتِمُّ﴾، ﴿وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ﴾ معطوف على ﴿عليك﴾،
_________________
(١) ابن الصائغ، مرجع سابق، ٢/ ٦٥٤. درويش، مرجع سابق،٤/ ٣٥٦.
(٢) درويش، مرجع سابق، ٤/ ٤٥٠. الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٧٩.
(٣) النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩٢. الزمخشري، أبو القاسم جار الله محمود بن عمرو بن أحمد، (ت: ٥٣٨ هـ)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ط ٣، (بيروت: دار الكتاب العربي، ١٤٠٧ هـ)، ٢/ ٤٤٤. النيسابوري، أبو القاسم نجم الدين محمود بن أبى الحسن بن الحسين، (ت: نحو ٥٥٠ هـ)، إيجاز البيان عن معاني القرآن، ت: حنيف بن حسن القاسمي، ط ١، (بيروت: دار الغرب الإسلامي،١٤١٥ هـ)، ٤/ ٦٦ ..
(٤) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩٢. العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٢٢.
(٥) الفراهيدي، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم البصري (ت: ١٧٠ هـ)، العين، ت: د مهدي المخزومي، ود/ إبراهيم السامرائي، (دار ومكتبة الهلال)، ٦/ ١٩٢. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ١١/ ١٤٦.
[ ١٢١ ]
﴿كَمَا أَتَمَّهَا﴾، الكاف للتشبيه في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي: إتماما (١)، ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿أَتَمَّهَا﴾، وكذا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، و﴿قَبْلُ﴾ غاية (٢)، ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾
بدلا من ﴿أَبَوَيْكَ﴾ (٣)، ولم ينصرفا للعجمة والتعريف، ﴿لَقَدْ﴾ لام توكيد، ﴿آَيَاتٌ﴾ اسم ﴿كَانَ﴾، و﴿فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ الخبر متعلق بمعنى الاستقرار (٤)، "السَّائِلِينَ" متعلق بـ ﴿آَيَاتٌ﴾ لأن معناهن العبرة (٥)، وتقرأ آية، ويكون معناها الجنس، ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ﴾، ﴿إِذْ﴾ ظرف العامل فيه ما تعلقت به اللام من المعنى، ﴿لَيُوسُفُ﴾ اللام لام توكيد، ويوسف رفع بالابتداء، و﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا﴾ الخبر (٦)، وحرفا الجر يتعلقان بـ ﴿أَحَبُّ﴾، ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ابتداء وخبر، ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ اللام توكيد، و"في" متعلقة بمعنى الاستقرار، و﴿مُبِينٍ﴾ نعت لـ ﴿ضَلَالٍ﴾.
القول في القراءة
_________________
(١) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩١ - ٩٢.النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩٢.القيسي، مشكل إعراب القرآن، مرجع سابق، ١/ ٣٨٠.
(٢) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٠.
(٣) الزجاج، مرجع سابق، ٤/ ٣٣٥.النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٣/ ٣١٣.القيسى، مشكل إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٦٢٦.
(٤) درويش، مرجع سابق، ٤/ ٤٥٦ - ٤٥٧. الخراط، مرجع سابق، ٢/ ٤٩٣.
(٥) النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩٢. ابن أبي زَمَنِين، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المالكي (ت: ٣٩٩ هـ)، تفسير القرآن العزيز، ت: أبو عبد الله حسين بن عكاشة-محمد بن مصطفى الكنز، ط ١، (القاهرة: الفاروق الحديثة، ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ م)، ٢/ ٣١٧. القيسي، مشكل إعراب القرآن، مرجع سابق، ١/ ٣٨١.
(٦) النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق،٢/ ١٩٣.
[ ١٢٢ ]
قرأ حفص (١) ﴿يَا بُنَيَّ﴾ بفتح الياء، وقرأ الباقون: بكسرها (٢)، فمن فتح: جعلها ياء النفس، ومن كسر: حذفها، وجعل الكسر دالة عليها، وقرأ ابن كثير: ﴿آيَةٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ على الإفراد، والباقون على الجمع (٣)، فالجمع: لمعنى عبر، لأن أمر يوسف وحديثه كان فيه عبر، ويشهد لذلك، كتبها في الشواذ بالتاء، والإفراد على عبرة تنوب عن عبر، ويشهد للتوحيد قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم: قال يعقوب ليوسف لا تقصص رؤياك هذه على إخوتك فيحسدوك فَيَبْغُوك الْغَوَائِل، وَيُنَاصِبُوك الْعَدَاوَة، وَيُطِيعُوا فِيك الشَّيْطَان، إن الشيطان لآدم وبنيه عدو قد بان لهم عداوته، فاحذر الشيطان أن يغوي إخوتك بالحسد منهم لك إن أنت قصصت عليهم رؤياك، وإنما قال
_________________
(١) الأسدي بالولاء، أبو عمر، حفص بن سليمان بن المغيرة، ٩٠ - ١٨٠ هـ، قارئ أهل الكوفة. الذهبي، ميزان الاعتدال، ط ١، (بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر، ١٣٨٢ هـ-١٩٦٣ م)، ١/ ٢٦١. ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، مرجع سابق، ١/ ٢٥٤.ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)،تهذيب التهذيب، ط ١، (الهند: مطبعة دائرة المعارف النظامية، ١٣٢٦ هـ)،٢/ ٤٠٠.
(٢) ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٤٤. الأزهري الهروي، معاني القراءات، مرجع سابق، ٢/ ٤٦. النيسابورىّ، أبو بكر أحمد بن الحسين بن مِهْران، (ت: ٣٨١ هـ)، المبسوط في القراءات العشر، ت: سبيع حمزة حاكيمي، (دمشق: مجمع اللغة العربية،١٩٨١ م)، ١/ ٢٤٤. ابن زنجلة،عبد الرحمن بن محمد، أبو زرعة (ت: حوالي ٤٠٣ هـ)، حجة القراءات، ت: سعيد الأفغاني، (دار الرسالة) ١/ ٣٥٥.
(٣) ابن خلف، أبو طاهر إسماعيل بن سعيد المقرئ الأنصاري السرقسطي (ت: ٤٥٥ هـ)، العنوان في القراءات السبع، ت: زهير زاهد وخليل العطية (بيروت: عالم الكتب، ١٤٠٥ هـ)، ١/ ١١٠. ابن المبارك تاج الدين أبو محمد، عبد الله بن عبد المؤمن بن الوجيه بن عبد الله بن على التّاجر الواسطيّ المقرئ (ت: ٧٤١ هـ)، الكنز في القراءات العشر، ت د. خالد المشهداني، ط ١، (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، ١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م) ٢/ ٥١٢.
[ ١٢٣ ]
يعقوب ذلك لأنه قد كان تبين من إخوته له قبل ذلك حسدا (١). وقولُهُ تعالي: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾، يقول تعالي مخبرا عن قول يعقوب لابنه يوسف، هكذا كما أراك ربك الكواكب، والشمس والقمر سجودا، فكذلك يصطفيك ربك (٢)، ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال: عبارة الرؤيا، وهو معنى قول ابن زيد (٣)، ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عليك﴾ بِاجْتِبَائِهِ إِيَّاكَ وَاخْتِيَاره وَتَعليمه إِيَّاكَ تَاوِيل الْأَحَادِيث (٤)، وهو ما يؤول إليه المعنى من فقه الحديث الذي هو حكمه، ﴿وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ﴾ أي: على أهل دين يعقوب وملته وذريته وغيرهم (٥)،
والآل يجمع القرابة والعشيرة، ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ باتخاذه إبراهيم خليلا، وَتَنْجِيَته مِنَ النَّار، وَفَدْيِهِ إسحاق بِذِبْحٍ عَظِيم (٦)
هذا نحو ما روي عن عكرمة (٧)، ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بمواضع الفضل، ومن هو أهل للاجتباء والنعمة، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره خلقه (٨).
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٣.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٥/ ٥٥٩. الثعلبي، مرجع سابق، ٢/ ٤٧٦.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٥. الثعلبي، مرجع سابق، ٩/ ٦٤.البغوي، أبو محمد محيي السنة الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء الشافعي (ت: ٥١٠ هـ)، معالم التنزيل في تفسير القرآن=تفسير البغوي، ت: عبد الرزاق المهدي، ط ١، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤٢٠ هـ)، ٢/ ٤٧٦.
(٤) فائدة: إذا أراد الله-تعالى-أمرًا، قيض له أسبابًا. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٣٠٤.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٦.فائدة: تعبير الرؤى متوارث في آل إبراهيم الخليل﵇ فقد كانوا آل بيت نبوءة، وصفاء سريرة، وقد رأى إبراهيم﵇في المنام أنه يذبح ولده. فائدة: بيان أفضال الله على آل إبراهيم بما أنعم عليهم فجعلهم أنبياءَ آباءً وأحفاداَ. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٨٤، ٧٥ ..
(٦) فائدة في مسألة من هو الذبيح: قد اختلف أهل العلم سلفًا وخلفًا اختلافًا كبيرًا في تعيين من الذبيح على قولين. وقبل التعرض لهذه المسألة أشير إلى فوائد منها: أولًا: لم يثبت حديث صحيح مرفوع نصًا في تحديد من هو الذبيح فكلها روايات منقولة عن أهل الكتاب، أو كلامٌ موقوف على قائله لا يصح رفعه للنبي - ﷺ. =
[ ١٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ثانيًا: بالنسبة لمن قال أن الذبيح هو (إسحاق)، فحقيقة قد استدلوا بأدلة واهية جدًا لا تقارن، ولا تقارع أدلة من قال أنه (إسماعيل). ثالثًا: نسبة القول بأن الذبيح هو (إسحاق) أنه قول الجمهور غير صحيحة، بل العكس صحيح في ذلك، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك. أقوال أهل العلم في تعيين من هو الذبيح: قال الإمام ابن الجوزي، مرجع سابق ٣/ ٥٤٧: واختلفوا في الذبيح على قولين: أحدهما: أنه (إسحاق) قاله عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب في رواية، والعباس بن عبد المطلب، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري في رواية، وأبو هريرة في رواية، وأنس، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، ومسروق، وعبيد بن عمير، والقاسم بن أبي بزة، ومقاتل بن سليمان، واختاره ابن جرير والقرطبي. ويقولون: كانت هذه القصة بالشام، طويت له الأرض حتى حمله إلى المنحر بمنى في ساعة. والثاني: أنه (إسماعيل) قاله ابن عمر، وعبد الله بن سلام، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ومجاهد، ويوسف بن مهران، وأبو صالح، ومحمد بن كعب القرظي، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن سابط. واختلفت الرواية عن ابن عباس، فروى عنه عكرمة أنه (إسحاق)، وروى عنه عطاء، ومجاهد، والشعبي، وأبو الجوزاء، ويوسف بن مهران، أنه (إسماعيل)، وروى عنه سعيد بن جبير كالقولين. وعن سعيد بن جبير، وعكرمة، والزهري، وقتادة، والسدي، روايتان، وكذلك عن أحمد روايتان. وقال ابن أبي حاتم في (تفسيره،١٠/ ٣٢٢٣): (وسمعت أبي يقول: الصحيح أن الذبيح إسماعيل ﵇. قال: وروي عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي الطفيل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح، أنهم قالوا: الذبيح إسماعيل). قال العلامة ابن القيم في (زاد المعاد، ١/ ٧١): (وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهًا، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفي لفظ: وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غر أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم اذبح ابنك إسحاق. قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم، لأنها تناقض قوله: اذبح بكرك ووحيدك، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم ويحتازوه لأنفسهم دون العرب، ويأبى الله إلا أن يجعل فضله لأهله. وقال السبكي الابن في (الإبهاج ٢/ ٢٣٧): (الصحيح عن جمهور العلماء أن الذبيح هو (إسماعيل) ﵇، واحتجوا له بأمور كلها ظاهرة غير قطعية، واستنبط والدي﵁- من القرآن دليلا على ذلك يقارب القطع أو يقتضي القطع بذلك =
[ ١٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لم يسبقه إليه أحد، وهو: أن البشارة التي وقعت لإبراهيم﵇بالولد من الله تعالى كانت مرتين: مرة في قوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ سورة الصافات، الآية: (٩٩) - (١٠٢). فهاتان الآيتان قاطعتان في أن هذا المبشر به هو الذبيح. وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾ سورة هود، الآية: (٧١) - (٧٢). فقد صرح في هذه الآية أن المبشر به فيها إسحاق، ولم يكن سؤالا من إبراهيم﵇بل قالت امرأته إنها عجوز وإنه شيخ، وكان ذلك في الشام لما جاءت الملائكة إليه بسبب قوم لوط وهو في أواخر أمره، وأما البشارة الأولى لما انتقل من العراق إلى الشام حين كان سنه لا يستغرب فيه الولد، ولذلك سأله، فعلمنا بذلك أنهما بشارتان في وقتين بغلامين: أحدهما: بغير سؤال وهو إسحاق صريحًا، والثانية: قبل ذلك بسؤال، وهو غيره، فقطعنا بأنه إسماعيل وهو الذبيح. وابن حجر العسقلاني في (فتح الباري ١٢/ ٣٧٨) أشار إلى حجج قوية بأن الذبيح هو إسماعيل ﵇. قال القرافي في (الذخيرة ٤/ ١٦٠): (قال مالك: الذبيح (إسحاق)، وقال ابن حبيب وأهل العراق وأكثر العلماء (إسماعيل). وقال الطحاوي في (حاشيته على مراقي الفلاح، ص ٣٥٤): (والمختار أن الذبيح إسماعيل﵇وفي القاموس إنه الأصح). وقال ابن كثير في (تفسيره ٢/ ٤٥٣): بعد أن ساق أدلته بأن الذبيح إسماعيل ﵇ قال: فتعين أن يكون هو إسماعيل، وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه ولله الحمد والمنة. هذا ما أردت جمعه في عجالة واقتضاب لكي يتضح شيئٌ من الصواب في تعيين من هو الذبيح. والذي أميل إليه أن الذبيح هو إسماعيل﵇- لقوة الأدلة والله تعالى أعلى وأعلم.
(٢) عكرمة مولى ابن عباس، أحد أعلام التابعين، والمفسرين المكثرين، وقد روى عن خلق كثير من الصحابة، توفي سنة ١٠٥ هـ. الربعي، محمد بن عبد الله بن أحمد بن سليمان بن زبر ت: ٣٩٧ هـ، تاريخ مولد العلماء ووفياتهم، ت: د. عبد الله أحمد سليمان الحمد (الرياض: دار العاصمة، ١٤١٠ هـ)، ١/ ٢٥٣. ابن كثير، البداية والنهاية، مرجع سابق، ٩/ ٢٤٤ - ٢٤٦.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٦. فائدة: الصفات التي تختم بها الآيات لها مدلولات ترتبط بالسياق والسباق. قال ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر التونسي، (ت: ١٣٩٣ هـ)، ": وجملة ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (تذييل بتمجيد هذه النعم، وإنها كائنة على وفق علمه وحكمته، فعلمه هو علمه بالنفوس الصالحة لهذه الفصائل لأنه خلقها لقبول ذلك، فعلمه بها سابق، وحكمته وضع النعم في مواضعها المناسبة. التحرير والتنوير، ط ١، (تونس: الدار التونسية للنشر، ١٩٨٤ هـ)، ١٢/ ٢١٧.
[ ١٢٦ ]
وقولُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ أي: لقد كان في يوسف وإخوته عبر للسائلين (١) عن أخبارهم وقصصهم، وإنما أراد تعالى بذلك نبيه محمدًاﷺ، وذلك أنه يقال: إن الله إنما أنزل هذه السورة على نبيه يعلمه ما لقيَ يوسف من إخوته من الحسد، مع مكرمة الله إياه تسلية له بذلك، مما لقى مِنْ إِذَايَته وَأَقَارِبه مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ أي: لقد كان في يوسف وإخوته آيات لمن سأل عن نبأهم، حين قال إخوة يوسف: ليوسف وأخوه من أمه ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾، ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة (٣)، وهي جمع (٤) لا واحد له من لفظه، والعصبة: من عشرة إلى خمسة عشر رجلا، ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي﴾ خطأ من فعله وإيثاره يوسف وأخاه من أمه علينا بالمحبة، ويعني بالمبين: أنه خطأ بيّن (٥) عن نفسه إنه خطأ لمن تأمله ونظر إليه. وقد تضمنت الآيات: البيان عما يوجبه الحسد من كتمان صاحبه حال النعمة ما أنكر لئلا يحمله على ما لا يجوز، ويزين له ما لا يحسن، والبيان عما يوجبه إخلاص الطاعة لله جل وعز، من اجتباء المطيع وتعليم التأويل، وإتمام النعمة عليه وعلى آله ممن يمسه أمره، والبيان عما توجبه العبرة من طلب إخبار من تقدم مما فيه
_________________
(١) فائدة: سورة يوسف﵇مشحونة بالدروس والعبر التي يجب على المتدبر للقرآن أن يسأل عنها، ويهتم بمعرفتها. وهذا ما دعا كثيرا من أهل العلم على إحصائها في مصنفاتهم أو التنويه على ذلك. بيان قدرة الله-تعالى-وحكمته وتوفيق أقداره، ولطفه بمن اصطفى من عباده، وتربيته لهم وحسن عنايته بهم للسائلين عنها وعلى المسلم القارئ للقرآن أن يلتمس وجه العبرة في القصص القرآني كله وخاصة قصة يوسف﵇. العلامات التي أقامها الله في الأنفس والآفاق للدلالة على وحدانيته وكماله وتنزيهه. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٩٥ - ٩٨ - ١٠١.
(٢) ابن قتيبة الدينوري، أبو محمد عبد الله بن مسلم، (ت: ٢٧٦ هـ)، غريب القرآن، ت: أحمد صقر، (دار الكتب العلمية، (لعلها مصورة عن الطبعة المصرية)، ١٣٩٨ هـ-١٩٧٨ م)، ١/ ٢١٢.ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٧.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٨.
(٤) كذا في الأصل ولعل الصواب "اسم جمع" لاستقامة المعنى والله أعلم.
(٥) السمرقندي، أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم (ت: ٣٧٣ هـ)، بحر العلوم، ٢/ ١٨١.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ١٩٩.
[ ١٢٧ ]
الاعتبار لمن اعتبر، والبصيرة لمن فكّر كما كان في يوسف وإخوته من المعتبر، والبيان عما يوجبه ظهور التفضيل بالمحبة من الحسد على تلك المنزلة كما كان في أمر يوسف مع إخوته.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿كَيْدًا﴾ كاف (١)، وكذلك ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ تمام (٢) عند نافع (٣) وعند غيره، ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ كاف (٤)، وفي ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ كاف أيضا.
وقوله تعالى:
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠) قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾
﴿اقْتُلُوا﴾، أمر ﴿يُوسُفَ﴾ نصب بـ ﴿اقْتُلُوا﴾، و﴿اطْرَحُوهُ﴾ عطف عليه، والهاء مفعول، ﴿أَرْضًا﴾ مفعول ثان على حذف حرف الجر (٥)، ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾، ﴿وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾
_________________
(١) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٢٩.
(٢) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. وهو كاف عند الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩١.
(٣) نافِع القارِئ هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي بالولاء المدني (١٦٩ هـ = ٧٨٥ م). ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء،٣/ ١٦٠. الزركلي، مرجع سابق، ٨/ ٥.
(٤) الأشموني، المرجع السابق.
(٥) العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٤٩.ابن عطية، مرجع سابق، ٣/ ٤٨٠. أبو زيد الثعالبي، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف (ت: ٨٧٥ هـ)، الجواهر الحسان في تفسير القرآن، ت: محمد علي معوض-عادل أحمد عبد الموجود، ط ١، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤١٨ هـ)، ٢/ ٢٥٠.
[ ١٢٨ ]
رفع بـ ﴿يَخْلُ﴾، ﴿وَتَكُونُوا﴾ عطف على ﴿يَخْلُ﴾ فلذلك حذفت منه النون (١)، ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ متعلق بمعنى الاستقرار، و﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ خبر ﴿وَتَكُونُوا﴾، ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿قَائِلٌ﴾، ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ متعلق بـ ﴿أَلْقُوهُ﴾، ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ جواب الأمر (٢) الذي هو و"أَلْقُوهُ"، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعلينَ﴾ ﴿إِنْ﴾ حرف شرط (٣) ﴿كُنْتُمْ﴾ مشروط به وجوابه ما تقدم ﴿مَا لَكَ﴾ ﴿مَا﴾ استفهام، اسمٌ تام في موضع رفع بالابتداء ﴿لَكَ﴾ الخبر متعلق بالاستقراروالتقدير: أي شئ لك ﴿لَا تَامَنَّا﴾ في موضع الحال (٤)، والنون والألف في موضع نصب مفعول تأمن، والأصل تأمنا (٥)
النون من تأمن ونون الضمير، فالتقى حرفان من جنس واحد فوجب الإدغام فرفعت لسانك بهما رفعة واحدة، فصار حرفًا واحدًا مشددًا أوله ساكن (٦)، وثانيه مفتوح، وجمهور القراء على الإشمام، للإعلام بأن النون من تأمن: كانت مرفوعة، ووجه ذلك: أنك تشير إلى الضمة من غير صريت (٧) بفعل ذلك، مع لفظك بالنون
_________________
(١) النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩٣. القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ١٣١.
(٢) النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩٤. القِنَّوجي، أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري، (ت: ١٣٠٧ هـ)، فتحُ البيان في مقاصد القرآن، عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه: عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري، ط ١، (بَيروت: المكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر، ١٤١٢ هـ-١٩٩٢ م)، ٦/ ٢٩٥.
(٣) صافي، مرجع سابق، ١٢/ ٣٨٧.
(٤) العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٢٤.
(٥) الداني، جامع البيان في القراءات السبع، ط ١، (الإمارات: الشارقة، ١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م)، مرجع سابق، ٣/ ١٢١٦ ..
(٦) المرصفي، عبد الفتاح بن السيد عجمي بن السيد العسس المصري الشافعي (ت: ١٤٠٩ هـ)، هداية القاري إلى تجويد كلام الباري، ط ٢، (المدينة المنورة: مكتبة طيبة)، ١/ ٢٣٥.
(٧) كذا في الأصل: "صريت" والصواب "صويت" وقد ذكرها أبو شامة فقد نقل كلام الحوفي ونسبه إليه فقال: وقال أبو الحسن الحوفي: جمهور القراء على الإشمام للإعلام بأن النون من "تأمن" كانت مرفوعة، وصفة ذلك أنك تشير إلى الضمة من غير صوت مع لفظك بالنون المدغمة، أبو شامة، مرجع سابق، ١/ ٥٣٢.
[ ١٢٩ ]
المدغمة وهو شئ يحتاج إلى- (١) ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ متعلق بـ ﴿تَامَنَّا﴾ ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ناصحون ﴿مَعَنَا﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسِلْهُ﴾ وكذا ﴿غَدًا﴾ ويقال: لم بني أمس وأعرب ﴿غَدًا﴾ الجواب، لأن أمس مضمر بالألف واللام، و"غد" ليس كذلك، وكان أمس أحق بالضمير، لأنه على معهود، لأنه قد مضى وعلم، ولهذا تم أمس وتقصر غدًا لنقصان "غد" في معناه، بأنه لم يكن بعد وتم أمس لأنه قد وجد وعلم، ﴿يَرْتَعْ﴾ جواب للأمر مجزوم، ﴿وَيَلْعَبْ﴾ عطف عليه، والأصل نرتعي، حذفت الياء للجزم (٢)، لأن الجازم إذا لم يضاف حركة، وأضاف (٣)
حرفا مقام الحركة حذف، كما تحذف الحركة، وأصل الرتع: التوسع بالملاذ في الجهات يقال: رتع فلان في ماله إذا أنفقه في شهواته، قال القطامي (٤):
أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي وَبَعْدَ عطائك المائة الرِّتَاعَا (٥)
_________________
(١) بياض بالأصل بمقدار كلمة، "رياضة".كما قال أبو شامة "وهو شيء يحتاج إلى رياضة " نقلا عن الحوفي المرجع السابق.
(٢) النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩٥. ابن عطية، مرجع سابق، ٣//٢٢٤. القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ١٤٠.
(٣) كذا في الأصل ولعل الصواب "لم يصادف حركة وصادف " لاستقامة المعنى والله أعلم ..
(٤) هو عمير بن شُييم بن عمرو بن عباد، من بني جشم بن بكر، أبو سعيد، التغلبي الملقب بالقطامي: شاعر غزل فحل. كان من نصارى تغلب في العراق، وأسلم. (ت: ١٣٠ هـ). الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، (ت: ٢٥٥ هـ)، الحيوان، ط ٢، (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢٤ هـ)، ٧/ ٤٧٤. البيت من قصيدته وهي قصيدة طويلة مدح بها زفر بن الحارث الكلابي، وحض قيسا وتغلب على الصلح. قال ابن قتيبة الدينوري: كان القطامي أسره زفر في الحرب التي كانت بين قيس وتغلب، فأرادت قيس قتله، فحال زفر بينهم وبينه، ومنَّ عليه، وأعطاه مائة من الإبل كعطية، وأطلقه، فقال: أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي إلى آخر الأبيات. الشعر والشعراء، (القاهرة: دار الحديث، ١٤٢٣ هـ)، ٢/ ٧١٣. وأَرْتَع الغيْثُ أَي أَنْبت مَا تَرْتَع فِيهِ الإِبل، وغَيث مُرْتِع: ذُو خِصب. ورَتَع فُلَانٌ فِي مَالِ فُلَانٍ: تَقلَّب فِيهِ أَكلًا وَشُرْبًا، وإِبل رِتاع. وأَرْتَعَ القومُ: وَقَعُوا فِي خِصب، وَهُوَ عَلَى النَّسَبِ كَطَعِم، وَكَذَلِكَ كَلأٌ رَتِع، ابن منظور، مرجع سابق، ٨/ ١١٣ بتصرف. ابن جرير، مرجع سابق، ١٨/ ٢٧٢. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٠١. القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ١٣٩.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٥. الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩٥. النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ١/ ٤١.
[ ١٣٠ ]
﴿لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾، ﴿أَنْ﴾ وما عملت فيه في موضع رفع (١) بـ يحزنني، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَذْهَبُوا﴾، ﴿وَأَخَافُ﴾ مستأنف، ﴿أَنْ يَاكُلَهُ الذِّئْبُ﴾، ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿أَخَافُ﴾ (٢)، ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾، ﴿عَنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿غَافِلُونَ﴾، ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾، "إن" التي للشرط، دخلت عليها لام القسم (٣)، ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ابتداء وخبر في موضع حال، أي: وهذه حالنا في الاجتماع (٤)، ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾، "إذن"جواب لا عمل لها (٥) في هذا الموضع لتوسطها.
القولُ في القراءةِ: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ بالنون فيهما، الباقون: بالياء فيهما، وكلهم جزم العين، إلا أهل الحرمين: فإنهم كسراهما (٦)، فمن قرأ بالنون: فعلى الإخبار عن جماعتهم، وشاهده: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾، ومن قرأ بالياء: فعلى الإخبار عن يوسف، لأنهم أرادوا ماله في الخروج من الفائدة، ولم يريدوا ما لهم في ظاهر الأمر، ومن جزم العين: أراد الرتعة وهي السعة في الخصب، يقال: فلان راتع، أي: مُخْصِب، ومن كسر العين: أراد ترتعي من الرعي يقال: رعى وارتعى بمعنى، ثم حذف الياء وبقي الكسرة، و﴿الذِّيبُ﴾ ترك همزه الكسائي وورش
_________________
(١) النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩٥.القيسي، مشكل إعراب القرآن، مرجع سابق، ١/ ٣٨١.
(٢) القيسي، مشكل إعراب القرآن، مرجع سابق، ١/ ٣٨١. الأبياري، إبراهيم بن إسماعيل (ت: ١٤١٤ هـ)، الموسوعة القرآنية، ط ١، (مؤسسة سجل العرب، ١٤٠٥ هـ)، ٤/ ٢٢٨.
(٣) الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، مرجع سابق، ٢/ ٤٢٣. فخر الدين الرازي، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي، (ت: ٦٠٦ هـ) مفاتيح الغيب، ط ٤، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤٢٠ هـ)، ١٨/ ٤٢٧.
(٤) الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، مرجع سابق، ٢/ ٤٤٦. فخر الدين الرازي، مرجع سابق، ١٨/ ٤٢٣.
(٥) صافي، مرجع سابق، ١٢/ ٣٩٢.
(٦) (واختلفوا) في "يرتع ويلعب" فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالنون فيهما، وقرأ الباقون فيهما بالياء، وكسر العين من يرتع المدنيان، وابن كثير، وأثبت قنبل الياء فيها في الحالين بخلاف كما تقدم، وأسكن الباقون العين. ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، مرجع سابق، ٢/ ٢٩٣.
[ ١٣١ ]
واليزيدي عن أبي عمرو، وإذا خفف الهمزة آثر الإدغام، والباقون: بالهمزة، وكذلك أبو عمرو إذا حقق الهمزة، فالهمز على أنه مشتق من تذائب الريح إذا جاءت، من كل جانب، مشبّه بالريح بسرعته وخفته، وترك الهمز على
التخفيف، واختلف في كسر التنوين وضمه من ﴿مُبِينٍ اقْتُلُوا﴾ في الوصل، فقرأ أهل الحرمين والكسائي (١): بالضم، والباقون بالكسر (٢)
، فمن كسر: أتبع الكسر الكسر، ومن ضم: أتبع الضم الضم، لأن الهمزة إذا ابتدأت: كانت مضمومة بضم ثالث الفعل، لأنه من قتل يقتل فكُره الكسرُ ثم الضمُ بعدها.
القولُ في المعنى والتفسيرِ: المعنى - والله أعلم -: قال إخوة يوسف بعضهم لبعض: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ﴾ مكانا من الأرض، ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾، ﴿مِنْ﴾ متعلّقه بيوسف، فإنه
_________________
(١) الكسائي، أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء، الكوفي، (ت: ١٨٩ هـ) إمام في اللغة والنحو والقراءة من أهل الكوفة. ولد في إحدى قراها. وتوفي بالريّ، عن سبعين عاما، وله تصانيف، منها "معاني القرآن" و" المصادر" و"الحروف" و" القراءات" وغيرهم. ابن خلكان، مرجع سابق،١/ ٣٣٠. ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، مرجع سابق،١/ ٥٣٥.
(٢) فائدة: يفهم من ذلك أن ابن عامر يقرأ بالكسر والصواب عنه أن هشاما يقرأ بالضم وأن ابن ذكوان يقرأ بالكسر بخلاف عنه، حيث ذكر القاعدة العامة في هذا الباب (التقاء الحرف الساكن مع الأفعال المبدوءة بهمزة الوصل نحو "مبينٌ اقتلوا" .. وقال ﵀: (واختلفوا) في: كسر النون وضمها من ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ، وَأَنِ احْكُمْ، وَأَنِ اشْكُرْ﴾ ونحوه الدال من ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ والتاء من ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ﴾ والتنوين من ﴿فَتِيلًا انْظُرْ، وَمُتَشَابِهٍ انْظُرُوا، وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا﴾ وشبهه واللام من نحو ﴿قُلِ ادْعُوا، قُلِ انْظُرُوا﴾ والواو من ﴿أَوِ اخْرُجُوا، أَوِ ادْعُوا، أَوِ انْقُصْ﴾ مما اجتمع فيه ساكنان يبتدأ ثانيهما بهمزة مضمومة فقرأ عاصم وحمزة بكسر الساكن الأول وافقهما يعقوب في غير الواو، ووافقه أبو عمرو في غير اللام، وقرأ الباقون بالضم في ذلك كله، واختلف عن ابن ذكوان، وقنبل في التنوين، فروى النقاش عن الأخفش كسره مطلقا حيث أتى، وكذلك نص الحافظ أبو العلاء عن الرملي عن الصوري، وكذلك روى العراقيون عن ابن الأخرم عن الأخفش واستثنى كثير من الأئمة عن ابن الأخرم ﴿بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ في الأعراف ﴿وَخَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ﴾ في إبراهيم فضم التنوين فيهما، وبذلك قرأ الحافظ أبو عمرو من طريقه، وهو الذي لم يذكر المهدوي وابن شريح غيره، وروى الصوري من طريقيه الضم مطلقا، ولم يستثن شيئا " قلت "، والوجهان صحيحان عن ابن ذكوان من طريقيه رواهما عنه غير واحد- والله أعلم. ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، مرجع سابق، ٢/ ٢٢٥.
[ ١٣٢ ]
قد شغله عنا وصرف وجهه عنا إليه (١)، ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ يعنون أنهم يتوبون من قتلهم يوسف، فيكونون بتوبتهم من قتله بعد هلاك يوسف قوما صالحين (٢)، واختلف في من قال منهم ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فقال معمر (٣)
وابن إسحاق (٤): هو رويبل كان أكبر القوم (٥)، وروي عن مجاهد: أنه شمعون، وقيل: هو يهودا وكان من أشدهم، وقال الضحاك (٦): هو الذي قال: ﴿فَلَنْ
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٩.فائدة: ارتكاب أخف الضررين قاعدة شرعية عمل بها الأولون قال السعدي: "إن بعض الشر أهون من بعض فارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما والعزم على التوبة قبل وقوع الذنب. وقال ابن الجوزي: وفي قصتهم نكتة عجيبة وهو أنهم عزموا على التوبة قبل الذنب. قال السمرقندي: وقال بعض العلماء: هكذا يكون المؤمن يهيء التوبة قبل المعصية. نصر والهلالي، مرجع سابق،١/ ١١٦.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٩.
(٣) معمر بن المثنى، أَبُو عبيدة التيمي البصري، النحوي العلامة، يقال: إنه ولد في سنة عشر ومائة في الليلة التي مات فيها الحسن البصري. (ت:٢٠٩). السيرافي، الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي، أبو سعيد (ت:٣٦٨ هـ)، أخبار النحويين البصريين، ت: طه محمد الزيني، ومحمد عبد المنعم خفاجي-المدرسين بالأزهر الشريف، (مصر: مصطفى البابي الحلبي، ١٣٧٣ هـ-١٩٦٦ م)، ص ٥٢ - ٥٥. ابن خلكان، مرجع سابق، ٥/ ٢٣٥. الذهبي، تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، مرجع سابق، ٩/ ٤٤٥ ..
(٤) محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي بالولاء، المدني: من أقدم مؤرخي العرب من أهل المدينة وله السيرة النبويّة، ومن حفاظ الحديث وسكن بغداد فمات فيها. (١٥١ هـ = ٧٦٨ م). الزركلي، مرجع سابق،٦/ ٢٨.
(٥) (كان أكبر إخوته). عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣١٧. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٠.
(٦) الضحاك أبو القاسم بن مزاحم الهلالي، ويُقال: أبو محمد الخراساني، أخو محمد بن مزاحم، ومسلم بن مزاحم، صاحب التفسير (ت: ١٠٥ هـ). ابن سعد، مرجع سابق، ٦/ ٣٠٢. الشيباني، أبو عمرو خليفة بن خياط بن خليفة العصفري البصري ت: ٢٤٠ هـ، طبقات خليفة، ت: سهيل زكار (لبنان: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م)، ١/ ٥٦٨. البخاري،محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة (ت: ٢٥٦ هـ)،التاريخ الكبير،: طبع تحت مراقبة: محمد عبد المعيد خان دائرة المعارف العثمانية، (الهند: حيدر آباد، الدكن)، ١/،٧١٣. المزي، مرجع سابق، ١٣/ ٢٩١.
[ ١٣٣ ]
أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَاذَنَ لِي أَبِي﴾ وقيل الجب: بئر ببيت المقدس (١)، وقال: ابن عباس: بئر بالشام (٢)،والجب: البئر التي لم تطوَ سميت (٣) بذلك: لأنها قطعت قطعا، ومنها المجبوب قال الأعشى (٤):
لئن كنتَ فِي جُبّ ثَمانِينَ قامةً ورُقّيتَ أسبابَ السماء بسلّمِ (٥)
وغيابة الجب قعره، وغيابة كل شئ: ما غاب عنك (٦)، و﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي: يأخذه بعض مارة الطريق من المسافرين، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أي: ﴿فَاعِلِينَ﴾ ما أقول لكم، قال ابن عباس: التقطه بعض الأعراب (٧).
وقوله تعالى: ﴿يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَامَنَّا﴾ أي: قال إخوة يوسف إذ تآمروا بينهم وأجمعوا على الفرقة بينه وبين والده يعقوب لوالدهم يعقوب: ﴿يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَامَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ فتتركه معنا ونحن له ناصحون نَحُوطهُ وَنَكْلَؤُهُ (٨).
_________________
(١) (بئر بيت المقدس). عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣١٨.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٢.
(٣) ابن عطية، مرجع سابق، ٣/ ٢٢٢. ابن الجوزي، مرجع سابق، ٢/ ٤١٦.
(٤) أعشى قيس، أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل، من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، (ت: ٧ هـ)، من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، وأحد أصحاب المعلقات. فسمي (صنّاجة العرب).١/ ٥٢ - ٥٩. ابن حزم الأندلسي، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد (ت: ٤٥٦ هـ)، جمهرة أنساب العرب، ط ٣، (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م)، ٢/ ٣١٩ .. ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله (ت: ٥٧١ هـ)، ت: عمرو بن غرامة العمروي، (لبنان: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٥ هـ-١٩٩٥ م)، ٦١/ ٣٢٧.
(٥) سيبويه، مرجع سابق، ٢/ ٢٨. الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٦٨.
(٦) ابن الجوزي، مرجع سابق، ٢/ ٤١٦.
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٣.
(٨) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٤. القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره وأحكامه وجمل من فنون علومه، ت: أ. د الشاهد البوشيخي، ط ١، (جامعة الشارقة: كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، ١٤٢٩ هـ-٢٠٠٨ م)، ٥/ ٣٥١٠.
[ ١٣٤ ]
وقوله تعالى: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (١) أي: "يفتعل" (٢) من الرعي أي يرعى الإبل، أي: أرسله معنا يلهو وينعم وينشط في الصحراء (٣)، ونحن حافظوه من أن يناله سوء أو شيء تكرهه أو يؤذيه (٤)، من قرأ بالياء: كان الإخبار عن يوسف، ومن قرأ بالنون: كان الإخبار عنهم وعنه، ومن جزم العين من يرتع: كان من الخصب، ومن كسر العين: كان من الرعي (٥).
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ قال يعقوب لهم إني ليحزنني أن تذهبوا به معكم إلى الصحراء مخافة عليه من الذئب أن يأكله، وأنتم عنه غافلون لا تشعرون (٦) به. ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: قال إخوة يوسف لوالدهم يعقوب: لئن أكل يوسف الذئب (٧) في
_________________
(١) فائدة: جواز اللعب للكبار كما للصغار بلا نكير ودون استهجان والرياضة هامة بعد الأكل. قال العلمي: هذا وقد أخروا لفظ اللعب عن الرتع في قولهم لأبيهم؟ لأن احسن وقت للرياضة البدنية في وقت الصباح بعد تناول لقيمات يسيرة، وفي المساء وقت البرد بعد ان يكون قد تناول طعام الغداء، وفي كلام الناس: تعشّ وتمشّ ولو خطوتين. نفس المرجع السابق، نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ١٥٨ - ١٥٩.
(٢) هذا على قراءة من يقرأ يرتعِ بكسر العين كما هو في قراءة أهل الحرمين ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، مرجع سابق،٢/ ٢٩٢.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٧، ٢٦. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ت: محمد حسين شمس الدين، ط ١، (بيروت: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، ١٤١٩ هـ)، ٤/ ٣٢٠.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٥/ ٥٧٢.
(٥) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩٥. أبوحيان، مرجع سابق، ٦/ ٢٤٦. السمين، مرجع سابق، ٦/ ٤٤٩. ابن عادل، أبو حفص سراج الدين عمر بن علي الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٧٧٥ هـ)، اللباب في علوم الكتاب، ت: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، ط ١، (لبنان: دار الكتب العلمية، ١٤١٩ هـ-١٩٩٨ م)، ١١/ ٣٢.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٩.
(٧) فائدة: فيه دلالة بأن أرضهم كانت كثيرة الذئاب. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ١٦٢.
[ ١٣٥ ]
الصحراء ونحن أحد عشر رجلا معه نحفظه، وهم العصبة، أي: الجماعة، إنا إذًا لعجزة بما نكون (١)،والخسران: إتلاف النفس، كما أن أعظم الربح سلامتها. وقد تضمنت الآيات: البيان عما يوجبه الحسد من حملان النفس على عظيم الأمور من قبل المحسود، أو تعريضه للقتل"الإلقاء في المهالك" (٢) كما كانت حال يوسف مع إخوته، والبيان عما يوجبه الوقوف بين شرّين لا بد من أحدهما من اختيار أنقصهما شرّا، كما أشار هذا القائل إذا رأى أنه لا بد من أحدهما، والبيان عما يوجب الحيلة من التلطف في المسألة ليتم الأمر الذي قُصد له عما فعل إخوة يوسف حين سألوا أباهم إرساله معهم، والبيان عما يوجبه حال من طلب اللهو واللعب من غير مراعاة واجب، ولا جائز، والبيان عما يوجبه شدة الإشفاق من الحزن عند الفراق مع سوء الظن بحوادث الزمان، وعوارض الآفات، والبيان عما يوجبه اغتصاب نفيس ما في يدي الإنسان من كونه في حكم الخاسر بالعجز، والتحسر على الخسران، وما لحق من النقصان.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿صَالِحِينَ﴾ تمام (٣)، وكذا ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعلانَ﴾ (٤)، وكذا ﴿لَحَافِظُونَ﴾ (٥)، وكذا ﴿غَافِلُونَ﴾ (٦)، وكذا ﴿لَخَاسِرُونَ﴾ (٧).
وقولُهُ ﷿:
_________________
(١) كذا في الأصل: "بما نكون" ولعل الصواب"هالكون" للسياق وبنحو ما ذكره ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٩. وكذا القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، /٣٥١٣.
(٢) كذا في الأصل ولعل الصواب "أو تعريضه للقتل والإلقاء في المهالك" لاستقامة المعنى.
(٣) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٠. ورؤوس الآي بعد "كافية" الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٥ ويرى"يرتع ويلعب" كاف. وهو "كاف" عند الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩١.
(٤) وهو كاف عند الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٢. وكذا "لحافظون" وكذا "غافلون".
(٥) وهو كاف عند الأشموني، المرجع السابق. وكذا عند الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٢.
(٦) الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وهو كاف عند الأشموني، المرجع السابق.
(٧) وهو حسن عند الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق.
[ ١٣٦ ]
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨) وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾
﴿فَلَمَّا﴾ الفاء جواب ما أخبر به عنهم، ولما ظرف مضاف إلى ﴿ذَهَبُوا﴾ (١)، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿ذَهَبُوا﴾، ﴿وَأَجْمَعُوا﴾ عطف على ﴿ذَهَبُوا﴾، ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾، ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب على حذف الخافض، ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾، ﴿فِي﴾ متعلقه بـ ﴿يَجْعَلُوهُ﴾، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾، ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾، ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ لام قسم مؤكد بالنون الشديدة (٢)، ﴿بِأَمْرِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ابتداء وخبر في موضع الحال (٣)، أي: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ وهم غير عالمين (٤)، وجواب لما محذوف (٥)،
_________________
(١) الزمخشري، الكشف عن حقائق غوامض التنزيل، مرجع سابق، ١/ ٧٣.
(٢) الزمخشري، مرجع سابق، ٢/ ٤٥٠.
(٣) المرجع السابق.
(٤) القشيري، عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك (ت: ٤٦٥ هـ) لطائف الإشارات، ت: إبراهيم البسيوني، ط ٣، (مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب)، ٢/ ١٧٣. الكرماني، أبو القاسم برهان الدين تاج القرآء محمود بن حمزة بن نصر (ت: نحو ٥٠٥ هـ) غرائب التفسير وعجائب التأويل، (جدة: دار القبلة للثقافة الإسلامية، بيروت: مؤسسة علوم القرآن)، ١/ ٥٢٩. ابن عطية، مرجع سابق، ٣/ ٢٢٥.
(٥) فأدخل الواو في جواب"لما"، وإنما الكلام: فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ، انْتَحَى بِنَا، وكذلك: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا، وَأَجْمَعُوا﴾، لأن قوله: "أجمعوا" هو الجواب. ابن جرير، مرجع سابق، ١٥/ ٥٧٥. واختلف العلماء في جواب «لما» من قوله فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ أمثبت هو أم محذوف؟ فقيل: هو مثبت، وهو قوله: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ الآية [١٢/ ١٧]، أي: لما كان كذا وكذا ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا﴾ واستحسن هذا الوجه أبو حيان .. وقيل: جواب «لما» هو قوله: أوحينا والواو صلة، وهذا مذهب الكوفيين، تزاد عندهم الواو في جواب «لما، وحتى، وإذا»، وعلى ذلك خرجوا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ﴾، الصافات، الآية: ١٠٣، ١٠٤. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، الزمر، الآية: ٧٣، وقولَ امرئِ القيس: فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى بِنَا بَطْنُ حُقْفٍ ذِي رُكَامٍ عَقَنْقَلِ أي: لَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى. وقيل: جواب «لما» محذوف، وهو قول، واختلف في تقديره، فقيل: إن تقديره فعلوا به ما فعلوا من الأذى. وقدره بعضهم: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ عظمت فتنتهم. وقدره بعضهم: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ جعلوه فيها. واستظهر هذا الأخير أبو حيان ; لأن قوله: ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾، يوسف، الآية: ١٥. يدل على هذا المقدر. والعلم عند الله تعالى. الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني (ت: ١٣٩٣ هـ)، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، (لبنان: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٥ هـ-١٩٩٥ م)، ٢/ ٢٠٥. بتصرف.
[ ١٣٧ ]
تقديره: عظمت فتنتهم أو كبر ما قصدوا له (١)، وقيل الجواب: أجمعوا (٢)، والواو زائدة مؤكدة (٣)،
كما
_________________
(١) كذا في الأصل "قصدوا إليه له" وضرب الناسخ على كلمة "إليه". البيضاوي، مرجع سابق، ٣/ ١٥٨. ابن جزي، أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، الكلبي الغرناطي (ت: ٧٤١ هـ)، التسهيل لعلوم التنزيل، ت: الدكتور عبد الله الخالدي، ط ١، (بيروت: شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، ١٤١٦ هـ)، ١/ ٣٨٢. أبو حيان، مرجع سابق،، ٦/ ٢٤٨.الحلبي، مرجع سابق، ٦/ ٤٥٤.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٠. ابن عاشور، مرجع سابق، ١٢/ ٢٣٣.
(٣) مسألة فيما يعني بالحرف الزائد؟ إن كان معناه الزيادة التي دخولها كخروجها، فلا معنى لذكر الوظيفة البلاغية حينئذ، وإن كان المقصود أن الحرف إنما زيد في النظم لمعنى، فحينئذ ينبغي أن لا يسمى زائدًا. فالمسألة متعلقة بالاختلاف الاصطلاحي، فالقدماء يعبرون بـ (الزيادة) و(الحشو) و(الصلة) ونحو ذلك، ولكنهم لا يقصدون أن هذا اللفظ دخوله كخروجه، أو أنه زيد لغير معنى، وإنما يقصدون أنه لو حذف من السياق لم يكن الكلام ملحونًا ولا خارجًا عن قوانين العربية. والظاهر والله أعلم أن العلماء المتقدمين لم يفردوا هذا المبحث بالتصنيف، مع أنهم تكلموا في هذه المسألة كلاما منثورا في مواطن وروده وخاصة في القرآن الكريم. وكان للنحويين النصيبُ الأكبر من الكلام في هذا الباب، ولكنهم قصروا كلامهم في الأعم الأغلب على الوظيفة النحوية وصحة التركيب، ولم يتعرضوا للوظيفة البلاغية إلا نادرًا. =
[ ١٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومع أن أكثر النحويين يوجد في كلامهم التعبيرُ بالزيادة في القرآن وكلام العرب، إلا أن مرادهم بذلك أنها زيدت لضرب من التأكيد كما قال بعضهم كابن يعيش، ويعبرون بالصلة لأنها يتوصل بها إلى زنة أو إعراب لم يكن عند حذفها كما قال ابن الحاجب: أو لتزيين اللفظ، واستقامته كما قال السيوطي. وأما البلاغيون فقد تعرضوا لهذه المسألة إجمالا وتفصيلا: أما التفصيل فقل أن ترى آية في كتاب الله﷿- تحتمل الزيادة إلا وجدت كلاما فيها للمفسرين، وخاصة أصحاب الاتجاه النحوي والبلاغي، كالزمخشري، وأبي حيان، والسمين الحلبي، والألوسي، وابن عاشور. وأما الإجمال فقد اتفقت كلمتهم، أو كادت على أن الكلام البليغ يمتنع أو يندر أن يوجد فيه الزيادة المحضة التي يكون دخولها كخروجها، فإذا كان هذا من شروط الكلام البليغ فهو في القرآن أولى، ولذلك نبهوا على أن القرآن لا يحتوي على شيء زائد، ونبهوا على أن النحويين إذا ذكروا الزيادة والحشو ونحو ذلك فإن مقصودهم بذلك ضبط قوانين الإعراب، وأن حذف هذه الحروف لا يخل بالإعراب ولا يخرج الكلام عن قوانين العربية، ويبقى بعد ذلك بيان الفروق الدقيقة بين معنى الكلام بالزيادة ومعناه بغيرها، وتلك وظيفة البلاغي. وممن أشار إلى ذلك من القدماء: ابن قتيبة الدينوري (ت: ٢٧٦ هـ) تعرض لهذه المسألة باختصار في (تأويل مشكل القرآن) وجعلها من باب التوكيد. الرماني (ت: ٣٨٤ هـ): أشار إلى ذلك في كتابه الجامع كما نقله ابن سنان الخفاجي في سر الفصاحة. الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ): تعرض لهذه المسألة في (إعجاز القرآن) وجعلها من باب الفصاحة، لأن ذكرها أفصح من تركها. ابن سنان الخفاجي (ت: ٤٦٦ هـ): تعرض لهذه المسألة في (سر الفصاحة) فقال (ص ١٥٦ - ١٥٧): "فأما زيادة (ما) في قول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ سورة آل عمران، الآية: (١٥٩). وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ سورة المائدة، الآية: (١٣). فإن لها هنا تأثيرًا في حسن النظم وتمكينًا للكلام في النفس، وبعدًا به عن الألفاظ المبتذلة، فعلى هذا لا يكون حشوًا لا يفيد. الجرجاني، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي (ت: ٤٧١ هـ)، أسرار البلاغة، قرأه وعلق عليه: محمود محمد شاكر، (القاهرة: مطبعة المدني، جدة: دار المدني)، ١/ ٤١٦ - ٤١٧ - ٤١٨ - ٤٢٠ - ٤٢٣.وخلاصة رأيه أن الزيادة المفيدة تعني انتقال الحرف من دلالته أو إيحائه الأصلي إلى دلالة أو إيحاء آخر. الزمخشري (ت: ٥٣٨ هـ): تعرض في (الكشاف) لهذه المسألة في مواضعها، وجاء بفوائد ولطائف لا نكاد نجدها عند من سبقه، فهو لا يتوقف عند مجرد التوكيد كما يذكر السابقون، بل يبين الدلالة المتعلقة بكل موضع، ويربطها بالسياق، ويوضح فائدتها البلاغية. ويقول ضياء الدين ابن الأثير، نصر الله بن محمد (ت: ٦٣٧ هـ)،: " أني لو سلمت أن ذلك من المجاز لأنكرت أن لفظة "ما" زائدة لا معنى لها، ولكنها وردت تفخيمًا لأمر النعمة التي لان بها رسول الله ﷺ لهم: وهي محض الفصاحة: ولو عري الكلام منها لما كانت له تلك الفخامة. وأما الغزالي -﵀، فإنه معذور عندي في ألا يعرف ذلك؛ لأنه ليس فنه. ومن ذهب إلى أن في القرآن لفظا زائدا لا معنى له، فإما أن يكون جاهلا بهذا القول، وإما أن يكون متسمحا في دينه واعتقاده. =
[ ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقد ورد مثلها في كلام العرب، كالذي يحكى عن الزباء، وذاك أن الوضاح الذي هو جذيمة الأبرش"كان ملكًا ما على شاطئ الفرات، وكانت الزباء ملكة الجزيرة، وكان يقال: جذيمة الأبرش وجذيمة الوضاح، وذلك أنه كان أبرص، فهابت العرب أن تقوله، فقالت: "الأبرش" وكانت تقول للذي به البرص: به وضح، تفاديا من البرص، فقالوا: جذيمة الوضاح، وهو جاهلي" تزوجها، والحكاية في ذلك مشهورة، فلما دخل عليها كشفت له عن فرجها، وقد ضفرت الشعر من فوقه ضفيرتين، وقالت: "أذات عرس ترى، إما إنه ليس ذلك من عوز المواس، ولا من قلة الأواس، ولكنه شيمة ما أناس". فمعنى الكلام: ولكنه شيمة أناس، وإنما جاءت لفظة "ما" ههنا تفخيمًا لشأن صاحب تلك الشيمة، وتعظيمًا لأمره، ولو أسقطت لما كان للكلام ههنا هذه الفخامة والجزالة، ولا يعرف ذلك إلا أهله من علماء الفصاحة والبلاغة. وقول النحاة: إن "ما" في هذه الآية زائدة، فإنما يعنون به أنها لا تمنع ما قبلها عن العمل، كما يسمونها في موضع آخر كافة: أي أنها تكف الحرف العامل عن عمله، كقولك: إنما زيدٌ قائم، فما قد كفت "إن" عن العمل في زيد، وفي الآية لم تمنع عن العمل ألا ترى أنها لم تمنع "الباء" عن العمل في خفض "الرحمة". ابن الأثير ضياء الدين نصر الله بن محمد (ت: ٦٣٧ هـ) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ت: أحمد الحوفي، بدوي طبانة، ط ١، (القاهرة: الفجالة، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع)، ٢/ ٧٥. انتهى بتصرف. وتعرض لهذه المسألة الزركشي، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر (ت: ٧٩٤ هـ)، البرهان في علوم القرآن، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط ١ (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه،١٣٧٦ هـ-١٩٥٧ م)، ٣/ ٧٢. تفصيلا في باب الحروف والأدوات. وتعرض لها إجمالا في نوع أساليب القرآن فقال: "واعلم أن الزيادة واللغو من عبارة البصريين، والصلة والحشو من عبارة الكوفيين. والأوْلى اجتناب مثل هذه العبارة في كتاب الله تعالى، فإن مراد النحويين بالزائد من جهة الإعراب لا من جهة المعنى. وقد اختلف في وقوع الزائد في القرآن، فمنهم من أنكره، قال الطرطوسي في العمدة: زعم المبرد وثعلب ألا صلة في القرآن، والدهماء من العلماء والفقهاء والمفسرين على إثبات الصلات في القرآن، وقد وجد ذلك على وجه لا يسعنا إنكاره، فذكر كثيرا. وقال ابن الخباز في التوجيه: وعند ابن السراج أنه ليس في كلام العرب زائد، لأنه تكلم بغير فائدة وما جاء منه حمله على التوكيد. ومنهم من جوزه وجعل وجوده كالعدم وهو أفسد الطرق". وبعد أن بينت بعض ما ورد عند علمائنا السابقين في هذا الباب نأتي إلى مصطفى صادق الرافعي (ت: ١٩٣٧)، في كتابه، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ط ٨، (بيروت: دار الكتاب العربي، ١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م)، ص ١٥٢. فنجده يقول ولما كان الأصل في نظم القرآن أن تعتبر الحروف بأصواتها وحركاتها ومواقعها من الدلالة المعنوية، استحال أن يقع في تركيبه ما يسوغ الحكم في كلمة زائدة أو حرف مضطرب أو ما يجري مجرى الحشو والاعتراض، كما تجد من كل ذلك في أساليب البلغاء، بل نزلت كلماته منازلها على ما استقرت عليه طبيعة البلاغة، وما قد يشبه أن يكون من هذا النحو الذي تمكنت به مفردات النظام الكوني، وارتبطت به سائر أجزاء المخلوقات صفة متقابلة بحيث لو نزعت كلمة منه أو أزيلت عن وجهها، ثم أدير لسان العرب كله على أحسن منها في تأليفها، وموقعها، وسدادها لم يتهيأ ذلك ولا اتسعت له اللغة بكلمة واحدة بتصرف من كتاب الرافعي وغيره. قلت: والذي أميل إليه والله أعلم أنه ليس في القرآن حرفٌ زائدٌ لا يفيد فائدةً بلاغيةً لأن الكتاب منزلٌ من عزيزٍ حكيمٍ فهو عزيزٌ في كلامه محكمٌ في سياقه وضبطه. والله تعالى أعلم. وللتوسع في هذه المسألة ينظر:
(٢) زيادة الحروف بين التأييد والمنع وأسرارها البلاغية في القرآن الكريم، دكتوراه، د. هيفاء عثمان عباس فدا.
(٣) الزيادة في القرآن الكريم، ماجستير، الباحثة: سهير إبراهيم أحمد سيف.
[ ١٤٠ ]
قال امرؤ القيس (١):
فَلَمَّا أجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وانْتَحَى بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفاف (٢)
عَقَنْقَل
المعنى: فلما أجزتك أحد الحي تنحى بنا، والوجه أن يكون الجواب محذوفا، لكن لا يزيد حرف في كتاب الله لا معنى له (٣)، ﴿وَجَاءُوا﴾ فعل وضمير فَاعِلِينَ، ﴿أَبَاهُمْ﴾ نصب بـ جاءوا وعلامة
_________________
(١) امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندىّ، وهو من أهل نجد، من الطبقة الأولى. وهذه الديار التى وصفها فى شعره كلّها ديار بنى أسد. وفاته كانت حوالي عام ٥٥٠ م. ابن قتيبة الدينوري، الشعر والشعراء، مرجع سابق، ١/ ١٠٧. وفاته كانت حوالي عام. الزركلي، مرجع سابق،٢/ ١١.
(٢) البيت من معلقة امرئ القيس بن حجر الكندي فلمّا أجزْنا ساحَةَ الحيّ وانْتَحَى بنا بطنُ خَبْتٍ ذي حِقَافٍ عقَنقَلِ (ذي حِقَافٍ) وليست ذِي قِفاف. امْرُؤُ القَيْس، بن حجر بن الحارث الكندي، من بني آكل المرار (ت: ٥٤٥ م)، ديوان امرِئ القيس، اعتنى به: عبد الرحمن المطاوي، ط ٢، (بيروت: دار المعرفة، ٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م)، ١/ ٣٩. والخبت: ما اطمأن من الأرض واتسع. والقفاف جمع قف والقف: ما ارتفع من الأرض وغلظ ولم يبلغ أن يكون جبلا. والعقنقل، كسفرجل: الوادي العظيم المتسع. التاج (خ ب ت، ق ف ف، ع ق ل). قال: أجزنا: قطعنا. والساحة: الفناء. والخبت: أرض مطمئنة. والحقف من الرمل: المعوج، والجمع حقاف، ويروى " ركام " أي بعضه فوق بعض. وعقنقل: متعقد متداخل بعضه في بعض. والبيت شاهد على أن الواو في قوله: " وانتحى ": مقحمة، يريد: فلما أجزنا ساحة الحي انتحى. وهي نظير الواو في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَاجُوجُ وَمَاجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ سورة الأنبياء، الآية: (٩٦) - (٩٧). الواو في ﴿وَاقْتَرَبَ﴾: مقحمة. والفعل جواب للشرط " ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ﴾ ". قال الفراء، أبو زكريا يحيى بن زياد (ت: ٢٠٧ هـ)، معاني القرآن، ت: أحمد يوسف نجاتى/محمدعلى نجار/عبدالفتاح إسماعيل شلبى، (مصر: دار المصرية للتأليف والترجمة) (الورقة ٣٠٦ من مصورة الجامعة رقم ٢٤٠٥٩): وقولُهُ: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ معناه والله أعلم، حتى إذا فتحت اقترب، ودخول الواو في الجواب في ﴿حَتَّى إِذَا﴾ بمنزلة قوله: " ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾ ". وفي قراءة عبد الله ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾. وفي قراءتنا بغير واو .. ومثله في الصفات ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾ معناها: "ناديناه". وقال امرؤ القيس: " فَلَمَّا أجَزْنَا البيت " يريد "انْتَحَى".ابن جرير، مرجع سابق، ٩/ ١٤٢.
(٣) الزركشي، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر (ت: ٧٩٤ هـ)، البرهان في علوم القرآن، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط ١، (دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه، ١٣٧٦ هـ-١٩٥٧ م)، ٣/ ٧٢. ابن عرفة، أبو عبد الله محمد بن محمد الورغمي التونسي المالكي، (ت: ٨٠٣ هـ)، تفسير الإمام ابن عرفة، ت: د. حسن المناعي، ط ١ (تونس: مركز البحوث بالكلية الزيتونية، ١٩٨٦ م)، ٣/ ٣٣١. ابن ملّا، عبد القادر حويش السيد محمود آل غازي العاني (ت: ١٣٩٨ هـ)، بيان المعاني، ط ١، (دمشق: مطبعة الترقي، ١٣٨٢ هـ-١٩٦٥ م،٣/ ٣٩٢.
[ ١٤١ ]
النصب: ثبات الألف، ﴿عِشَاءً﴾ ظرف العامل فيه جاءوا ﴿يَبْكُونَ﴾ فعل مستقبل في موضع الحال (١)،
أو جاءوا باكين، ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾، ﴿نَسْتَبِقُ﴾ فعل مستقبل في موضع الحال، أي: ذهبنا مستبقين، ﴿عِنْدَ﴾ ظرف العامل فيه تركنا، ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ الفاء جواب ما أخبروا به، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ ما حرف نفي، و﴿أَنْتَ﴾ اسم ما، و﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ الخبر متعلق بما يضمنه المعنى، و﴿لَنَا﴾ متعلق ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾، ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ اسم كان الألف والنون، وخبرها ﴿صَادِقِينَ﴾، ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ﴾، ﴿عَلَى﴾ متعلقه بـ ﴿جَاءُوا﴾، ﴿بِدَمٍ﴾ متعلق أيضا بـ ﴿جَاءُوا﴾، ﴿كَذِبٍ﴾ نعت لدم، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿سَوَّلَتْ﴾، ﴿أَمْرًا﴾ نصب بـ ﴿سَوَّلَتْ﴾، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ الفاء جواب فعلهم، وصبر رفع على إضمار مبتدأ أي: فأمري صبر جميل، و﴿جَمِيلٌ﴾ نعت لصبر، ويجوز أن يكون رفع بالابتداء (٢)، أو الخبر محذوف تقديره: فصبر جميل أولى لي (٣)،
_________________
(١) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩٥. النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٥٩ ..
(٢) النسفي، أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين (ت: ٧١٠ هـ)، مدارك التنزيل وحقائق التأويل ت: يوسف علي بديوي، ط ١، (بيروت: دار الكلم الطيب، ١٤١٩ هـ-٩٩٨١ م)، ٢/ ١٠٠. ابن جزي، مرجع سابق، ١/ ٣٨٣. البيضاوي، مرجع سابق، ٣/ ١٥٨.
(٣) النَّحَّاس،،إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٣١٨. الزجاج، تمرجع سابق، ١/ ٤١. العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٢٦.
[ ١٤٢ ]
وينشد (١):
تشكوا إليَّ جَمَلي طُولَ السُّرَى صَبْرٌ جَمِيلٌ، وكِلانَا مُبْتَلَى (٢)
﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ابتداء وخبر، و﴿عَلَى﴾ متعلقة بـ مُسْتَعَانُ، و﴿مَا﴾ بمعنى الذي، وإن شئت كانت و﴿تصِفُونَ﴾ مصدرا (٣)، أي: على وصفكم، ﴿سَيَّارَةٌ﴾ رفع بـ جاءت، والفاء جواب مجيئهم، ﴿وَارِدَهُمْ﴾ نصب بـ أرسلوا، ﴿فَأَدْلَى﴾ ﴿دَلْوَهُ﴾ نصب بـ أدلى،
_________________
(١) ونسبه السيرافي في شرح أبيات سيبويه، ١/ ٣١٧ لملبد بن حرملة. وهو ملبد بن حرملة الشيبانيّ: شجاع من كبار الثوار في صدر أيام العباسيين. خرج في أيام المنصور ومعه نحو ألف فارس فاستولى على ناحية الجزيرة. واستفحل أمره، فسير المنصور لقتاله جيوشا متتابعة انهزمت كلها. ثم وجه إليه خازم بن خزيمة في ثمانية آلاف مقاتل، فثبت لهم ملبد ثباتا عجيبا حتى كاد يهزمهم، فرشقوه بالنشاب فقتلوه مع جمع كبير من أصحابه (١٣٨ هـ = ٧٥٥ م)، الكامل لابن الأثير أبي الحسن عز الدين ٥: ١٨٠، ١٨١ والطبري ٩: ١٧٠ ولم ينسبا أباه، ولعله (حرملة بن إياس) ت بين سنتي ١٠٠ و١١٠ وكان من رجال الحديث، له ترجمة موجزة في تهذيب التهذيب ٢: ٢٢٨. الزركلي، مرجع سابق، ٧/ ٢٨٧. لكن تعقبه الغندجاني في " فرحة الأديب " ص ١٧٩ - ١٨٠، فقال: ليس بيت الكتاب للملبد بن حرملة الشيباني، إنما سئل أبو عبيدة عن قائله فقال: هو لبعض السواقين ابن الوزير، أبو عبد الله، عز الدين محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي، (ت: ٨٤٠ هـ)، العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط، ط ٣، (بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٥ هـ-١٩٩٤ م)، ٥/ ١٠٤ بتصرف. والله أعلم بالصواب.
(٢) كذا في الأصل"تشكوا" بالتاء وألف الجمع ولعل الصواب"يشكو" وكذلك "فكلانا" ولعل الصواب "وكلانا" لثبوتهما في المراجع من بحر الرجز. سيبويه، مرجع سابق، ١/ ٦٤. أبو عبيدة، معمر بن المثنى التيمى البصري (ت: ٢٠٩ هـ)، مجاز القرآن، ت: محمد فواد سزكَين، (القاهرة: مكتبة الخانجى، ١٣٨١ هـ)، ١/ ٣٠٣. ابن قتيبة الدينوري، تأويل مشكل القرآن، ت: إبراهيم شمس الدين، (بيروت: دار الكتب العلمية، ٢٠٠٧ م)، ١/ ٧١.الفراء، مرجع سابق، ٢/ ٥٤.قال السَّمين: يجوزُ أن يكون مبتدأً وخبره محذوف، أي: صبرٌ جميلٌ أمثلُ بي. ويجوزُ أن يكونَ خبرًا محذوفَ المبتدإ، أي: أمري صبرٌ جميلٌ. ثمَّ ذكرَ قولَ الشَّاعرِ: يشكو إليَّ جَمَلي طُولَ السُّرَى صبرٌ جميلٌ فكِلانا مُبْتَلَى. وقالَ: يحتمل أن يكون مبتدأً أو خبرًا كما تقدَّم ثُمَّ أشارَ إلى قراءةٍ شاذَّةٍ في الآيةِ الكريمة، وهي: (فصبرًا جميلًا)، وتُخرَّجُ علَى أنَّ (صبرًا) منصوبٌ على المصدرِ، أي أنَّه مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ محذوفٍ، والتقديرُ: اصبري يا نفسُ صبرًا. ثُمَّ قالَ: (ورُوي البيتُ أيضًا بالرفع والنَّصب علَى ما تقدَّم، والأمرُ فيه ظاهرٌ) مرجع سابق، ٦/ ٤٥٨.انتهى.
(٣) النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩٢.
[ ١٤٣ ]
والفاء جواب إرسالهم بتقدير: فأتى، فأدلى، وجمع دلو أَدْلٍ في القليل والكثير دُلي بضم الدال وكسرها (١)، والأصل دلو، وعلى وزن فعول، قلبت لام الفعل ياء، وقلبت الهاء الزائدة، ثم أدغمت الياء في الياء، وفعلت ذلك: لأن الجمع باب لاستثقال الجمع وحرف العلة، ولنفرق بين الواحد والجمع، فمن ضم: فعلى الأصل، ومن كسر: كرِه الكسر بعد الضم استثقالا له ويقال في جمعه أيضا دِلاء (٢) ويقال: أدلى الرجل دلوه إذا أرسلها ليستقي بها يدلها إدلًا، ودلاها يدلوها دلوا إذا مدّها ليخرجها، ﴿يَا بُشْرَى﴾ نداء مضاف، ومنهم من لا يضيف (٣)،
فيقول: يا بشرى، ومثله هذا وقد تقدم القول فيه (٤)، ﴿هَذَا غُلَامٌ﴾ ابتداء وخبر، ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ الهاء في ﴿وَأَسَرُّوهُ﴾ راجعة على يوسف، و﴿بِضَاعَةً﴾ نصب على الحال، أي: مبضوعة، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا، ويكون أسروه بمعنى جعلوه بضاعة (٥)، ﴿وَاللَّهُ عليمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ابتداء وخبر، و﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿عليمٌ﴾، وما بمعنى الذي.
_________________
(١) الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، (بَاب الدَّال وَاللَّام) ١٤/ ١٢١. زين الدين الرازي، مرجع سابق، باب (د ل ا)،١/ ١٠٧. الحموي الفيومي، أبو العباس أحمد بن محمد بن علي، (ت: نحو ٧٧٠ هـ)، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، (بيروت: المكتبة العلمية)، باب (د ل و)، ١/ ١٩٩.
(٢) الفراهيدي، العين، مرجع سابق، ٢/ ٢٩. ابن دريد، أبو بكر محمد بن الحسن الأزدي (ت: ٣٢١ هـ) جمهرة اللغة ت: رمزي منير بعلبكي، ط ١، (بيروت: دار العلم للملايين، ١٩٨٧ م)، ٢/ ٦٨٢. ينظر المراجع، تهذيب اللغة، مختار الصحاح، المصباح المنير. والألوسي، مرجع سابق، ٩/ ١٣٠.
(٣) النَّحَّاس،،إعراب القرآن، مرجع سابق ٢/ ٣١٩. الزجاج، مرجع سابق، ١/ ١٩٤. ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٤٧ ..
(٤) الماتريدي، أبو منصور محمد بن محمد بن محمود، (ت: ٣٣٣ هـ)، تفسير الماتريدي (تأويلات أهل السنة)، ت: د. مجدي باسلوم، ط ١، (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢٦ هـ-٢٠٠٥ م)، ٦/ ٢٢٠. النسفي، مرجع سابق، ٢/ ١٠١.ابن جزي، مرجع سابق، ١/ ٣٨٣. ابن الجوزي، مرجع سابق، ٢/ ٤٢١
(٥) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٣١٩. العكبري، مرجع سابق، ٢/ ٧٢٧.
[ ١٤٤ ]
القولُ في القراءةِ:
قرأ أهل الكوفة: ﴿يَا بُشْرَى﴾ بوقف الياء من غير ألف، الباقون: بفتح الياء وإثبات الألف من غير إمالة (١)، والإمالة لحمزة (٢) والكسائي على أصولهما لأن الألف رابعة، والألف والياء على إضافة بشرى إلى ياء النصب، كمثواي وهداي، والحذف: على نداء البشرى أي أن هذا من آنائك وأوقاتك، ويجوز أن يجعل البشرى اسما، والأول أجود، لأنه غير مصروف المعنى.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم: أن في الكلام حذفا، ترك اكتفاء بما ظهر منه، والمعنى: فأرسله معهم (٣)، ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ أي: وأجمع رأيهم وتحزبوا على أن يجعلوه في غيابة الجب (٤)،
_________________
(١) قول المؤلف من غير إمالة: صوابه أن ورشا عن نافع يقلل الراء وأن أبا عمرو البصري له ثلاثة أوجه الفتح، والتقليل، والإمالة، في الراء من طريق الشاطبية. ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، مرجع سابق، ٢/ ٤٠. ابن مجاهد، مرجع سابق،١/ ٣٤٧. الأزهري الهروي، معاني القراءات، مرجع سابق،٢/ ٤٦.
(٢) حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الزيات الإمام الحبر أبو عمارة الكوفي التيمي مولاهم وقيل من صميمهم الزيات، أحد القراء السبعة، ولد سنة ثمانين وأدرك الصحابة بالسن فيحتمل أن يكون رأى بعضهم. (ت: ١٥١ - ١٦٠ هـ)، أحد القراء السبعة. ابن سعد، مرجع سابق، ٦/ ٣٥٩. العين، محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى بدر الدين (ت: ٨٥٥ هـ)، مغاني الأخيار في شرح أسامي رجال معاني الآثار، ت: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، ط، ١، (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢٧ هـ-٢٠٠٦ م،١/ ٢٤٤. الذهبي، تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، مرجع سابق، ٤/ ٤١. ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، مرجع سابق، ١/ ٢٦١.
(٣) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٠٨. فائدة: وجوب رعاية الأب لأبنائه. قال أبو حيان: "وفي لفظة: أرسله! دليل على أنه كان يمسكه، ويصحبه دائما. أبو حيان، مرجع سابق، ٦/ ٢٤٥.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٩.الواحدي، أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي (ت: ٤٦٨ هـ) الوسيط في تفسير القرآن المجيد، ت: وتعليق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض، د/أحمد محمد صيرة، د/أحمد عبد الغني الجمل، د/عبد الرحمن عويس، قدمه وقرظه: أ. د/عبد الحي الفرماوي، ط ١ (بيروت: دار الكتب العلمية،١٤١٥ هـ-١٩٩٤ م)، ٢/ ٦٠٣.
[ ١٤٥ ]
قال السدي (١): فأرسله معهم فأخرجوه وبه عليهم كرامة، فلما برزوا إلى البرية أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه فجعل لا يرى منهم رحيما فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه يا يعقوب لو تعلم ما صنع بابنك بَنُو الْإِمَاء، فلما كادوا يقتلونه قال يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقا ألا تقتلوه؟ (٢) فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فيه، فجعلوا يدلونه في البئر، فيتعلق بشفير البئر فربطوا يديه، ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه ردوا علي قميصي لأتوارى به في الجب! فقالوا ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تؤنسك! قال: إني لم أر شيئا، فدلوه في البئر، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت. وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها. قال: فلما ألقوه في البئر، جعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة أدركتهم، فلباهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه، فقام يهوذا فمنعهم، وقال: قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه! وكان يهوذا يأتيه بالطعام (٣).
وقولُهُ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ الآية قيل: جواب لمّا محذوف، والتقدير: عظمت فتنتهم أو كبر ما قصدوا له، وحذف ذلك للعلم به ودلالة هيئة الخطاب عليه. وقيل: ليس في الكلام حذف، ولكن الواو زائدة (٤)، والتقدير: فلما ذهبوا به أجمعوا أن يجعلوه في
_________________
(١) إسماعيل بن عبد الرحمن السدي (ت: ١٢٨ هـ) ـ، تابعي، حجازي الأصل، سكن الكوفة، وقيل: "صاحب التفسير والمغازي والسير". ابن سعد،مرجع سابق، ٦/ ٣١٨. ابن أبي حاتم، أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، (ت: ٣٢٧ هـ)، الجرح والتعديل، ط ١، (الهند: بحيدر آباد الدكن، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، ١٢٧١ هـ-ـ ١٩٥٢ م، ٢/ ١٨٤.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٩. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٠٨.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٥/ ٥٧٤.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٠٩.القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٥١٥.
(٤) هذا على رأي الكوفيين من النحاة، يزاد عندهم بعد "لما" و"حتى" "إذا" وعلى ذلك خرَّجوا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ سورة الصافات، الآية: (١٠٣).أي: ناديناه. وهذا مذهب الخليل وسيبويه وهو نص لهما في قول امرئ القيس: [الطويل] فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى. قال أبو حيان: وهو قول مردود لأنه ليس في القرآن شيء زائد لغير معنى. وقال البصريون: ليس في الآية زيادة، لأن جواب "لما" محذوف تقديره: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ عظمت فتنتهم" وقدره بعضهم: "جعلوه فيها" قال أبو حيان: وهذا أولى، إذ يدل عليه قوله: ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾. ينظر: المحرر الوجيز: ٤/ ٤٥٢، البحر المحيط: ٥/ ٢٨٧. البغوي، مرجع سابق، ٤/ ٢٢١.
[ ١٤٦ ]
غيابة الجب. وقولُهُ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ أي: أوحينا إلى يوسف لتخبرن أخوتك (١) بفعلهم هذا الذي فعلوه بك، وهم لا يعلمون لا يدرون. واختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله بقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فقال بعضهم: عني بذلك أن الله أوحى إلى يوسف سَيُنَبِّئُ إخوته بفعلهم به ما فعلوه من إلقائه في الجب وبيعهم إياه وسائر ما صنعوا به من صنيعهم (٢)، وإخوته لا يشعرون بوحي الله إليه بذلك (٣)،
قال مجاهد: وهو معنى قول ابن زيد، وقال آخرون: معنى ذلك وأوحينا إلى يوسف بما إخوته صانعون به، وإخوته لا يشعرون بإعلام الله إياه بذلك (٤)، وهو معنى قول قتادة، وقال آخرون: بل معنى ذلك أن يوسف سينبئهم بصنيعهم به، وهم لا يشعرون إنه يوسف (٥)، وهو قول ابن جريج (٦)، ومعنى قول ابن عباس، وقد قال لهم لما جاؤوا، فقالوا: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾، فأجابهم بأن قال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ (٧)، فأعلمهم بما وعده الله وهم لا يعلمون أنه يوسف،
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣١. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٠٩.
(٢) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣١٨.
(٣) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩٥.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٠١. القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٥١٦ ..
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٥/ ٥٧٦.البغوي، مرجع سابق، ٢/ ٤٧٩.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٣. الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البري البغدادي، (ت: ٤٥٠ هـ)، تفسير الماوردي=النكت والعيون، ت: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، (بيروت: دار الكتب العلمية)، ٣/ ١٤.
(٦) أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وأبو خالد (٨٠ - ١٥٠ هـ) ـ، فقيه الحرم المكيّ، وهو أول من صنف التصانيف في العلم بمكة، مكي المولد. ابن سعد، مرجع سابق، ٦/ ٣٨،٣٧. ابن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، (ت: ٣٥٤ هـ)، الثقات، (الهند: دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الدكن،١٣٩٣ هـ١٩٧٣ م)، ٧/ ٩٣.
(٧) السمرقندي، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٨. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٥٤. البغوي، مرجع سابق، ٢/ ٥١٢.
[ ١٤٧ ]
ودليل أنهم لم يعلموا أنه يوسف، استفهامهم له بقوله: ﴿أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ ولم يستفهموا عن أخيه، لأنهم عالمون به.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ يقول تعالى: وجاء إخوة يوسف أباهم بعد ما ألقوا يوسف في غيابة الجب عشاءً يبكون، وروي عن السدي قال (١): أقبلوا إلى أبيهم عشاءً يبكون، فلما سمع أصواتهم فزع، وقال: مالكم يا بني: هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فما فعل يوسف؟ (٢) قالوا: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ فبكى الشيخ، وصاح بأعلى صوته، وقال: أين القميص؟ فجاءوه بالقميص، عليه دم كذب، فأخذ القميص وطرحه على وجهه وبكى، حتى تخضب وجهه من دم القميص (٣). ومعنى قولهم نستبق: نفتعل من السباق (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ يقولون: بِمُصَدِّقِنَا عَلَى قولنا أن يوسف أكله الذئب، ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، فإن قال قائل: وما معنى قوله: ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أخبر عنهم أنهم غير صادقين، فذلك تكذيب منهم أنفسهم، أم خبر منهم عن أبيهم أنه لا يصدقهم لو صدقوه، فقد علمت أنهم لو صدقوا أباهم الخبر لصدقهم؟ قيل معنى ذلك: وما أنت بمصدق لنا ولو كنا من أهل الصدق الذين لا يُتَّهَمُونَ لِسُوءِ ظنك بنا وَتُهْمَتِك لَنَا (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: وجاءوا على قميص يوسف بدم كذب أي: ذي كذب، وقيل المصدر وقع موقع المفعول، كما يقع المفعول موقع المصدر، فمعنى كذب
_________________
(١) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١١٠.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٠٢.
(٢) القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٤/ ٢٢٢.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٤. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١١٠.القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٥١٨.
(٤) الماوردي، مرجع سابق، ٣/ ١٤.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٤.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٠٣.
[ ١٤٨ ]
مكذوب (١) كما قالوا ماله معقول أي: عقل، وسماه الله كذبًا، لأن الذين جاءوا بالقميص وهو فيه كذبوا فيه، وقالوا ليعقوب: هو دم يوسف، ولم يكن بدمه، وإنما كان دم سخلة (٢) فيما قيل، قاله مجاهد وابن عباس، قال: ذبحوا جديا من الغنم، ثم لطخوا القميص بدمه، ثم أقبلوا إلى أبيهم، فقال يعقوب: إن كان هذا الذئب لرحيمًا كيف أكل لحمه، ولم يخرق قميصه (٣)؟ يا بني، يا يوسف ما فعل بك بنو الإماء (٤). فإن قيل كيف قيل بدم كذب، وهو دم لايشك فيه وإن لم يكن دم يوسف؟ قيل في ذلك وجهان (٥)،
أحدهما: أن يكون قيل بدم كذب لأنه كذب فيه، كما يقال الليلة الهلاك، وكما قال: فما ربحت تجارتهم، والآخر: أن يكون مصدرا بمعنى مفعول (٦)، وتأويله: وجاءوا على قميصه بدم مكذوب، كما يقال: ماله عقل ولا معقول، ولا له جلد ولا مجلود، والعرب تفعل ذلك (٧)،
_________________
(١) الماوردي، مرجع سابق، ٣/ ١٥.السمعاني أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت: ٤٨٩ هـ)، تفسير القرآن، ت: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، ط ١، (الرياض: دار الوطن، ١٤١٨ هـ-١٩٩٧ م)، ٣/ ١٥.
(٢) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣١٨ عن ابن عباس. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٥.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١١١.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، بلفظ (لخرق قميصه)، ١٣/ ٣٨. ابن أبي حاتم، المرجع السابق. فائدة: في القميص ثلاث آيات: حين جاؤوا عليه بدم كذب، حين قد من دبر، وحين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيرًا. وهذا يؤكد أن القميص له شأن في هذه القصة "لم يذكر لفظ القميص في كتاب الله -تعالى-إلا في هذه السورة، والغريب أنه ذكر فيها في ستة مواضع، من مواضع القصة المهمة، الأمر الذي يخيل إلينا أن القميص ركن من أركان هذه القصة. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٢٥٣.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٦.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٨.الماوردي، مرجع سابق، ٣/ ١٥. ابن جزي، مرجع سابق، ١/ ٣٨٣ ..
(٦) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩٦. ابن جرير، مرجع سابق، ١٥/ ١١. الجرجاني، دَرْجُ الدُّرر في تَفِسيِر الآيِ والسُّوَر، دراسة وتحقيق: (الفاتحة والبقرة) وَليد بِن أحمد بن صَالِح الحُسَيْن، (وشاركه في بقية الأجزاء): إياد عبد اللطيف القيسي، ط ١، (بريطانيا: مجلة الحكمة، ١٤٢٩ هـ-٢٠٠٨ م، مرجع سابق، ٣/ ٩٩٤.
(٧) الماتريدي، مرجع سابق، ٦/ ٢١٩.ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٨.
[ ١٤٩ ]
قال الراعي (١):
حَتَّى إذَا لم يَتْرُكُوا (٢) لِعِظَامِهِ لَحْمًا وَلا لِفؤادِهِ مَعْقول
أي: عقلا. وقوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي: قال يعقوب لبنيه الذين أخبروه أن الذئب أكل يوسف، مكذبًا لهم في خبرهم: ذلك ما الأمر كما تقولون، ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، يقول بل زينت ﴿لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ في يوسف وحسنته ففعلتموه، كما روي عن قتادة (٣). ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ على ما فعلتم بي في أمر يوسف فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أولى بي، والله استعين على كفايتي شر ما تصفون من الكذب، وقيل الصبر الجميل: هو الذي لا جزع فيه (٤)، وقيل أن النبيﷺ- سُئل عن صبر جميل؟ قال: صبر لا شكوى فيه، وقال من بثه فلم يصبر" (٥)، وروى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت أن يعقوب النبي -صلى الله عليه
_________________
(١) هو عبيد بن حصين بن معاوية النميري، وكان سيدا، وإنما قيل له الرّاعى لأنّه كان يصف راعى الإبل فى شعره. وكان بنو نمير أهل بيت وسؤدد، ويكنى أبا جندل. وكان أعور، عاصر جريرا والفرزدق. (ت: ٩٠ هـ). الجاحظ، مرجع سابق، ٧/ ٤٥٥. ابن قتيبة الدينوري، الشعر والشعراء، مرجع سابق، ١/ ٤٠٤. الزركلي، مرجع سابق، ٤/ ١٨٩.
(٢) من ملحمته المشهورة، قالها لعبد الملك بن مروان، وكان بعض عماله على الصدقات، قد أوقع ببني نمير قوم الراعي، لأن قيسًا كانت زبيرية الهوى، فقال: أَخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنَّا مَعْشَرٌ حُنَفَاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلاَ إلى أن قال: حَتَّى إذَا لم يَتْرُكُوا ديوانه، البيت: رقم، ٧٤. ص ٢١٠. الخطاب، أبو زيد محمد بن أبي القرشي (ت: ١٧٠ هـ)، جمهرة أشعار العرب، حققه وضبطه وزاد في شرحه: علي محمد البجادي، (نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع)،١/ ٧٣٣ لحما ولا لفؤاده معقولا. ولعل حدث خطأٌ من الناسخ فالصواب "معقولا" لثبوته في المصادر السابقة والله تعالى أعلم. فإنه من قصيدة للراعي النميري مذكورة في جمهرة أشعار العرب " بتصرف.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٥/ ٥٨٣. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٤.
(٤) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣١٨.
(٥) الصبر والثواب عليه لابن أبي الدنيا، باب صبر لا شكوى فيه، ١/ ٨٣.رقم الحديث ١١٠. تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي، باب سورة يوسف ﵇، ٢/ ١٦١، بلفظ "صَبر لَا شكوى فِيهِ من بَث لم يصبر".رقم الحديث ٦٢٥. تفسير ابن كثير ط العلمية، سورة يوسف: الآيات ١٩، ٤/ ٣٢٢ وقال: حديث مرسل. وهو في تفسير عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٨ وابن أبي حاتم، ٨/ ٣٠٩ وابن جرير، ١٥/ ٥٨٥. بلفظ "صبر لا شكوى فيه. قال: من بثّ فلم يصبر".
[ ١٥٠ ]
وسلم كان قد سقط حاجباه، فكان يرفعهما بخرقه، فقيل له: ما هذا؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان، فأوحى الله إليه: يا يعقوب أتشكوني؟ قال: يارب خطية أخطأتها، فاغفرها لي (١)،
وقولُهُ: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قال قتادة: على ما تكذبون (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ أي: وجاءت مارّة الطريق من المسافرين فأرسلوا واردهم، وهو الذي يرد المنهل أو المنزل وورُوده إِيَّاهُ: مصِيره إِلَيه ودُخوله، فأرسل دلوه في البئر، يقال: أدليت الدلو في البئر إذا أرسلتها فيها، فإذا استقيت قلت دلوت أدلو دلوًا (٣)، وفي الكلام محذوف (٤)، وهو: فأدلى دلوه فتعلق به يوسف، فخرج فقال المدلي: يا بشرى هذا غلام، واختلف في معنى: قال يا بشرى هذا غلام، فقال بعضهم: ذلك تبشير من المدلي دلوه في إصابته يوسف بأنه أصاب عبدا (٥)، وهو معنى قول قتادة، وقال آخرون: بل ذلك اسم رجل من السيارة بعينه ناداه المدلي لما خرج يوسف من البئر متعلقا بالحبل (٦)، وهو قول السدي قال: كان اسم صاحبه بشرى (٧)،وقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ اختلف أيضا في تأويله، وقال بعضهم: أسره الوارد المستقي وأصحابه من التجار الذين كانوا معهم، وقالوا لهم: هو بضاعة استبضعناها بعض أهل المال
_________________
(١) الصبر والثواب عليه لابن أبي الدنيا، باب زوجوا الحور العين، وأخدموا، ١/ ٧٩.رقم الحديث ١١٧. عن جعفَرِ بْنِ الحارثِ النَخْعِيِّ. وهو في تفسير عبد الرزاق، مرجع سابق، ٢/ ٣١٩ .. وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن حبيب بن أبي ثابت، الدر المنثور للسيوطي، باب ٨٥، ٤/ ٥٧٢، ٥٧٣.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٤٢.ابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٢.
(٣) ابن دريد، جمهرة اللغة، مرجع سابق، باب ما اتفق عليه أبو زيد وأبو عبيد، ٣/ ١٢٦٦. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، باب (الدال واللام)، ١٤/ ١٢٢. الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩٧. ابن أبي زَمَنِين، مرجع سابق، ٢/ ٣١٩.
(٤) القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٥٢٤.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٤٣.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق، ١٥/ ٢.الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩٧.ابن الجوزي، مرجع سابق، ٢/ ٤٢١.
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٤٥.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١١٣.الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩٧.
[ ١٥١ ]
إلى مصر، لأنهم خافوا إن علموا أنهم اشتروه بما اشتروه به أن يطلبوا منهم فيه الشركة (١)
، وهو معنى قول مجاهد والسدي، وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأسرّه التجار بعضهم من بعض (٢)، وهو أيضًا يروى عن مجاهد، وقال قتادة: وأسروا بيعه (٣)، وقيل: إنما عني بقوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ إخوة يوسف، أنهم أسروا شأن يوسف أن يكون أخاهم، قالوا: هو عبد لنا (٤)، وهو معنى قول ابن عباس: والبضاعة: القطعة من المال، من بضعت الشيء إذا قطعته (٥)، ومنه المبضع من المال، لأنه يقطع به العرق، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (٦) والله ذو علم بما يعمله باعة يوسف ومشتروه في أمره، لا يخفى عليه من ذلك شئ لو يشاء لغيره، ولكنه نزل تعبير ذلك ليمضي فيه، وفيهم حُكمه السَّابق، وليرى إخوة يوسف ويوسف وأباه، قدرته فيه (٧)،
وهذا وإن كان خبرًا من الله عن يوسف، فإنه تذكير من الله لنبيه محمدﷺ، وتسلية منه له عما كان يلقى من أقربائه وأنسابه المشركين من الأذى، يقول تعالى ذكره له: فاصبر يا محمد على ما نالك في الله، فإني قادر على تغيير ما ينالك به هؤلاء المشركون، كما كنت قادرا على تغيير ما لقي يوسف من إخوته، ولم يكن تركي ذلك لهوان يوسف علي، ولكن لما مضي علمي فيه وفي إخوته، فكذلك تركي تغييرَ ما ينالك به هؤلاء المشركون لغير هوان بك عليَّ، ولكن لسابق علمي بتكذيبهم، ثم مصير أمرك وأمرهم إلى علوك عليهم وإذعانهم لك، كما صار أمر إخوة يوسف إلى الْإِذْعَان لِيُوسُف بِالسُّؤْدُدِ عليهم وعلوه
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٤٦ ..
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٤٧. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١١٤.
(٣) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٠.ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٤٨.
(٤) ابن جرير، المرجع السابق، ١٣/ ٤٨.البغوي، مرجع سابق، ٢/ ٤٨١. الخازن، مرجع سابق، ٢/ ٥١٨.
(٥) الخطيب الشربيني، شمس الدين، محمد بن أحمد الشافعي (ت: ٩٧٧ هـ) السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير، (القاهرة: مطبعة بولاق (الأميرية)، ١٢٨٥ هـ)، ٢/ ٩٨.
(٦) فائدة: إن الله محيط علمه وقدرته وبالغ العلم بكل عمل. أن الفرج قد يحصل من حيث لا يحتسب، وأنه ينتظر للشدة. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٢٦٣.
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، ١٥/ ٧ ..
[ ١٥٢ ]
عليهم (١). وقد تضمنت الآيات: البيان عما يوجبه الإقدام على ظلم العظيم الشأن من رجوع الوبال على الظالم حين تنكب بما أقدم عليه بجهله، والبيان عما يوجبه المكر من البكاء لأنها من المصيبة على ما أتوا به من التسلية، والبيان عما يوجبه حال التهمة في الخبر من تأكيده بما يقتضي أن صاحبه محق فيه، وهو متخرص فيما أتى به، والبيان عما يوجبه حال التقي من الصبر الجميل عند المصيبة، والاستعانة بالله عندما يُعرَّض من الأمور الهائلة، ورد الصفة المزينة بما يقتضيه من التهمة.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ تمام (٢)، قال يعقوب: ﴿أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ كاف، ﴿عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ حسن (٣)، وكذا ﴿مَا تَصِفُونَ﴾ (٤)، وكذا ﴿صَادِقِينَ﴾ (٥)، وكذا ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (٦)، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ حسن (٧).
وقولُهُ ﷿:
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٥/ ٧.
(٢) الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٥. وهو كاف عند الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٢. وهو حسن عند الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٢.
(٣) تام عند الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٥. وهو جائز عند الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٢. وهو صالح عند الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٢.
(٤) تام عند الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٥. وهو كاف عند الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٢.
(٥) تام عند الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق، ص ٣٢٥. حسن عند الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٢.
(٦) المرجع السابق، ص ٣٣٠.قال يعقوب: فهذا الوقف الكافي ثم قال الله- جل وعز- ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قال فيجوز ﴿فصبرًا جميلًا﴾ في حرف أبي ابن كعب هذا الأول ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ويقرأ الثاني ﴿فصبرًا جميلًا﴾ والتمام عند غير يعقوب. وهو وقف تام عند الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٢. وهو تام عند الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٢.
(٧) وافقه الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٢. وهو تام عند الأشموني، المرجع السابق.
[ ١٥٣ ]
﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾
يقال: شريت أشري إذا بعت (١)، ومنه قوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٢) وقال ابن مفزع الحميري (٣):
وَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِنْ قَبْلِ بُرْدٍ كنْتُ هَامَهْ (٤).
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٥/ ٨. الماوردي، مرجع سابق، ٣/ ١٨. الواحدي، مرجع سابق، ٢/ ٦٠٤.
(٢) سورة البقرة، الآية: (١٠٢).
(٣) هو يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري من فحول الشعراء وكان أبوه زياد بن ربيعة حدادا. وقيل: شعابا بتبالة. وتبالة بالفتح: قرية بالحجاز مما يلي اليمن. ولابن مفرغ هجو مقذع، ومديح، ونظمه سائر (ت: ٦٩ هـ). الجمحي، أبو عبد الله محمد بن سلّام بن عبيد الله ت ٢٣٢ هـ، طبقات فحول الشعراء، ت: محمود محمد شاكر، (جدة: دار المدني)، ٢/ ٦٨٩. الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ٣/ ٥٢٣. وفي أبيات يقولها في غلام له باعه وندم على بيعه واسمه برد، قال: وشريت بردًا ليتني من بعد برد كنت هامه. العَبدُ يُقرَعُ بِالعَصا والحرُ تكفيِه المَلاَمَهْ.
(٤) من قصيدة له، في هجاء عباد بن زياد، حين باع ما له في دين كان عليه، وقضى الغرماء، وكان فيما باع غلامًا لابن مفرغ، يقال له"برد"، وجارية يقال لها"أراكة". وقوله: "كنت هامة" أي هالكا. يقال: فلان هامة اليوم أو غد، أي قريب هلاكه، فإذا هو"هامة"، وذلك زعم أبطله الله بالإسلام كان في الجاهلية: أن عظم الميت أو روحه تصير هامة (وهو طير كالبومة) فتطير. ورواية غيره: "من بعد برد". ابن جرير، مرجع سابق، ٢/ ٣٤١. الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد الفارابي (ت: ٣٩٣ هـ) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ت: أحمد عبد الغفور عطار، ط ٤، (بيروت: دار العلم للملايين، ١٤٠٧ هـ-١٩٨٧ م)،٢/ ٤٤٧.
[ ١٥٤ ]
يعني: بعت بردا (١)، وهو عبد كان له (٢)، ﴿بِثَمَنٍ﴾ متعلق بـ ﴿شَرَوْهُ﴾، ﴿بَخْسٍ﴾ نعت لثمن، ﴿دَرَاهِمَ﴾ بدل من ثمن، ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ نعت لـ ﴿دَرَاهِمَ﴾، ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾، ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ خبر كان، و﴿فِيهِ﴾ متعلق بما دل عليه من الزاهدين، والتقديم (٣) وكانوا زاهدين فيه ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾، وجاز هذا في الظروف للتوسع فيها (٤)، ولا يجوز مثل هذا في المفعول، لا يجوز كانوا زيدًا من الظالمين، بتقدير: كانوا ظالمين زيدا من الظالمين (٥)، والواو في كانوا يعود على إخوة يوسف، والهاء في شروه و﴿فِيهِ﴾ يعودان على يوسف، ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ﴾ ﴿الَّذِي﴾ رفع بـ قال، ﴿مِنْ مِصْرَ﴾ متعلق بـ ﴿اشْتَرَاهُ﴾، ولم تنصرف مصر: لأنها اسم المدينة معرّفة و﴿لِامْرَأَتِهِ﴾ متعلق بـ ﴿اشْتَرَاهُ﴾ أيضا (٦)، ﴿أَكْرِمِي﴾ أمر، وألفه ألف قطع (٧)،
_________________
(١) الزجاج، مرجع سابق، ١/ ٢٧٨. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٠٤. الماوردي، مرجع سابق، ٣/ ١٨.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ٢/ ٣٤١.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٠٤. السمعاني أبو المظفر، مرجع سابق، ١/ ٢٠٩.
(٣) في (د) "والتقدير".
(٤) ابن السراج، مرجع سابق، ٢/ ٢٢٣. الزجاجي، اللامات، مرجع سابق، ١/ ٥٨.
(٥) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩٨. الباقولي، أبو الحسن نور الدين علي بن الحسين بن علي، جامع العلوم الأَصْفهاني (ت: نحو ٥٤٣ هـ)، إعراب القرآن المنسوب للزجاج، ت: ودراسة: إبراهيم الإبياري، ط ٤، (القاهرة: دار الكتاب المصري، بيروت: دارالكتب اللبنانية، ١٤٢٠ هـ)، ١/ ٦٥٢/٧١٦.
(٦) ويجوز أن يكون متعلقا بـ (قال).
(٧) ويقصد والله أعلم بالهمزة (القطع).
[ ١٥٥ ]
﴿مَثْوَاهُ﴾ في موضع نصب بـ ﴿أَكْرِمِي﴾ لا يتبين فيه الإعراب، لأن أخره ألف (١)
، والمثوى الإقامة (٢) في ﴿عَسَى﴾
_________________
(١) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩٨.الماوردي، مرجع سابق، ٢/ ١٦٨.الخراط، مرجع سابق، ٢/ ٤٩٦. الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٨٢ ..
(٢) في (د) "الإقامة".
[ ١٥٦ ]
فعل ترج مشبه بكان (١)، كما قيل: عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا (٢)
، و﴿أَنْ﴾ في موضع رفع بـ ﴿عَسَى﴾، وأَنْ يلزمها لتدل على الاستقبال، ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ﴾ عطف على ﴿يَنْفَعَنَا﴾، ﴿وَلَدًا﴾ مفعول ثان، والهاء مفعول أول، ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ ووجه التشبيه بالتمكين له في الأرض شبيها بالتوفيق الذي أصاره إليه بالنجاة من الهلاك والإخراج إلى أجل حالٍ، ﴿لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يتعلق حرفا الجر بمكناه (٣)، ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ﴾ لام كي متعلقة بما دل عليه معنى الكلام (٤)، بتقدير: دبرنا ذلك لنمكنه في الأرض، ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، و﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ نعلمه، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ
_________________
(١) صافي، مرجع سابق، ١٢/ ٤٠٢، ٤٠١. درويش، مرجع سابق، ٤/ ٤٦٩. الخراط، مرجع سابق، ٢/ ٤٩٦.
(٢) ابن سلاّم، أبو عُبيد القاسم بن عبد الله الهروي البغدادي (ت: ٢٢٤ هـ)، الأمثال، ت: الدكتور عبد المجيد قطامش، ط ١، (دار المأمون للتراث، ١٤٠٠ هـ-١٩٨٠ م)، ١/ ٣٠٠. ابن مهران العسكري، أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى (ت: نحو ٣٩٥ هـ) جمهرة الأمثال، (بيروت: دار الفكر)، ٢/ ٥١. ابن رفاعة، أبو الخير الهاشمي زيد بن عبد الله بن مسعود، (ت: بعد ٤٠٠ هـ): الأمثال، ط ١، (دمشق: دار سعد الدين، ١٤٢٣ هـ)، ١/ ٧١. وَمعنى الْمثل: لَعَلَّ الشَّرّ يَاتِي من قبل الغوير. البغدادي، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، مرجع سابق، ٩/ ٣٢٠. الغُوَيْر: تصغير غَارٍ، والأبؤس: جمع بُؤْس، وهو الشدة. وأصل هذا المثل فيما يُقَال من قول الزبَّاء حين قَالت لقومها عند رجوع قَصير من العراقَ ومعه الرجال وبات بالغُوَير على طريقه "عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا" أي لعل الشرَّ يأتيكم من قبل الغار. وجاء رجل إلى عمر ﵁ يحمل لَقِيطًا فَقَال عمر "عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا" قَال ابن الأعرابي: إنما عَرَّض بالرجل، أي لعلك صاحب هذا اللقيط، قَال: ونصب "أبؤسا" على معنى عَسَى الْغُوَيْرُ يصير أبؤسا، ويجوز أن يقدَّر عَسَى الْغُوَيْرُ أن يكون أبؤسا، وقَال أبو علي الفارسي (ت: ٣٧٧ هـ) جعل عسى بمعنى كان، ونزلهُ منزلته. يضرب للرجل يُقَال له: لعلَّ الشرَّ جاء من قبلك. الميداني، أبو الفضل أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري (ت: ٥١٨ هـ)، مجمع الأمثال، ت: محمد محيى الدين عبد الحميد، (بيروت: دار المعرفة)، ٢/ ١٧ ..
(٣) كذا في الأصل والصواب "بمكنا" للنص القرآني والله تعالى أعلم.
(٤) الفراهيدي، الجمل في النحو، ت: د. فخر الدين قباوة، ط ٥، (القاهرة: مؤسسة الرسالة، ١٤١٦ هـ-١٩٩٥ م)، ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠. العكبري، اللباب في علوم الكتاب، ت: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، ط ١، (لبنان: دار الكتب العلمية،١٤١٩ هـ-١٩٩٨ م)، ٢/ ٤٦. الزمخشري، المفصل في صنعة الإعراب، ت: د. علي بو ملحم، ط ١، (بيروت: مكتبة الهلال، ١٩٩٣ م)، ١/ ٣٢٥.
[ ١٥٧ ]
عَلَى أَمْرِهِ﴾ ابتداء وخبر، و﴿عَلَى﴾ متعلقة بـ ﴿غَالِبٌ﴾، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، لكن حرف توكيد بمنزلة أن، ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ لما: ظرف (١)،
العامل فيه ﴿آَتَيْنَاهُ﴾، و﴿حُكْمًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿آَتَيْنَاهُ﴾ الهاء مفعول أول، ﴿وَعِلْمًا﴾ عطف على ﴿حُكْمًا﴾، و﴿أَشُدَّهُ﴾ نصب بـ ﴿بَلَغَ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: ومثل ما وصفنا من تعليم يوسف، ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢)﴾ أي: كل من أطاع. ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ يقال: راوده مراودةً وروادًا، والمراودة: المطالبة (٣)، ﴿الَّتِي﴾ في موضع رفع بـ رَاوَدَتْهُ، ﴿هُوَ﴾ رفع بالابتداء، ﴿فِي بَيْتِهَا﴾ الخبر متعلق بالاستقرار، ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ متعلق بـ رَاوَدَتْهُ، ﴿وَغَلَّقَتِ﴾ معطوف على رَاوَدَتْهُ، ﴿الْأَبْوَابَ﴾ نصب بـ غلّقت، والمضاعفة في غلقت: للتكثير (٤)، ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بمعنى: هلم، ويقال: هيت للاثنين والجماعة، والمذكر والمؤنث على لفظ واحد (٥)، و﴿لَكَ﴾ متعلق بـ ﴿هَيْتَ﴾ أي: تعال إلى ما هو لك، وأنشد أبو عمرو بن العلاء (٦):
_________________
(١) العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ١/ ٤٨٠.درويش، مرجع سابق، ٤/ ٤٨١. الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٩٧ ..
(٢) في (د) حاشية: كذلك نعت لمصدر محذوف تقديره جزاءً كذلك ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. فائدة: الجزاء عام في كل مؤمن أحسن، فبقدر إحسان العبد يكون جزاء الرب له. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٢٩٧.
(٣) ابن منظور، مرجع سابق، ٣/ ١٧٨. زين الدين الرازي، مرجع سابق، ١/ ٢٦٧. الزَّبيدي، تاج العروس، مرجع سابق، ٨/ ١٢٢ - ١٢١.
(٤) النَّحَّاس،،إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩٨.ابن الجوزي، مرجع سابق، ٢/ ٤٤٦.
(٥) الفراهيدي، العين، مرجع سابق، ٤/ ٨٠. ابن منظور، مرجع سابق، ٢/ ١٠٥. الجوهري، مرجع سابق، ٢/ ٢٦١.
(٦) أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين المازني التميمي البصري (ت: ١٥٧ هـ)، كان أعلم الناس بالقرآن الكريم والعربية والشعر، أحد الأئمة القراء السبعة، سمع من أنس بن مالك. مختلف في اسمه وكنيته ونسبه. المزي، مرجع سابق، ٣٤/ ١٢٠. الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ٦/ ٤٠٧ .. ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، مرجع سابق، ١/ ٢٨٨. ابن خلكان، مرجع سابق،٣/ ٤٦٦.
[ ١٥٨ ]
أبلِغْ أميرَ المؤمنين أخا العِراقِ (١) إذا أتَيْتا أنّ العِراقَ وأهلَه عُنُقٌ (٢) إليك فهَيْتَ هَيْتَا (٣)
وفيها لغات نذكرها في القراءة، ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ مصدر، يقال: أعوذ بالله عياذًا ومعاذًا ومعاذةً (٤)، ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾، إن مستأنفة، لأنها بعد القول، والهاء اسم إن، و﴿رَبِّي﴾ الخبر، و﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ خبر بعد خبر، والهاء عائدة على اسم الله﷿، ويجوز أن يعود على العزيز ملك مصر، أي: أحسن مقامي عنده (٥)، ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ مستأنف أيضا.
_________________
(١) يريد علىّ بن أبى طالب، أي تعال وتقرّب وادنه، وكذلك لفظ ﴿هَيْتَ﴾ للاثنين والجميع من الذكر والأنثى سواء إلّا أن العدد فيما بعدها تقول: هيت لكما وهيت لكن، وشهدت أبا عمرو وسأله أبو أحمد أو أحمد وكان عالما بالقرآن وكان لألأ "بائع اللؤلؤ" ثم كبر فقعد فى بيته فكان يؤخذ عنه القرآن ويكون مع القضاة، فسأله عن قول من قال: هئت فكسر الهاء وهمز الياء، فقال أبو عمرو: نبسى [أي باطل] بتصرف. أبوعبيدة، مجاز القرآن، مرجع سابق، ١/ ٣٠٦، ٣٠٥.
(٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٠٥، ولسان العرب (هيت)، (عنق). وقولُهُ: " عنق إليك" أي مائلون إليك، كأنهم لووا أعناقهم إليك شوقًا أو ترقبًا، والعنق الجماعة الكثيرة، وجاء القوم عنقا أي طوائف، أي جاءوا فرقا، جماعة منهم عنق.
(٣) ابن قتيبة الدينوري، الشعر والشعراء، مرجع سابق، ٢/ ٧٢٦. أبو عبيدة، معمر بن المثنى التيمى البصري (ت: ٢٠٩ هـ)، مجاز القرآن، ت: محمد فواد سزكَين، (القاهرة: مكتبة الخانجى، ١٣٨١ هـ)، ١/ ٣٠٥.الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٠٠.ابن جرير، مرجع سابق، ٢١/ ٩٩.
(٤) النَّحَّاس،،إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩٨. الأخفش، أبو الحسن المجاشعي بالولاء البلخي ثم البصري، (ت: ٢١٥ هـ)، معانى القرآن، ت: الدكتورة هدى محمود قراعة، ط ١، (القاهرة: مكتبة الخانجي، ١٤١١ هـ-١٩٩٠ م)، ١/ ٣٩٧. القيسي، مشكل إعراب القرآن، مرجع سابق، ١/ ٣٨٣.
(٥) الخازن، مرجع سابق، ٢/ ٥٢٠. ابن الجوزي، مرجع سابق، ٢/ ٤٤٦.
[ ١٥٩ ]
القولُ في القراءةِ:
قرأ ابن كثير: ﴿هَيْتُ لَكَ﴾ بفتح الهاء وضم التاء، نافع وابن عامر: بكسر الهاء وفتح التاء، والباقون بفتحها (١)، ويقرأ بالهمز وتركه، بفتح الهاء وكسرها على أن يكون بمنزلة الأصوات (٢)، فمن كسر: فلالتقاء الساكنين، ومن فتح: اختار الفتح بخفته، وفتح التاء مثل: أين وكيف، وهو مبني، لأنه: صوت، واختار الفتح لخفته مع ثقل الياء، والضم على التسبب (٣) بقبل وبعد، وكان الضم على مضمر للإضافة (٤)، فلما حذف ما أضيفت إليه ضم، وروي بكسر الياء على أصل التقاء الساكنين، وروي عن هشام عن ابن عامر هيت بكسر الهاء ورفع التاء، والهمز أخذه من هاء يهيئ مثل جاء يجئ فكأنه اشتق (٥) من الصوت فعلا (٦) وتكون التاء فاعله، والمعنى: حسنت هيئتك، ويكون لك من كلام آخر كما يقول لك أعني وعلى ما تقدم من القراءة يكون لك تنبيها مثل سعيا لك، وعلى ذا يجوز أن تكون قراءة من قرأ هيتُ كأنه خفف الهمزة، وأراد هذا المعنى، وفتح الهاء والتاء أكثر وأسير في كلام العرب، قرأ أهل الكوفة ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ ومُخْلصًا بفتح اللام حيث وقع، نافع بالكسر في مخْلصًا والفتح في ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ (٧)
الباقون: بالكسر في جميعه،
_________________
(١) في (د) "بفتحهما".
(٢) ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٤٧.النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٩٨. الأزهري الهروي، معاني القراءات، مرجع سابق، ٢/ ٤٦. ابن جني، أبو الفتح عثمان المولي، (ت: ٣٩٢ هـ)، المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، (وزارة الأوقاف: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية،١٤٢٠ هـ-١٩٩٩ م)، ١/ ٣٧٧. ابن زنجلة، مرجع سابق،١/ ٣٥٧ - ٣٥٨.
(٣) في (د) "السببية".
(٤) في (د) "تضمن الإضافة". وهو الأولى.
(٥) في (د) "استقى".
(٦) في (د) "فعلا".
(٧) الفارسيّ، أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار (ت: ٣٧٧ هـ)، الحجة للقراء السبعة، ت: بدر الدين قهوجي-بشير جويجابي، ط ٢، (دمشق/بيروت: دار المأمون للتراث،١٤١٣ هـ-١٩٩٣ م)، ٤/ ٤١٨ - ٤١٩ - ٤٢٠ .. النيسابورىّ، مرجع سابق، ١/ ٢٤٥. الداني، جامع البيان في القراءات السبع، مرجع سابق،٣/ ١٢٢٨.ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، مرجع سابق، ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤ - ٢٩٥.
[ ١٦٠ ]
واتفقوا على كسر ما فيه (١) ديني والدين، فالكسر على إسناد الفعل إليهم، وشاهده: إجماعهم على ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ (٢) وعلى ما فيه الدين وديني، والتقدير: المخلصين دينهم لله، أو المخلصين لطاعة الله، والفتح: على ترك تسمية الفاعل، وهو اسم الله تعالى، والتقدير: من الذين أخلصهم الله من كل حال مذمومة للقيام بأمره، مثل المصطفين وشاهده: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ (٣)، والمخالفة للجمع بين لغتين.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم: وشروه بمعنى: باع إخوة يوسف يوسف (٤)، وإن أردت الشراء ولم ترد البيع قلت: اشتريه (٥)، وهذا قول مجاهد وابن عباس، أي: باعوه (٦) منهم (٧)، وقال قتادة: بل السيارة باعوا يوسف، وقولُهُ: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: باخس بمعنى: ناقص، وقيل: إنما سمي بخسًا: لأنه كان حراما عليهم (٨)، قاله الضحاك وابن عباس، لم يحل لهم أن يأكلوا ثمنه، (٩) وقولُهُ: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ أي:
_________________
(١) في (د) "ما فيه".
(٢) سورة النساء، الآية: (١٤٦).
(٣) سورة ص، الآية: (٤٦).
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٥٠. المظهري، محمد ثناء الله، التفسير المظهري، ت: غلام نبي التونسي، (الباكستان: مكتبة الرشدية، ١٤١٢ هـ)، ٥/ ١٥٠.
(٥) في (د) "اشتريته".
(٦) الجرجاني، دَرْجُ الدُّرر في تَفِسيِر الآيِ والسُّوَر، مرجع سابق، ٣/ ٩٩٥. السمعاني أبو المظفر، مرجع سابق، ٣/ ١٧.
(٧) في (د) "بينهم".
(٨) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٥٢. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١١٥.
(٩) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٥٤. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١١٧.
[ ١٦١ ]
باعوه بدراهم غير موزونة، ناقصة غير وافية لزهدهم "كان" فيه، وقيل: إنما قيل معدودة: ليعلم بذلك أنها كانت أقل من أربعين درهما، لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزِنُونْ ما كان وزنه أقل من أربعين درهما، لأنهم كانوا في زمان أقل أوزانهم وأصغرها: كان الأوقية، وكانت الأوقية أربعين درهما (١)، فدل بمعدوده على قلة الدراهم، واختلف في معرفة عددها، فقال عبد الله ونوف النكالي (٢)،
وابن عباس والسدي وقتادة: كانت عشرين درهما (٣)، وقال مجاهد: كانت اثنين وعشرين درهما، أخذ كل واحد منهم درهمين درهمين (٤)، وقال عكرمة وابن إسحاق: كانت أربعين (٥)، وليس على ذلك تعيين لا في خبر ولا في نص (٦)، وقولُهُ: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ أي: وكان إخوة يوسف في يوسف من الزاهدين لا يعلمون كرامته على الله ﷿، ولا يعرفون منزلته عنده (٧)، وهم مع ذلك يحبون أن يحولوا بينه وبين والده، ليخلوا لهم وجهه منه، لتكون المنافع التي كانت مصروفة إلى يوسف دونهم مصروفة إليهم (٨)، نحو ما رويَ عن الضحاك وابن عباس وجريج (٩).
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٥٥.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٠٥. القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٥٢٨.
(٢) في (د) "البكالي". نوف بن فضالة البكالي الحميري كنيته أبو يزيد ويقال أبو عمرو وقد قيل أبو رشيد أمه كانت امرأة كعب الأحبار يروي القصص روى عن: علي، وأبي أيوب الأنصاري، وكعب وهو نفسه نوف الشامي. ابن حبان، مرجع سابق، ٥/ ٤٨٣ .. البُستي، أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، (ت: ٣٥٤ هـ)، مشاهير علماء الأمصار وأعلام فقهاء الأقطار، حققه ووثقه وعلق عليه: مرزوق على ابراهيم، ط ١ (المنصورة: دار الوفاء للطباعة والنشروالتوزيع، ١٤١١ هـ-١٩٩١ م)، ١/ ١٩٦.
(٣) سفيان الثوري، أبو عبد الله بن سعيد بن مسروق الكوفي (ت: ١٦١ هـ)، تفسير الثوري، ط ١، (بيروت: دار الكتب العلمية ١٤٠٣ هـ-١٩٨٣ م)، ١/ ١٣٨. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٥٧.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٥/ ١٤. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٣١١٦.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٠٥.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٥٨. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١١٦.
(٦) كذا في الأصل. وفي (د) "ولايقين".
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٥٩.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١١٧.
(٨) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٥٩.
(٩) في (د) "ابن جريج". وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
[ ١٦٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أي: قال الذي اشترى يوسف من بائعه بمصر، وذكر أن اسمه قِطْيفِر (١)، رويَ ذلك عن ابن عباس، وقيل: أن اسمه إِطْفِير بْن روحيب وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، وقال ابن إسحاق: كان الملك يومئذ: الريان بن الوليد، رجل من العماليق (٢)، وقيل: إن الذي باعه بمصر كان مَالِك بْن ذُعْر بْن ثُوَيْب بْن عَنْقَاء (٣) بْن مِدْيَان (٤) بْن إِبْرَاهِيم (٥) كذا رويَ عن ابن عباس، ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ﴾، واسمها مما ذكر ابن إسحاق: رَاعِيل بِنْت (٦) رَعَابيل (٧)، ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أي: موضع إقامته، وذلك حَيْثُ يَثْوِي وَيُقِيم فِيهِ (٨)، وكني بالموضع عنه اتساعا، لأنه معلوم، ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ ذكر أن مشتري يوسف قال هذا القول لامرأته، حين دفعه إليها، لأنه لم يكن له ولد، ولم يكن يأتي النساء، فقال لها: أكرميه، عسى أن يكفينا بعض ما نعاني من أمور (٩)، إذا فهم الأمور التي نُكَلِّفهَا وَعَرَفَهَا (١٠) ونَتَبَنَّاهُ (١١)،
_________________
(١) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١١٧.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٦١. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١١٧.
(٣) (بويب) بدلا من (ثويب): "إن الذي باعه بمصر كان مالك بن ذعر بن بُويب بن عفقان بن مديان بن إبراهيم" هكذا عند ابن جرير، مرجع سابق، ١٥/ ١٨.
(٤) في (د) "مدان".
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٦١.
(٦) في (د) "ابنة".
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، "بنت رعائيل"، ١٣/ ٦٢.
(٨) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٦٢.
(٩) في (د) "أمورنا".
(١٠) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٦٣.
(١١) في (د) "وتبيناه".والصواب والله أعلم المثبت في الأصل لكمال المعنى .. فائدة: ظاهرة في أن التبني كان مشروعأ عند المصريين، كما كان عند العرب قبل الإسلام، وفي صدر منه، ثم نهى عنه الإسلام وحرمه. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٢٨٢.
[ ١٦٣ ]
قال عبد الله بن مسعود: أفرس الناس ثلاثة (١): العزيز حين تفرس في يوسف، وقال (٢) لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وأبو بكر الصديق حين تفرس في عمر، والتي قالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٣)، وقولُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يقول تعالى: وكذلك أنقذنا يوسف من أيدي إخوته، وقد هموا بقتله، وأخرجناه من الجب بعد أن ألقي فيه فصيرناه إلى الكرامة والمنزلة الرفيعة عند عزيز مصر، كذلك مكنا له في الأرض، فجعلناه على خزائنها (٤)،
﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أي: نُعَلِّم يُوسُف مِنْ عِبَارَة الرُّؤْيَا (٥)، ومكنا له في الأرض (٦)، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ﴾ (٧) على أمر يوسف يَسُوسهُ وَيُدَبِّرهُ وَيَحُوطهُ (٨)،
_________________
(١) الحديث موقوف، رواه سعيد بن منصور في سننه وابن الجعد في مسنده ص ٣٧١، وأبو بكر الخلال في كتاب السنة ١/ ٢٧٧، والخرائطي في مكارم الأخلاق ص ٣٠١، والبيهقي في كتاب الاعتقاد ص ٣٥٩، واللالكائي في كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ٧/ ١٤٠٤، والطبراني في المعجم الكبير، ٩/ ١٦٧، ١٦٨، وقال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح إن كان محمد بن كثير هو العبدي، وإن كان هو الثقفي، فقد وثق على ضعف كثير فيه "، والحاكم في المستدرك، كتاب التفسير، ٢/ ٣٧٦، وصححه على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي في التلخيص، وفي كتاب المناقب، ٣/ ٩٦، وقال صحيح، وابن أبي شيبة في المصنف، ٧/ ٤٣٤. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٦٣.الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩٨.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١١٨.
(٢) في (د) "فقال".
(٣) القصص، الآية: (٢٦).
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٦٤.البغوي، مرجع سابق، ٤/ ٢٢٦ ..
(٥) مجاهد، أبو الحجاج بن جبر التابعي المكي القرشي المخزومي (ت: ١٠٤ هـ)، تفسير مجاهد، ت: الدكتور محمد عبد السلام أبو النيل، ط ١، (مصر: ار الفكر الإسلامي الحديثة، -١٤١٠ هـ-١٩٨٩ م)، ١/ ٣٩٤. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٦٥.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٣١١٨.
(٦) مجاهد، المرجع السابق. ابن جرير، المرجع السابق. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١١٨.
(٧) في (د) "مستولٍ".
(٨) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٦٥.
[ ١٦٤ ]
قال سعيد بن جبير (١): ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي: فعّال (٢)، ﴿ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) أي: ولكن الذين زهدوا في يوسف فباعوه بثمن خسيس، والذين صار بين أظهرهم من أهل مصر، حتى بيع فيهم، لا يعلمون ما الله بيوسف صانع (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أي: لما بلغ يوسف شدته وقوته في شبابه وحدّ ذلك فما بين: ثماني عشرة إلي ستين سنة، وقيل: أربعين سنة، جمع لم يسمع له واحد مثل الأضر والأسر (٥)، ويجب في القياس أن يكون واحده شَدّ كما وَاحِد الْأَضَرّ ضَرّ، وواحد الأشر شر، كما قال (٦):
_________________
(١) هو سعيد بن جبير بن هشام الوالبي مولاهم الإمام، الحافظ، المقرئ، المفسر، الشهيد، أبو محمد- ويقال: أبو عبد الله- الأسدي، الوالبي مولاهم، الكوفي، أحد الأعلام، ورأى خلقًا من أصحاب النبيﷺ- قتله الحجاج في سنة ٩٥ هـ. ابن خلكان، مرجع سابق، ٢/ ٣٧١. ابن كثير، البداية والنهاية، مرجع سابق، ١٢/ ٤٦٦. الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ٤/ ٣٢١.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٦٥.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١١٨. فائدة: من غالب الله غُلب، ولا يقدر أحد أن يرد أمر الله ولا يعلم الغيب إلا الله -تعالى. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٢٨٤.
(٣) فائدة: جهل أكثر الناس بأن أمر الله كله بيد الله-تعالى-وحده. قال العلمي: "جهل أكثر الناس أن الأمر كله بيد الله: أولا: أكثر الناس في كل عصر ومصر لا يعلمون أن الأمر كله بيد الله-تعالى-وحده. ثانيا: أكثر الناس لا يعلمون أي: لا يدركون حكمته في خلقه، وتلطفه وفعله لما يريد، أو لا يعلمون ما الله به صانع. ثالثا: وردت ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ في القرآن إحدى عشرة مرة، أنزلها الله من السماء تنفي العلم عن أكثرية الناس من وثنيين ويهود ونصارى ومسلمين وغيرهم. إن قدر الله واقع لا محالة، فإن أراد الله شيئا، فلن يحول دون وقوعه حائل، والله هو الذي يهيء الظروف لكي يتحقق ما يريد بتصرف، نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٢٩١.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٦٦.
(٥) في (د) "الأشر".
(٦) العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٦/ ١١٧. ولم أقف على قائله.
[ ١٦٥ ]
هَلْ غَيْرُ أَنْ كَثُرَ الأشُرُّ وَأَهْلَكَتْ حَرْبُ المُلُوكِ أَكَاثِرَ الأَمْوَالِ (١)
واختلف في المَبْلَغِ: الأشد، فقال مجاهد: ثلاث وثلاثون سنة (٢)، وقال ابن عباس: بضع وثلاثون سنة، وقال الضحاك: عشرون سنة (٣)، وأنه لما بلغ أشده وهو في قوته من الأقوال المذكورة: أعطاه الله حكما وعلما، يقول تعالى: وكما جزيت يوسف فأثبْتُه بطاعته إياي الحكم والعلم، ومكنته في الأرض، واستنقذته من أيدي إخوته الذين أرادوا قتله، كذلك أجزي من أحسن في عمله، فأطاعني في أمري، وانتهى عما نهيته في معاصي، وهذا وإن كان مخرجه في ظاهره على كل محسن فإن المراد به محمد-صلى الله عليه- يقول له: كما فعلت هذا بيوسف، فكذلك أفعل بك فأنجيك من مشركي قومك، الذين يقصدونكم بالعداوة (٤) لأن ذلك جَزَائِي أهل الإحسان في أمري ونهيي، قال ابن عباس: يجزي المحسنين أي: المهتدين (٥).
وقوله تعالى: ﴿ورَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: راودت امرأة العزيز، وهي التي كان يوسف في بيتها عن نفسه أن يواقعها (٦)، كما روي عن ابن إسحاق والسدي وابن جبير (٧)،
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق،١٥/ ٢٢. الأنباري، أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، (ت: ٣٢٨ هـ)، الزاهر في معاني كلمات الناس ت: د. حاتم صالح الضامن، ط ١، (بيروت: مؤسسة الرسالة،١٤١٢ هـ-١٩٩٢)، ١/ ٥٥. البقاعي، إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر (ت: ٨٨٥ هـ) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، ط ١، (القاهرة: دار الكتاب الإسلامي)، ١٠/ ٥٥.
(٢) مجاهد، مرجع سابق، ١/ ٥٢٥. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٦٧.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٦٧. القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٥٣٢. الماوردي، مرجع سابق، ٤/ ٢٤٠.
(٤) في (د) زيادة"وأمكن لك في الأرض وأوتيك الحكم والعلم".
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٦٩.
(٦) ابن جرير، المرجع السابق. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٢٠.
(٧) سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الكوفي: المقرئ المفسر الفقيه، ورأى خلقًا من أصحاب النبي - ﷺ، قتله الحجاج في سنة ٩٥ هـ. ابن خلكان، مرجع سابق، ٢/ ٣٧١. الذهبي، تذكرة الحفاظ، مرجع سابق، ١/ ٧٦. الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ٤/ ٣٢٢.
[ ١٦٦ ]
﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ أي: غلقت أبواب البيوت عليها وعلى يوسف لما راودته، بابًا بعد باب (١)، ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ يعني: تعال واقرب (٢)، وقال ابن عباس: هلم لك (٣)، وقال السدي والحسن (٤): هيت بالقبطية هلم (٥)، وقال الكسائي وأبو عبيدة (٦):
هي لغة حُورَان (٧)، معناها تعال، ومن ضم التاء فالمعنى: تَهَيَّات لك من قول القائل: هِئْت لِلْأَمْرِ أَهِيئُ هَيْئَة (٨)، وهئت للاثنين والجمع والذكر والأنثى فيه سواء (٩).
وقوله تعالى: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ يقول-جل ثناؤه: قال يوسف إذ دعته المرأة إلى نفسها وقالت له: هلمّ إلي، قال: أعتصم بالله من الذي تؤمئين إليه، وأستجير به منه (١٠). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٥.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٧٠.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٧١ ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٢١.
(٤) الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، تابعي، كان إمام أهل البصرة، وحبر الأمة في زمنه، ولد بالمدينة وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك. ولد بالمدينة. (٢١ - ١١٠ هـ). الصفدي،صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله (ت: ٧٦٤ هـ). الوافي بالوفيات، ت: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، (بيروت: دار إحياء التراث،١٤٢٠ هـ-٢٠٠٠ م)، ١٢/ ١٩٠. ابن حجر، لسان الميزان، ط ٢، (بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات،١٩٧١ م)، ٧/ ١٩٧.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٧.
(٦) معمر بن المثنى، أَبُو عبيدة التيمي البصري، النحوي العلامة، يقال: إنه ولد في سنة عشر ومائة في الليلة التي مات فيها الحسن البصري .. السيرافي، الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي، أبو سعيد ت: ٣٦٨ هـ، أخبار النحويين البصريين، (مصر: مصطفى البابي الحلبي، ١٩٦٦ م)،٥٢ - ٥٥. ابن خلكان، مرجع سابق، ٥/ ٢٣٥.
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٧١.
(٨) هذه القراءة رواية هشام بن عامر. ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٤٧.
(٩) أبوعبيدة، مرجع سابق، ١/ ٣٠٥. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٧٢.
(١٠) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٧٨. الواحدي، مرجع سابق، ٢/ ٦٠٧. السمعاني أبو المظفر، مرجع سابق، ٣/ ٥٤.
[ ١٦٧ ]
رَبِّي﴾ يقول: إن صاحبك زوجك سَيِّدِي (١)، قال السدي ومجاهد وابن إسحاق. وقولُهُ: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ يقول أحسن منزلتي (٢)، وأكرمني وائتمنني فلا أخونه (٣)، وقال الزجاج (٤): يجوز أن تكون الهاء لله﷿أي: أن الله ربي أحسن مثواي في طول مقامي (٥)، وقولُهُ: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ يقول: إنه لا ينجح من ظلم، ففعل ما ليس له فعله، وهذا الذي تدعونني إليه من الفجور ظلم وخيانة لسيدي الذي ائتمنني على منزله (٦)، نحو ما روي عن ابن عباس وابن إسحاق. وقد تضمنت الآيات: البيان عما يوجبه الجهل بمقدار المبيع النفيس من الزهد فيه، مع بيعه بالثمن الخسيس الحقير اليسير النزر، والبيان عما يوجبه حسن تدبير الله-جل وعز-لو كان حقيقا للرفعة (٧)، من التمكين في الأرض وتعليم (٨)
العلم الذي يحل به القدر، ويعظم به الشأن، كما كان أمر يوسف فما أعطي من تلك الحال، ومكن بالملك، وكثرة المال، والبيان عما يوجبه حال المحسن من الجزاء على الإحسان، بإتيانه الحكم والعلم، وناهيك بهما سَنًا وعطاءً وكرامة وكريم جزاء، والبيان عما يوجبه الامتناع من الحرام في حال شدة المنازعة، وقوة الشهوة من المدح بهذه الحال الجميلة، والفضيلة الجليلة.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
_________________
(١) مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٩٤.ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٧٨.
(٢) في (د) "مقولتي".
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٧٩.
(٤) إبراهيم بن السرىّ بن سهل أبو إسحاق الزّجّاج النحوىّ صاحب كتاب معانى القرآن، كان من أهل الفضل والدين، حسن الاعتقاد، وله مؤلّفات حسان فى الأدب. قال أبو محمد بن درستويه النحوىّ: حدّثنى الزّجاج قال: كنت أخرط الزّجاج، فاشتهيت النحو، فلزمت المبرّد لتعلّمه- وكان لا يعلّم مجانا، ولا يعلّم بأجرة إلا على قدرها (ت: ٣١١ هـ). القفطي، مرجع سابق، ١/ ١٩٤. الزركلي، مرجع سابق، ١/ ٤٠.
(٥) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٠١.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٨٠. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٢٢.
(٧) في (د) "بالرفعة".
(٨) في (د) "وتعلم" .. وكلاهما صحيح للمصدرية.
[ ١٦٨ ]
﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ كاف (١) عند أبي حاتم (٢)، وكذا ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ (٣)، والتمام: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (٤)، وقال نافع: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ تمام (٥)، والتمام عند غيره ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ (٦)، ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ كاف (٧)،
وكذا عنده ﴿مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ (٨)، والتمام ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٩)،و﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ تمام (١٠)، ﴿وَغَلَّقَتِ
_________________
(١) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٠. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٥. وهو حسن عند الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٢.وكذا، الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٢.
(٢) هو سهل بن محمد بن عثمان الجشمي السجستاني (ت: ٢٤٨ هـ) من كبار العلماء باللغة والشعر. من أهل البصرة كان المبرّد يلازم القراءة عليه. له نيف وثلاثون كتابا، منها كتاب (المعمّرين) و(النخلة) و(ما تلحن فيه العامة). المزي، مرجع سابق، ١٢/ ٢٠١. الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ١٢/ ٢٦٨. الزركلي، مرجع سابق، ٣/ ١٤٣.
(٣) وافقه الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٥. وكذا الأنصاري،مرجع سابق ص ١٩٢. وكذا، الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٢.
(٤) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٠. تام عند الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٥. وهو حسن الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٢. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
(٥) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. وهو حسن عند الأشموني، المرجع السابق.
(٦) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٥. وهو وقف حسن عند الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٢. الأشموني، المرجع السابق.
(٧) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣١، كاف عند أبي حاتم، وكذا الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٥. وكذا الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق .. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
(٨) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣١، كاف عند أبي حاتم، وكذا الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٥. وكذا الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٢. وهو وقف حسن عند الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٢.
(٩) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. وكذا الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وهو وقف حسن عند الأشموني، المرجع السابق.
(١٠) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. وكذا الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وهو كاف عند الأشموني، المرجع السابق.
[ ١٦٩ ]
الْأَبْوَابَ﴾ تمام (١) عند نافع، وقال أحمد بن جعفر التمام: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ (٢)، وكذا ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣).
وقولُهُ ﷿:
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾
هَمَّ بالشيء إذا قارب فعله ولما يفعله (٤)، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿هَمَّتْ﴾، ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ متعلق بـ ﴿وَهَمَّ﴾، ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، ﴿أَنْ﴾ في موضع رفع بالابتداء، وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف لعلم السامع، ولا يجوز أن يتقدم جوابها عليها، كما تقدم جواب الشرط لقوة الشرط وقلبه
_________________
(١) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣١.
(٢) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. وهو كاف عند الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٢. وهو حسن عند الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٢
(٣) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. وكذا الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٥. وهوحسن عند الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وهو كاف عند الأشموني، المرجع السابق.
(٤) تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم لأبي عبد الله بن أبي نصر الحميدي، ١/ ٤٥٥. الأصبهاني، مرجع سابق، ١/ ١٦٨. البغوي، مرجع سابق، ٤/ ٢٣٤.الحميري، نشوان بن سعيد (ت: ٥٧٣ هـ) شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم ت: د حسين بن عبد الله العمري-مطهر بن علي الإرياني- د/يوسف محمد عبد الله، ط ١، (بيروت: دار الفكر المعار، ١٤٢٠ هـ-١٩٩٩ م)،١/ ٦٨٤١. ابن عطية، مرجع سابق، ١/ ٥٢٨.أبوحيان، مرجع سابق، ٣/ ٣٩٢. البيضاوي، مرجع سابق، ٣/ ١٦٠.
[ ١٧٠ ]
للماضي إلى معنى المستقبل وقوة الشرط بالعمل (١)، ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف للتشبيه في موضع نصب (٢)، أي: أريناه البراهين كذلك، وقيل: في موضع رفع، أي: أمر البراهين كذلك، والنصب أجود، لمطالبة حروف الجر بالأفعال أو معانيها (٣)،
﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ﴾ لام كي متعلقة بالفعل المحذوف الذي دلت عليه كاف التشبيه، ﴿عَنْهُ﴾ متعلق بـ نصرف، ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ مستأنف و﴿مِنْ﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار، و﴿الْبَابَ﴾ نصب بـ استبقا، ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾ متعلق بـ ﴿وَقَدَّتْ﴾، و﴿سَيِّدَهَا﴾ نصب بـ ألفيا، ﴿لَدَى الْبَابِ﴾ ظرف (٤) العامل فيه ﴿وَأَلْفَيَا﴾، ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾، ﴿مَا﴾ حرف نفي، ﴿جَزَاءُ﴾ رفع بالابتداء، ﴿مَنْ﴾ في موضع خفض بإضافة ﴿جَزَاءُ﴾ إليها، ﴿بِأَهْلِكَ﴾ متعلق بـ ﴿أَرَادَ﴾، ﴿سُوءًا﴾ نصب بـ ﴿أَرَادَ﴾، ﴿إلَّا﴾ إيجاب، ﴿أَنْ يُسْجَنَ﴾، ﴿أنْ﴾ في موضع رفع على خبر الابتداء، و﴿يُسْجَنَ﴾ نصب بـ ﴿أَنْ﴾، ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ عطف على"أن"التقدير: إلا السجن أو عذاب أليم ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي﴾ ابتداء وخبر (٥)، ﴿عَنْ نَفْسِي﴾ متعلق بـ ﴿رَاوَدَتْنِي﴾، و﴿شَاهِدٌ﴾ رفع بـ ﴿وشَهِدَ﴾، ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ متعلق بـ ﴿وشَهِدَ﴾، ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾، ﴿إِنْ﴾ حرف شرط و﴿قُدَّ﴾
_________________
(١) العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٢٩.الباقولي، مرجع سابق، ١/ ٣٦. أبوحيان، مرجع سابق، ٦/ ١٠.
(٢) الخراط، مرجع سابق، ١/ ٤٢٧. الأبياري، مرجع سابق، ١/ ٤٤١٣.
(٣) العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٢٩. الألوسي، مرجع سابق، ٦/ ٤٠٨. أبوحيان، مرجع سابق، ٦/ ٢٥٩ ..
(٤) الزجاجي، حروف المعاني والصفات، ت: علي توفيق الحمد، ط ١، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٩٨٤ م)، ١/ ٢٥. الخراط، مرجع سابق، ١/ ٢٣٨.
(٥) صافي، مرجع سابق ١٢/ ٤٠٥.درويش، مرجع سابق ٤/ ٤٧٥.دعاس، مرجع سابق، ٢/ ٨٤.
[ ١٧١ ]
خبر ﴿كَانَ﴾، ﴿مِنْ قُبُلٍ﴾ متعلق بـ ﴿قُدَّ﴾، ﴿فَصَدَقَتْ﴾ جواب الشرط (١)، ﴿وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِين﴾ ابتداء وخبر (٢)
، و﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ متعلق بالاستقرار، و﴿مِنَ﴾ للتبعيض، وكذا ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾، ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ مثل ما تقدم، ﴿فَلَمَّا﴾ الفاء جواب ما أخبر به ولما ظرف، ﴿قَمِيصَهُ﴾ نصب بـ ﴿رَأَى﴾، ﴿قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ في موضع الحال، أي: فلما رأى قميصه مقدودًا من دبر، ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾، ﴿مِنْ﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار، ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ اسم إن وخبرها، والهاء من ﴿إِنَّهُ﴾ تعود على الكذب، ويجوز أن تعود على السوء (٣).
القولُ في القراءةِ:
قرأ أهل الكوفة: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ ومخلَصا بفتح اللام حيث وقع نافع بالكسر في مخلَصا والفتح في مخلصين، الباقون: بالفتح في جميعه (٤)، واتفقوا على ما فيه ديني والدين، فالكسر على إسكان الفعل إليهم، وشاهده ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ (٥)، والفتح على ترك تسميته الفاعل، وهو اسم الله
_________________
(١) الصبان، مرجع سابق، ٤/ ٢٤.الخراط، مرجع سابق، ١/ ٢٣٨.
(٢) صافي، مرجع سابق، ٢/ ٤٠٩. درويش، مرجع سابق، ٤/ ٤٧٥.الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٨٤ ..
(٣) ابن عادل، مرجع سابق، ١١/ ٧٥.
(٤) ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٤٨. ابن خالويه، كتاب السبعة في القراءات، مرجع سابق، ص ١٩٤. الأزهري الهروي، معاني القراءات، مرجع سابق، ٢/ ٤٦. الفارسيّ، مرجع سابق، ٤/ ٤٢٠،٤٢١. الداني، القراءات السبع، ت: اوتو تريزل، ط ٢، (بيروت: دار الكتاب العربي، ١٤٠٤ هـ-١٩٨٤ م)،١/ ١٢٨.
(٥) سورة النساء، الآية: (١٤٦).
[ ١٧٢ ]
﷿، والتقدير: ومن الذين أخلصهم الله من كل حال مذمومة للقيام بأمره، وشاهده: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ﴾ (١) والخلاف والجمع بين لغتين.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم: أن امرأة العزيز لما همّت بيوسف، وأرادت مراودته عن نفسه، جعلت تذكر له محاسن نفسه، وتشوقه إلى نفسها، روي عن السدي قال: قالت له: يا يوسف ما أحسن شعرك! قال: هو أول ما ينتثر من جسدي، قالت له: يا يوسف ما أحسن عينيك! قال: هي أول ما تسيل إلى الأرض من جسدي، قالت: يا يوسف ما أحسن وجهك! قال: هو للتراب يأكله، فلم يزل حتى أطعمته، فهمت به وهم بها، فدخلا البيت، وغلقت الأبواب، وذهب ليحل سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب قائما في البيت، قد عضّ على إصبعه، يقول: يا يوسف تُوَاقِعُهَا! وإنما مثلك مَا لَمْ يوَاقِعْهَا مَثَل الطَّيْر في جو السماء لا يطاق، وَمَثَلك إن واقعتها مَثَله إذا مات وقع في الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، فربط سراويله، وذهب ليخرج يَشْتَدّ (٢)، فأدركته، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه فخرقته حتى أخرجته منه، وطرحه يوسف واشتد نحو الباب (٣)، ومعنى الهمّ بالشيء: حديث المرء نفسه بمواقعته ما لم يواقع، فأما ما كان من همّ يوسف بالمرأة، وهمّها به فإنه روي عن ابن عباس من طُرق
_________________
(١) سورة ص، الآية: (٤٦).
(٢) وَشَدَّ فِي العَدْوِ شَدًّا واشْتَدَّ: أَسْرَعَ وعَدَا. فصل الشين المعجمة، ابن منظور، مرجع سابق، ٣/ ٢٣٤.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٨٠. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٢٣. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢١٢.
[ ١٧٣ ]
قال: حَلَّ الْهِمْيَان وجلس منها مجلس الخاتن (١)، وقال ابن أبي مُلَيْكَة: استلقت له: وحل ثيابه (٢).
وعن مجاهد من طُرق قال: حل سراويله حتى وقع على السرير، ويقال: كيف يجوز أن يوصف يوسف ﷺ بهذا الفعل وهو لله نبي؟ قيل: إن هذا ابتلاء لخطيئة ابتلاه بها، ليكون من الله على وَجَل إِذَا ذَكَرَهَا، فيجد في طاعته اشفاقًا منها، ولا يتكل على سعة عفو الله ورحمته، وقيل: ابتلاه الله بذلك: ليعرفه موقع نعمته بصفحه عنه، وترك عقوبته في الآخرة، وقيل: بل ابتلاه ليجعله قدوة لأهل الذنوب، في رجاء رحمته، وترك الإياس من عفوه (٣)، وكذلك جميع ذنوب الأنبياء التي هي الصغائر، لأنهم لا يرتكبون كبيرة تجري أمورهم في ذلك مجرى يوسف، وقد اختلف في البرهان، فقال: بعضهم نودي بالنهي عن مواقعة الخطيئة (٤)، قال ابن عباس: نودي يا ابن يعقوب أتزني؟ فتكون كالطير وقع ريشه، فذهب ليطير فلا ريش له (٥)، وهو قول ابن أبي مُلَيْكَة وقتادة، وقال ابن عباس أيضا: لما هم
_________________
(١) عبد الرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢١. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٢٢.
(٢) الثوري، مرجع سابق، ١/ ١٤٠ عن ابن جريج به. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٨٣ .. فائدة: وردت هذه الإسرائيليات المكذوبة التي لا توافق العقل ولا النقل في معنى همِّ يوسف ما ينافي عصمة الأنبياء ﵈ وما يخجل لسان العرب عن النطق به ويأبى القلم أن يسطره، ويتنافى مع شرف الرسالة، وعلينا أن نبين ونذب الشبه التي وقعت منافية لعصمة الأنبياء ﵈ ونقد وبيان الكذب على الله ورسله، وهو من الواجبات على أهل العلم، حتى لا نخدع وتدخل تلك الإسرائيليات المكذوبة إلى عقول عوام الناس، فقد جاءت عشرات الروايات في تفسير الطبري منها ماذكره الإمام الحوفي عفا الله عن الجميع ونقد هذه الإسرائيليات من الجوانب التالية:.نقول إن هذه الآيات بهذا اللفظ العربي المبين لم تنزل على أحد قبل نبينا محمد - ﷺ. يوجد في سند هذه الروايات اضطراب فاحش لا يمكن التوفيق بينه لوجود علل منع المحدثون بسببها الكثير من المرويات، لأنه أمارة من إمارات الكذب والاختلاق. إن ما جاء في الروايات الإسرائيلية يتناقض كليًا مع ما جاء في القرآن الكريم، وكيف يوفق بين قوله تعالى: في حق يوسف. اعتراف امرأة العزيز بأنها راودته عن نفسه وأنه من الصادقين. شهادة الشاهد من أهلها ببراءة يوسف. إيثار يوسف ﵇ الصديق العفيف الكريم ابن الكريم السجن على معصية الله تعالى وهذه مظاهر النبوة القائمة على الأخلاق والقيم العليا النبيلة. زهد، أد. عام العبد زهد، الإسرائيليات في تفسير ابن جرير الطبري لسورة يوسف عرض ونقد، مؤتمر خطر الروايات الواهية على الإسلام المنعقد الثلاثاء-الأربعاء ٧ - ٨ ذو القعدة ١٤٣٢ الموافق ٤ - ٥/ ١٠/٢٠١١ م (غزة: كلية أصول الدين، الجامعة الإسلامية)، ص ١٨.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٣٨.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٨٥. الماوردي، مرجع سابق، ٣/ ٢٥.
(٥) عبد الرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢١. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٤١.
[ ١٧٤ ]
بمواقعة الخطيئة، صور له يعقوب يتوعده، وقيل: مثّل له (١)، فضَرب في صدره، فخرجت شهوته من أنامله (٢)، وهو معنى قول سعيد بن جبير، وقال الحسن: زعموا أن سقف البيت انفرج، فرأى يعقوب عاضًّا على أصابعه (٣)، وقال محمد بن كعب القرظي (٤):
بل البرهان ما أوعد الله على الزنا أهله، قال: ورفع رأسه إلى سقف البيت، فإذا كتاب في حائط البيت، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا (٥) وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (٦) وظاهر الآية: برهان زجره، فجائز أن يكون ما ذكروا وأن يكون غيره (٧)، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ (٨)
يقول: كما أرينا يوسف برهاننا على الزجر
_________________
(١) مقاتل، مرجع سابق، ٢/ ٣٢٩.عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢١. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٩٠.
(٢) عبد الرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢١.ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٩٠. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٢٣.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٩٥.
(٤) محمد بن كعب القرظي أبو حمزة، ويقال: أبو عبد الله، وهو محمد بن كعب بن حيان بن سليم. (ت: ١١٠ هـ)، كان أبوه من سبي بني قريظة فنزل الكوفة، وولد له بها محمد فيما قيل .. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، الجرح والتعديل، ط ١، (الهند: طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، بحيدر آباد، الدكن، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ٢٧١ هـ-١٩٥٢ م)، ٨/ ٦٧. ابن عساكر، مرجع سابق، ٥٥/ ١٣٧.
(٥) كذا في الأصل، زادت ﴿وَمَقْتًا﴾ والصواب بدونها كما نصت الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، سورة النساء، الآية: (٢٢).
(٦) الإسراء، الآية: (٣٢).
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٩٨.
(٨) مسألة في هم يوسف ﵇: وردت روايات كثيرة في تفسير هَمّ سيدنا يوسف﵇- وقد أفادت بمجموعها أنه عزم، بل جلس من امرأة العزيز مجلس الرجل من زوجته، وحل السراويل، وكاد أن يرتكب معها الفاحشة، ولم يمنعه من ذلك إلا برهان ربه، على ما فسروه أيضا من روايات تتنافى مع العصمة والسياق. فقد ذكر بعض المفسرين هذه الروايات دون ردٍّ لها أو بيان لزيفها، ومن هؤلاء الأئمة: مقاتل بن سليمان، والصنعاني، والطبرى، وابن أبي حاتم، والواحدي، والبغوى، والثعلبي، والسمعاني أبو المظفر، وغيرهم. وقد تنبه كثير من المفسرين إلى هذه الخرافات والأباطيل، فردوها، وبينوا وجه الصواب في المسألة. ومن هؤلاء الأئمة: الرازى، وأبو حيان، والزمخشرى، وابن عطية، وابن تيمية، وابن كثير، وأبو السعود، والألوسى، والشنقيطى، والقاسمى، وغيرهم ينظر: مفاتيح الغيب ١٨/ ٤٣٩. والبحر المحيط ٥/ ٢٩٤،٢٩٥، الكشاف ٢/ ٤٣٢، ٤٣٣. المحرر =
[ ١٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الوجيز، ٣/ ٢٣٤، دقائق التفسير، ٢/ ٢٧٢، ٢٧٣، وقصص الأنبياء ص ٣٠٤،٣٠٥، وتفسير أبي السعود، ٤/ ٢٦٦، وروح المعاني، ١٢/ ٢١٣ - ٢١٦، أضواء البيان ٢/ ٢٠٨، ٢٠٩، ومحاسن التأويل ٦/ ١٦٧، ١٦٨. قال الإمام أبو حيان، فقد أجاد وأفاد، وجاء بالقول الفصل في المسألة، فقال: "طَوَّل المفسرون في تفسير هذين الهمَّيْن، ونسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق، والذي أختاره: أن يوسف لم يقع منه هَمٌّ بها البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان، كما نقول: قارفت لولا أن عصمك الله، ولا تقل: إن جواب (لولا) متقدم عليها، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشرط العاملة مُخْتَلف في جواز تقديم أجوبتها عليها، وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصارى وأبو العباس المبرد، بل نقول: إن جواب (لولا) محذوف لدلالة ما قبله عليه، كما يقول جمهور البصريين في قول العرب: أنت ظالم إن فعلت، فيقدِّرونه: إن فعلت فأنت ظالم، ولا يدل قوله: أنت ظالم على ثبوت الظلم، بل هو مُثْبَتٌ على تقدير وجود الفعل، وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لَهَمَّ بها، فكان موجد الهم على تقدير انتفاء رؤية البرهان، ولكنه وجد رؤية البرهان، فانتفي الهَمُّ". مرجع سابق، ٦/ ٢٥٧ - ٢٥٨. وقد انتصر الشنقيطي لرأى أبى حيان وقال وهذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية، لأن الغالب في القرآن الكريم وفي كلام العرب: أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه كما عَلَّقَ الدكتور أبو شهبة على قول الإمام أبى حيان-فقال: "وهذا هو القول الجزل الذي يوافق ما دل عليه العقل من عصمة الأنبياء، ويدعو إليه السابق واللاحق، وأما كون جواب لولا لا يجوز أن يتقدم عليها فهذا أمر ليس ذا خطر، حتى نعدل عن هذا الرأي الصواب، إلى التفسيرات الأخرى الباطلة، لِهَمِّ يوسف، والقرآن هو أصل اللغة، فورود أي أسلوب في القرآن يكفي في كونه أسلوبًا عربيًا فصيحًا، وفي تأصيل أي قاعدة من القواعد النحوية فلا يجوز لأجل الأخذ بقاعدة نحوية أن نقع في محظور لا يليق بالأنبياء كهذا. الشنقيطي، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٨، ٢٠٩. وقد رَدَّ الإمام الزمخشرى، الكشاف، مرجع سابق، ٢/ ٤٣٢، ٤٣٣ أيضا هذه الروايات. وقال ابن تيمية: وهكذا تصدى كثير من المفسرين لهذه الإسرائيليات، فردوها، ونزهوا ساحة النبوة، وأولوا الآية الكريمة تأويلًا صحيحًا، يليق بمقام النبوة وعصمة الأنبياء ويناسب السياق القرآني الذي وردت فيه الآيات. دقائق التفسير، ٢/ ٢٧٢، ٢٧٣. ومن المفسرين من يرى: أن المراد بهمها به: الهم بضربه نتيجة عصيانه لأمرها. وأن المراد بهمه بها: الدفاع عن نفسه برد الاعتداء، ولكنه آثر الهرب. وأشير هنا إلى أن من المفسرين تبنى هذا الرأي جماعة من المعاصرين. (تفسير المنار ١٢/ ٢٧٧ وما بعدها، تاريخ الأنبياء في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية- د. محمد الطيب النجار ص ٣٧، ٣٨، موسوعة تفسير سورة يوسف-لعليش متولي ٢/ ٦١٣ وما بعدها. يوسف بن يعقوب-لأحمد عز الدين عبدالله ص ١٦١ وما بعدها). وذهب البعض إلى أن الهم الذي حصل إنما هو بمقتضى الطبيعة والفطرة الإنسانية البشرية. الحجازي، محمد محمود، التفسير الواضح، ٢/ ١٧١. والقوال الراجح والذي أميل إليه هو ما ذهب إليه الإمام أبو حيان ومن ناصره من الأئمة، كالإمام الشنقيطي، وغيره وهو الصواب- إن شاء الله تعالى- والأدلة على تقوية هذا القول هي كالتالي:
(٢) قوة الأدلة والحجج الدامغة لمناقضه.
(٣) بأن "جواب (لولا) محذوف لدلالة ما قبله عليه" وهو ما ارتضيه في تفسير الآية ولعصمة الأنبياء﵈ من ذلك (قول أبي حيان) بتصرف.
(٤) إن أكثر أقوال المفسرين ها هنا متنافية وهي من كتب أهل الكتاب، فالإعراض عنها أولى بنا. والذي يجب أن يعتقد: أن الله تعالى عصمه وبرأه، ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.
[ ١٧٦ ]
عما هم به من الفاحشة، كذلك نسبب له في كل ما عرض له من هم يهم به فيما لا يرضاه ما يزجره ويدفعه عنه، ليطهره من دنس ذلك (١).
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ أي: واستبق يوسف امرأة العزيز باب البيت (٢)، أما يوسف: ففرارًا من ركوب الفاحشة لما رأى من برهان ربه (٣)، وأما المرأة: فطلبًا ليوسف لتقضي حاجتها منه التي أرادته عليها، فأدركته، فتعلقت بقميصه من خلفه، فجذبته إليها مانعة له من الخروج من الباب، وقدته من دبر أي: شقته من خلف، لا من قدام (٤)، ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ أي: وصادف سيدها: وهو زوج المرأة، عند الباب (٥)، وقولُهُ: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: قالت امرأة العزيز لزوجها لما خافت أن يتهمها بالفجور: ما ثواب من أراد
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٠٠.
(٢) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٢. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٠١. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٢٦.
(٣) فائدة: البرهان من الله يقي العبد السوء في جميع الأمور، والهروب من الفاحشة والفتنة أمر ممدوح، وفيه دليل على العصمة للأنبياء وبراءة يوسف ﵇. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٣٢٩، ٣٢٨. فائدة: المرأة فتنة كبرى في حياة الرجال فعلى المؤمن أن يحذر من الوقوع في حبائل النساء، ويتقي الله حق تقاته فلا يمدن عينيه الى محرم، ولا يخلون بأجنبية، ولا يرسلن فكره نحو امراة تحرم عليه. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٣٣٥.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٠١.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢١٤.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٠٢، ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٢٧.
[ ١٧٧ ]
بامرأتك الزنا؟ إلا أن يسجن أو عذاب مؤلم أي: موجع (١).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ يقال: لما قذفته بما قذفته مكذبا لها فيما قذفته به، مَا أَنَا رَاوَدْتهُها عن نفسها، بل هي راودتني عن نفسي، وقد قيل أن يوسف لم يرد ذكر ذلك، لو لم تقذفه عند سيدها بما قذفته به (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ اختلف في صفة الشاهد، قال ابن عباس وأبو هريرة (٣) وسعيد بن جبير: كان صبيًا في المهد (٤)، وروي أيضا عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والحسن قال: كان رجلا (٥)، وروي عن مجاهدٍ أيضا قال: الشاهد القميص المقدود (٦)، وروي عن رسول الله -صلى الله عليه- قال: تكلم أربعة وهم صغار، فذكر فيهم: شاهد يوسف (٧)،
فدل ذلك على أنه صبي في المهد، وقولُهُ: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ لأن المطلوب إذا كان هاربا، فإنما يؤتى من قبل دبره، فكان معلومًا أن الشق لو كان من قُبل لم يكن هاربا، ولكن
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٠٣.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٥٣.فائدة: ليس للفاسق حرمة. قال القشيري: أفصح يوسف﵇بجرمها، إذ ليس للفاسق حرمة يجب حفظها. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٣٥٣،
(٣) هو عبدالرحمن بن صخر الدوسي، من أكثر الصحابة رواية، روي لَهُ نَحْو من خمسة آلاف حديث وثلاث مائة وسبعين حديثًا (ت: ٥٧ - ٥٩ هـ). ابن عبد البر، مرجع سابق،٤/ ١٧٦٨. الزركلي، مرجع سابق،٣/ ٣٠٨.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٥٣. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٢٨. الفراء، مرجع سابق، ٢/ ٤١.مرجع سابق، ٥/ ٢١٤. السمعاني أبو المظفر، مرجع سابق، ٣/ ٢٤.
(٥) سفيان الثوري، مرجع سابق، ١/ ١٤١.ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٠٥. الفراء، مرجع سابق،٢/ ٤١.
(٦) مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٩٥. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٥٨.
(٧) المستدرك على الصحيحين للحاكم، باب تَفْسِير سورةِ التَّحرِيمِ بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، ٢/ ٥٣٨، رقم الحديث ٣٨٣٥. وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ» ووافقه الذهبي. وقال الشيخ شاكر تعليقًا: ولكن حديث أبي هريرة مطولا رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٦: ٣٤٤ - ٣٤٨)، ومسلم في صحيحه ١٦: ١٠٦، ورواه أحمد في المسند -ص ٥٨ - ٨٠. بإسناد صحيح .. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٥٤.
[ ١٧٨ ]
كأن يكون طالبًا ممنوعًا مدفوعًا، فكان ذلك يكون شاهدًا على كذبه (١). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ خبر عن زوج المرأة، وهو القائل لها: إن هذا الفعل من كيدكن، أي: من صنيعكن، أي: من صنيع النساء (٢)، ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، وقيل: إنه خبر عن الشاهد إنه القائل ذلك (٣).
وقد تضمنت الآيات البيان عما توجبه إخلاص العبادة من الألطاف التي يعتصم بها من المعصية، وإن وقع صاحبها في شدة منازعةٍ، وحال خدعة، والبيان عن ما يوجبه مكر النساء من البهت بطرح الجرم على غير صاحبه، لتبرئة النفس من ذلك، مع إدعاء أن جزاءه السجن، والعذاب الأليم، وهو بمدعيه أحق وله ألزم، والبيان عما يوجبه نفع الاستدلال من تمييز التقي من الفاجر، والحق من الباطل فيما قذف به يوسف﵇، حتى ظهرت براءته فيما قيل فيه، ونسب إليه، والبيان عما يوجبه دلالة العادة، من أن الذي شق قميصه من دبره، هو الهارب من الأمر، كما أن الذي توجد الضربة في ظهره هو: المنهزم من الحرب، والبيان عما أخرجه البرهان من إضافة الفاحشة إلى غير صاحبها بالبهتان فرُدت على مقترفها، وبرِئَ منها المنزه عنها.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
_________________
(١) وبنحوه ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٥٩. فائدة: إذ البينة ما يبين الحق من قول، وفعل، ووصف، وجعل الصحابة،-﵃الحبل علامة وآية على الزنا، فحدوا به المرأة، وإن لم تقر، ولم يشهد عليها أربعة، بل جعلوا الحبل أصدق من الشهادة، وجعلوا رائحة الخمر وقيئه لها آية، وعلامة على شربها، بمنزلة الإقرار والشاهدين. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٣٦٥.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١١٣.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٦٠. الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٠١. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٣٠. فائدة: أن البينة ما يبين الحق من قول وفعل ووصف كما جعل الصحابة﵃الحبَل علامة وآية على الزنا. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٣٦٥.
[ ١٧٩ ]
﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ كاف (١)، وقال أبو حاتم: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ جيد (٢)، وأجود منه ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: حسن (٣)، وكذا ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤)، وكذا ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ (٥)، والتمام (٦) ﴿عَظِيمٌ﴾.
وقولُهُ ﷿:
﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩) وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾
_________________
(١) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣١. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٣. الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٢.
(٢) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٢. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٥. وكذا عند الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
(٣) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
(٤) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال: حسن. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. قال: كاف الأشموني، المرجع السابق.
(٥) قال تمام الكلام عند نافع النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. وكذا الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٥. وكذا الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. جائز عند الأشموني، المرجع السابق.
(٦) الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. الأشموني، المرجع السابق.
[ ١٨٠ ]
﴿يُوسُفُ﴾ نداء مفرد، ﴿عَنْ هَذَا﴾، ﴿عَنْ﴾ متعلقة بـ ﴿أَعْرِضْ﴾، وألف ﴿أَعْرِضْ﴾ قطع و﴿هَذَا﴾ إشارة إلى ما جرى، ﴿لِذَنْبِكِ﴾ متعلق بـ استغفري والألف ألف وصل، ﴿إِنَّكِ﴾ مستأنف، ﴿كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ خبر إنّ، و﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ خبر ﴿كُنْتِ﴾، والتاء اسمها، و﴿مِنَ﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار، يقال: خَطِئَ الرجلُ يخطئُ خِطاءً وخَطأً (١)، وقال الشاعر (٢):
لَعَمْرُكَ إِنَّمَا خَطَئِي وَصَوْبِي (٣) عَلَيَّ وَإِنَّمَا (٤) أَهْلَكْتُ مَالُ
وقال أميّة (٥):
_________________
(١) ابن دريد، مرجع سابق، ٢/ ٩٣.الجوهري، مرجع سابق، ١/ ٤٧. الحموي الفيومي، مرجع سابق، ٣/ ٩٠.
(٢) أوس بن غلفاء الهجيمي التميمي: من شعراء المفضليات. له فيها قصيدة ميمية ٢١ بيتا. وعده الجمحيّ في الطبقة الثامنة من فحول الجاهلية. والبيت له، كما في النوادر ص ٤٦، الجمحي، مرجع سابق، ١/ ١٦٧. شرح المفضليات للتبريزي، بخطه: الورقة ٢٣٤ ومطبوعته ١٥٦٥ - ١٥٧٤. والشعر والشعراء ص ٦١٨. البغدادي، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، مرجع سابق، ٣/ ١٣٩، ٥١٥. الزركلي، مرجع سابق، ٢/ ٣١.
(٣) صوبي، أي: صوابي. ابن منظور، مرجع سابق، ١/ ٥٣٤. (ص وب).
(٤) كذا في الأصل ولعل الصواب "عَلَيَّ وَإِنَّ مَا أَهْلَكْتُ مَالُ" والله أعلم. نوادر أبي زيد: ٤٧، طبقات فحول الشعراء: ١٤٠، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٤١. قال ابن منظور، "وإن ما" كذا منفصلة. قوله: "مال"، بالرفع، أي: وإن الذي أهلكت إنما هُوَ مالٌ، مرجع سابق، ١/ ٥٣٥. لسان العرب (ص وب). نوادر أبي زيد: ٤٧، طبقات فحول الشعراء: ١٤٠، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٤١، من أبيات يقولها لامرأته: أَلا قالَتْ أُمَامَةُ يَوْمَ غُوْلٍ: تَقَطَّعَ بِابنِ غَلْفاء الحِبالُ. ابن جرير، مرجع سابق،١٦/ ٦١.
(٥) أمية بن حرثان بن الأسكر الجندعي الليثي الكناني المصري، (ت: ٢٠ هـ) ويقال الأشكر بالمعجمة شاعر مخضرم، أدرك الإسلام فأسلم، ينظر، المعمرين، أدرك الجاهلية والإسلام. وكان من سادات قومه وفرسانهم. وهو من أهل الطائف انتقل إلى المدينة. وعاش طويلا حتى خرف. ومات في خلافة عمر﵁. الجمحي، مرجع سابق، ١/ ١٨٩. ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، مرجع سابق، ١/ ٢٦٤. الزركلي، مرجع سابق،٢/ ٢٢.
[ ١٨١ ]
عبادك يُخطِئون وأنت رَبٌّ بكفَّيك المنايا والحُتُومُ (١)
قال الأصمعي (٢): يقال: خطئ الرجل يخطأ إذا تعمد الذنب فهو خاطئ، وأخطأ يخطئ إذا غلط ولم يتعمد، والاسم منه الخطأ (٣). وقال تعالى: ﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ ولم يقل: من الخاطئات، ليغلب المذكر على المؤنث إذا اجتمعا (٤)، ويقال صواب وصوب بمعنى، ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾، ﴿فِي﴾ متعلقة بـ قال (٥)
، و﴿نِسْوَةٌ﴾ رفع بـ قال، ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾، ﴿امْرَأَتُ﴾ رفع بالابتداء، ﴿تُرَاوِدُ﴾ الخبر، ﴿فَتَاهَا﴾ نصب بـ ﴿تُرَاوِدُ﴾ إلا أنه لا يسنّ فيه
_________________
(١) ديوانه ص ٥٣.والحتوم: جمع حتم، والحتم القضاء، وقال ابن سيده: الحتم إيجاب القضاء. وفي التنزيل العزيز: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ مريم، الآية: ١٩. .لسان العرب (حتم)، (خطأ)، وقبل البيت: سَلامَكَ رَبَّنا فِي كُلِّ فَجْرٍ بَرِيئًا ما تَلِيقُ بِكَ الذَّمُومُ وبعده: غَدَاةَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ ألاَ يَاليْتَ أُمَّكُمُ عَقِيمُ. ابن جرير، مرجع سابق،١٦/ ٦١ بتصرف.
(٢) عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد الأصمعي (١٢٢ - ٢١٦ هـ)، أحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان، ومولده ووفاته في البصرة، وتصانيفه كثيرة، منها " الإبل " و" الخليل " و" الشاء. الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي ت ٤٦٣ هـ، تاريخ بغداد، ت: بشار عواد معروف ط ٢ (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م)، ١٢/ ١٥٧. ابن خلكان، مرجع سابق، ٣/ ١٧٠.
(٣) النَّحَّاس، عمدة الكتاب، ت: بسام عبد الوهاب الجابي، ط ١، (دار ابن حزم: الجفان والجابي للطباعة والنشر،١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م)، ١/ ١٩٢. القيسي، مشكل إعراب القرآن، مرجع سابق، ٦/ ٤١٩٠.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦، /٦٢، ٦١. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢١٦، ٢١٥. البغوي، مرجع سابق، ٢/ ٤٨٨.
(٥) في هذا نظر، لأن تعلقها بـ ﴿نِسْوَةٌ﴾ أقوى، قال الألوسي: في قوله تعالى: ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ أريد بها مصر، والجار والمجرور في موضع الصفة-لنسوة-على ما استظهره بعضهم " الألوسي، مرجع سابق، ٦/ ٤١٦.، وقال الطاهر بن عاشور وغيره: وقوله تعالى: ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ صفة لـ ﴿نِسْوَةٍ﴾، مرجع سابق، ١٢/ ١٥٩، ودرويش، مرجع سابق، ٤/ ٤٨٠، والصافي، مرجع سابق، ١٢/ ٤١٥، وقال الشيخ طنطاوي، محمد سيد: والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لنسوة " التفسير الوسيط للقرآن الكريم، ط ١، (القاهرة: الفجالة، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع،١٩٩٧ - ١٩٩٨ م)، ٧/ ٣٥١ ..
[ ١٨٢ ]
إعراب، لأن آخره ألف، والهاء والألف في موضع خفض بإضافة فتىً إليها (١)، ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تُرَاوِدُ،﴾ ﴿قَدْ شَغَفَهَا﴾ الهاء والألف في موضع نصب بـ ﴿شَغَفَهَا﴾، ﴿حُبًّا﴾ نصب على البيان (٢)
، ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ اللام لام توكيد، والهاء والألف نصب بـ نرى، ﴿فِي﴾ متعلقة بـ نرى، و﴿مُبِينٍ﴾ نعت لـ ﴿ضَلَالٍ﴾، ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ الفاء جواب ما أخبر به من قول النسوة، ﴿فَلَمَّا﴾ ظرف، ﴿أَرْسَلَتْ﴾ جواب ﴿فَلَمَّا﴾ وهو العامل، ﴿إِلَيْهِنَّ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلَتْ﴾، ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ معطوف على ﴿أَرْسَلَتْ﴾ يقال: اعتد يعتد إذا أعد وهيأ، وألفه ألف قطع، و﴿مُتَّكَأً﴾ نصب بوقوع ﴿أَعْتَدَتْ﴾ وهو مفتعل من وكأت الأصل: مؤتكا، مثل: مؤتذن، أبدلت من الواو تاء، ثم أدغمت التاء في التاء، وقد أبدلوا التاء في الافتعال، يقال: تكئ يتكأ تكأً (٣)، وقد تكون متكئًا جمعًا ولفظه واحد، مثل: الجليس، وإن جمعته قلت: متكئات، وإن جمعته مكسر لقلت: مواكي (٤)، وآتت بمعنى أعطت، ﴿كُلَّ﴾ نصب بـ ﴿وَآَتَتْ﴾، ﴿مِنْهُنَّ﴾ متعلق بمعنى الاستقرار، لأن منهن في موضع النعت لـ ﴿وَاحِدَةٍ﴾، ﴿سِكِّينًا﴾ نصب بـ
_________________
(١) و(حبًا) تمييز، والأصل قد شغفها حبه، والجملة مستأنفة. ويجوز أن يكون حالا من الضمير في «تراود» أو من «الفتى» العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٣٠.صافي، مرجع سابق، ١٢/ ٤١٥.الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٨٥.
(٢) فائدة: والمراد بالبيان "التمييز" "وهذا ما يعبر به" في زمان المصنف﵀. ونحو قول ابن مالك في باب التمييز: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ كَشِبْرٍ ارْضًا وَقَفِيزٍ بُرَّا وَمَنَوَيْنِ عَسَلًا وَتَمْرَا. والتمييز نوعان:
(٣) تمييز ذات، ويقال عنه تمييز المفرد وينعت بتمييز الملفوظ. مثال/عندي مترٌ قماشًا - المميز متر وهو الملفوظ. ٢ - تمييز نسبة، ويقال عنه تمييز الجملة، وينعت بتمييز الملحوظ مثال/اشتعل الرأسُ شيبًا - تمييز جملة وينعت بتمييز الملحوظ أي نلاحظه، فنلاحظ شيئا في هذه النسبة أو الجملة وبنحوه قوله تعالى: ﴿شَغَفَهَا حُبًّا﴾ تمييز ملحوظ وهو بما عبر به المصنفُ بالبيان والله تعالى أعلم.
(٤) النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٣٦٢. العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٣٠.
(٥) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢٠١.القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٥٥٣، ٣٥٥١.
[ ١٨٣ ]
﴿وَآَتَتْ﴾. والسكين تذكر وتؤنث، ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عليهنَّ﴾ متعلق بـ ﴿اخْرُجْ﴾، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ﴾ الفاء جواب قولها، ولما ظرف (١)
، ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ جواب لما وهو العامل في لما، ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ معطوف على ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾، و﴿أَيْدِيَهُنَّ﴾ نصب بـ ﴿وَقَطَّعْنَ﴾، ﴿وَقُلْنَ﴾ معطوف أيضا، وشددت النون من ﴿أَيْدِيَهُنَّ﴾ وخففت من ﴿وَقَطَّعْنَ﴾: لأن المشددة بحذاء حرفين من المذكر إذا قلت: أيديهم، والمخففة بإزاء حرف واحد من المذكر إذا قلت قطعوا (٢)،وقوله: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ من قرأ بالحذف دل على أنه فعل، لأن الحروف لا يحذف منها، ومعناه المجاوزة، وإذا كان فعلًا ففاعله: يوسف، والتقدير: بعد يوسف عن هذا، وهي حرف، أو فعل على القولين، وأهل اللغة يقولون: هو مشتق من قولك: كنت في حشى فلان، أي: في ناحية فلان (٣)، فالمعنى في ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾: براءة الله من هذا (٤)، من التنحي أي: قد نحى الله يوسف من هذا، فإذا قلت حاشى لزيد من هذا فمعناه: قد نحى زيد من هذا أو تباعد منه، واللام متعلقة بحاشى، وقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، ﴿مَا﴾ نفي، و﴿هَذَا﴾ اسم ﴿مَا﴾، و﴿بَشَرًا﴾ خبرها، و﴿مَا﴾ مشبهة بليس، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما، و﴿هَذَا﴾ رفع بالابتداء، ﴿إِلَّا مَلَكٌ﴾ خبر، و﴿كَرِيمٌ﴾ نعت له، ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ الفاء جواب قولهن، ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ رفع بالابتداء، و﴿الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ الخبر (٥)
، و﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿لُمْتُنَّنِي﴾، وذلك إشارة إلى
_________________
(١) صافي، مرجع سابق، ١٢/ ٤٦١.درويش، مرجع سابق، ٤/ ٤٨١. الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٨٦ ..
(٢) العكبري، اللباب في علل البناء والإعراب، مرجع سابق، ١/ ٣١. ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، مرجع سابق، ١/ ٨٩٣، ١٦٥.
(٣) ابن جزي، مرجع سابق، ١/ ٧٣٣. أبوحيان، مرجع سابق، ٥/ ٢٤٩. ابن عاشور، مرجع سابق، ١٢/ ٢٦٣.
(٤) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٠٧. ابن عادل، مرجع سابق، ١١/ ٨٥. الشوكاني، مرجع سابق، ٣/ ٢٧.
(٥) صافي، مرجع سابق، ١٢/ ٤٢٠.درويش، مرجع سابق، ٤/ ٤٨٢ الخراط، مرجع سابق، ١/ ٤٢٩ ..
[ ١٨٤ ]
يوسف، واللام لتراخي الإشارة إليه، وشددت النون في الموضعين: لأنها بإزاء الميم والواو في المذكر، و﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ متعلق بـ ﴿رَاوَدْتُهُ﴾، ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ اللام في ﴿وَلَئِنْ﴾ لام قسم دخلت على حرف الشرط (١)، ﴿مَا آَمُرُهُ﴾، ﴿مَا﴾ في موضع نصب بـ ﴿يَفْعَلْ﴾ وهي بمعنى الذي، لَيُسْجَن جواب القسم، وهو كاف من جواب الشرط، ﴿وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ معطوف على ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾،و﴿مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ متعلق بمعنى الاستقرار في موضع خبر ﴿وَلَيَكُونَنْ﴾،والوقف على ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾: بالنون، لتشديد النون، وعلى ليكونا: بالألف، تشبيهًا بالتنوين وكذا ﴿لَنَسْفَعَنْ﴾ (٢) يقف بالألف (٣)،
ومنه قول الأعشى (٤) مؤكد بالنون الخفيفة:
_________________
(١) في قوله هذا لعله فيه نظر، لأن اللام التي تدخل على حروف الشرط لاسيما (إن) هي اللام الموطئة للقسم أو الممهدة له وليست هي لام القسم التي تدخل على جواب القسم، وقد فرق بينهما النحاة، ينظرمثلًا، ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، مرجع سابق، ص ٢٠٩ - ٢١١، وقد اجتمعا في هذه الآية، الأولى اللام الموطئة للقسم في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ﴾، والثانية: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾، لام جواب القسم. ينظر، درويش، مرجع سابق، ٤/ ٤٨٢. وصافي، مرجع سابق، ١٢/ ٤٢٠.
(٢) سورة العلق، الآية: (١٥).
(٣) سيبويه، مرجع سابق، ٣/ ٥١٠. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٢٠، ٢١٩.
(٤) قال ابن هشام: قصة أعشى بني قيس بن ثعلبة: قدومه على الرسول ومدحه: حَدَّثَنِي خَلَّادُ بْنُ قُرَّة بْنِ خَالِدِ السُّدوسي وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكابة بْنِ صعب بن علي بن بكر بن وائل، خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُرِيدُ الْإِسْلَامَ، فَقَالَ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ، ابن هشام، أبو محمد جمال الدين عبد الملك بن أيوب الحميري المعافري، (ت: ٢١٣ هـ)، السيرة النبوية لابن هشام، ت: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، ط ٢، (مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، ١٣٧٥ هـ - ١٩٥٥ م)، ١/ ٣٨٨. لكن بلفظ " وسبِّح " بدلا من"هذه القصيدة من عصر المخضرمين، من بحر الطويل، وعدد أبياتها، (٢٤). (الطويل) ديوانه ص ١٣٠. وَذا النُصُبِ المَنصوبَ لا تَنسُكَنَّهُ وَلا تَعبُدِ الأَوثانَ وَاللَهَ فَاِعبُدا وَصَلِّ عَلَى حِينِ العَشِيَّاتِ والضُّحَى وَلا تَحْمَدِ الشَّيْطَانَ وَاللهَ فاحْمَدا
[ ١٨٥ ]
وَصَلِّ عَلى حينِ العَشِيّاتِ وَالضُحى وَلا تَحمَدِ الشَيطانَ وَاللَهَ فَاِحمَدا (١)
يقف عليه بالألف مثل: "لنسفعًا" (٢)، وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ نداء مضاف، ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ ابتداء وخبر، ﴿مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ من متعلقة بـ ﴿أَحَبُّ﴾ وما بمعنى الذي، ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَدْعُونَنِي﴾، ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ﴾ إن حرف شرط، ولا نافية، ﴿تَصْرِفْ﴾ جزم بإن ﴿عَنِّي﴾ متعلق بـ ﴿تَصْرِفْ﴾، ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ نصب بـ ﴿تَصْرِفْ﴾، ﴿أَصْبُ﴾ جواب الشرط، ﴿إِلَيْهِنَّ﴾ متعلق بـ ﴿أَصْبُ﴾، ﴿وَأَكُنْ﴾ عطف على ﴿أَصْبُ﴾، ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ خبر (٣) ﴿وَأَكُنْ﴾ متعلق بمعنى الاستقرار.
القولُ في القراءةِ:
قرأ أبو عمرو: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ في الموضعين بألف، الباقون: بغير ألف (٤)، فالحذف والإثبات لغتان فصيحتان، ومن العرب من يحذف لام الفعل كما تقول: لم يك، ولا أدر، ومن قولهما: أصاب الناس جهد، ولو تر ما أهل مكة، وإنما هو: ولو ترى، ودليل الحذف: أنها في الخط محذوفة، ولهذا وقف الجميع عليها بغير ألف.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٨٧.ابن منظور، مرجع سابق، ٢/ ٤٧٣.
(٢) سورة العلق، الآية: (١٥). فيه تكرار للمثال السابق.
(٣) صافي، مرجع سابق، ١٢/ ٤٢٣.درويش، مرجع سابق، ٤/ ٤٨٣. الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٨٧.
(٤) ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٤٨. النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢٠١. ابن خالويه، كتاب السبعة في القراءات، مرجع سابق، ص ١٩٥.
[ ١٨٦ ]
ذكر عن ابن عباس: أن هذا خبر من الله عن قيل الشاهد أنه قال للمرأة وليوسف، يقول: يا يوسف أعرض عن ذكر ما كان منها إلَيْك فِيمَا رَاوَدَتْك عليه ولَا تَذْكُرْهُ لِأَحَدٍ، وَاسْتَغْفِرِي أَنْتِ زَوْجك، سَلِيهِ أَنْ لَا يُعَاقِبك عَلَى ذَنْبك الَّذِي أَذْنَبْت، وَأَنْ يَصْفَح عَنْهُ فَيَسْتُرهُ عليك (١)، ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ يَقُول: مِنَ الْمُذْنِبِينَ فِي مُرَاوَدَتك يُوسُف عَنْ نَفْسه (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ يَقُول تَعَالَى: وَتَحَدَّثَ النِّسَاء بِأَمْرِ يُوسُف وَأَمْر امْرَأَة الْعَزِيز فِي مَدِينَة مِصْر، وَشَاعَ مِنْ أَمْرهمَا فِيهَا مَا كَانَ، فَلَمْ يَنْكَتِم، وَقُلْنَ: امْرَأَة الْعَزِيز تُرَاوِد عَبْدهَا (٣) عَنْ نَفْسه، نحو ما روي عن ابن اسحاق. والْعَزِيز الْمَلِك فِي كَلَام الْعَرَب; وَمِنْهُ قَوْل أَبِي دُؤَاد (٤)
دُرَّةٌ غَاصَ (٥) عَلَيْهَا تَاجِرٌ جُلِيَتْ عِنْدَ عَزِيزٍ يَوْمَ طَلِّ
وهو مأخوذ من العزة، وقولُهُ: ﴿شَغَفَهَا حُبًّا﴾ يَقُول: قَدْ وَصَلَ حُبّ يُوسُف إِلَى شَغَاف قَلْبهَا، فَدَخَلَ تَحْته حَتَّى غَلَبَ عَلَى قَلْبهَا (٦). وَشَغَاف الْقَلْب: حِجَابه وَغِلَافه الَّذِي هُوَ فِيهِ (٧) وَإِليه عَنَى النَّابِغَةُ الذُّبْيَانيُّ (٨) قَوْلَه:
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١١٣،ابن أبي حاتم، مرجع سابق، مرجع سابق، ٧/ ٢١٣٠.
(٢) مقاتل، مرجع سابق، ٢/ ٣٣١.ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٦١.الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٠٤.
(٣) مقاتل، مرجع سابق، ٢/ ٣٣١. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١١٤.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٣١.
(٤) أبو دؤاد الإيادي ١٤٦ - ٧٩ ق. هـ جارية بن الحجّاج بن حذاق الإياديّ شاعر جاهلي، وهو أحد نعات الخيل المجيدين ابن عساكر، مرجع سابق، ٣٧/ ٥٨. الذهبي، تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام،مرجع سابق، ١٧/ ٩٨.
(٥) لم أجد هذا البيت في مكان آخر سوى في ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٦٢. والعكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٦/ ١٢٨.والغوص: النزول تحت الماء، وقيل: الدخول في الماء. لسان العرب. (غ وص)، وجلا الأمر وجلَاه وجلي عنه: كشفه وأظهره، وجلا الصيقل السيف والمرأة ونحوهما جلوا وجلاء صقلهما. لسان العرب (ج ل و)، والطل: المطر الصغار القطر الدائم. لسان العرب (ط ل ل). ابن منظور، مرجع سابق، ٧/ ٦٢.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق،.١٦/ ٦٣.
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١١٥. (حَالَ) لاستقامة المعنى ولثبوتها في ديوان النابغة والمراجع الأخرى.
(٨) زياد بن معاوية بن ضباب الذبيانيّ الغطفانيّ المضري، أبو أمامة: (نحو ١٨ ق هـ =نحو ٦٠٤ م)، شاعر جاهلي من الطبقة الأولى ومن أهل الحجاز وكانت تضرب له قبة من جلد أحمر بسوق عكاظ فتقصده الشعراء فتعرض عليه أشعارها. وكان الأعشى وحسان والخنساء ممن يعرض شعره على النابغة، وسمى بالنابغة الذبياني. ابن قتيبة الدينوري، الشعر والشعراء، مرجع سابق، ١/ ١٦٢. الجمحي، مرجع سابق، ١/ ٥١. الزركلي، مرجع سابق، ٣/ ٥٤.
[ ١٨٧ ]
وَقَدْ خَالَ (١) هَمٌّ دُونَ ذَلِكَ دَاخِلٌ
دُخُولَ الشَغَاف (٢) -الشَغَاف (٣) تَبْتَغِيهِ الأصَابِعُ (٤).
_________________
(١) كذا ببالأصل"خال" ولعله تصحيف من الناسخ والصواب والله أعلم، وَقَدْ "حَالَ" هَمٌّ دُخُولَ شَغَافٍ تَبْتَغِيهِ الأصَابِعُ. النابغة، يعتذر إلى النعمان ملك العرب عما قذفه به الواشون، أى وقد حال هم دون التغزل في المحبوبة وغيره من اللذات داخل مكان الشغاف. ويروى «دخول الشغاف» أى كولوجه، والشغاف: داء في القلب جهة اليمين تخرجه الأطباء بأصابعهم، فتبتغيه الأصابع: من صفته على أنه حال منه. الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، مرجع سابق،٢/ ٤٦٢ بتصرف.
(٢) ضرب الناسخ على الألف واللام من لفظ (الشَغَاف) الأولى ثم ترك بياضًا ثم أعاد نسخَ كلمة (الشغاف) الثانية.
(٣) كذا في الأصل ولعله تصحيف من الناسخ. والصواب (شَغَافٍ) لثبوته في ديوان النابغة ولاستقامة المعنى والله أعلم.
(٤) والبيت بتمامه "وَقَدْ حَالَ هَمٌّ دُونَ ذَلِكَ دَاخِلٌ دُخُولَ شَغَافٍ تَبْتَغِيهِ الأصَابِعُ" ديوانه: ٣٨، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٠٨، وغيرهما، مع اختلاف في روايته، وقبله: عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا وَقُلْتُ: أَلَمَّا تَصْحُ والشَّيْبُ وَازِعُ؟ و"الأصابع" يعني أصابع الأطباء. وجعله الطبري من" الشغاف" بالفتح، واللغويون يجعلونه من" الشغاف" (بضم الشين"، وهو داء يأخذ تحت الشراسيف من الشق الأيمن. وإذا اتصل بالطحال قتل صاحبه. وهذا أجود الكلاميين. تعليق الشيخ شاكر ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٦٣ بتصرف.
[ ١٨٨ ]
وقال الشعبي (١): الْمَشْغُوف: الْمُحِبّ، وَالْمَشْعُوف (٢) الْمَجْنُون (٣)، وقال الحسن: قَدْ بَطَنَهَا حُبًّا (٤)، وقال الضحاك: هُوَ الْحُبّ اللَّازِق بِالْقَلْبِ (٥)، وقد قيل بالعين: شعف.
وأنشد امرؤ القيس:
لتَقْتُلنِي (٦) وقدْ شَعَفْتُ فُؤادهَا كَما شَعَفَ المَهْنُوءةَ الرَّجلُ الطَّالِي
فشعف المرأة من الحب والمهنوءة وهي الناقة المطلية بالقطران (٧) من الدبر، فشبه لوعة الحب وجواه بذلك، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: قُلْنَ: إِنَّا لَنَرَى امْرَأَة الْعَزِيز ومُرَاوَدَتهَا فَتَاهَا عَنْ نَفْسه وَغَلَبَة حُبّه عليها لَفِي خَطَأ مِنَ الْفِعْل وَجَوْر عَنْ قَصْد السَّبِيل مُبِين لِمَنْ تَأَمَّلَهُ وَعَلِمَهُ أَنَّهُ ضَلَال وَخَطَأ غَيْر صَوَاب وَلَا سَدَاد، وَإِنَّمَا كَانَ قِيلُهُنَّ مَا قُلْنَ مِنْ ذَلِكَ، وَتَحَدُّثُهُنَّ بِمَا تَحَدَّثْنَ بِهِ مِنْ شَانِهَا وَشَانِ يُوسُفَ مَكْرًا مِنْهُنَّ، فِيمَا ذُكِرَ لِتُرِيهِنَّ يُوسُفَ، فَلَمَّا سَمِعَتْ امْرَأَة الْعَزِيز بِمَكْرِ النِّسْوَة اللَّاتِي قُلْنَ فِي الْمَدِينَة مَا ذَكَرَهُ اللَّه ﷿ عَنْهُنَّ، قال ابن إسحاق: مكرن لتريهن يوسف، وكان
_________________
(١) هو عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمر الهمدانى ثم الشعبي وهو من حمير وعداده في همدان، ولد لست سنين خلت من خلافة عمر بن الخطاب على المشهور، وعُد من التابعين، وقيل توفي بالكوفة سنة خمس ومائة وهو ابن سبع وسبعين سنة. ابن سعد، مرجع سابق، ٦/ ٢٥٩. الخطيب البغدادي، مرجع سابق،١٤/ ١٤٣. المزي، مرجع سابق، ١٤/ ٢٨.
(٢) المشعوف: المجنون، ومن أصيب شعف قلبه بحب أو ذعر أوجنون. الفيروزآبادى، القاموس المحيط، ت: مكتبة التراث في مؤسسة الرسالة بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، ط ٨، (بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤٢٦ هـ-٢٠٠٥ م) (ش ع ف) وجاء في لسان العرب: قرئت بالعين والغين، فمن قرأها بالعين المهملة فمعناها تيمها، ومن قرأها بالغين المعجمة أي أصاب شغافها. ابن منظور، مرجع سابق، ٩/ ١٧٧
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١١٦. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٣١. الثعلبي، مرجع سابق، ٣/ ٨٣.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٦٤. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٣١.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١١٨.
(٦) في ديوانه: ص ٣٣ (أَتَقْتُلُنِي وَقَدْ شَعَفْتُ فُؤَادَهَا كَمَا شَعَفَ المَهْنُوءَة الرَّجُلُ الطَّالِي).
(٧) ديوانه: ص ١٤٢. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٦٧. " شعف"، وغيرها، من قصيدة البارعة، يقول وقد ذكر صاحبته وبعلها: "فَأَصْبحْتُ مَعْشُوقًا وَأَصْبَحَ بَعْلُها عَلَيْه القَتامُ سَيِّءَ الظَّنِّ وَالبالِ". ابن منظور، مرجع سابق، ٩/ ١٧٨.
[ ١٨٩ ]
يوصف لهن بالحسن والجمال. ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ فعَلَتْ مِنَ الْعَتَاد، وَهُوَ الْعِدَّة (١) وَمَعْنَاهُ: أي مَجْلِسًا لِلطَّعَامِ، وَمَا يَتَّكِئْنَ عليه مِنَ النَّمَارِق وَالْوَسَائِد، متكئًا مفتعل من اتكأت (٢)، قال سعيد: اتخذت طعامًا وشرابًا ومتكئا (٣)، وقال السدي: ما يتكئن عليه (٤)،
وقال ابن عباس والحسن: مجلسا، وقيل: اتخذت طعامًا وشرابًا وأترجّا، ﴿وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ لتقطع به الأترج، وقيل: كما ورد قاله الضحاك، وقال أبو عبيدة (٥):
المتكأ الأترج، ثم قال: والفقهاء أعلم بذلك، قال مجاهد: من قرأ متكأ فهو الطعام، ومن قرأ متَّكأ وهي قراءة شاذة: فهو الأترج، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عليهنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي: قالت امرأة العزيز ليوسف: ﴿اخْرُجْ
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٦٩. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢١٧.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٢٣. أبو السعود، مرجع سابق، ٤/ ٢٧١.الألوسي، مرجع سابق، ٦/ ٤١٨.
(٣) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٢. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٢٣.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٢٣ ..
(٥) ولعله أبوعبيد القاسم بن سلام الهروي (ت: ٢٢٤) وليس أبا عبيدة معمر بن المثنى (ت: ٢٠٩) لاستقامة كلام المؤلف﵀- «متكأ .. يأكلونه»: روى الطبري، ١٣/ ١٢٤، قول أبى عبيدة هذا قائلا: وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: المتكأ هو النمرق يتكأ عليه وقال: زعم قوم أنه الأترج قال وهذا أبطل باطل فى الأرض، ولكن عسى أن يكون مع المتكأ أترج يأكلونه، وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام قول أبى عبيدة ثم قال: والفقهاء أعلم بالتأويل منه، ثم قال: ولعله بعض ما ذهب من كلام العرب فإن الكسائي كان يقول: قد ذهب من كلام العرب شاء كثير، انقرض أهله، والقول فى أن الفقهاء أعلم بالتأويل من أبى عبيدة كما قال أبو عبيد لا شك فيه، غير أن أبا عبيدة لم يبعد من الصواب فى هذا القول بل القول كما قال من أن من قال المتكأ هو الأترج إنما بين المعد فى المجلس الذي فيه المتكأ والذي من أجله أعطين السكاكين لأن السكاكين معلوم أنها لا تعد للمتكأ إلا لتخريقه، ولم يعطين السكاكين لذلك ومما يبين صحة ذلك، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس: من أن المتكأ هو المجلس. وأخذه البخاري،٥/ ٢١٥ وعزاه ابن حجر العسقلاني إلى أبى عبيدة فى فتح الباري ٨/ ٢٧٠. أبو عبيدة، معمر بن المثنى التيمى البصري (ت: ٢٠٩ هـ)، مجاز القرآن، ت: محمد فواد سزكَين، (القاهرة: مكتبة الخانجى،١٣٨١ هـ)، ١/ ٣٠٩ ..
[ ١٩٠ ]
عليهنَّ﴾، فخرج عليهنّ، فلما رأين يوسف، أعظمْنَه وَأَجْلَلْنَهُ وَبُهِتْنَ، وروي عن عبد الصمد بن على الهاشمي (١)، عن أبيه، عن جده: أكبرنه، قال: حِضْنَ، وينشد في هذا المعنى بيت ليس بمعروف:
تأتي (٢)
النِّسَاءَ عَلَى أَطْهَارِهِنَّ وَلا تاتِي النِّسَاءَ إِذَا أَكْبَرْنَ إِكْبَارَا
أي: إذا حِضْنَ، ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ قال بعضهم: أَنَّهُنَّ حَزَزْنَ بِالسِّكِّاكينِ فِي أَيْدِيهنَّ وَهُنَّ يَحْسَبْنَ أَنَّهُنَّ يقَطّعْنَ الْأُتْرُجّ (٣)، قاله مجاهد والسدي وابن زيد وابن عباس
_________________
(١) هو عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي الأمير عن أبيه، أبو محمد، روى عن أبيه وحدث عَنه: المهديّ، ومات قبله بدهر، مات بالبصّرة سنة خمسٍ وثمانين ومائة، عن ثمانين سنة. الربعي، مرجع سابق،١/ ٤١٩. الخطيب البغدادي، مرجع سابق، ٦/ ١٨٥. ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، مرجع سابق، ٤/ ٢١.
(٢) كذا في الأصل ولعله تصحيف من الناسخ لثبوتها في المراجع التالية بـ"نأتي" وليس "تأتي" نأتِي النِّسَاء على أَطْهَارِهنَّ وَلَا نأتِي النِّساءَ إِذا أكبَرْنَ إكبْارا. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٧٧. الأزهري الهروي، مرجع سابق، ١٠/ ١٢٠. فائدة: قال أبو منصور: وإن صحت هذه اللفظة في اللغة بمعنى الحيض فلها مخرج حسن، وذلك أن المرأة أول ما تحيض فقد خرجت من حد الصغر إلى حد الكبر، فقيل لها: أكبرت أي حاضت فدخلت في حد الكبر الموجب عليها الأمر والنهي. وروي عن أبي الهيثم أنه قال: سألت رجلا من طيء فقلت: يا أخا طيء، ألك زوجة؟ قال: لا والله ما تزوجت وقد وعدت في ابنة عم لي، قلت: وما سنها؟ قال: قد أكبرت أو كبرت، قلت: ما أكبرت؟ قال: حاضت. قال أبو منصور: فلغة الطائي تصحح أن إكبار المرأة أول حيضها إلا أن هاء الكناية في قوله تعالى: أكبرنه تنفي هذا المعنى، فالصحيح أنهن لما رأين يوسف راعهن جماله فأعظمنه. وروى الأزهري بسنده عن ابن عباس في قوله تعالى: فلما رأينه أكبرنه، قال: حضن، قال أبو منصور: فإن صحت الرواية عن ابن عباس سلمنا له وجعلنا الهاء في قوله أكبرنه وَقْفَةٍ لَا هَاءَ كِنَايَةٍ، والله أعلم بما أراد. ابن منظور، مرجع سابق، ٥/ ١٢٦.
(٣) مجاهد، مرجع سابق، ١/ ٣٩٦.ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٧٧.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ١٢/ ٥٧٤. فائدة: هذه من الإسرائيليات في قصة امرأة العزيز مع النسوة وهذه الرويات لم تثبت لما يلي: يوجد في سندها بعض الرواة المجهولين أمثال إسماعيل بن سيف العجلي حيث قال المحققون في (تفسير جامع البيان للطبري الذي اعتمد عليه الإمام كثيرا في مخطوطته): لم نجد له ترجمة فيما بين أيدينا من مراجع الطبري. الرواية التي تذكر أنهن حضن عندما رأينه وأكبرنه فقال الطبري: في تفسيره هذا القول لا معنى له، ورد على من زعم من الرواة أن بعض الناس أنشده بيتًا من الشعر في أكبرن بمعنى حضن. وقال هذا البيت لا أحسب أن له أصلًا، لأنه ليس بالمعروف عند الرواة وقال القرطبي: أنكر أبو عبيدة وغيره من أقطاب اللغة، قالوا: ليس ذلك من كلام العرب وأن هذا البيت مصنوع ومختلق. القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ١٨٠ بتصرف من" زهد، مرجع سابق، ص ١٥.
[ ١٩١ ]
وقتادة (١) وابن إسحاق، وقيل: تقطيعهن: تخديش، وقيل: أيديهن (٢)، والتخديش أولى، لأنه ربما خفي على الإنسان ساعه، وليس القطع كذلك، قال ابن عباس: أعطي يوسف وَأُمّه ثُلُث الْحُسْن (٣)، وروي ثابت (٤)
عن أنس عن النبي ﷺ قال: أُعْطِيَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ شَطْرَ الْحُسْنِ (٥) وقولُهُ: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ أي: تنزيهًا لله، كأنه قال: معَاذَ الله (٦) قاله مجاهد والحسن، حاشا لله،
_________________
(١) قتادة بن دعامة السدوسي: وهو أبو الخطاب الضرير الأكمه، مفسر كتاب الله، عالم أهل البصرة، مات بواسط في "الطاعون"، في سنة سبع عشرة ومائة. المزي، مرجع سابق،٣/ ١٥٥. الذهبي، تذكرة الحفاظ، مرجع سابق، ١/ ١٢٢.
(٢) أي: إبانة.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة، باب مَا قَالُوا فِي الْحُسْنِ مَا هُوَ؟، ٤/ ٤٢، رقم الحديث ١٧٥٩٢. إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري، باب ذِكْرُ يُوسُفَ ﵊، ٧/ ١٤٠، رقم الحديث ٦٥٢٣.وقال﵀: هذا إسناد موقوف رجاله ثقات. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي، بَابُ ذِكْرِ يُوسُفَ ﷺ، ٨/ ٢٠٣، رقم الحديث ١٣٧٧٤. وقال ﵀: وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا فَقَالَ: " أُعْطِيَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ ثُلُثَ الْحُسْنِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَهِمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية لابن حجر، بَابُ يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام، ١٤/ ٢٤٥، رقم الحديث ٣٤٥١. وقال -﵀: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ. المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة للسخاوي، باب حرف الهمزة، ١/ ١٢٤. وقال ﵀: وسنده أيضا صحيح.
(٤) ثابت البناني "اسمه ثابت بن أسلم البنانى"، أبو محمد البصرى، تابعي ثقة، من الطبقة الرابعة من طبقات رواة الحديث النبوي ورتبته عند أهل الحديث وعلماء الجرح والتعديل وفي كتب علم التراجم يعتبر ثقة عابد،وعند الإمام شمس الدين الذهبي كان رأسا في العلم والعمل. المزي، مرجع سابق، ٢٤/ ٥٤٧. الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ٥/ ٢٢٠ ..
(٥) المستدرك على الصحيحين للحاكم، باب ذِكْرُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، ٢/ ٦٢٢، رقم الحديث ٤٠٨٢. وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وقال الذهبي: على شرط مسلم. المستدرك على الصحيحين للحاكم، باب ذِكْرُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، ٢/ ٦٢٢، رقم الحديث ٤٠٨٢. وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وقال الذهبي: على شرط مسلم. إلا أن متن الحديث اضطرب على أحد رواته، ويبدو أنه من أبي إسحاق، فقال: أعطي يوسف وأمه ثلثي الحسن. ثم هو مخالفٌ للحديث الصحيح: أعطي يوسف شطر الحسن. ففيه اضطراب فيحمل على ضعفه.
(٦) مقاتل، مرجع سابق، ٢/ ٣٣٢.
[ ١٩٢ ]
معاذ الله (١)، وقولُهُ: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ أي: قُلْنَ: مَا هَذَا بَبشَرٍ; لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَرَيْنَ فِي حُسْن صُورَته مِنَ الْبَشَر أَحَدًا، فَقُلْنَ: لَوْ كَانَ مِنَ الْبَشَر لَكَانَ كَبَعْضِ من رَأَيْنَا مِنْ صُورَة الْبَشَر، وَلَكِنَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَة لَا مِنَ الْبَشَر.
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أي: قَالَتْ امْرَأَة الْعَزِيز لِلنِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، فَهَذَا الَّذِي أَصَابَكُنَّ فِي رُؤْيَتِكُنَّ إِيَّاهُ فِي نَظْرَةٍ مِنْكُنَّ نَظَرْتُنَّ إِلَيْهِ مَا أَصَابَكُنَّ مِنْ ذَهَاب الْعَقْل وَغُرُوب الْفَهْم وَلَهًا إِلَيْهِ حَتَّى قطعن (٢) أَيْدِيَكُنَّ، هُوَ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِي حُبِّي إِيَّاهُ وَشَغَف فُؤَادِي بِهِ، فَقُلْتُنَّ: قَدْ شَغَفَ امْرَأَةَ الْعَزِيز فَتَاهَا حُبًّا ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَال مُبِين﴾. ثُمَّ أَقَرَّتْ لَهُنَّ بِأَنَّهَا قَدْ رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسه، وَأَنَّ الَّذِي تَحَدَّثْنَ بِهِ عَنْهَا فِي أَمْره حَقّ، فَقَالَتْ ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي: امتنع مِمَّا رَاوَدْتهُ عليه، قال السدّي: استعصم بعد ما أحل السراويل، لا أدري ما بدا له، وقال قتادة: فاستعصم، وقال ابن عباس: فامتنع وإن لم يُطَاوِعْنِي إلى مَا أَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِنْ حَاجَتِي إِلَيْهِ لَيُسْجَنَنَّ في السجن، وَلَيَكُونَا مِنْ أَهْل الصَّغَار وَالذِّلَّة بِالْحَبْسِ وَالسَّجْن، وَلَأُهِينَنَّهُ (٣).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ هَذَا الْخَبَر مِنَ اللَّه تعالى يَدُلّ عَلَى أَنَّ امْرَأَة الْعَزِيز قَدْ عَاوَدَتْ يُوسُف فِي الْمُرَاوَدَة عَنْ نَفْسه، وَتَوَعَّدَتْهُ بِالسَّجْنِ وَالْحَبْس إِنْ لَمْ يَفْعَل مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَاخْتَارَ -صلى الله عليه- السَّجْن عَلَى مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ عَاوَدَتْهُ وَتَوَعَّدَتْهُ بِذَلِكَ، كَانَ مُحَالًا أَنْ يَقُول: ﴿رَبِّ السِّجْن أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، وَهُوَ لَا يُدْعَى إِلَى شَيْء وَلَا يُخَوَّف بِحَبْسٍ. وَالسِّجْن: المحَبْس نَفْسه، وَهُوَ بَيْت الْحَبْس، وتأويل الكلام: قال يوسف:
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٨٣. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٣٦.
(٢) كذا في الأصل"قطعن" والظاهر والله أعلم "قطعتْن" كما هو ظاهر السياق.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٨٧،٨٦. فخر الدين الرازي، مرجع سابق، ١٨/ ١٠٤. الشوكاني، مرجع سابق، ٣/ ٣٠. فائدة: لا يجد المؤمن معتصمًا يعتصم به عند تعرضه للفتن على اختلاف أنواعها خيرا له من حصن رب العالمين فهو وحده معتصمه الوحيد. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٤٠٤.
[ ١٩٣ ]
يَا رَبّ الْحَبْس فِي السِّجْن أَحَبّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَتك وَيُرَاوِدْنَنِي عليه مِنَ الْفَاحِشَة، قال السدي: ﴿مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ مِنْ الزِّنَا (١)، قال ابن إسحاق: اسْتَعَانَ ربّه ممَا نَزَلَ بِهِ، وقال: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أي: أحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آتِيَ مَا تَكْرَه (٢)، وَإِنْ لَمْ تَدْفَع عَنِّي يَا رَبّ فِعْلَهُنَّ الَّذِي يَفْعَلْنَ بِي فِي مُرَاوَدَتِهِنَّ إِيَّايَ عَلَى أَنْفُسِهِنَّ ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أي: أَمِيل إِلَيْهِنَّ، وَأُتَابِعُهُنَّ عَلَى مَا يُرِدْنَ مِنِّي، مِنْ قَوْل الْقَائِل: صَبَا فُلَان إِلَى كَذَا (٣)
كما قال: يزيد بن ضبّة الثقفي (٤):
إِلَى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي وَهِنْدٌ مِثْلُهَا يُصْبِي (٥)
قال: إِلَّا يَكُنْ مِنْك أَنْتَ الْعَوْن وَالْمَنَعَة، لَا يَكُنْ مِنِّي وَلَا عِنْدِي، وقولُهُ: وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ أي: أَكُنْ بِصَبْوَتِي إِلَيْهِنَّ مِنَ الَّذِينَ جَهِلُوا حَقّك وَخَالَفُوا أَمْرك وَنَهْيك. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ فاستجاب الله ليوسف دعاءه فصرف عنه ما أرادت منه امرأة العزيز وصواحباتها من معصية الله، قال ابن اسحاق: " أي: نجّاه من أن يركب المعصية" (٦)، ويقال: ما وجه
_________________
(١) مقاتل، مرجع سابق، ٢/ ٣٣٢.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٣٨.
(٢) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٣٨.ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٤٤.
(٣) ابن دريد، الاشتقاق، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، ط ١، (لبنان: دار الجيل، ١٤١١ هـ-١٩٩١ م، ١/ ٤٢٣. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ١٢/ ١٧٩ ..
(٤) هو يزيد بن مِقْسَمٍ الثقفي. من مواليهم، وضبة أمه: شاعر كبير، ذكره ابنُ حِبان في كتاب "الثقات" من أهل الطائف (بالحجاز) مات أبوه وخلفه صغيرًا، فحضنته أمه، فنسب إليها. انقطع إلى الوليد بن يزيد بالشام، فكان لا يفارقه. ولما أفضت الخلافة إلى هشام، أبعد ابن ضبة، لاتصاله بالوليد، فخرج إلى الطائف، فأقام إلى أن ولي الوليد، فوفد عليه، فأدناه وضمه إليه وأكرمه. وأن لابن ضبة ألف قصيدة اقتسمتها شعراء العرب وانتحلتها فدخلت فى أشعارها. مات بالطائف. (ت: ١٣٠ هـ). المزي، مرجع سابق،٣٢/ ٢٥٠. ابن حجر، تهذيب التهذيب، مرجع سابق، ١١/ ٣٦٢.الزركلي، مرجع سابق، ٨/ ١٨٩.
(٥) أبو عبيدة، مجاز القرآن، مرجع سابق، ١/ ٣١١.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٤٦.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٣٩.
[ ١٩٤ ]
قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ وَلَا مَسْأَلَة منه تَقَدَّمَتْ لِرَبِّهِ، وَلَا دَعَا، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ رَبّه أَنَّ السِّجْن أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَته قِيلَ: فِي إِخْبَاره بِذَلِكَ شِكَايَةً مِنْهُ إِلَى رَبّه (١)، وفي قوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ موضع دُعَاء وَمَسْأَلَة مِنْهُ رَبّه، فلذلك قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِل: إِنْ لَا تَزُرْنِي أُهِنْك، فَيُجِيبهُ الْآخَر: إِذَنْ أَزُورك ; لِأَنَّ فِي قَوْله: إِنْ لَا تَزُرْنِي أُهِنْك، مَعْنَى الْأَمْر بِالزِّيَارَةِ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢)
أي: إن ربه هو السميع دعاء يوسف، ودعاء كل داع من خلقه، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بمطلبه وحاجته وما يصلحه، وبحاجة جميع خلقه وما يصلحهم. وقد تضمنت الآيات: البيان عما يوجبه عمل الفاحشة من الاجتهاد في سترها، كالاجتهاد في إبطالها، والاستغفار بالتوبة منها بما يمحو أثرها ويسقط التبعة بها، والبيان عما يوجبه ظهور حب الفاحشة من الفضيحة لصاحبها والعنَت بها، والضلال عن طريق الرشد بلزومها، والبيان عما يوجبه اللطيف في النبوة من البهاء والهيبة والحسن، وجلالة الداعي إلى صاحبها بطلب الرشد من جهته والحق من قبله، والبيان عما تدعوا إليه الجهالة مع شدة الشهوة من حمل النفس على الظلم بإيقاع المكروه بمن لا يستحقه لامتناعه من فعل ما لا يجوز له، والبيان عما يوجبه إخلاص الإيمان بالله من الفزع إلى دعائه بكشف ما قد أظل من البلية، واعترى من الآفة، مع الاعتراف بأنه إن لم يعصم من المعصية صاحبها وقع فيها وهلك بموجبها.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٤٦.
(٢) فائدة: إن الله هو الذي يسمع ويعلم، يسمع الكيد والدعاء وغيرهما، ويعلم ما وراء الكيد وما وراء الدعاء، والتعبير بالاستجابة تقتضبى تقدم الدعاء عليها. وفيه إثبات صفة الله تعالى بالعلم والسمع ولا يعتد المؤمن بإيمانه إلى درجة الغرور وإنما يكل أمره إلى الله ويستمد منه العون في مواجهة الخطوب والصمود أمام الفتن ويسأله الصبر .. وبيان أنه يلزم مع الدعاء من البر ما يلزم الطعام من الملح المؤمن يتقلب في أحوال بين لطف في عنف، ونعمة في نقمة، وشر في عسر، ورجاء في يأس. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٤١٠ - ٤١٤ - ٤١٧.
[ ١٩٥ ]
﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ تمام (١)، وكذا ﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾، وكذا ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢)، وقال نافع: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ تمام (٣)، وقال غيره: التمام (٤) ﴿مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، وقال أبو حاتم: ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ كاف (٥)، ﴿وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ حسن (٦)، وكذا ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٧).
وقولُهُ ﷿:
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾
_________________
(١) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٢. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٦. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٣.قال: حسن الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٣.
(٢) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال: كاف الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق ..
(٣) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. وهو جائز عند الأشموني، المرجع السابق.
(٤) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال: حسن. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق .. وهو جائز عند الأشموني، المرجع السابق.
(٥) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: كاف وقيل تام الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال: حسن. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق .. الأشموني، المرجع السابق.
(٦) قال: تام الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وهو كاف عند الأشموني، المرجع السابق.
(٧) وقال: كاف الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. قال: الأشموني حسن وكاف، المرجع السابق.
[ ١٩٦ ]
الفاء جواب (١) ما أخبر به، و﴿لَهُ﴾ متعلق بـ استجاب، ﴿فَصَرَفَ﴾ معطوفٌ على ما قبله، ﴿عَنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿فَصَرَفَ﴾، ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ نصب بـ صرف، ﴿إِنَّهُ﴾ مستأنف، ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ابتداء وخبر في موضع خبر إنّ، والإضمار عائد على الرّب، والهاء في ﴿لَهُ﴾ على يوسف، ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف، ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿بَدَا﴾ وكذا ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ﴾، ﴿الْآَيَاتِ﴾ نصب بـ ﴿رَأَوُا﴾ و﴿مَا﴾ مع ما بعدها بتقدير المصدر، والتقدير من بعد رؤية الآيات، ولك أن تقدرها بمعنى الذي (٢)، ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ لام قسم مؤكد بالنون الشديدة، وفي هذا معنى القسم وليسجننه جواب القسم (٣)، واختلف في فاعل ﴿بَدَا﴾ فذهب سيبويه (٤) إلى أن الفاعل: ما دل عليه ﴿ليَسجُننّه﴾ أي: ظهر لهم أن يسجنوه، وقال المبرد (٥):
"الفاعل مضمر دل
_________________
(١) فخر الدين الرازي، مرجع سابق، ٩/ ٤٦٧. النسفي، مرجع سابق، ٤/ ٨٨. أبو حيان، مرجع سابق، ٩/ ٣٤٣.
(٢) الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٢٠. الشوكاني، مرجع سابق، ٣/ ٢٥.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١١/ ٢٧٨. ابن عطية، مرجع سابق، ٢/ ٣٢٠. أبو حيان، مرجع سابق، ٦/ ٢٧٤.الشوكاني، مرجع سابق، ٣/ ٢٥.
(٤) عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، إمام النحاة، ولد في إحدى قرى شيراز، وصنف كتابه المسمى" كتاب سيبويه " في النحو، وقيل: وفاته وقبره بشيراز، وفي مكان وفاته والسنة التي مات بها خلاف ت: ١٨٠ - ١٨٥ هـ. القفطي، مرجع سابق، ٣/ ١٦٩. ابن كثير، البداية والنهاية، مرجع سابق،١٠/ ١٧٦.
(٥) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر أبو العباس، المعروف بالمبرد. ت:٢١٠ - ٢٨٦ هـ، إمام العربية ببغداد في زمنه، وأحد أئمة الأدب والأخبار، مولده بالبصرة ووفاته ببغداد، من كتبه: "الكامل" و"المذكر والمؤنث" و"المقتضب" .. التنوخي، أبو المحاسن المفضل بن محمد بن مسعر المعري ت: ٤٤٢ هـ، تاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين وغيرهم، ت: الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو، ط ٢، (القاهرة: هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان،١٤١٢ هـ-١٩٩٢ م)،١/ ٥٣ - ٦٥. ابن خلكان، مرجع سابق، ١/ ٤٥٩.
[ ١٩٧ ]
عليه بدا بتقديره بدا لهم بداء" (١) وقيل: الفاعل رأي: أي بدا لهم رأيٌ لم يكونوا يعرفونه وحذف لدلالة الكلام عليه (٢)، والوجه ما قال سيبويه لأن إذا وجدنا الظاهر لم يقدر محذوف، وكان هذا الظاهر الذي هو ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ لما قام مقام الفاعل ودلّ عليه كأنه هو الفاعل (٣)، وأما قول المبرد فإن الفعل لا يدل من لفظه على الفاعل إنما يطلبه"و﴿حَتَّى حِينٍ﴾ حتى غاية (٤) متعلقة بـ ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾، ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾، ﴿مَعَهُ﴾ متعلق بـ دخل و﴿السِّجْنَ﴾ نصب بـ دخل، ﴿فَتَيَانِ﴾ رفع بفعلهما وهما تثنية فتىً وفتى من ذوات الياء، ولا يعتد بقولهم للفتوة لشذوذه (٥) ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾ كسرت لأنها بعد القول (٦)،
﴿خَمْرًا﴾ نصب بـ ﴿أَعْصِرُ﴾، ﴿فَوْقَ رَاسِي خُبْزًا﴾، ﴿فَوْقَ﴾ ظرف العامل فيه ﴿أَحْمِلُ﴾، و﴿خبزًا﴾ نصب بـ ﴿أَحْمِلُ﴾، ﴿تَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ في موضع النعت لخبز (٧)، و﴿مِنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿تَاكُلُ﴾، ﴿نَبِّئْنَا بِتَاوِيلِهِ﴾ أمر، أي: خبّرنا، بـ ﴿تاوِيلِهِ﴾ متعلق بـ ﴿نَبِّئْنَا﴾، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ من متعلقة
_________________
(١) النحاس، إعراب القرآن، ٢/ ٢٠٣. ابن عطية، مرجع سابق، ٣/ ٢٥٢ النسفى، مرجع سابق، ٢/ ١٨٥.أبو حيان، مرجع سابق، ٥/ ٣٠٦.
(٢) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٥/ ١١٢.القنوجي، مرجع سابق، ٦/ ٣٣١.
(٣) القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ١٨٦. ابن عادل، مرجع سابق، ١/ ٢٩٧٠. الخفاجي، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر المري الحنفي (ت: ١٠٦٩ هـ)، حَاشِيةُ الشِّهَابِ عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوِي، الْمُسَمَّاة: عِنَايةُ القَاضِى وكِفَايةُ الرَّاضِى عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوي، (بيروت: دار صادر)، ٥/ ١٧٥.
(٤) فخر الدين الرازي، مرجع سابق، ٢٨/ ٢٢٥. الألوسي، مرجع سابق، ١/ ٣٤٢. ابن عاشور، مرجع سابق، ١٢/ ١٤٠.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ٢٠/ ٣١٨. الزجاج، مرجع سابق، ١/ ١٣١. القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ١٨٨. النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٣.
(٦) القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٧/ ٤٦٢١. ابن جرير، مرجع سابق، ١٥/ ١٤٢. ابن عطية، مرجع سابق، ٣/ ٩٣ ..
(٧) درويش، مرجع سابق، ٤/ ٤٩٣.الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٨٧.
[ ١٩٨ ]
بـ ﴿نَرَاكَ﴾، ﴿لَا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ﴾ ﴿تُرْزَقَانِهِ﴾ نعت لطعام، ﴿إِلَّا﴾ إيجاب بعد نفي، ﴿نَبَّاتُكُمَا بِتَاوِيلِهِ﴾ متعلق بـ ﴿نَبَّاتُكُمَا﴾، ﴿قَبْلَ أَنْ يَاتِيَكُمَا﴾ قبل ظرف (١) العامل فيه ﴿نَبَّاتُكُمَا﴾، ﴿أَنْ﴾ في موضع خفض بإضافة قبل إليها، ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ ابتداء وخبر، وما بمعنى الذي (٢)، ومن متعلقة بالاستقرار، وذلك إشارة إلى الإنباء، ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ﴾ مستأنف، ﴿مِلَّةَ﴾ نصب بـ ﴿تَرَكْتُ﴾، ﴿قَوْمٍ﴾ خفض بإضافة ﴿مِلَّةَ﴾ إليهم، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ في موضع النعت لقوم، ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ ابتداء وخبر و﴿بِالْآَخِرَةِ﴾ متعلق بـ ﴿كَافِرُونَ﴾ يجوز أن يكون هم الثانية توكيدًا على طريقة التكرير (٣)
و﴿مِلَّةَ﴾ نصب بـ اتبعت، ﴿آَبَائِي﴾ خُفِض بإضافة ﴿مِلَّةَ﴾ إليهم، ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ بدل (٤) من ﴿آَبَائِي﴾، ﴿مَا﴾ حرف نفي (٥) ﴿كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ ﴿أَنْ﴾ وما عملت فيه بموضع رفع اسم ﴿كَانَ﴾ (٦) و﴿لَنَا﴾ خبر كان متعلق بمعنى الاستقرار، و﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿نُشْرِكَ﴾، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ متعلق أيضًا بـ ﴿نُشْرِكَ﴾ وهي في موضع نصب، والتقدير أن نشرك بالله شيئًا ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ علينا﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ رفع
_________________
(١) أبو حيان، مرجع سابق، ١/ ١٥١.السمين، مرجع سابق، ١/ ٩٩.ابن عادل، مرجع سابق، ١/ ٢٩٩.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١/ ٤٢٧.الزجاج، مرجع سابق، ٤/ ٣١٠.السمرقندي، مرجع سابق، ٣/ ٣٥.ابن أبي زَمَنِين، مرجع سابق، ٢/ ٢٦٩.
(٣) الزركشي، مرجع سابق، ١/ ٣٨٧. الخراط، مرجع سابق، ٢/ ٤٦٠.ابن الأنباري، أبو البركات كمال الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، (ت: ٥٧٧ هـ)، انظر الانصاف ١/ ٢١١ ..
(٤) درويش، مرجع سابق، ٤/ ٤٩٤. الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٨٨.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٤/ ٣٤٢. أبو حيان، مرجع سابق، ١/ ٥٢٧. السمين، مرجع سابق، ٢/ ٣١.
(٦) القيسي، مشكل إعراب القرآن، مرجع سابق، ١/ ٣٨٧. الخراط، مرجع سابق، ٢/ ٥٠٢. الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٨٨.
[ ١٩٩ ]
بالابتداء، ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الخبر متعلق بمعنى الاستقرار، و﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما تقدم مما أخبر به (١)، ﴿علينا﴾ متعلق بـ ﴿فَضْلِ اللَّهِ﴾، ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾، ﴿النَّاسِ﴾ عطف على النون والألف بإعادة الخافض، لأن المضمر لا يعطف عليه إلا بإعادة العامل (٢)،
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾، ﴿وَلَكِنَّ﴾ توكيد ناصب لـ ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾، و﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ خبر لكنّ وقد تقدم القول في ياء النفس (٣) في تحريكها وإسكانها فمن أسكنها فلاستثقال الحركة فيها ومن حركها فعلى الأصل لأن لا يكون اسم على حرف واحد ساكنًا واختار الفتحة لخفتها مع ثقل الياء (٤).
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى-والله أعلم: فاستجاب الله ليوسف دعاءه فصرف عنه ما أرادت منه امرأة العزيز وصواحباتها من معصية الله، قال ابن اسحاق: أي "نجّاه من أن يركب المعصية منهنّ وقد نزل به بعض ما حذر
_________________
(١) ابن ملا، مرجع سابق، ٣/ ٤٠٦.درويش، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٤.
(٢) وهذا على مذهب سيبويه والجمهور وأمَّا الكوفيون فاحتجوا بجواز العطف على الضمير المجرور دون إعادة العامل لوروده في القرآن ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذي تَسَاءَلُونَ به وَالْأَرْحَامِ﴾ سورة النساء، الآية: ١. بالخفض، وهي قراءة أحد القراء السبعة، وهو حمزة الزَّيَّات، وقراءة إبراهيم النخعي، وقتادة، ويحيى بن وثاب، وطلحة بن مصرف، والأعمش، ورواية الأصفهاني والحلبي عن عبد الوارث. ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٢٢٦. وإلى المسألة أشار محمد بن مالك -﵀- في الألفية بقوله: وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى ضَمِيرِ خَفْضٍ لاَزِمًَا قَدْ جُعِلاَ وَلَيْسَ عِنْدِيْ لاَزِمًَا إِذْ قَدْ أَتَى فِيْ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٤/ ٢٧٧. الأنصاري، إعراب القرآن العظيم، مرجع سابق، ١/ ٢٩٢.الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، مرجع سابق، ١/ ٤٤٣.درويش، مرجع سابق، ١/ ٣٦١.
(٣) يعني "ياء الإضافة" في مصطلح القراء وكما قال ابن مالك ﵀: وقبلَ يا النفسُ مع الفعلِ التزمْ نونَ وقايةٍ وليسي قَدْ نُظِمْ.
(٤) النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٤/ ٢٧٧. الأنصاري، إعراب القرآن العظيم، مرجع سابق، ١/ ٢٩٢.
[ ٢٠٠ ]
منهن (١) ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: إن ربه هو ﴿السَّمِيعُ﴾ دعاء يوسف، ودعاء كل داع من خلقه، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بمطلبه وحاجته وما يصلحه، وبحاجة خلقه وما يصلحهم (٢)، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ أي: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ للعزيز، وقد قيل: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ وهو واحد، لأنه لم يذكر باسمه ويقصد بعينه، وذلك نظير قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٣)، وقيل: إن قائل ذلك كان واحدًا، ومعنى ثم بدا لهم في الرأي الذي كانوا رأوه من ترك يوسف مطلقا، ورأوا أن يسجنوه من بعد ما رأوا الآيات ببراءته مما قذفته به امرأة العزيز، وتلك الآيات كانت، قد القميص من دبر، وخمشا في الوجه وقطع أيديهن (٤)، وقولُهُ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ أي: إلى الوقت الذي يرون فيه رأيهم وجعل الله ذلك الحبس ليوسف عقوبة له من همه بالمرأة وكفارة لخطيئته، روي عن ابن عباس أنه قال: عثر يوسف ثلاث عثرات، حين هم بها، وحين قال اذكرني عند ربك فلبث في السجن بضع سنين، وأنساه الشيطان ذكر ربه، وقال لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ فقالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، وذكر أن سبب حبسه في السجن كان شكوى امرأة العزيز إلى زوجها، أَمْرَهُ وَأَمْرَهَا (٥)
قال السدي: قالت المرأة لزوجها إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يعتذر إليهم ويخبرهم أني راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري، فإما
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٩٠. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٣٩.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٤٧.
(٣) سورة آل عمران، الآية: (١٧٣).
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٩١.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٤٩.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٤٠ ..
[ ٢٠١ ]
أن تأذن لي فأخرج وأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني، فذلك قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ الآية وقيل: الحين معني به: سبع سنين: قاله عكرمة (١).
وقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ أي: دخل مع يوسف السجن فتيان، وفي الكلام حذف، والتقدير: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾، فسجنوه فأدخلوه السجن ودخل معه فتيان، وكان الفتيان فيما ذُكر غلامين من غِلمان ملك مصر الأَكْبر، أحدهما صاحب شرابه، والآخر صاحب طعامه، قال ابن اسحاق (٢): كان اسم أحدهما مَجْلِثُ، والآخر نَبُو الذي كان على الشراب (٣)، قال قتادة: كان أحدهما خباز الملك على طعامه، والآخر ساقيه على شرابه (٤)، قال السدي: غضب على خبازه، بلغه أنه يريد أن يسَّمه فحبسه وحبس صاحب شرابه، ظن أنه مَالَأَهُ (٥) على ذلك، فحبسهما جميعا.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ذكر أن يوسف ﵇ لما دخل السجن، قال لمَنْ فيه مِنَ الْمُحْبَسِينَ، لما سألوه عن علمه قال: إني أعبر الرؤيا (٦)، فقال أحد الفتيين الذين (٧) أدخلا معه السجن للآخر: تعال لنختبره أي: هلم فلنحدّث (٨) هذا العبد العبراني نترائى له، فسألاه
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٩٤. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٢٩. البغوي، مرجع سابق، ٤/ ٢٣٩.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٩٥.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٤٢.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٥١، ابن أبي حاتم، المرجع السابق.
(٤) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٤١. ابن أبي زمنين، مرجع سابق، ٢/ ٣٢٦.
(٥) تتابعوا برأيهم على أمر قد تَمالَؤُوا عليه. ابن الأعرابي: مَالَأَه إذا عاونه، ومَالَأَه إذا صَحِبَه أَشْباهُه. وفي حديث علي، والله ما قتلت عثمان، ولا مَالَاتُ على قتله. ابن منظور، مرجع سابق، ١/ ١٦٠. ابن جرير، المرجع السابق. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٤٢، ٢١٤٣. الواحدي، مرجع سابق، ٢/ ٦١٣.
(٦) عبر الرؤيا يعبرها عَبْرًا وعِبارةً وعبَّرها: فسرها وأخبر بما يؤول إليه أمرها. ابن منظور، مرجع سابق، ٤/ ٥٢٩.
(٧) في (د) "اللذين" ومعناهما واحد.
(٨) في (د) "فلنختبر" وهذا هو الصواب- والله أعلم.
[ ٢٠٢ ]
من غير أن يكونا رأَيَا شيئا (١)، فقال الخباز: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَاسِي خُبْزًا تَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾، وقال الآخر: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ قال عبد الله بن مسعود: " مَا رَأَى صَاحِبَا يُوسُفَ شَيْئًا، وَإِنَّمَا كَانَا تَحَالَمَا لِيُجَرِّبَا (٢) عَلِمَهُ (٣) " وقال ابن اسحاق ومجاهد: "إِنَّمَا سَأَلَهُ الْفِتْيَانِ عَنْ رُؤْيَا كَانَا رَأَيَاهَا عَلَى صِحَّةٍ وَحَقِيقَةٍ، وَعَلَى تَصْدِيقٍ مِنْهُمَا لِيُوسُفَ لَعَلِمِهِ بِتَعْبِيرِهَا" قال: إن يوسف لما قالا له وَاللَّهِ يَا فَتَى لَقَدْ أَحْبَبْنَاكَ حِينَ رَأَيْنَاكَ، فقال لهما حين قالا له ذلك: أناشدكما الله أن "لاّ" (٤)
تُحبّاني، فوالله ما أحبّني أحدٌ قط إلاّ دخل عَلَيَّ مِنْ حُبِّهِ بَلَاءٌ، لقد أحبتني عمتي فدخل عَلَيَّ في حبها بلاء، ثم لقد أحبني أبي فلقد دخل عَلَيَّ بحبه بلاء، ثم لقد أحبتني زوجة صاحبي هذا فدخل عَلَيَّ بحبها إياي بلاء، فلا تحبّاني بارك الله فيكما، قال فأبيا إلّا حُبَّهُ، وَإِلْفَهُ حيث كان، وجعلا يُعْجِبُهُمَا ما (٥)، يَرَيَانِ من فهمه وعقله، وقد كانا رأَيا حين أُدخلا السجن رُؤْيَا، فرأى مَجْلِثُ أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه، ورأى نَبُو أنه يعصر خمرًا فَاسْتَفْتِيَاهُ فيها وقالا له: ﴿نَبِّئْنَا بِتَاوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إن فعلت (٦)، وعَنى بقوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي إني أرى في نومي أني أعصر عنبا (٧)، وسماه خمرًا بما يصير إليه أمره (٨).
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعلى الْمَنَّانِ صَارَ الثَّرِيدُ فِي رُءُوسِ الْعِيدَانِ (٩)
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٩٥. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٤٣. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٢٢.
(٢) في (د) "ليختبرا".
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٩٦.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٢٢.
(٤) "لا" ليست في الأصل لأن المعنى لا يستقيم بدونها وذكرها ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٩٦.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٢٢ ..
(٥) في (د) "يعجبان مما". وكلاهما صواب محتمل.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٠٢. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٤٢، ٢١٤٣.
(٧) أخرجه البخاري في تاريخه، ١/ ٢٧٤، ٢٧٥ تعليقا. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٤٢.
(٨) كذا في الأصل بياضُ وفي (د) زيادة "كما قال الشاعر". وهذا هو الصواب لاستقامة المعنى والله أعلم.
(٩) لم أقف على قائله. ذكره النحاس، معاني القرآن، مرجع سابق، ٣/ ٤٢٥. والقرطبي، مرجع سابق، ١٣/ ١٤٦.
[ ٢٠٣ ]
فسمى السنبل ثريدا لما يؤول إليه أمره، وقال الضحاك:"هو بلغة عمان يسمون العنب خمرا (١) " أخبرنا (٢) بما يؤول إليه ما أخبرناك به إنا رأيناه في منامنا ورجع إليه، أي: ﴿نَبِّئْنَا بِتَاوِيلِهِ﴾، قال أبو عبيد (٣): "إن تأويل الشيء ومنه تأويل الرؤيا إنما هو الذي يؤول إليه" واختلف في معنى الإحسان الذي وصف الفتيان به يوسف فقال بعضهم: كان يعود مريضهم ويعزّي حزينهم، وإذا احتاج منهم إنسان جَمَع له (٤) قاله: الضحاك بن مزاحم، وقال قتادة: في شيء ذكره: فقالوا: من أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف بن صفيّ الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن إبراهيم خليل الله، وكانت عليه محبة، وقال: له عامل السجن يا فتى: والله لو استطعت لخلّيت سبيلك، ولكن سأحسن جوارك، وأحسن إسارك فكن في أي بيوت السجن شئت (٥)،
وقال الآخرون (٦): إنا نراك من المحسنين (٧) نبأتنا بتأويل رؤيانا هذه، قاله ابن اسحاق. وقيل: أنهما قالا: له نبأنا بتأويل رؤيانا فإنا نراك محسنًا إلينا في إخبارك إيانا بذلك، كما نراك محسنًا في سائر أفعالك، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّاتُكُمَا بِتَاوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَاتِيَكُمَا﴾ أي: قال يوسف للذين استعبراه الرؤيا: ﴿لَا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّاتُكُمَا بِتَاوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَاتِيَكُمَا﴾ في يقظتكما قبل أن يأتيكما، نحو
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٥٥.السمرقندي، مرجع سابق، ٢/ ١٩٢. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٤٢. الماوردي، مرجع سابق، ٣/ ٣٦. الواحدي، مرجع سابق، ٢/ ٦١٣.
(٢) في (د) "خبرنا".
(٣) "قَالَ الْحَارِثُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي مُجَاهِدَ: أَنَّ تَاوِيلَ الشَّيْءِ: هُوَ الشَّيْءُ. قَالَ: وَمِنْهُ تَاوِيلُ الرُّؤْيَا، إِنَّمَا هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي تَئُولُ إِلَيْهِ" ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٩٨.
(٤) سعيد بن منصور، أبو عثمان بن شعبة الخراساني الجوزجاني (ت: ٢٢٧ هـ)، التفسير من سنن سعيد بن منصور، دراسة وت: د سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد، ط ١، (الرياض: دار الصميعي للنشر والتوزيع، ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م)، ٥/ ٣٩٣. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٩٨. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٤٣.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٩٩. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٤٣ من طريق آخر عن قتادة. البغوي، مرجع سابق، ٢/ ٤٩٢. الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، مرجع سابق، ٢/ ٤٦٩.
(٦) في (د) "آخرون".
(٧) في (د) زيادة "إن". ولعل في الأصل الصواب لاستقامة المعنى.
[ ٢٠٤ ]
ما روى السدي وابن إسحاق (١). ويعنى بتأويله: ما يؤول إليه ويصير ما رأيا في منامهما من الطعام الذي رأيانه أتاهما فيه. ﴿ذَلِكُمَا﴾ هذا الذي أذكر أني أعلمه من تعبير الرؤيا: ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ فعلمته، علمني ذلك ربي (٢)، لأني ﴿تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، وجاء الخبر مبتدأ: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ﴾، والمعنى: مَا مِلْتُ، وإنما ابتدأ بذلك، لأن في الابتداء الدليل على معناه (٣)
وقوله: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: برِئْتُ من ملة من لا يصدق بالله ويقرّ بوحدانيته، ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ﴾ مع تركهم الإيمان بوحدانية الله لا يقرّون بالمعاد والبعث، ولا بثواب ولا عقاب (٤)، "ـ" (٥) هم مرتين (٦) حُجر بينهما ﴿بِالْآَخِرَةِ﴾ فحسُن التّوكيد كما قال: ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٧) وكما قال: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ (٨) فإن قال قائل: أين جواب يوسف للفتيين عما سألاه من تعبير رؤياهما من هذا الكلام؟ قيل: أن يوسف ﵇ كره أن يجيبهما عن تأويل رؤياهما لما علم من مكروه ذلك على أحدهما، فأعرض عن ذكره، وأخذ في غيره ليعرضا عن مسألته الجواب بما سألاه عن ذلك، قال ابن جريج: كره العبارة لهما وأخبرهما بشيء لم يسألاه عنه ليريهما أن عنده علما، وكان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما
_________________
(١) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٤٤.القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٥٦٤.
(٢) فائدة: أن الأنبياء قد يطلعهم الله على شيء من الغيب. ودليله قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ سورة الجن، الآية: (٢٦) - (٢٧). والفضل كله لله وحده لا شريك له، فضل علم وعمل. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٤٣٣، ٤٣٢ بتصرف.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦، /١٠١ ..
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٦.
(٥) كذا "فراغ أبيض في الأصل" ولعل المحذوف كلمة "وكُررت" لاستقامة المعنى ولثبوتها في ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٠١.
(٦) كذا في الأصل. وفي (د) زيادة"لما". ولعلها الصواب لاستقامة المعنى ولثبوتها في ابن جرير، المرجع السابق.
(٧) سورة النمل، الآية: (٣).
(٨) سورة المؤمنون، الآية: ٣٥.
[ ٢٠٥ ]
معلوما فأَرسَل به إليه (١)
، فقال يوسف: ﴿لَا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّاتُكُمَا بِتَاوِيلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَشْكُرُونَ﴾، فلم يدعاه يعدل بهما، وكره العبارة لهما فلم يدعاه حتى يُعبّر لهما فعدَل بهما، وقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ فلم يدعاه حتى عبّر لهما فقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَاسِهِ﴾ قالا (٢): ما رأينا شيئا، إنما كنّا نلعب، قال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (٣).
وقولُهُ: ﴿لَا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّاتُكُمَا بِتَاوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَاتِيَكُمَا﴾ معناه: لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة لا في النوم، وإنما أعلَمَهما، على هذا القول أن عنده ما يؤول إليه أمر الطعام الذي يأتيهما من عند الملك ومن عند غيره، لأنه قد علم النوع الذي إذا أتاهما، كان علامة لقتل من أتاه ذلك منهما، والنوع الذي إذا أتاه كان علامة لغير ذلك، فأخبرهما أنه عنده عِلْم ذلك (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: اتبعت دينهم لا دين أهل الشرك، ما كان لنا أن نجعل لله شريكًا في عبادته وطاعته، بل الذي علينا إقرارنا بالألوهية والعبادة له ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ علينا﴾ أي: إتباعي ملة آبائي على الإسلام، وتركي ﴿مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ ﴿وَاتَّبَعْتُ﴾ من فضل الله الذي تفضل به علينا، فأنعم إذ أكرمنا به، وذلك أيضًا من فضل الله على الناس، إذ أرسلنا إليهم دعاة إلى توحيده وطاعته (٥)، ولكن من
_________________
(١) القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٥٦٥. الماوردي، مرجع سابق، ٣/ ٣٧ ..
(٢) في (د) "فقالا".
(٣) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٤٧.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٠٢.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٠٣. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٤٥.
[ ٢٠٦ ]
يكْفر بالله لا يشكر ذلك من فضله عليه لأنه لا يعلم ما أنعم الله به عليه، وذكر أن أبا الدرداء (١) كان يقول: يَا رُبَّ شَاكِرِ نِعْمَةٍ غَيْرُ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ لَا يَدْرِي، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ (٢).
وقد تضمنت الآيات البيان عما توجبه إخلاص الدعاء لله جل وعز من الإجابة على ما فيه من المصلحة والخير والبركة، بما يؤدي إلى الطاعة بدلا من المعصية، والبيان عما يوجبه الهوى من الإقدام على الشيء الذي يزجر عنه العقل مع الرؤية للآيات ووضوح الدلالات، والبيان عما يوجبه لطف الله ﷿ فما سببه لنجاة يوسف بالعمل من إيجاب الحق على من عبر له الرؤيا وأحسن في جوابه عن الفُتيا، والبيان عما يوجبه لزوم الطاعة لله جل وعز من التفضيل بالعلم الذي يجل به القدر ويحيا به القلب وتعلو المنزلة ويستحق به الرئاسة، والبيان عما يوجبه الدعاء إلى الحق بالدليل الواضح من الاتباع له والاعتقاد بصحته في أمور الدين التي هي أكبر الأمور وأجل المطلوب.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ حسن (٣)، وكذا ﴿حَتَّى حِينٍ﴾، ﴿قَبْلَ أَنْ يَاتِيَكُمَا﴾ كاف (٤) عند أبي حاتم،
_________________
(١) عويمر بن مالك بن قيس الأنصاري، ت ٣٢ هـ. صحابي، وهو أحد الذين جمعوا القرآن، حفظًا، على عهد النبي - ﷺ- بلا خلاف. مات بالشام. الموصلي، الحافظ أبو الفتح الأزدي (ت: ٣٧٤ هـ)، أسماء من يعرف بكنيته من أصحاب الرسول ﷺ، ت: ودراسة وتعليق: أنور محمود زناتي، جامعة عين شمس ١/ ٢٤. ابن عبد البر، مرجع سابق،٣/ ٩٣٤.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٠٤.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٤٥.وابن أبي الدنيا في الشكر، ت: بدر البدر، المكتب الإسلامي، (رقم ٦١) وابن عساكر في تاريخ دمشق، ت: عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر،٤٧/ ١٢٨. والمزي، مرجع سابق، ٢٢/ ٤٧٣. "رب شاكرِ نعمةِ غيره، ومنعمٍ عليه لا يدري، ورب حاملِ فقهٍ غيرِ فقيهٍ".
(٣) قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٦. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٣. قال: كاف الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٣.
(٤) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٣. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٦. قال: أحسن من الوقف على من المحسنين الأنصاري، المرجع السابق. الأشموني، المرجع السابق.
[ ٢٠٧ ]
وقال الأخفش (١):
﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾: تمام (٢)، وهو قول نافع، ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ كاف (٣)، وهو تمام عند نافع، ﴿علينا وَعَلَى النَّاسِ﴾ كاف (٤) عند غيرهما، ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ تمام (٥).
وقولُهُ ﷿:
﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾
_________________
(١) هارون بن موسى بن شريك الأخفش أبو عبد الله التغلبي الدمشقي المقرئ. (ت: ٣٠٠ هـ) شيخ المقرئين في وقته بدمشق قرأ علي: هشام بن عمار وعبد الله بن ذكوان. الذهبي، تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، مرجع سابق، ١٤/ ٤٨٢.
(٢) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٣.قال: الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٦، كاف عند الأنباري، أبوبكر محمد بن قاسم بن بشار (ت: ٣٢٨ هـ)، إيضاح الوقف والابتدا في كتاب الله ﷿، ت: محي الدين عبدالرحمن رمضان (دمشق: مطبوعات مجمع اللغة العربية، ١٣٩١ هـ-١٩٧١ م)، ٢/ ٧٢٢. قال: حسن، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٣. وهو عندالأشموني كاف، مرجع سابق، ص ١٩٣.
(٣) قال: كاف عند أبي حاتم، النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٣. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٦. قال: حسن. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٣. الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٣.
(٤) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٣. قال: أكفى من الوقف على بالله من شاء الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٦. قال: حسن. الأنصاري، المرجع السابق. قال الأشموني: ليس بوقف لتعلق ما بعده استدراكًا وعطفًا. الأشموني، المرجع السابق.
(٥) النحاس، المرجع السابق. الداني، المرجع السابق. الأنصاري، المرجع السابق. الأشموني، المرجع السابق.
[ ٢٠٨ ]
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ نداء مضاف، وحذفت النون للإضافة (١)، والأصل: صاحبين، فكسرت الياء لالتقاء الساكنين، ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ ابتداء وخبر، ودخلت ألف الاستفهام للتقرير والتوبيخ (٢)، ﴿أَمِ اللَّهُ﴾ معطوف، ﴿الْوَاحِدُ﴾ نعت لله، والتقدير: ﴿أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ خبر جملة معطوفة على جملة ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾، ﴿مَا﴾ حرف نفي (٣)، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَعْبُدُونَ﴾، ﴿إِلَّا﴾ إيجاب، ﴿أَسْمَاءً﴾ نصب بـ ﴿تَعْبُدُونَ﴾، ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ في موضع النعت لـ ﴿أَسْمَاءً﴾، ﴿أَنْتُمْ﴾ توكيد للتاء والميم (٤)، ﴿وَآَبَاؤُهمْ﴾ (٥) عطف على الضمير المتصل (٦)، وحسن للتوكيد، والهاء والألف مفعول أول لـ ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ والثاني محذوف تقديره ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ ءآلهة (٧)، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، ﴿مَا﴾ حرف نفي، ﴿بِهَا﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ وكذا ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، ﴿إِنِ﴾ بمعنى
_________________
(١) صافي، مرجع سابق، ١٢/ ٤٣١. درويش، مرجع سابق، ٤/ ٤٩٤. الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٨٨.
(٢) ينظر، المراجع السابقة.
(٣) درويش، مرجع سابق، ٤/ ٤٩٥.
(٤) المرجع السابق.
(٥) كذا في الأصل. والصواب ﴿وَآبَاؤُكُمْ﴾ للنص القرآني والله أعلم.
(٦) درويش، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٣. العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٣٣. الباقولي، مرجع سابق، ٢/ ٥٩٩.
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٦٥.السمرقندي، مرجع سابق، ١/ ٥٢٧. الخازن، مرجع سابق، ٢/ ٥٢٩.
[ ٢٠٩ ]
ما (١)
، و﴿الْحُكْمُ﴾ رفِع بالابتداء، و﴿إِلَّا لِلَّهِ﴾ الخبر متعلق بمعنى الاستقرار، ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ﴿تَعْبُدُوا﴾ (٢)
_________________
(١) في (د) زيادة "زائدة لا يتعلق بشيء". ولعله تحريف من الناسخ ..
(٢) كذا في الأصل والصواب ﴿إِيَّاهُ﴾ بـ ﴿تَعْبُدُوا﴾، لاستقامة المعنى. ولعله تصحيف من الناسخ، والله تعالى أعلم.
[ ٢١٠ ]
نصب (١) بـ ﴿تَعْبُدُوا﴾، ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ابتداء وخبر، و﴿الْقَيِّمُ﴾ نعت لـ ﴿الدِّينُ﴾، و﴿ذَلِكَ﴾ اسم إشارة إلى ما أمر به، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مثل ما تقدم، ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ ﴿أَمَّا﴾ تفصيل ما لجملته (٢)، أي: وفيها معنى الشرط، ﴿أَحَدُكُمَا﴾ رفع بالابتداء، ﴿فَيَسْقِي﴾ الخبر، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط، و﴿رَبَّهُ﴾ نصب بـ يسقى، ﴿خَمْرًا﴾ مفعول ثان، ﴿وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ﴾ معطوف مثل ما تقدم، ﴿فَتَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَاسِهِ﴾ معطوف على ﴿فَيُصْلَبُ﴾، و﴿مِنْ رَاسِهِ﴾ متعلق بـ تأكل، ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾، ﴿قُضِيَ﴾ فعل ما لم يسم فاعله، ﴿الْأَمْرُ﴾ اسم ما لم يسم فاعله، ﴿الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾، ﴿الَّذِي﴾ نعت للأمر، و﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَسْتَفْتِيَانِ﴾، ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ اللام متعلقة بـ قال، ﴿أَنَّهُ نَاجٍ﴾ "فنجيان" (٣)
لوقوع الظن عليه (٤)، والهاء اسم أنّ، و﴿نَاجٍ﴾ خبر، والأصل ناجي استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فسكنت وبعدها التنوين (٥) فحذفت لالتقاء
_________________
(١) في (د) زيادة "بأن ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ نصب".
(٢) في (د) "أجملته" ولعلها الصواب.
(٣) كذا في الأصل "فنجيان" ولعله تحريف من "فتح أن" لأن همزة "أن" تفتح إذا سد مصدر مؤول مسدها مع اسمها وخبرها لقول ابن مالك: وهمز "إنّ" افتح لسدّ مصدر مسدّها وفي سوى ذاك اكسر. "إن" المكسورة أصل، والمفتوحة فرعها على أصح الأقوال، فلذلك يستدام كسرها ما لم تؤول هي ومعمولها بمصدر فتفتح وجوبا إن لزم التأويل نحو "بلغني أنك فاضل" أي: فضلك، وجوازا إن لم يلزم، واحترز بالبدء من نحو: "جاء الذي في ظني أنه فاضل" .. ابن قاسم، أبو محمد بدر الدين حسن بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (ت: ٧٤٩ هـ)، توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك، شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر، ط ١، (دار الفكر العربي، ١٤٢٨ هـ-٢٠٠٨ م)، ١/ ٥٢٤. ولاستقامة المعنى والله تعالى أعلم.
(٤) ابن عطية، مرجع سابق، ٣/ ٢٤٦.
(٥) في (د) زيادة "ساكن".
[ ٢١١ ]
الساكنين (١)، يقال: نجا نجوا ونجاء (٢)، ﴿مِنْهُمَا﴾ متعلق بـ ﴿نَاجٍ﴾، ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ متعلق بـ ﴿اذْكُرْنِي﴾، ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ الفاء جواب الأمر، ﴿فَلَبِثَ﴾ الفاء عاطفة، ﴿فِي السِّجْنِ﴾ فِي متعلقة بـ "لبث"، ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ نصب بـ "لبث"، والهاء في ﴿فَأَنْسَاهُ﴾ تعود على يوسف، وقيل: على الساقي (٣).
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾، ذكر أن يوسف -﵇- قال هذا القول للفتيين اللذين دخلا معه السجن، لأن أحدهما كان مشركا، فدعاه بهذا القول إلى الإسلام، فقال: يا من هو في السجن، وجعلهما صاحبيه لكونهما فيه، كما قال تعالى لسكان الجنة: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٤) فسماهم أصحابها لكونهم فيها (٥)، وكذلك قال لأصحاب النار.
وقوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ يقول أعبادة أرباب شتّى متفرقون والآلهة لا تنفع ولا تضر خير، أم عبادة الواحد الذي لاثاني له في قدرته وسلطانه الذي قهر كل شيء فذل له وسخّره فأطاعه
_________________
(١) سيبويه، مرجع سابق، ١/ ٢٥١. ابن السراج، مرجع سابق، ٣/ ٧٤.ابن الوراق، مرجع سابق، ١/ ٥٣٤.
(٢) الفراهيدي، العين، مرجع سابق، /١٨٧، ١٨٦.-ابن سيده، أبو الحسن، علي بن إسماعيل المرسي (ت: ٤٥٨ هـ)، المخصص، ت: خليل إبراهم جفال ط ١ (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤١٧ هـ-١٩٩٦ م)، ٢/ ١٨٥. ابن فارس أبو الحسين، أحمد بن زكرياء القزويني الرازي، (ت: ٣٩٥ هـ)، معجم مقاييس اللغة، ت: عبد السلام محمد هارون، (دار الفكر، ١٣٩٩ هـ-١٩٧٩ م)، ٥/ ٣٩٩.
(٣) الكرماني، مرجع سابق، ١/ ٥٣٨. البغوي، مرجع سابق، ٤/ ٢٤٤. أبوحيان، مرجع سابق، ٦/ ٢٨٠.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٢. سورة الأعراف، الآية: ٤٢. سورة يونس، الآية: ٢٦.سورة هود، الآية: ٢٣.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٠٤.
[ ٢١٢ ]
طوعًا أو كرهًا (١). ثم قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ﴾ أي: ما تعبدون من دون الله، فجمع تعبدون، والمخاطب اثنان، فالوجه: أنه أرادهما ومن هو مثلهما على الشرك بالله ممن هو مقيم بمصر من أهلها (٢)، ويجوز أن يكون جعل التثنية جمعا، لأنها ضم شيء إلى شيء، كما قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَنِي بِهِمْ﴾ وإنما يريد يوسف وأخاه، فقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ﴾ أي: أنتم جعلتم هذه الأصنام آلهة وأربابا تشبيها لها في أسمائها بالله تعالى عن أن يكون له شبه أو مثل، وقد كان دلهم على توحيد الله بقوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
ثم قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ يقول: سميتموها (٣)، بها ولا وَضعَ لهم على أن تلك الأسماء أسماؤها دليلا ولا حجة، ولكنها اختلاق منهم لها وافتراء (٤)، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: وما القضاء في الخلق والاستعباد والأمر والنهي إلا لله، وهو الذي ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ أنتم وجميع خلقه، ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: هذا الذي دعوتكم إليه من البراءة من عبادة ما سوى الله، هو الدين القيم الذي لا اعوجاج فيه (٥)، ولكن أكثر أهل الشرك بالله يجهلون ذلك ولا يعلمون
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٦٤.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٢٤.الواحدي، مرجع سابق، ١/ ٥٤٧.فائد: الشرع جاء مبينًا للواقع في معرفة الله بصفاته حسنة في نفسها فهو ليس محدث الحسن وكذلك تقرير الحقائق التاريخية بديانة القبط الوثنية وإثبات صفة القهر والوحدانية والربوبية والألوهية لله تعالى والمعبود بحق عزيز قهار. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٤٧٢، ٤٥٦.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٠٥. الشوكاني، مرجع سابق، ٣/ ٣٣.
(٣) زيادة في (د) " بأسماء لم يأذن الله لكم أن تسموها ".فائدة: الدعوة إلى التوحيد أمر لا بد منه، وأن الشرك لا هوادة في إنكاره ولا مداهنة في محاربته، فلا يجوز لمسلم أن يحابي ويداهن في دينه. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٤٤٥.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٦٥.
(٥) القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٥٦٩.الصابوني، محمد علي، ط ١، (القاهرة: دار الصابوني للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م)، ٢/ ٤٦.
[ ٢١٣ ]
حقيقته (١)، ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ يقول تعالى مخبرًا عن يوسف للذين دخلا معه السجن: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا فيسقي سيده، وهو ملكهم فإنه يكون صاحب شرابه، قال ابن زيد (٢):
وأما الآخر، الذي رأى أن على رأسه خبزا تأكل الطير منه فيصلب ﴿فَتَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَاسِهِ﴾، فذكر أنه لما عبّر لهما ما أخبراه أنهما رأياه في منامهما قالا له: ما رأينا شيئا، فقال لهما: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فرغ من الأمر الذي فيه استفتيتماني ووجب حكم الله عليكما بالذي أخبرتكما به نحو ما روي عن ابن مسعود (٣) وابن إسحاق وابن جريج ومجاهد (٤).
وقولُهُ: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٥) قال يوسف للذي علم أنه ناج من صاحبيه اللذين استعبراه الرؤيا: اذكرني عند (٦) سيدك وأخبره بمظلمتي وإني محبوس بغير جرم (٧)، والعرب تسمي السيد ربا، قال الأعشى (٨):
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٦٦.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٠٧ ..
(٣) عبد الله بن مسعود بن الحارث بن هذيل، عُدّ سادس رجل في الإسلام، كني بأبي عبد الرحمن، وهو أكثر أصحاب النبي ﷺ أخذًا للقرآن الكريم من فمه، توفي سنة ٣٢ هـ بالمدينة، ودفن بالبقيع، وهو ابن بضع وستين سنة. ابن سعد،مرجع سابق، ٢/ ٢٦٠. ابن عبد البر، مرجع سابق، ٣/ ٩٨٧. البغوي، مرجع سابق، ٤/ ٢٤٣. الخازن، مرجع سابق، ٢/ ٥٣٠.
(٤) صافي، مرجع سابق، ١٢/ ٤٢٧. درويش، مرجع سابق، ٤/ ٤٩٣. الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٨٧.
(٥) في (د) زيادة "أي".
(٦) مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٩٦، ٣٩٧. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٤٨.
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٦٩. القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٥٧٠.
(٨) الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ٥/ ٢٥٩. الجوهري، مرجع سابق، ٢/ ٩٤٤. ابن منظور، مرجع سابق، ٣/ ٤٢٢.
[ ٢١٤ ]
رَبِّي كَرِيمٌ لَا يُكَدِّرُ نِعْمَةً وَإِذَا تُنُوشِدَ بالمهارق (١) أَنْشَدَا
ويقال: سقى وأسقى بمعنى (٢)
كما قال لبيد (٣):
سَقَى قومي بني مَجْدٍ وأسْقَى نُمَيْرًا والقبائلَ من هلالِ (٤)
ويقال: سقاه ناوله فشرب وأسقاه جعل له سقيا (٥)، قال الله ﷿: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ (٦) وكان قتادة (٧) يوجه الظن في هذا الموضع إلى الذي هو خلاف اليقين، وقال غيره ليس كذلك أمر الأنبياء، وإنه يقين لأنه غير جائز أن تخبرني بخبر عن أمر أنه كائن ثم لا يكون (٨)، وأنه غير كائن ثم
_________________
(١) النحاس، معاني القرآن الكريم ت: محمد علي الصابوني،ط ١، (مكة المكرمة: جامعة أم القرى، ١٤٠٩ هـ)، ٣/ ٤٢٨) يقول: إذا نوشد بما في الكتب أجاب، أي إذا سئل أعطى. والمهرق: الصحيفة. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، باب الهاء والقاف والراء، ٥/ ٢٥٨.ابن منظور، مرجع سابق، فصل الهاء،١٠/ ٣٦٨. القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ١٩٤.
(٢) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٢٠٩. أبو حيان، مرجع سابق، ٦/ ٢٧٩.
(٣) لَبِيد بن ربيعة بن مالك، أبو عقيل العامري ت: ٤١ هـ. أحد الشعراء في الجاهلية، من أهل عالية نجد، وكان يقال لأبيه «ربيع المقترين» لسخائه. أدرك الإسلام، وهو أحد أصحاب المعلقات. وقتلته بنو أسد فى حرب بينهم وبين قومه. ابن قتيبة الدينوري، الشعر والشعراء، مرجع سابق، ١/ ٢٦٦. ابن سعد،مرجع سابق، ٦/ ١٠٧. الجمحي، مرجع سابق،١/ ١٢٣.
(٤) الأخفش، مرجع سابق، ٢/ ٥٦٢. قال الأزهري: "العرب تقول لكل ما كان من بطون الأنعام، ومن السَّمَاء أو نهر يجري: أسقيتُ أي: جعلت شربًا له وجعلت له منه سُقْيَا، فإذا كان للشفة قالوا: سقى ولم يقولوا: أسقى" الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ٩/ ٢٢٨. الجرجاني، أسرار البلاغة، مرجع سابق، ١/ ١٨٣.
(٥) الأخفش، مرجع سابق، ٢/ ٥٦٢.قَالَ النَّحَّاسُ: الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ مَعْنَى سَقَاهُ نَاوَلَهُ فَشَرِبَ، أَوْ صَبَّ الماءَ فِي حَلْقِهِ وَمَعْنَى أَسْقَاهُ جَعَلَ لَهُ سُقْيًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ سورة المرسلات، الآية: ٢٧، القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ١٩٣.
(٦) سورة المرسلات، الآية: ٢٧.
(٧) أبوحيان، مرجع سابق، ٦/ ٢٧٩.
(٨) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٧١.
[ ٢١٥ ]
يكون، ودليل ذلك في هذا: قول يوسف -﵇ ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾، ولذلك قال ﴿لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (١).
وقولُهُ: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ خبر من الله ﷿ عن غفلة عَرَضت ليوسف من قبل الشيطان نَسِيَ لها ذكر ربه الذي لو أنه استغاث به لأسرع مما هو فيه خلاصه، ولكنه زل بها فأطال من أجلها في السجن حبسه (٢)، وروي عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: "لو لم يقل يعني، يوسف الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث، حيث ابتغى الفرج من عند غير الله (٣) ".
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١١١.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٧٢.
(٣) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي، باب سورة يوسف﵇، ٧/ ٤٠، رقم الحديث ١١٠٨. قال: وفيه إبراهيم بن يزيد القرشي المكي وهو متروك. تفسير ابن كثير ط العلمية، باب تفسير سورة يوسف ﵇، الآيات: ٤٣، ٤/ ٣٣٥.قال: وهذا الحديث ضعيف جدا، البداية والنهاية لابن كثير، ذكر ما وقع من الأمور العجيبة، ١/ ٢٠٧. قال: والحديث الذي رواه ابن جرير في هذا الموضع ضعيف من كل وجه تفرد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي وهو متروك. ووافقه الشيخ أحمد الشيخ شاكر قال تعليقًا علي الطبري: " إبراهيم بن يزيد الخوزي القرشي"، متروك منكر الحديث ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١١٢ بتصرف. عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٣. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٨/ ٣٦٨. فائدة: هذه من الإسرائيليات عن سبب لبث يوسف ﵇ في السجن لعدة أسباب منها: لأنها صورت سجن يوسف على أنه عقوبة من الله لأجل الكلمة التي قالها: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي قالها للساقي الذي ﴿ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ أثناء تعبيره للرؤيا لكل منهما، مع أنه ﵇ لم يقل اذكرني عند ربك يبتغي الفرج من عند غير الله، لأن ذلك محال في حق الأنبياء والمؤمنين والمخلصين فالاستعانة وطلب الفرح لا تكون إلا من الله سبحانه لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ سورة الفاتحة، الآية: ٥. وأمر رسولنا الكريم محمد ﷺ باتخاذ الأسباب فقال فيما رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».صحيح مسلم، بَابٌ فِي الْأَمْرِ بِالْقُوَّةِ وَتَرْكِ الْعَجْزِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِاللهِ وَتَفْوِيضِ الْمَقَادِيرِ لِلَّهِ، ٤/ ٢٠٥٢. إن الأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى النجاة وتؤدي إلى إظهار وأسباب البراءة والحق لا يضر ولا ينافي قط التوكل على الله، ويوسف ﵇ عندما طلب بأن يذكره عند ربه كان من هذا القبيل وهو إظهار براءته وأنه دخل السجن ظلمًا وعدوًا. إن ما حدث ليوسف ﵇ هو ابتلاء وليس عقوبة كما تصور الروايات الإسرائيلية وإنما كان دخوله السجن لرفعة درجات وليكون الأسوة والقدوة في الصبر والرضا بالقضاء والقدر قال الرسول ﷺ: (أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ). وهذا الحديث ضعيف جدًا قال عنه الإمام الحافظ الناقد ابن كثير لوجود في سنده سفيان بن وكيع وهو ضعيف وإبراهيم بن يزيد وهو أضعف منه أيضًا، وقد روى عن الحسن وقتادة مرسلًا عن كل منهما، وهذه المرسلات هنا لا تقبل من قبل المرسل، في غير هذا الموطن فكيف فيما يتعلق بالأنبياء. يوجد تكلف واضح في تفسيره النص: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ سورة يوسف، الآية: ٤٢. عندما جعل بعض المفسرين الضمير في أنساه يعود على يوسف ﵇ وهو غير صحيح، وإنما الذي يجب أن نعتقده أن الضمير يعود على الناجي من الاثنين وهو الساقي هو الذي نسي أن يذكر يوسف عند الملك لكي ينظر في قضيته التي سجن من أجلها وهو بريء فأنسى الشيطان ذلك الناجي تذكير الملك بقضية يوسف، وكان النسيان من جملة مكائد الشيطان، حتى لا يخرج نبي الله يوسف من السجن لزاول الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله ومقاومة الشرك ومحاربة وساوس الشيطان، فلبت في السجن منسيًا مظلومًا بضع سنين، وهذا الذي عليه أغلب المفسرين والذي أميل إليه وأرجحه. زهد، مرجع سابق، ص ٢٠ بتصرف.
[ ٢١٦ ]
قوله: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ يقول فلبث يوسف لقيله للناجي من صاحبي السجن: اذكرني عند سيدك، ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ عقوبة من الله له بذلك (١)، واختلف في البضع فقال بعضهم: ما بين الثلاثة إلى الخمس، وقال قطرب (٢): إلى السبع (٣)، وقال الأصمعي: القول الصحيح مابين الثلاثة إلى التسع (٤)، وهو مشتق من بضعت الشيء أي: قطعته، فمعناه قطعه من العدد، وقال الفراء (٥):
لا
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١١٣.
(٢) محمد بن المستنير بن أحمد، أبو علي، الشهير بقطرب ت: ٢٠٦ هـ نحوي، عالم بالأدب واللغة، من أهل البصرة، من كتبه "معاني القرآن" و"النوادر" و"غريب الحديث".التنوخي، مرجع سابق، ١/ ٨٢. الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي ت: ٦٢٦ هـ، معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب،ت: إحسان عباس، ط ١، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م)، ٦/ ٢٦٤٦.
(٣) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١١٢.السمرقندي، مرجع سابق، ٢/ ١٩٤. الماوردي، مرجع سابق، ٣/ ٤٠.
(٤) الزجاج، المرجع السابق. السمرقندي، المرجع السابق. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٢٥.
(٥) يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلميّ، مولى بني أسد (أو بني منقر) أبو زكرياء، المعروف بالفراء: إمام الكوفيين، وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب. كان يقال: الفراء أمير المؤمنين في النحو. ومن كلام ثعلب: لولا الفراء ما كانت اللغة. (ت: ٢٠٧)، ٨/ ١٤٥. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١١٥.الثعلبي، المرجع السابق. القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٩/ ٥٦٥٣ ..
[ ٢١٧ ]
يذكر البضع إلا مع عشر، وهو مع العشرين إلى التسعين، وما زاد على المائة لا يقال فيه بضع، وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه الاستبصار في الدين من الدعاء إلى الحق بدليل أن القادر بما يقهر كل شيء سواه أحق بالإلهية من الذليل المقهور والضعيف الحقير، والبيان عما توجبه الحكمة من بطلان تفاريق العبادة وإخلاصها لله وحده بنعمه التي لا يقدر عليها غيرُه جلَّ وعزَّ، والبيان عما يوجبه العلم من حسن الفتيا في عبارة الرؤيا مع الفوز بالهدى في الدين بما هو خير في الآخرة والأولى، والبيان عما توجبه الحكمة من التدبير للخلاص من أيدي الظلمة برفع الحال إلى الملك المعظم ليزيل الفساد ويحض على الصلاح والسداد أهل العلم والرشاد.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ كاف (١)، وكذا ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢)، ﴿فَتَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَاسِه﴾
تمام (٣) عند الأخفش، ﴿الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ حسن (٤)، وكذا ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ (٥).
وقولُهُ ﷿:
_________________
(١) قال: حسن، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٣. الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٣.
(٢) قال: تام النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٣. وكذا الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٦. وكذا الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذاالأشموني، المرجع السابق.
(٣) قال النحاس: تمام عند الأخفش، القطع والائتناف، المرجع السابق. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال: حسن. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
(٤) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: تام الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٧. وكذا الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
(٥) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: تام الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. وكذا الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
[ ٢١٨ ]
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾
كسرت إنّ لأنها بعد القول (١)، ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ نصب بـ ﴿أَرَى﴾، ﴿سِمَانٍ﴾ نعت (٢) لـ ﴿بَقَرَاتٍ﴾، ﴿يَاكُلُهُنَّ﴾ فعل مستقبل نعت لـ ﴿بَقَرَاتٍ﴾ والهاء والنون نصب (٣) بـ ﴿يَاكُلُهُنَّ﴾، ﴿سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ رفع بـ ﴿يَاكُلُهُنَّ﴾، ﴿عِجَافٌ﴾ نعت لـ ﴿سَبْعٌ﴾، ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ﴾ عطف على ﴿سَبْعَ﴾ الأولى، ﴿سُنْبُلَاتٍ﴾ خفض بإضافة ﴿سَبْعٌ﴾ إليهن، ﴿خُضْرٍ﴾ نعت لـ ﴿سُنْبُلَاتٍ﴾، ﴿وَأُخَرَ﴾ عطف على ﴿سُنْبُلَاتٍ﴾، إلا أنه لا ينصرف، ﴿يَابِسَاتٍ﴾ نعت لـ أخر، ﴿فِي أمري﴾ (٤) متعلق بـ ﴿أَفْتُونِي﴾ وألفه ألف قطع، ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾، ﴿إِنْ﴾ حرف شرط، ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ اللام متعلقة بـ ﴿تَعْبُرُونَ﴾ وجاز
_________________
(١) ابن عطية، مرجع سابق، ١/ ١٩٩. القرطبي، مرجع سابق، ٦/ ٩. البقاعي، مرجع سابق، ٣/ ٤٦٢. الشوكاني، مرجع سابق، ٢/ ٥٤٨.
(٢) العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٣٣. صافي، مرجع سابق، ١٢/ ٤٣٧. درويش، مرجع سابق، ٤/ ٥٠٣.
(٣) العكبري، التبيان في إعراب القرآن، المرجع السابق. صافي، مرجع سابق، ١٢/ ٤٣٧.الخراط، مرجع سابق، ١/ ٢٤٠
(٤) كذا في الأصل" أَمْرِي" وعليه تعقيبٌ في الحاشية "التلاوة" ﴿رُؤْيَايَ﴾. ولعل ﴿أَمْرِي﴾ سبق قلم من المؤلف أو الناسخ، وذلك لما ورد في قوله تعالى: ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ سورة النمل، الآية: ٣٢.
[ ٢١٩ ]
دخول اللام مع تعدي الفعل لتقدمها، وجواب الشرط ما تقدم (١)، و﴿تَعْبُرُونَ﴾ خبر ﴿كُنْتُمْ﴾، ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ ابتداء وخبر، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَاوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ ما حرف نفي و﴿نَحْنُ﴾ اسمها (٢)
، و﴿بِعَالِمِينَ﴾ الخبر متعلق بمعنى الاستقرار، و﴿بِتَاوِيلِ الْأَحْلَامِ﴾ متعلق ﴿بِعَالِمِينَ﴾، ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾، ﴿الَّذِي﴾ رفع بـ قال، و﴿مِنْهُمَا﴾ متعلق بـ ﴿نَجَا﴾، ﴿وَادَّكَرَ﴾ معطوف على ﴿نَجَا﴾، والأصل: اذتكر الذال معجمة مجهورة، والتاء مهموسة، فلم يجز إدغام الذال في التاء لأن لا يذهب الجهر، فأبدلوا من التاء حرفا مجهورا شِبه الدال في الجهر فصار اذدكر، ثم أدغموا الدال في الذال فصار ادَّكر (٣)، ويجوز في العربية اذَّكَر بالدال المعجمة على أن نقلت الدال ذالا وتدغم الذال في الدال (٤)، والأول أجود، ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ نعت (٥) ظرف العامل فيه"ادَّكر"، ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَاوِيلِهِ﴾ ابتداء وخبر، و﴿بِتَاوِيلِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾، ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ الفاء جواب ما أخبر به، ﴿يُوسُفُ﴾ نداء مفرد، ﴿فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَاكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ الكلام فيه مثل ما تقدم، ﴿لَعلي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾، لعلي (٦) ترج و﴿إِلَى﴾ متعلق بـ ﴿أَرْجِعُ﴾، قَالَ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾، ﴿دَأَبًا﴾ مصدر أي تدائبون
_________________
(١) الأخفش، مرجع سابق، ٢/ ٤٦٧. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٤. الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١١٢.
(٢) في (د) "اسم ما" ..
(٣) الأخفش، مرجع سابق، ١/ ٣٩٩. النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٤.
(٤) الألوسي، مرجع سابق، ٦/ ٤٤٢.ابن عاشور، مرجع سابق، ١٢/ ٢٨٣. الأبياري، مرجع سابق، ٥/ ٣٣٥.
(٥) في (د) "بعد".
(٦) في (د) "لعل".
[ ٢٢٠ ]
دأبا يقرأ بتحريك الهمزة وإسكانها، فالإسكان أصل المصدر، والفتح من أجل حرف الحلق وهو الهمزة، والدأب العادة والملازمة (١)، ومنه قول امرئ القيس:
كَدَابِك (٢) من أُمّ الْحُوَيْرِث (٣) قَبْلَهَا وجَارَتِهَا أُمّ الرَّبَاب بِمَاسَلِ
أي كعادتك وقوله: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ ما شرط، و﴿حَصَدْتُمْ﴾ مشروط به، ﴿فَذَرُوهُ﴾ جواب الشرط، والهاء منصوبة بـ "ذروه"، والهاء عائدة على ما، ﴿فِي سُنْبُلِهِ﴾ متعلق بـ "ذروه"، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناء من الضمير، ﴿مِمَّا تَاكُلُونَ﴾ "ما" بمعنى الذي، ومن متعلقة بالاستقرار في موضع النعت لـ"قليل".
القولُ في القراءةِ:
_________________
(١) الفراهيدي، العين، مرجع سابق، ٨/ ٨٥. ابن دريد، مرجع سابق، ١/ ٣٠٣. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ١٤/ ١٤٢.
(٢) ديوانه: ١٢٥ من معلقته المشهورة. ابن دريد، مرجع سابق، ٢/ ٦٨٨. الخطاب، جمهرة أشعار العرب، مرجع سابق، ١/ ١١٦.
(٣) أم الحويرث: هي" هر" أم الحارث بن حصين بن ضمضم الكلابي، وكان امرؤ القيس يشبب بها في أشعاره، وأم الرباب من كلب أيضا البغدادي، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، مرجع سابق، ٢/ ٢٢٥. ومأسل: موضع. يقول: لقيت من وقوفك على هذه الديار وتذكرك أهلها كما لقيت من أم الحويرث وجارتها. (عن شرح المعلقات). القرطبي، مرجع سابق، ٤/ ٢٣.
[ ٢٢١ ]
كلهم قرأ ﴿دابا﴾ بسكون الهمزة إلا حفصًا فإنه فتحها (١)، فالإسكان أصل المصدر، والتحريك من أجل حرف الحلق، ودليل الإسكان قوله تعالى: ﴿كَدَابِ﴾، والفتح مثل قولهم نهْر ونهَر وسمْع وسمَع لغتان، وذكر ابن أبي حاتم (٢) أن الفتح مصدر دِئْب وليس يعرف دِئْب (٣) وإنما يقال داب.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم وقال: ملك مصر إني أرى في المنام سبع بقرات سمان يأكلهن سبع من البقر عجاف، وقال: إني أرى، ولم يذكر أنه رأى في منامه ولا في غيره لتعارف العرب "بينهما" (٤) في كلامها، إذا قال القائل منهم: إني أرى أن (٥) أفعل كذا وكذا أنه خبرٌ عن رؤية ذلك في منامه فأخرج الخبر على ما جرى به استعمال العرب، والتقدير: فأرى سبع سنبلات خضر في منامي وسبعًا أخر يابسات، يا أيها الأشراف من رجالي وأصحابي أفتوني في رؤياي فاعبروها إن كنتم للرؤيا عبَرة (٦).
_________________
(١) ابن خالويه، كتاب السبعة في القراءات، مرجع سابق، ص ١٩٥. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق،٢/ ٤٦.الفارسيّ، مرجع سابق،٤/ ٤٢٦، ٤٢٥. النيسابورىّ، مرجع سابق، ١/ ٢٤٦. ابن زنجلة، مرجع سابق،١/ ٣٥٩. الأهوازي، أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم بن يزداد (ت: ٤٤٦ هـ)، الوجيز في شرح قراءات القرأة الثمانية أئمة الأمصار الخمسة، ت: دريد حسن أحمد، ط ١، -٢٠٠٢ م، ١/ ٢١٤. العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٣٤. ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، مرجع سابق، ٢/ ٢٩٥.
(٢) عبد الرحمن بن محمد أبي حاتم ابن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي، أبو محمد: حافظ للحديث، من كبارهم الإمام الحافظ الناقد شيخ المحدثين الثبت. وهو من نظراء البخاري ومن طبقته، ومناقبه كثيرة له تصانيف، منها (الجرح والتعديل -التفسير) وغيرهما (ت ٣٧٧ هـ). ابن أبي يعلى، أبو الحسين محمد بن محمد ت ٥٢٦ هـ، طبقات الحنابلة (بيروت -دار المعرفة،١٣٧١ هـ- ١٩٥٢ م) ٢/ ٥٥. ابن عساكر، مرجع سابق، ٣٥/ ٣٥٧.
(٣) في (د) "دإب".
(٤) كذا بالأصل والصواب "بينهم" كما عند ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١١٦ لاستقامة المعنى والله تعالى أعلم.
(٥) في (د) "أني". وهي الصواب لاستقامة المعنى.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٧٧.
[ ٢٢٢ ]
وقوله: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: قال الملأ الذين سألهم ملك مصر عن رؤياه: هذه أضغاث أحلام، يعنون أنها أخلاط (١)
رؤيا كاذبة لا حقيقة لها (٢)، والضغث خلط قمش اليد (٣)، وهو غير متشاكل ولا متلائم، فشبهوا الخلط المنام به، وقيل الضغث الحزمة من الحشيش (٤) وذلك متقارب، وأضغاث جمع ضغث، والأحلام جمع حلم، وهو ما لم يصدق من الرؤيا (٥)، قال ابن مقبل (٦):
خَوْدٌ (٧) كَأَنَّ برأسها (٨) وُضِعَتْ بِهِ أَضْغَاثُ رَيْحَانٍ غَدَاةَ شَمَالِ (٩)
_________________
(١) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٤.الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١١٢.ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١١٧.فائدة: الرؤيا أنواع: منها أهاويل الشيطان ومنها ما هو من النفس ومنها ما هو من الله من شروط الرؤيا الصادقة أن تكون واضحة غير مختلطة، قد يرى الانسان رؤى وأحلاما فإن كان ما يراه قابلا للتأويل، فليسأل عنه من يقدرون على تأويله. أما إن كان ما يراه حلما من الشيطان، فليتجاوز عنه، ولا يذكره لأحد. نصر والهلالي، مرجع سابق، ٥٢٦، ٥٢٣، ٥٢١.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٧٨. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٥١.
(٣) في (د) "المد".
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١١٧.درويش، مرجع سابق، ٨/ ٣٦٦.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٧٨. الجرجاني، دَرْجُ الدُّرر في تَفِسيِر الآيِ والسُّوَر، مرجع سابق، ٣/ ١٠٠٣.
(٦) تميم بن أبيّ بن مقبل، من بني العجلان، من عامر بن صعصعة، أبو كعب (بعد ٣٧ هـ = بعد ٦٥٧ م): شاعر جاهلي، أدرك الإسلام وأسلم، فكان يبكي أهل الجاهلية. عاش نيفًا ومئة سنة. وعدّ في المخضرمين. له (ديوان شعر) ورد فيه ذكر وقعة صفين سنة ٣٧ هـ. البغدادي، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، مرجع سابق، ١/ ١١٣ وابن سلام ٣٤ وسمط اللآلي ٦٦ - ٦٨ والإصابة ١: ١٩٥. الزركلي، مرجع سابق،٢/ ٨٧.
(٧) الخود: الفتاة الحسنة الخلق الشابة مَا لم تَصِر نَصَفًا، وقيل: الجارية الناعمة، والجمع خودات وخود. ابن دريد، مرجع سابق، ٧/ ٢١١.الجوهري، مرجع سابق، ٢/ ٤٧٠.ابن فارس، مجمل اللغة، دراسة وت: زهير عبد المحسن سلطان، ط ٢، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤٠٦ هـ-١٩٨٦ م)، ١/ ٣٠٦.
(٨) كذا بالمخطوط وفي الديوان"فِرَاشَهَا". وهو الصواب والله أعلم لاستقامة المعنى ولثبوتها في المراجع الأخرى. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١١٨.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٢٦. ابن عطية، مرجع سابق،٣/ ٢٤٨.
(٩) الشمال: الريح التي تهب من ناحية القطب. ابن منظور، مرجع سابق، ١٢٣/ ٣١٥.
[ ٢٢٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَاوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ يقولون: وما نحن بما تؤول إليه الأحلام الكاذبة بعالمين (١) إنما هي أضغاث أحلام أي: أخلاط غير ملتمة (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ أي: قال الذي نجا من القتل من صاحبي السجن اللّذين استعبرا يوسف الرؤيا، وتَذَكّر ما كان نسيَ من أمر يوسف، وذَكَر حاجته للملك الذي كان سأله أن يذْكُرَها له بقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، وقولُهُ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ (٣) أي: بعد حين (٤). وقولُهُ: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَاوِيلِهِ﴾ أي: أنا أخبركم بتأويله يقول: فأطلقوني أمضي لآتيكم بتأويله من عند العالم به (٥)، وفي الكلام حذف والتقدير: فأَرسَلوه فأتى يوسف فقال له: يا يوسف أيها الصديق أي: الكثير الصدق، وقال: أرسلوني لأن السجن ما كان بالمدينة (٦) كما روي عن ابن عباس.
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٨٠.
(٢) في (د) "ملتئمة".وَإِنَّمَا سُمِّيتْ أضغاث أحلامٍ لِأَنَّهَا مختلطة، فَدخل بَعْضهَا فِي بعض وَلَيْسَت كالصحيحة من الرُّؤْيَا. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ٨/ ٤٩.يُقَالُ: لَأَمَ ولَاءَمَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِذا جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَوَافَقَ. وتَلاءَمَ الشَّيْئَانِ والْتَأَما بِمَعْنًى. وفلانٌ لِئْمُ فلانٍ ولِئَامُه أَي مثلُه وشِبهه، وَالْجَمْعُ أَلآمٌ ولِئَامٌ. ابن منظور، مرجع سابق، ١٢/ ٥٣١. والصواب والله أعلم ملتئمة وليست ملتمة لعدم ورود الأخيرة.
(٣) وقد روي عن جماعة من المتقدمين أنهم قرءوا ذلك: (بعد أمه) بفتح الألف، وتخفيف الميم وفتحها وتنوين الهاء مكسورة، بمعنى: بعد نسيان وهذه قراءة ابن عباس وزيد بن علي والحسن والضحاك وقتادة وأبورجاء وشبيل بن عزرة والضبعي وربيعة بن عمرو، وهى شاذة. ابن خالويه، مختصر شواذ القرآن من كتاب البديع، عني بنشره ج براجستراسر، ط ١، (مصر: المطبعة الرحمانيةن جمعية المستشرقين الألمانية، ١٩٣٤ م)، ص ٦٤. أبو حيان، مرجع سابق، ٥/ ٣١٤، البناء، مرجع سابق، ص ١٦٠.
(٤) سفيان الثوري، مرجع سابق، ١/ ١٤٣. عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٤. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٥١.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٨٧. القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٥٧٧.
(٦) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٥٢.
[ ٢٢٤ ]
وقولُهُ: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ ففسر أن البقرات السمان أنهن السُّنونَ المخْصِبة (١)، والعجاف السُّنونَ المجْدِبة التي لا تنبت شيئا (٢)، وسبع سنبلات خضر السُّنونَ المخْصِبة أيضًا، واليابسات السُّنونَ المجْدِبة الْمُحُول (٣)، والعجاف المهازيل شبه السنين بها (٤)، وقوله تعالى: ﴿أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أرجع إلى الناس فأخبرهم ليعلموا تأويل ما سألتك عنه من الرؤيا (٥)، وقيل: لعلهم يعلمون بموضعك ويخرجوك من السجن فقال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ أي: تزرعون هذه السبع السنين كما كنتم تزرعون سائر السنين قبلها على عادتكم، والدأب العادة (٦) بما حصدتم من رزقكم (٧)، ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَاكُلُونَ﴾ قال هذه مشورة أشار بها يوسف على القوم، ورأي رآه لهم صلاحا، فأمرهم باستبقاء (٨) طعامهم لما فسر لهم حديث الجدب، فقال: نجعل الخصب عبرة للجدب ليبقى للحاجة إليه.
وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه حال العالم من حاجة الملوك إليه فيما ينبئهم مما لايهتدون إلى طريقه ولا يعرفون وجه الصواب فيه، فيجدون عند العالم ما يزيل الحيرة ويشفي النفس عند المسألة، والبيان عما يوجبه حسن التدبير في التنبيه على العالم الجليل من سد الطرق على غيره في التأويل حتى يلجأ إليه فيظهر فضله بالعلم على الجميع، والبيان عما يوجبه ذكر الوصية بما تدعو إليه الحكمة من فرج الموصي بتخليصه من يد الظالم وفرج المستفتي بالبيان عما احتاج إليه من العالم والبيان عما يوجبه سؤال العالم من إخراج الفائدة مما يشتد الحاجة
_________________
(١) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٤.ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٢٤.
(٢) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٤.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٢٥.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٥٢،٢١٥٣.
(٤) ابن جرير، المرجع السابق. الجرجاني، دَرْجُ الدُّرر في تَفِسيِر الآيِ والسُّوَر، مرجع سابق، ٣/ ١٠٠٢.
(٥) ابن جرير، المرجع السابق.
(٦) ابن جرير، المرجع السابق. الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١١٤. النحاس، معاني القرآن الكريم، مرجع سابق، ٣/ ١٦٣.
(٧) في (د) "فما حصدتم من زرعكم". وهو الأولى.
(٨) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٥٣.
[ ٢٢٥ ]
وتعظم المنفعة بإزالة الحيرة وإيجاب البصيرة في المعنى الذي يطلب به المعرفة، والبيان عما يوجبه جواب العالم من الفائدة فيما وقعت به المسألة فيما يحتاج إلى العمل عليه ولا غناء بالإنسان عنه.
القولُ في الوقفِ والتمامِ: ﴿تَعْبُرُونَ﴾ حسن (١)، و﴿بِعَالِمِينَ﴾ كاف (٢)، ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ تمام (٣) عند نافع وغيره (٤)، ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ حسن (٥)، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَاكُلُونَ﴾ كاف (٦).
وقولُهُ ﷿:
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف، ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾، ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿يَاتِي﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ خفض بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، و﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر من الخصب، ﴿سَبْعٌ﴾ رفع بـ ﴿يَاتِي﴾،
_________________
(١) وعند الأشموني كاف، مرجع سابق، ص ١٩٣.
(٢) الأشموني، المرجع السابق.
(٣) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٣. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٤. الأشموني، المرجع السابق.
(٤) عند أبي عبد الله وأحمد بن جعفر قالا: ثم ابتدأ النداء فقال يوسف أيها الصديق.
(٥) قال: كاف النحاس، المرجع السابق. وكذا الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٨. وكذا الأنصاري، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
(٦) قال: صالح، الأنصاري، المرجع السابق. وعند الأشموني جائز، المرجع السابق.
[ ٢٢٦ ]
﴿شِدَادٌ﴾ نعت لـ ﴿سَبْعٌ﴾ والتقدير سبع سنين شداد، ﴿يَاكُلْنَ﴾ نعت أيضا وجعلهن يأكلن لوقوع الأكل منهن (١).
كما قال (٢):
نَهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ ولَيْلُكَ نَوْمٌ، وَالرَّدَى لك لاَزِمُ (٣)
فوصف النهار بالسهو والغفلة، والليل بالنوم، وإنما يسهو ويغفل فيه وينام في الليل، وذلك لعلم المخاطبين به (٤) ﴿مَا﴾ في موضع نصب بـ ﴿يَاكُلْنَ﴾، و﴿مَا﴾ بمعنى الذي ﴿لَهُنَّ﴾ متعلق بـ ﴿قَدَّمْتُمْ﴾، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ نصب على الاستثناء، مما قدمتم لهن ﴿مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ من في موضع النعت لـ "قليل" متعلقة بمعنى الاستقرار، ﴿مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ ما بمعنى الذي، والتقدير من الذي يحصنونه (٥)، ﴿عَامٌ﴾ رفع بـ ﴿يَاتِي﴾، ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾، ﴿يُغَاثُ﴾ نعت لـ ﴿عَامٌ﴾، ﴿وفِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُغَاثُ﴾، وكذا ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾، ﴿وَفِيهِ﴾ متعلقة بـ
_________________
(١) الثعلبي، مرجع سابق، مرجع سابق، ٥/ ٢٧.القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ٢٠٤.الشوكاني، مرجع سابق، ٣/ ٣٨ - ٣٩.ابن عاشور، مرجع سابق، ١٩/ ١٩٧.
(٢) عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني أبو عبد الملك. ينتهي نسبه إلى مرة من بني شيبان. شاعر أموي، كان والده من الذين ارتهنهم كسرى يوم ذي قار، أرسله الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى أليون يدعوه إلى الإسلام، وكان الخليفة عمر كثيرًا ما ينشد شعره. له شعر كثير أكثره في الزهد، وقد كان كثير الأمثال. ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، مرجع سابق، ٤/ ٥٠٨. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٢٦. الدينوري، أبو حنيفة أحمد بن داود (ت: ٢٨٢ هـ) الأخبار الطوال، ت: عبد المنعم عامر- مراجعة: الدكتور جمال الدين الشيال، ط ١، (القاهرة: دار إحياء الكتب العربي، عيسى البابي الحلبي وشركاه،١٩٦٠ م)،١/ ٣٣١. ابن كثير، البداية والنهاية، مرجع سابق، ٩/ ٢٠٦.
(٣) الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٢٧.القشيري، مرجع سابق، ١/ ٥٩٠.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٩١. القشيري، مرجع سابق، ١/ ٥٩٠.
(٥) صافي، مرجع سابق، ١٢/ ٤٤٥.الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٩١. الخراط، مرجع سابق، ٢/ ٥٠٦.
[ ٢٢٧ ]
﴿يَعْصِرُونَ﴾، وهو عطف على ما تقدم، ﴿الْمَلِكُ﴾ رفع بـ ﴿قَالَ﴾، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿ائْتُونِي﴾، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ الفاء جواب الأمر، والهاء راجعة إلى يوسف، ﴿الرَّسُولُ﴾ رفع بـ ﴿جَاءَهُ﴾ والهاء في ﴿جَاءَهُ﴾ عائدة على ﴿الْمَلِكُ﴾ (١)، ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾، ﴿إِلَى﴾ متعلقة بـ ﴿ارْجِعْ﴾ ولما ظرف العامل فيه ﴿قَالَ ارْجِعْ﴾، ﴿فَاسْأَلْهُ﴾ الفاء جواب الأمر (٢)
في ﴿ارْجِعْ﴾، ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، ﴿أَيْدِيَهُنَّ﴾ نصب بـ ﴿قَطَّعْنَ﴾، ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ الباء متعلقة بـ ﴿عَلِيمٌ﴾، ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾، ﴿مَا﴾ استفهام على طريق التقرير في موضع رفع بالابتداء، و﴿بَالُ﴾ الخبر، وكذا ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾، ﴿إِذْ﴾ ظرف العامل فيه ﴿خَطْبُكُنَّ﴾ وشددت النون من ﴿خَطْبُكُنَّ﴾ لأنها بإزاء الميم والواو في المذكر، وكذلك مَا شاكله، وقد تقدم ذكره، والمراودة المفاعلة من راود يراود مراودة (٣)، ويوسف نصب بـ ﴿رَاوَدْتُنَّ﴾، ﴿قُلْنَ﴾ جواب الاستفهام والأصل قولن نقلت حركة الواو إلى القاف فسكنت الواو وسكنت اللام لاتصالها بالضمير فالتقى ساكنان فحذفت الواو لالتقاء الساكنين (٤)، وخففت النون من ﴿قُلْنَ﴾ لأنها بإزاء جواب حرف واحد من ضمير المذكر في قالوا حاش لله قد تقدم القول فيه، ﴿مَا عَلِمْنَا عليه مِنْ سُوءٍ﴾، ﴿مَا﴾ حرف نفي، ﴿عليه مِنْ
_________________
(١) كتب الناسخُ فوق العبارة "نسخة" والصواب والله أعلم أن الهاء تعود على يوسف ﵇ وليس على الملك. مقاتل، مرجع سابق، ٢/ ٣٣٩. الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١١٤.
(٢) درويش، مرجع سابق، ٥/ ٦.الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٩٣ ..
(٣) الجوهري، مرجع سابق، ٢/ ٤٧٨. ابن فارس، مقاييس اللغة، مرجع سابق،٢/ ٤٥٨.
(٤) العكبري، اللباب في علل البناء والإعراب، مرجع سابق، ٢/ ٣٨٦. الإستراباذي، نجم الدين محمد بن الحسن الرضي (ت: ٦٨٦ هـ)، شرح شافية ابن الحاجب، مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب ت عام ١٠٩٣ هـ، ت: مجموعة من المحققين، (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٣٩٥ هـ-١٩٧٥ م)، ٢/ ٧٠٢.
[ ٢٢٨ ]
سُوءٍ﴾ متعلق بـ ﴿عَلِمْنَا﴾، و﴿مِنْ﴾ زائدة لتوكيد الجحد، ﴿الْآَنَ﴾ ظرف العامل فيه ﴿قَالَتِ﴾، ﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي: تبين (١) وظهر (٢)
، واشتقاقه من الحصة، أي: بانت حصة أي بانت حصة الحق من حصة الباطل (٣) وأصله من حص شعره إذا استأصل (٤) قطعة (٥)، ومنه الحصة القطعة من الشيء، فالمعنى القطع عن الباطل بظهوره، ونظيره كبُّوا وكَبْكَبُوا، وَكَفَ الدمعُ (٦) وكَفْكَفَه، وردَّ وردَّدَ، ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ﴾، ﴿أَنَا﴾ رفع بالابتداء و﴿رَاوَدْتُهُ﴾ الخبر، ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ متعلق بـ ﴿رَاوَدْتُهُ﴾، ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ مستأنف واللام لام توكيد و"من" متعلقة بفعل محذوف تقديره لصادق من الصادقين (٧)، ﴿ذَلِكَ﴾ رفع بالابتداء، ﴿لِيَعْلَمَ﴾ نصب بلام كي،
_________________
(١) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٤.
(٢) الفراهيدي، العين، مرجع سابق، ٣/ ١٤،١٣.ابن دريد، مرجع سابق ١/ ١٨٧،١٨٦ الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ٣/ ٢٥٩ ..
(٣) الجوهري، مرجع سابق، ٣/ ١٠٥٩،١٠٣٣. ابن فارس، مجمل اللغة، مرجع سابق ١/ ٢١٤.
(٤) ابن سيده، المخصص، مرجع سابق، ٣/ ٤١١. ابن منظور، مرجع سابق، ٧/ ١٦،١٥. زين الدين الرازي، مرجع سابق، ١/ ٧٤.
(٥) في (د) "استأصله وقطعه". ولعله تصحيف من النساخ. وكلاهما صواب- والله تعالى أعلم.
(٦) ابن منظور، مرجع سابق، ٩/ ٣٦٢.
(٧) سيبويه، مرجع سابق، ٣/ ١٤٧. القيسي، مشكل إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٥٠٩. النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٥.
[ ٢٢٩ ]
وهي متعلقة بفعل محذوف (١) تقديره ردي الرسول ليعلم واللام وما عمل فيها خبر ﴿ذَلِكَ﴾، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى الرد ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ في موضع نصب أي: فقلت (٢)
_________________
(١) فائدة: ذهب الكوفيون إلى أن لام "كي" هي الناصبة للفعل من غير تقدير"أن" نحو"جئتك لتكرمني". وذهب البصريون إلى أن الناصب للفعل "أن" مقدرة بعدها، والتقدير: جئتك لأن تكرمني. ابن الأنباري أبو البركات، مرجع سابق، ٢/ ٤٦٩. العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٣٥.
(٢) في (د) "فعلت".
[ ٢٣٠ ]
ذلك ليعلم (١)، "أن" (٢) في موضع نصب بـ يعلم ﴿بِالْغَيْبِ﴾ متعلق بـ ﴿أَخُنْهُ﴾، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾، "أَنَّ" معطوفة على الأولى، و﴿كَيْدَ﴾ نصب بـ ﴿يَهْدِي﴾، والأصل في ﴿أَخُنْهُ﴾ أخونه فلما سكنت النون للجزم وقبلها الواو ساكنة حذفت الواو (٣) لالتقاء الساكنين (٤).
القولُ في القراءةِ:
قرأ حمزة والكسائي ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ بالتاء، والباقون الياء (٥)، مردودةٌ إلى الناس لقربها منهم، والتاء محمولة على الخطاب المتقدم في قوله ﴿تَزْرَعُونَ﴾ ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ﴾ و﴿تُحْصِنُونَ﴾ و﴿تَاكُلُونَ﴾.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم ثم يجيء من بعد السنين السبع سُنونَ سبع شداد جدوب قَحِطة يؤكل فيهن ما قدمتم في إعداد ما أعددتم لهم في السنين السبع الخصبة من الطعام والأقوات، ووصف السنين بالأكل لأن الأكل فيهن أي: أهل تلك الناحية يأكلون فيها (٦)، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ المعنى إلا
_________________
(١) صافي، مرجع سابق، ١٣/ ٦.
(٢) في الأصل "أن". والصواب ﴿أَنِّي﴾ للنص القرآني.
(٣) في (د) "الأولى".
(٤) المرجع السابق.
(٥) ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٤٩. ابن خالويه، كتاب السبعة في القراءات، مرجع سابق، ص ١٩٦. الأزهري، مرجع سابق،٢/ ٤٦.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٢٦.
[ ٢٣١ ]
يسيرا مما تحرزونه (١)، و﴿تُحْصِنُونَ﴾ تصيرونه في حصن أي: في حرز قال ابن عباس (٢): تحرزون، وقال السدي (٣): ترفعون وهو ما ينبت.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ وهذا خبر من يوسف ﵇ للقوم بما لم يكن في رؤيا مَلِكِهم، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله وذلك دلالة على نبوته وحجة على صدقه (٤)، قال قتادة: ثم زاده الله علم ما لم يسألوه عنه (٥)، فقال: ﴿ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أي: يغاث الناس بالمطر (٦)، وأصل الغيث: القطع (٧) الذي يأتي على شدة حاجة ينفي المضرة، يقال: غاثهم الله يغيثهم غيثا، والكلأ وهو النبات من ماء السماء يسمى: غيثا وجمعه غُيُوث، ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ العنب والسمسم وما أشبه ذلك (٨)، قال ابن عباس: يعصرون الأعناب، والدهن (٩)،
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٢٧.
(٢) فخر الدين الرازي، مرجع سابق، ١٨/ ٤٦٥. القرطبي، مرجع سابق، ١٥/ ١٠٨. الألوسي، مرجع سابق، ١٠/ ١٨٦.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٩٢.البغوي، مرجع سابق، ٢/ ٤٠. الشنقيطي، مرجع سابق، ٢/ ٣٨٤.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٢٨.
(٥) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٤. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٢٨.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٢٩. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٥٤ بلفظ: "يغاث الناس بالمطر. فائدة: إن الله يغيث الناس ويفرج عنهم برحمته وفضله ولو شاء لأعنتهم وشق عليهم بحقه وعدله. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٥٦١.
(٧) كذا بالأصل ولعلها "القطع" وفي (د) " النفع". وهي الصواب. والسماء ذات الرجع، ويقال: ذات النفع، والأرض ذات الصدع؛ قال ثعلب: ترجع بالمطر. ابن منظور، مرجع سابق، ٨/ ١٢٠.
(٨) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٩٤. القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٥٧٩.
(٩) وروى حجاج عن ابن جريح قَالَ: يَعْصِرُونَ الْعِنَبَ خَمْرًا وَالسِّمْسِمَ دُهْنًا، وَالزَّيْتُونَ زَيْتًا. وَقِيلَ: أَرَادَ حَلْبَ الْأَلْبَانِ لِكَثْرَتِهَا، وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى كَثْرَةِ النَّبَاتِ. القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ٢٠٥.
[ ٢٣٢ ]
وقال قتادة: الأعناب والثمار (١)، وروي عن ابن عباس أيضا: يعصرون يحلبون (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ أي: لما رجع الرسول الذي أرسلوه إلى يوسف فأخبرهم عن يوسف وتأويل الرؤيا التي رأها الملك، علِم الملك حقيقة ما أفتاه به يوسف، وقال الملك ائتوني بالذي عبّر رؤياي هذه (٣)، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ أي: فلما جاء رسول الملك يوسف يدعوه إلى الملك قال يوسف للرسول: ارجع إلى سيدك فاسأله ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، والمرأة التي سجنت بسببها (٤)، وأبى أن يخرج مع الرسول، قال ابن عباس: لو خرج يوسف قبل أن يعلم الملِك بشأنه مازالت في نفس العزيز منه حاجة، يقول: هذا الذي راود امرأته (٥). وروى الأعرج (٦) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه: (يرحم الله يوسف إذ كان ذا أناة لو كنت أنا المحبوس وأُرسل إلي لخرجت سريعا إن كان لحليما ذا أناة) (٧)،
وعن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه: (لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له حين سأل عن البقرات العجاف والسمان فلو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له
_________________
(١) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٤.
(٢) سعيدبن منصور، مرجع سابق، ٥/ ٣٩٦.بلفظ: "تعصرون"، و"تحتلبون" بالتاء. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٣٠.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١١٥.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٩٨.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٢٨.الواحدي، مرجع سابق، ١/ ٥٤٩.ابن الجوزي، مرجع سابق، ٢/ ٤٤٥.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٠٢.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٣٤.،ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٥٥.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٢٨.
(٦) عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أبو دَاوُد المدَني، وكان يكتب المصاحف ويقرِئُ القرآن، وكان ثقة ثبتًا، انتقل في آخر أيامه إلى مصر، وتوفي غريبا بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة. ابن سعد،مرجع سابق، ٥/ ٢١٦. ابن حبان، مرجع سابق، ٧/ ٢٨٠. الذهبي، تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، مرجع سابق، ٣/ ٢٧٣.
(٧) وبنحوه، عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٣ .. تفسير ابن جرير الطبري، الباب (٥٠)، ١٦/ ١٣٤، رقم الحديث ١٩٣٩٦. وقال الشيخ أحمد شاكر تعليقًا على الطبري: هذا حديث ضعيف الإسناد. وبنحوه الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، مرجع سابق، ٢/ ١٦٨.
[ ٢٣٣ ]
حين أتاه الرسول، ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر (١)، وقولُهُ: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ يقول: إن الله تعالى ذِكْرُه ذو علم بصنيعهن وأفعالهن التي فعلن بي لا يخفى عليه ذلك كله، وقيل إن معنى ذلك: إن سيدي إطفير العزيز زوج المرأة التي راودتني عن نفسي قد علم براءتي مما قذفتني به من السوء (٢)، وقيل في قوله تعالى: ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ ولم يذكر امرأة العزيز فيهن حسن عشرة منه وأدبا فخلطها بالنسوة.
وقوله تعالى: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ في هذا محذوف قد استغنيَ بدلالة ما ذُكر عنه وهو: فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته، فدعا الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن وامرأة العزيز فقال لهن: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ كما روى ابن إسحاق (٣) ومعنى (٤) بقوله: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ أي: ما كان أمركن وما كان شأنكن (٥) ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾، فأجبنه: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ أي: معاذ الله وتنزيها لله ﴿مَا عَلِمْنَا عليه مِنْ سُوءٍ﴾ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ: ﴿الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ تقول: تبيّن الحق وانكشف وظهر، ﴿أَنَا
_________________
(١) وله شاهد في المستدرك على الصحيحين للحاكم، من كتاب قراءات النبي ﷺ مما لم يخرجاه وقد صح سنده، ٢/ ٢٦٣، رقم الحديث ٢٩٤٨. بلفظ: «لَوْ بَعَثَ إِلَيَّ لَأَسْرَعْتُ الْإِجَابَةَ وَمَا ابْتَغَيْتُ الْعُذْرَ» قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي على شرط مسلم. وكذا وافقه شعيب الأرنؤوط وآخرون على مسند الإمام أحمد، وقال تعليقًا: هذا حديث صحيح وهذا إسناد حسن. وقال ابن كثير في تفسيره: هذا حديث مرسل.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٠٢. ولعل الصواب من كلام سيدنا يوسف ﵇ ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ يعني به-الله-تعالى وليس إطفير. السمرقندي، مرجع سابق، ٢/ ١٩٦. البغوي، مرجع سابق، ٤/ ٢٤٨.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٣٧. الواحدي، مرجع سابق، ٢/ ٦١٧. البغوي، مرجع سابق، ٤/ ٢٤٨.
(٤) في (د) "ويعني". كذا عند ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٣٨.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٣٨.
[ ٢٣٤ ]
رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وإن يوسف لمن الصادقين في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ (١)، وقال السدي: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عليه مِنْ سُوءٍ﴾ ولكن امرأة العزيز أخبرتنا أنها راودته عن نفسه، ودخل معها البيت وحل سراويله ثم شده بعد ذلك، ولا تدري ما بدا له، فقالت امرأة العزيز: ﴿الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ يعني: بقول ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ هذا الفعل الذي فعلته من ردّي رسول الملك إليه وتركي إجابته، والخروج إليه، ومسألتي إياه أن يسأل النسوة اللاتي قطعن أيديهن عن شأنهن إذ قطعن أيديهن، إنما فعلته ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب في زوجته أني لم أركب منها فاحشة في حال غيبته عني (٣)
، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ
_________________
(١) مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٩٧.ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٣٨. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٥٦.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٣٩. فائدة: دليل على العصمة للأنبياء وبراءة يوسف ﵇ ويصطفي الله من عباده من يشاء ممن عرجوا على معارج الكمال فأداموا الطاعات وتحلوا بكريم الأخلاق، ورطبوا ألسنتهم بذكر الله، دليل على العصمة للأنبياء وبراءة يوسف. أناء الليل وأطراف النهار، وامتلأت قلوبهم بخشية الله وتقواه فاستخلصهم الله لنفسه، وأفاء عليهم بآلائه وصرف عنهم معاصيه، ووقاهم شر سخطه وغضبه .. نصر والهلالي، مرجع سابق، ٣٣٥، ٣٢٩.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٤٠ فائدة: قال ابن كثير: عند قوله تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: تقول امرأة العزيز: تبين الحق وظهر وبرز، ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: في قوله: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦]﴾ ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي، ذلك ليعلم زوجي أن لم أخنه في نفس الأمر، ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة، فامتنع؛ فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث وتتمنى؛ ولهذا راودته لأنها أمارة بالسوء، ﴿﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]﴾ أي: إلا من عصمه الله تعالى، ﴿﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣]﴾ وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام. وقد حكاه الماوردي في تفسيره، وانتدب لنصره الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية،-﵀، ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٠/ ٢٩٨). قلت: وهذا القول الذي أميل إليه وأرجحه. وقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف، ﵇، من قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه﴾ في زوجته ﴿بالغيب﴾ الآيتين أي: إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي وليعلم العزيز ﴿أني لم أخنه﴾ في زوجته ﴿بالغيب﴾ ﴿﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [الآية] (٥٣) وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه. بتصرف ابن كثير، مرجع سابق، ٤/ ٣٩٥.
[ ٢٣٥ ]
الْخَائِنِينَ﴾ يقول فعلت ذلك ليعلم سيدي أني لم أخنه بالغيب، ولأن الله لا يهدي كيد الخائنين أي: لا يسدد صنيع الخائنين أي: صنيع من خان الأمانات ولا يرشد أفعالهم (١)، واتصل قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ بقول امرأة العزيز: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ لمعرفة السامعين بمعناه كاتصال قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ بقول المرأة: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ (٢) وكذلك قول فرعون لأصحابه: ﴿فَمَاذَا تَامُرُونَ﴾ وهو متصل بقول الملأ (٣): ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ (٤). وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه تفصيل الحكم للمعنى من حسن الإفصاح لما وقع به السؤال ليتقرر في النفس مرتبة بعد مرتبة بأحسن ما يقع به الإبانة، والبيان عما يوجبه تكميل جواب العالم من تمام الفائدة المتصلة بما سئل عنه مما فيه البشارة بما يؤول إليه الحال من السلامة مع إدرار الخير في السنة المخصبة، والبيان عما يوجبه طلب الملِك للعالم الجليل من تمكين أسباب الملك للمطلوب على ما يرى من بينة حتى تظهر براءته مما قذف به وحبس بسببه، والبيان عما يوجبه بطلان الانتفاع بالكذب من الإقرار بالصدق الذي فيه براءة الساحة والتنزيه عن لحاق الريبة، والبيان عما يوجبه قبح الخيانة من الانتفاء منها والإبانة عن فحشها وما يؤدي إليه من حرمان الهداية من الله وإيجاب العقوبة.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٤١.
(٢) سورة النمل، الآية: (٣٤).
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٤٢. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٢٩. البغوي، مرجع سابق، ٢/ ٤٩٦.
(٤) سورة الشعراء، الآية: (٣٥).
[ ٢٣٦ ]
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ كاف (١)، وكذا ﴿يَعْصِرُونَ﴾ (٢)، ﴿بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ تمام (٣)، ﴿مَا عَلِمْنَا عليه مِنْ سُوءٍ﴾
_________________
(١) قال: صالح، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٤. قال: جائز الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٤.
(٢) قال: صالح، النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٣. قال الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٧: تام ورجح قول الأنباري، مرجع سابق، ٢/ ٧٢٣. قال: حسن، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. قال: جائز الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٤.
(٣) الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. الأشموني، المرجع السابق.
[ ٢٣٧ ]
حسن (١)، وكذا ﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾، وكذا ﴿لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢)، وكذا ﴿من الْخَائِنِينَ﴾ (٣).
وقولُهُ ﷿:
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ ضوعف الفعل بمعنى التكثير، و﴿نَفْسِي﴾ في موضع نصب بـ ﴿أُبَرِّئُ﴾، ﴿بِالسُّوءِ﴾ متعلق بأمَّارة، ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾، ﴿مَا﴾ بمعنى الذي في موضع نصب (٤) على الاستثناء المنقطع (٥)، ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ خبر بعد خبر، ﴿ائْتُونِي﴾ أمر، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿ائْتُونِي﴾، ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ جواب الأمر، ﴿لِنَفْسِي﴾ متعلق بـ ﴿أَسْتَخْلِصْهُ﴾، ﴿فَلَمَّا﴾ الفاء جواب ما أخبر به من قول الملك (٦)، ولما ظرف زمان مضاف إلى ﴿كَلَّمَهُ﴾، ﴿قَالَ﴾ جواب "لما" وهو العامل في "لما"، ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ الكاف اسم ﴿إِنَّ﴾،
_________________
(١) قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٧.
(٢) قال: تام الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٤.
(٣) قال: تمام النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٤. قال: تام الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٤.
(٤) العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٣٥. صافي، مرجع سابق، ١٣/ ١٠. درويش، مرجع سابق، ٥/ ٨.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٤٢.القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ٢١٠. الألوسي، مرجع سابق، ٧/ ٤.
(٦) البغوي، مرجع سابق، ٤/ ٢٤٩.
[ ٢٣٨ ]
و﴿مَكِينٌ﴾ الخبر، و﴿أَمِينٌ﴾ خبر بعد خبر، و﴿الْيَوْمَ﴾ و﴿لَدَيْنَا﴾ ظرفان متعلقان (١) بـ ﴿مَكِينٌ﴾، ﴿عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ متعلق بـ ﴿اجْعَلْنِي﴾، ﴿حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، خبر بعد خبر، وإن شئت جعلت عليمًا نعتًا لحفيظ، ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ الكاف للتشبيه والعامل فيها ما دل عليه المعنى من تقدم اللطف به والإكرام له والتشبيه بذلك إليه ﴿لِيُوسُفَ﴾ متعلق بـ ﴿مَكَّنَّا﴾ وكذا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا﴾ فعل مستقبل في موضع الحال، التقدير مكنا ليوسف متبوأ. ﴿مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾: حرف الجر والظرف وهو حيث يتعلقان بـ ﴿يَتَبَوَّأُ﴾. والتبوء: التحيز من منزل يرجع إليه (٢)
من قوله:
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٣)،
قال الشاعر (٤):
_________________
(١) الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٩٣. صافي، مرجع سابق، ١٣/ ١١. درويش، مرجع سابق، ٥/ ١٢
(٢) النَّحَّاس، معاني القرآن الكريم، مرجع سابق، ٢/ ٢٩٤ .. ابن سلاّم، أبو عُبيد القاسم بن عبد الله الهروي البغدادي (ت: ٢٢٤ هـ)، ت: د/محمد عبد المعيد خان، ط ١، (الدكن: حيدر آباد: مطبعة دائرة المعارف العثمانية، ١٣٨٤ هـ-١٩٦٤ م)، ٢/ ٢٥١. الزبيدي، مرجع سابق، ١/ ١٥٧.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١١٢.
(٤) هو لِلَيْلى الأَخْيَلِيَّة. وهي ليلى بنت عبد الله بن الرحال بن شداد ابن كعب، الأخيلية من بني عامر بن صعصعة: شاعرة فصيحة ذكية جميلة. اشتهرت بأخبارها مع توبة بن الحمير. قال لها عبد الملك بن مروان: ما رأي منك توبة حتى عشقك؟ فقالت: ما رأي الناس منك حتى جعلوك خليفة! ووفدت على " الحجاج " مرات، فكان يكرمها ويقربها. وطبقتها في الشعر تلي طبقة الخنساء. وكانت بينها وبين النابغة الجعديّ مهاجاة. ماتت ودفنت بالري (نحو ٨٠ هـ = نحو ٧٠٠ م). وفي ديوانها" فإنْ تَكُنِ القَتْلى بَواءً فإنَّكُمْ فَتىً ما قَتَلْتُمْ آلَ عَوْفِ بنِ عامِرِ" بن ذي الرحالة بن شداد بن عبادة وكانت تهوى توبة بن الحمير العقيلي: (ت: ٨٠ هـ). ابن طيفور أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر (ت: ٢٨٠ هـ)، بلاغات النساء، صححه وشرحه: أحمد الألفي، (القاهرة: مطبعة مدرسة والدة عباس الأول، ١٣٢٦ هـ-١٩٠٨ م)، ١/ ٨٤. ابن قتيبة الدينوري، الشعر والشعراء مرجع سابق،١/ ٩٣،٩٢.
[ ٢٣٩ ]
فإنْ تَكُنِ القَتْلى بَواءً (١) فإنَّكُمْ فَتىً ما قَتَلْتُمْ آلَ عَوْفِ بنِ عامِرِ (٢)
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾، ﴿بِرَحْمَتِنَا﴾ متعلق بـ ﴿نُصِيبُ﴾ أي: نحن نصيب برحمتنا، ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾، ﴿مَنْ﴾ بمعنى الذي في موضع نصب بـ ﴿نُصِيبُ﴾، ﴿وَلَا نُضِيعُ﴾ معطوف على نصيب، ﴿أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ نصب بـ ﴿نُضِيعُ﴾، ﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ لام قسم، وأجر رفع بالابتداء، و﴿خَيْرٌ﴾ الخبر، ﴿لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ معطوف على ﴿آَمَنُوا﴾، ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾، ﴿إِخْوَةُ﴾ رفع بـ جاء، و﴿يُوسُفَ﴾ خفض بإضافة ﴿إِخْوَةُ﴾ إليه، ﴿فَدَخَلُوا﴾ الفاء جواب ما أخبر به من المجيء، والفاء في "عرفهم" جواب الدخول، ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ابتداء وخبر و﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿مُنْكِرُونَ﴾.
القولُ في القراءةِ:
قرأ البزي وقالون (٣) ﴿بِالسُّوءِ إِلَّا﴾ بالتشديد بتكرير الأولى وتحقيق الثانية. الباقون يمضون على أصولهم في حذف الأولى وتبيين الثانية أو تحقيقها (٤)، فالتشديد على قلب الهمزة فإدغامها كقولهم في
_________________
(١) يقال قد باء فلان بفلان إذا قتل به وهو يبوء به. ابن منظور، مرجع سابق، ١/ ٣٦.الجوهري، مرجع سابق، ١/ ٣٧.
(٢) المبرد، الكامل في اللغة والأدب، ط ٣، (القاهرة: دار الفكر العربي، ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م)، ٢/ ١٧٢.ابن دريد، مرجع سابق، ١/ ٢٢٩. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ١٥/ ٤٣٨.
(٣) أحمد بن محمد بن عبد الله البزي، أبو الحسن، من كبار القراء، من أهل مكة، (ت:٢٥٠ هـ).قالون عيسى بن مِينَا الزُّرَقّي، أبو موسى المدنّي النَّحْويّ المقرئ، (ت: ٢١١ - ٢٢٠ هـ)، معلّم العربّية، يقال: إنه ربيب نافع، وهو الذي لقبه قالون لجودة قراءته. الذهبي، تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، مرجع سابق، ٥/ ٤٢٦.ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، مرجع سابق، ٣/ ١٠٨.
(٤) ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٤٩. الداني، جامع البيان في القراءات السبع، مرجع سابق،٣/ ١٢٣١ - ١٢٣٢ - ١٢٣٣.
[ ٢٤٠ ]
خطيئة خطية، قرأ ابن كثير ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ بالنون. الباقون بالياء، فالياء (١) على إخبار الله﷿- عن نفسه.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم يقول يوسف ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ من الخطأ والزلل فأزكيها، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أي: إن نفوس العباد تأمرهم بما تهواه، وإن كان هواها في غير ما فيه رضى الله، ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ إلا أن يرحم ربي من يشاء من خلقه فينجيه من إتباع هواه، ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: إن الله ذو صفح عن ذنوب من تاب من ذنوبه، بتركه عقوبته عليها، رحيم به بعد توبته أن يعذبه (٢)، وذكر أن يوسف قال هذا القول من أجل أن يوسف لما قال: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال له ملك من الملائكة: ولا يوم هممت بها (٣) قال: فقال يوسف حينئذ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ وقد قيل: "إن القائل ليوسف ولا يوم هممت فحللت سراويلك عن امرأة العزيز (٤). فأجابها يوسف بهذا الجواب، وقيل إن يوسف قال ذلك ابتداء من قبل نفسه"، وممن قال إن الملَك قال له، ابن عباس (٥) وسعيد بن جبير (٦) والحسن (٧)
_________________
(١) في (د) زيادة "على إسناد الفعل ليوسف والنون على".
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٤٣.لكن "بلفظ أن يعذبه عليها". فائدة: إن رحمة الله هي التي تصرف السوء ومن ﵀ حفظه من السوء وفيه إثبات صفة الربوبية والمغفرة والرحمة لله رب العالمين. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٦٩١.
(٣) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٥٧.
(٤) كذا بالأصل "عن امرأة ". ولعل الصواب: "هو امرأة ". لاستقامة المعنى ولثبوتها. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٤٣.
(٥) مقاتل، مرجع سابق، ٢/ ٣٤٠. الثوري، مرجع سابق، ١/ ١٣٢. الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٠١.ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٤٣.
(٦) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٠١.ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٤٤.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٥٨.
(٧) الزجاج، المرجع السابق. ابن جرير، المرجع السابق. ابن أبي حاتم، المرجع السابق.
[ ٢٤١ ]
وأبو صالح (١) وقتادة (٢) وعكرمة (٣)، ومن قال: قائل ذلك المرأة السدي (٤)، ومن قال: إن يوسف قال ذلك من نفسه فقول مروي عن ابن عباس (٥).وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي: وقال ملك مصر الأكبر - قال ابن إسحاق (٦): هو الوليد بن الريان (٧)
حين تبين عذر يوسف وعرف أمانته وعلمه- لأصحابه: ائتوني به أجعله من خلصائي دون غيره (٨)، فأتوه به،
_________________
(١) اسمه باذام. ويقال باذان. مولى أم هانئ بنت أبي طالب. وهو صاحب التفسير الذي رواه عن ابن عباس ورواه عن أبي صالح الكلبي محمد بن السائب. مولى أم هانئ، مشهور في التابعين لا يخفى ذلك على من له أدنى معرفة. وَهَذَا الرَّجُلُ مِنْ طَبَقَةِ السَّمَّانِ، لَكِنَّهُ عَاشَ بَعْدَهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِيْنَ سَنَةً. ابن سعد،مرجع سابق، ٦/ ٢٩٩. ابن حَنْبَل،، (الْأَسَامِي والكنى للْإِمَام أَحْمد رِوَايَة ابْنه صَالح)، مرجع سابق، ١/ ٣٨. ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، مرجع سابق،٥/ ٤١٧. لويس شيخو، رزق الله بن يوسف بن عبد المسيح بن يعقوب شيخو (ت: ١٩٢٧ م)، شعراء النصرانية، (بيروت: مطبعة الآباء المرسلين اليسوعيين،١٨٩٠ م)، ٧/ ١٨٨. الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ٥/ ٣٧.
(٢) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٥.الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٧. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢١٤.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٤٥.الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٠١. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٥٨.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٤٦. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٥٧، ٢١٥٨. فائدة: فتأمل ما أعجب هذه المرأة! أقرت بالحق، واعتذرت عن محبوبها، ثم اعتذرت عن نفسها، ثم ذكرت السبب الحامل لها على ما فعلت، ثم ختمت ذلك بالطمع في مغفرة الله ورحمته، وأنه إن لم يرحم عبده، وإلا فهو عرضة للشر. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٥٨٧.
(٥) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٥٧.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢١٥.
(٧) "الريان بن الوليد". قد اختلف في اسمه .. ابن جرير، تاريخ الرسل والملوك، (صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي، ت: ٣٦٩ هـ)،ط ٢، (بيروت: دار التراث، ١٣٨٧ هـ)، ١/ ٣٣٥،٣٦٣. قال النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف (ت: ٦٧٦ هـ)، تهذيب الأسماء واللغات، عنيت بنشره وتصحيحه والتعليق عليه ومقابلة أصوله: شركة العلماء بمساعدة إدارة الطباعة المنيرية (بيروت: دار الكتب العلمية)، ٢/ ١١٩: قال أهل التاريخ: لما مات الريان بن الوليد، وهو فرعون مصر الأول، صاحب يوسف الذى ولاه خزائن الأرض وأسلم على يديه، ملك بعده جبار وأبى أن يُسلم، ثم مات فملك بعده جبار آخر، وتوفى يوسف، وأقامت بنو إسرائيل بمصر. القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ١٥٨،٢١٧.ابن الجوزي، مرجع سابق، ٤/ ٢٢٧.
(٨) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٤٧.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٥٩.القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٥٨٦.
[ ٢٤٢ ]
فلما كلم الملكُ يوسف وعرف براءته وعِظَمَ أمانته قال له يا يوسف: إنك اليوم عندنا متمكن مما أردت، وعَرَضَ لك من حاجة قِبَلنا، لرفعة مكانك ومنزلتك لدينا، ﴿أَمِينٌ﴾ على ما اؤتمنت عليه من شيء (١)، وروي عن أبي الهذيل (٢) قال: قال الملك: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ قال: فقال له الملك: إني أريد أن أخلصك لنفسي غير أني آنف أن تأكل معي، فقال يوسف- صلى الله عليه: أنا أحق أن آنف أنا ابن إسحاق، أو قال ابن إسماعيل-ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله وابن يعقوب الذي ابيضت عيناه من الحزن (٣).
وقولُهُ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ أي: قال يوسف للملك: اجعلني على خزائن أرضك، فهذه مسألة من يوسف للملك أن يوليه أمر طعام بلده وخراجها، والقيام بأسباب بلده، ففعل ذلك الملك، كما روي عن ابن زيد وشيبة الضبي (٤) قال ابن إسحاق وقتادة: حفيظ لما استودعتني، عليم بما وليتني (٥).
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢١٦.
(٢) ليس أبا الهذيل والله أعلم، والمثبت، ذكره ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٣٦. وابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٧. هو عبد الله ابن أبي الهذيل الكوفي أبو المغيرة ثقة من الثانية مات في ولاية خالد القسري على العراق روى عن أبي بكر، وعمر مرسلا، وعن علي، وعمار، وأُبيّ، وابن مسعود، وخبَّاب، وأبي هريرة، (ر م ت س). ابن حجر، تقريب التهذيب، مرجع سابق، ١/ ٣٢٧.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٥٧. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٥٩. السمرقندي، مرجع سابق، ٥/ ٢٢٣.
(٤) شيبة بن نعامة، أَبُو نَعَامَةَ الضَّبِيُّ الْكُوفِيُّ. (ت: ١٤١ - ٥٠ هـ). قَالَ ابْنُ معين: ضعيف الحديث. ابن معين، أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن المري بالولاء، البغدادي ت: ٢٣٣ هـ، تاريخ ابن معين (رواية الدوري)، ت: د. أحمد محمد نور سيف، ط ١، (مكة المكرمة: مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، ١٣٩٩ هـ-١٩٧٩ م)، ٤/ ٤٤.ابن شاهين، أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن محمد بن أيوب بن البغدادي (ت ٣٨٥ هـ)، تاريخ أسماء الضعفاء والكذابين، ت: عبد الرحيم محمد أحمد القشقري ط ١ (بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤٠٩ هـ-١٩٨٩ م)،١/ ١٠٧.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٤٩.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٦٠.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٣٢. فائدة: من الأحكام الشرعية لا يجوز أن يكون المسلم-خصوصأ الداعية-أن يتولى منصبًا-يخل بالعقيدة، أو يتنافى معها، أو أن يكون كاهنًا من الكهنة المشركين، أو سادنًا لأصنامهم فإن فعل ذلك كان من المشركين الضالين. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٦١٤.
[ ٢٤٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ يقول تعالى: وهكذا وطأنا ليوسف في الأرض يعني: أرض ملك مصر، يتخذ من أرض مصر منزلا حيث شاء (١) بعد الحبس والضيق (٢)، ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ من خلقنا كما أصبنا بها يوسف بعد العبودة والإسار والإلقاء في الجب، ولا نبطل جزاء عمل من أحسن فأطاع ربه وعمل بما أمره به، قال ابن إسحاق فيما ذكر إن إطفير هلك في تلك الليالي، وأن الملك الريان بن الوليد زوّج يوسف امرأة إطفير، راعيل، وأنها حين دخلت عليه (٣) قالت له: أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة كما ترى حسناء وجميلة، ناعمةً في مُلك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك تغلبني نفسي على ما رأيت، ويزعمون أنه وجدها عذراء فأصابها فولدت له رجلين: إفرايم بن يوسف ومنسا بن يوسف، وقال السدي (٤) وابن زيد: مكناه فيها يكون حيث يشاء يصنع فيها ما يشاء، ولو شاء أن يجعل فرعون تحت يديه ويجعله فوقه لفعل، وروي عن مجاهد أنه قال: أسلم الملك الذي كان معه يوسف (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
_________________
(١) فائدة: إن مشيئة الإنسان تابعة لمشيئة الله تعالى على قراءة ابن كثير ﴿حيث نشاء﴾ وفيها على القراءتين إثبات المشيئة لله تعالى ولعباده، وأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب ﵎. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٦٢٤.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٢٠. فائدة: إن الله -﷾- يرفع مقام المؤمن ما دام المؤمن متحليًا بالأخلاق، عاملًا بأحكام الشرع، ساعيا بكل همة ونشاط لإعلاء كلمة الله، مستمرًا في الطاعات ليلا نهارًا. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٧١١.
(٣) في (د) زيادة "قال أليس هذا خير مما كنتِ تريدين فيزعمون أنها".
(٤) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٦١.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٢٢ .. فائدة: فيشير إلى تقلبه فيها معززًا ويشير إلى متابعة الأحوال المصرية على الطبيعة، والزيارات الميدانية للأقاليم لأن بالتجربة البشرية نرى وبالمشاهدات ندرك، أنه لا تنفع خطة ليس وراءهامتابعة ولا شخصية متابعة. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٦٢٤.
[ ٢٤٤ ]
يقول تعالى: ولثواب الله في الآخرة خير للذين صدقوا الله ورسوله مما أعطى يوسف في الدنيا، ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ الله فيخافون عقابه في خلاف أمره واستحلال محارمه، فيطيعونه في أمره ونهيه (١).
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عليه فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي: دخلوا على يوسف فعرفهم وهم لا يعرفونه (٢)، ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ وكان سبب مجيئهم قال السدي: أصاب بلاد يعقوب التي هو بها الجوع، فبعث بنيه إلى مصر، وأمسك أخا يوسف بنيامين، فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون، فلما نظر إليهم قال: أخبروني ما أمركم؟ فإني أنكر شأنكم! قالوا: نحن قوم من أرض الشام، قال فما جاء بكم؟ قالوا جئنا نمتار طعاما، قال كذبتم أنتم عيون! كم أنتم؟ قالوا: عشرة، قال: أنتم عشرة آلاف، كل رجل منكم أمير ألف فأخبروني خبركم! قالوا: إنا إخوة بنو رجل صديق وإنا كنا اثني عشر، وكان أبونا يحب أخا لنا، وإنه ذهب معنا البرية فهلك منا فيها، أي وكان أحبنا إلى أبينا، قال: فإلى من سكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه، قال: وكيف تخبروني أن أباكم صديق وهو يحب الصغير منكم دون الكبير! ائتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه، ﴿فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾، ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾، قال فضعوا بعضكم رهينة حتى ترجعوا، فوضعوا شمعون (٣).
وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه دعاء النفس إلى السوء من التقدم في معرفة موقعه على الاستضرار به ليكون التحذير منه
_________________
(١) فائدة: فضيلة الإيمان والتقوى قال السعدي: إن الله واسع الجود والكرم، يجود على عبده بخيري الدنيا والآخرة وأن خير الاخرة له سببان: الإيمان والتقوى، وأنه خير من ثواب الدنيا وملكها، وأن العبد ينبغي له أن يدعو نفسه ويشوقها لثواب الله ولايدعها تحزن إذا رأت زينة أهل الدنيا ولذاتها وهي غير قادرة عليها بل يسليها بثواب الله في الآخرة، وفضله العظيم. دروس مستفادة من سورة يوسف ص ٣٦.
(٢) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٥.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٥٤، ١٥٣. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧ - ٢١٦٣،٢١٦٤.البغوي، مرجع سابق، ٢/ ٥٠٠. وقولُهُ: "قال: فضعوا بعضكم رهينة". في هذا نظر، لأنه أحسن إليهم ورغبهم كثيرا، وهذا لحرصه على رجوعهم. ابن كثير في، تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق، ٤/ ٣٢٣.
[ ٢٤٥ ]
بحسب ما يؤدي إليه في عاقبة أمره، والبيان عما يوجبه حال العالم الجليل من استخلاص الملوك له بحاجتهم إليه بما يجدون عنه من الغناء الذي لا يجدونه عند غيره، والبيان عما يوجبه حال الحفيظ ﴿الْعَلِيمُ﴾ من جعله على خزائن الأرض بحسن تدبيره وضبطه لما يقوم بمراعاته فلا أحد أحق بذلك منه، والبيان عما يوجبه حال العالم التقي من التمكن في الأرض بما فيه من الصلاح في التدبير وما يتأتى من حسن التقدير، والبيان عما يوجبه عظم أجر الآخرة من الطلب له والحرص عليه واستفراغ المجهود فيه بلزوم طاعة الله ﷿ واجتناب معصيته، والبيان عما يوجبه حال الصابر على المحن طاعة لربه من حاجة من ظلمه إليه بتملكه عليه وبسط يده إلى ضره ونفعه.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كاف (١)، وكذا ﴿مَكِينٌ﴾ (٢)، وكذا ﴿حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٣)، وكذا ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤)، وكذا ﴿فَدَخَلُوا عليه﴾.
وقولُهُ ﷿:
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا
_________________
(١) قال: حسن، النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٤. قال: تام الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٧. وكذا الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٥. وكذا الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٥.
(٢) قال: حسن، الأنصاري، المرجع السابق.
(٣) الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٨. الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٥. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق.
(٤) الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٥. قال: حسن، الأنصاري، المرجع السابق.
[ ٢٤٦ ]
يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾
﴿وَلَمَّا﴾ ظرف زمان (١) مضاف إلى ﴿جَهَّزَهُمْ﴾، ﴿بِجَهَازِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿جَهَّزَهُمْ﴾، ﴿بِأَخٍ﴾ متعلق بـ ﴿ائْتُونِي﴾، ﴿لَكُمْ﴾ في موضع النعت لـ "أخٍ" متعلق بمعنى الاستقرار، وكذا ﴿مِنْ أَبِيكُمْ﴾، ﴿أَلَا﴾ تنبيه (٢)، ﴿أَنِّي﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَرَوْنَ﴾، ﴿الْكَيْلَ﴾ نصب بـ ﴿أُوفِي﴾ وحذفت الياء في اللفظ لسكونها وسكون اللام من الكيل، يقال: وفي يفي (٣)، والأصل يوفي حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة استثقالا لذلك (٤)، ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ابتداء وخبر، ﴿فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ﴾ الفاء جواب الأمر بأتيانهم بأخيهم، والأصل تأتونني، حذفت النون الأولى للجزم (٥)، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَاتُونِي﴾ وإن حرف شرط، ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ الفاء جواب الشرط، و﴿كَيْلَ﴾ مبني مع لا في موضع رفع بالابتداء، و﴿لَكُمْ عِنْدِي﴾ الخبر متعلق اللام وعند بمعنى الاستقرار، ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ نهي، والنون الأولى محذوفة للنهي، والأصل تقربونني، وحذفت الياء لدلالة الكسرة عليها، مع أنها رأس آية (٦)،
﴿عَنْهُ أَبَاهُ﴾، ﴿أَبَاهُ﴾ نصب بـ ﴿سَنُرَاوِدُ﴾،
_________________
(١) ابن عطية، مرجع سابق، ١/ ١٨٥. أبوحيان، مرجع سابق، ٣/ ٧١٣. البقاعي، مرجع سابق، ١٠/ ١٦٣.
(٢) القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٢٩٠. ابن عطية، مرجع سابق، ٣/ ٢١٨.
(٣) الفراهيدي، مرجع سابق، ٨/ ٤٠٩. ابن دريد، مرجع سابق، ٢/ ٩٧٣. ابن فارس، مجمل اللغة، مرجع سابق، ١/ ٩٣٢.
(٤) العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٤١٥.الإستراباذي، مرجع سابق، ٢/ ٩٧٦.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٢٦. النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٣٣٥.
(٦) الزجاج، مرجع سابق، ٤/ ٣٠٥. فخر الدين الرازي، مرجع سابق، ٢١/ ٤٨١. أبو حيان، مرجع سابق، ٦/ ٤٨٥ ..
[ ٢٤٧ ]
﴿عَنْهُ﴾ متعلقة به، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ اللام لام التوكيد في موضع خبر إنّ، ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ (١) متعلق بـ ﴿قَالَ﴾، ﴿بِضَاعَتَهُمْ﴾ نصب بـ ﴿اجْعَلُوا﴾ (٢)، ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ لعل ترجٍ، ﴿إِذَا انْقَلَبُوا﴾، ﴿إِذَا﴾ متعلقة بـ ﴿يَعْرِفُونَهَا﴾، إِلَى متعلق بـ ﴿انْقَلَبُوا﴾، وفتيته وفتيان جمع فتى (٣)، ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قالوا﴾ لما ظرف (٤) العامل فيها قالوا، ﴿إِلَى﴾ متعلق بـ ﴿رَجَعُوا﴾، ﴿مِنَّا﴾ متعلق بـ ﴿مُنِعَ﴾، ﴿الْكَيْلُ﴾ اسم ما لم يسم فاعله في ﴿مُنِعَ﴾ (٥)، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ الفاء جواب ما أخبروا به من منع الكيل، وألف أرسل ألف قطع، ﴿مَعَنَا﴾ متعلق بـ أرسل، ﴿أَخَانَا﴾ نصب بـ ﴿فَأَرْسِلْ﴾، ﴿نَكْتَلْ﴾ جواب الأمر، والأصل نكتيل على وزن نفتعل، فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فصار نكتال، فلما جزمت اللام لجواب الأمر وسكنت وقبلها الألف ساكنة حذفت الألف لالتقاء الساكنين (٦)، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ اللام متعلقة بـ حافظون (٧)
، ﴿هَلْ﴾ حرف استفهام فيه معنى النفي بتقرير وتوبيخ (٨)، ﴿عليه﴾ متعلق بـ
_________________
(١) في الأصل"لفتيته" وذلك حسب قراءة الإمام، القراءة المتواترة (الجمهور). وقال لفتيته قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم. يستفاد منها في الدراسة
(٢) في (د) زيادة" ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿اجْعَلُوا﴾.
(٣) الفراهيدي، العين، مرجع سابق، ٨/ ١٣٧. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ١٤/ ٢٣٣.
(٤) ابن عطية، مرجع سابق، ١/ ١٨٥. أبوحيان، مرجع سابق، ٣/ ٧١٣. البقاعي، مرجع سابق، ١٠/ ١٦٣.
(٥) أبو حيان، مرجع سابق، ٥/ ٣٢٠. صافي، مرجع سابق، ١٣/ ١٩.
(٦) أبو شامة، مرجع سابق، ٢/ ٥٣٥. الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٩٥.
(٧) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٣٧٧.الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٩٥ ..
(٨) الواحدي، مرجع سابق، ٣/ ٣٤٠.فخر الدين الرازي، مرجع سابق، ١٤/ ١٨٨. الأزهري الوقاد، خالد بن عبد الله بن أبي بكر بن محمد الجرجاويّ المصري (ت: ٩٠٥ هـ)، شرح التصريح على التوضيح أو التصريح بمضمون التوضيح في النحو، ط ١، (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢١ هـ-٢٠٠٠ م)، ١/ ٢٧٥.
[ ٢٤٨ ]
﴿آَمَنُكُمْ﴾، ﴿إِلَّا﴾ إيجاب، ﴿كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ الكاف للتشبيه (١) متعلقة بـ أمن، والتقدير إلا أمنًا ﴿كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾، ﴿عَلَى﴾ متعلقة بـ ﴿آَمَنُكُمْ﴾، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ ابتداء وخبر، و﴿حَافِظًا﴾ نصب على التمييز و﴿حَافِظًا﴾، يجوز أيضا أن يكون تمييزًا، وأن يكون نصب على الحال (٢)، والفاء جواب للاستفهام ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ابتداء وخبر.
القولُ في القراءةِ:
قرأ حمزة والكسائي (٣) ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ بألف ونون، الباقون بتاء من غير ألف ونون (٤)، وهما جمعان مثل: غلمان وغلمة، وصبيان وصبية، وشاهد الحذف أنهم فتية: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ (٥) وشاهد الإثبات: أنها في مصحف عبد الله كذلك، ولأن الملوك تأمر عبيدها بالأمر وإن لم تنوِ له جميعهم. قرأ حمزة والكسائي ﴿أَخَانَا يكتل﴾ بالياء توضع، الباقون بالنون، فالنون على وجه دخولهم معه في الكيل، والياء يحتمل وجهين: أحدها: انفراده بالكيل لقربه من الفعل. والثاني: اشتراكهم فيه كالنون، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾، أو تحتمل على التقديم والتأخير، والتقدير: فأرسل ﴿أَخَانَا﴾ يكتل معنا. قرأ حمزة والكسائي وحفص ﴿خَيْرٌ
_________________
(١) ابن عطية، مرجع سابق، ١/ ٣١٨. أبو حيان، مرجع سابق، ٢/ ٢٩٨.
(٢) كذا في الأصل وفيها تكرار. فخر الدين الرازي، مرجع سابق، ١٨/ ٤٧٩. القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ٢٢٤. النسفي، مرجع سابق، ٢/ ١٩١.
(٣) ولم يذكر المؤلف حفصًا وروايته كذلك. ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، مرجع سابق،٢/ ٢٩٥.
(٤) ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٤٩. النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٧.ابن خالويه، كتاب السبعة في القراءات، مرجع سابق، ص ١٩٦.
(٥) سورة الكهف، الآية: (١٠).
[ ٢٤٩ ]
حَافِظًا﴾ بألف، الباقون بغير ألف (١)، فالحذف على المصدر، والنصب على التمييز، والتقدير: خير حفظا منكم، وقيل على الحال والإثبات، على أنه اسم الفاعل ونصبه على الحال، والتقدير: خير شيء وله في حال حفظه (٢)، ويجوز أن يكون تمييزا على تقدير: خيركم حافظا.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم يقول تعالى: ولما حمَّل يوسف لإخوته أباعِرهم من الطعام فأوقر (٣) لكل واحد منهم بعيره، قال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ كما أحمل لكم بعيرًا آخر، فتزدادوا به حمل بعير آخر (٤)، ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ فلا أبخسه أحدا، وأنا خير مَن أنزل ضيفا على نفسه بهذه البلدة، فأنا أضيفكم (٥)، قال مجاهد: أنا خير من يضيف بمصر (٦)، وقوله: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ قال قتادة: يعني بنيامين وهو أخوه لأبيه وأمه (٧).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ أي: هذا قول يوسف لإخوته فإلم تأتوني بأخيكم من أبيكم فليس لكم عندي طعام أكيله لكم، ولا تقربوا بلادي (٨).
_________________
(١) ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٥٠. ابن خالويه، كتاب السبعة في القراءات، مرجع سابق، ص ١٩٧. ابن زنجلة، مرجع سابق،١/ ٣٣٦.
(٢) كذا في الأصل ولعل الصواب خير شيئ له في حال حفظه.
(٣) أوقر فلان الدابة إيقارا: حملها حملا ثقيلا. ابن منظور، مرجع سابق، ٥/ ٢٨٩.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٥٤.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٣٤.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٥٥. ابن أبي زَمَنِين، مرجع سابق، ٢/ ٣٣٢. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٣٥.
(٧) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٦٣.
(٨) ابن جرير، المرجع السابق. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٦٣،٢١٦٤.ولكن بلفظ (بلدي).الثعلبي، المرجع السابق. القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٥٩٢.
[ ٢٥٠ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ أي: قال إخوة يوسف ليوسف سنراود أباه ونسأله أن يخليه معنا حتى نجيء به إليك، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ ما قلنا ومجتهدون، والمراودة، المنازعة من القادر بدعائه إلى ما يراد منه فعله، وأصل ذلك الطلب ومنه الإرادة، وهي طلبه الفعل، وفتيانه: غلمانه (١)، وقال قتادة: بضاعتهم أرزاقهم (٢)، وقال ابن إسحاق: جعلت في رحالهم وهم لا يعلمون (٣)، وقولُهُ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: يرجعون إلي (٤)، ويقال: لأية علة أمر يوسف أن يجعلوا بضاعة إخوته في رحالهم؟ قيل: يحتمل أوجها (٥): أحدها: أن يكون خشي أن لا يكون عند أبيه دراهم، إذ كانت السنة سنة جدب وقحط، فيضر (٦) ذلك منهم به، فأحب أن يرجع إليه ويتسع بها أبوه. والثاني أن يكون رأى لوما، أخذ ثمن طعامه من والده، وإخوانه مع حاجتهم إليه، فرده عليهم من حيث لا يعلمون رده تكرما وتفضلا، والثالث وهو أن يكون أراد بذلك أن لا يخلفوه الوعد في الرجوع إذا وجدوا في رحالهم ثمن طعام قد قبضوه وملكه عليهم غيرهم عوضا من طعامه، ويتحرجوا من إمساكهم من طعام قد قبضوه حتى يردوه على صاحبه، فيكون ذلك أدعى لهم إلى العودة إليه.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ أي: فلما رجع إخوة يوسف إلى أبيهم قالوا: ﴿يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ الكيل فوق الكيل الذي كيل لنا، ولم يُكل لكل رجل منا إلا كَيل بعير، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ بنيامين يكتل لنفسه كيل بعير آخر زيادة على كيل أباعرنا، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ من أن يناله مكروه في سفره (٧)،
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٥٧.البغوي، مرجع سابق، ٢/ ٥٠٤. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٦٥.
(٢) ابن أبي حاتم، المرجع السابق.
(٣) ابن جرير، المرجع السابق. ابن أبي حاتم، المرجع السابق.
(٤) ابن جرير، المرجع السابق. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٦٥.الثعلبي، المرجع السابق.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٥٨.البغوي، مرجع سابق، ٢/ ٥٠١.
(٦) في (د) زيادة"أخوه أخذه".
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٢٩.
[ ٢٥١ ]
كما روي عن السدي فيما ذكره قال: وقال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملك مصر فأقرؤه مني السلام، وقولوا له: إن أبانا يصلي عليك ويدعو لك بما أوليتنا (١)، وقال ابن إسحاق: كان منزلهم فيما ذَكر لي بعض أهل العلم بالعربات (٢) من أرض فلسطين بغور الشام، وبعض يقول: بالأولاج (٣) من ناحية الشعب أسفل من جشم (٤)، وكان صاحب بادية، شاء وإبل (٥).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عليه إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قال أبوهم يعقوب: هل آمنكم على أخيكم من أبيكم إلا كما أمنتكم على أخيه يوسف من قبله (٦)؟ وأصله الاطمئنان، يقال: أمِنه يامَنُهُ أَمْنًا وائْتَمَنَه ياتَمِنَه ائْتِمَانًا، ومنه قوله: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٧). وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه صحة التدبير من الوفاء في المكاييل وغيره من الأمور للوصول إلى المطلوب في بلوغ غاية المأمول، والبيان عما يوجبه ترك ما دعى إليه الحكيم من حرمان المحبوب من حياته وبعدمه كما فعل يوسف﵇ بإخوته حين دعاهم إلى ما دعاهم إليه، والبيان عما يوجبه طاعة الداعي فيما دعا إليه من العزم على الاجتهاد في كون ما أحب وفعل ما أراد، والبيان عما يوجبه الإحسان من طلبه بالرجوع إلى صاحبه ابتغاء الخير من قبله لاسيما إذا تلطف في وقوعه على أحسن وجوهه، والبيان عما يوجبه التلطف في وقوع الأمر من الدعاء إليه بما في تركه من الضرر وفي فعله من النفع مع تضمن السلامة من مكروه في العاقبة، والبيان عما يوجبه حال المتهم
_________________
(١) أخرجه ابن جرير، مرجع سابق، في تاريجه، ١/ ٣٤٩،٣٥٠.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٦٦،٢١٦٥ إلى قوله: " فلا تقربوا بلادي ".
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٥٩. ياقوت الحموي، مرجع سابق، ٣/ ٦٣٢.
(٣) ابن جرير، المرجع السابق. الماوردي، مرجع سابق، ٣/ ٨٤.ياقوت الحموي، مرجع سابق، ١/ ٤٠٧.
(٤) في (د) "حسم". ولعل الصواب" حِسْمَى" وليست "جشم": أرض ببادية الشام. ياقوت الحموي، مرجع سابق، ٢/ ٢٦٧. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٦٥.
(٥) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٦٦.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٦٠.
(٧) سورة البقرة، الآية: (٢٨٣).
[ ٢٥٢ ]
من أمر سلفَ من نفور النفس عما يقوله، وقلة الائتمان له فيما يستودعه لمِا كان مما يوحش منه ويصرف عنه.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ كاف (١)، ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ حسن (٢)، ﴿لَفَاعِلُونَ﴾ كاف (٣)، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ كاف (٤)، ﴿لَحَافِظُونَ﴾ حسن (٥)، وكذا ﴿أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٦).
وقولُهُ ﷿:
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ
_________________
(١) الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٨. قال: صالح الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٥. قال: كاف للابتداء بالشرط الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٥.
(٢) وكذا الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. قال: كاف الأشموني، المرجع السابق.
(٣) الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. الأشموني، المرجع السابق.
(٤) الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. الأشموني، المرجع السابق.
(٥) قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
(٦) قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
[ ٢٥٣ ]
اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾
﴿وَلَمَّا﴾ ظرف (١) ﴿فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ متاعهم نصب بـ ﴿فَتَحُوا﴾، ﴿وَجَدُوا﴾ جواب "لما" وهو العامل فيها، ﴿بِضَاعَتَهُمْ﴾ نصب بـ ﴿وَجَدُوا﴾، ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾، ﴿رُدَّتْ﴾ فعل ما لم يسم فاعله واسم ما لم يسم فاعله مضمر في ﴿رُدَّتْ﴾ ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿رُدَّتْ﴾، و﴿رُدَّتْ﴾ ومَا عمل فيه في موضع الحال من البضاعة (٢)، والتقدير مردودة إليهم، والأصل في ردت: رددت نقلت حركة الدال إلى الراء، ثم أدغمت هذا على قراءة من يكسر الراء، والجماعة تقرأ بالضم على ما لم يسم فاعله، والأصل على قراءتهم رددت، فحذفت الكسرة من الدال للإدغام (٣)، ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متعلقة بـ ﴿رُدَّتْ﴾، ﴿مَا نَبْغِي﴾ ﴿مَا﴾ استفهام، والتقدير: أي شيء نبغي، فـ ﴿مَا﴾ في موضع نصب (٤) بـ ﴿نَبْغِي﴾، ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا﴾ ابتداء وخبر، ﴿رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ مثل ما تقدم، و﴿إِلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿رُدَّتْ﴾، ويجوز أن يكون ﴿مَا﴾ نفيا (٥)، والتقدير: ما نبغي شيئا، ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ جملة معطوفة على جملة، ويقال: ماره يميره ميرا وميرة (٦)،
_________________
(١) ابن عطية، مرجع سابق، ١/ ١٨٥. أبوحيان، مرجع سابق، ٣/ ٧١٣. البقاعي، مرجع سابق، ١٠/ ١٦٣.
(٢) النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٨. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٣٣. العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٣٧.
(٣) الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٣٦.أبو حيان، مرجع سابق، ٦/ ٢٩٥. السمين، مرجع سابق، ١/ ٢٥٨٩.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٣٢ وَإِلَى هَذَا التَّاوِيلِ كَانَ يُوَجِّهُهُ قَتَادَةُ. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٣٦.
(٥) العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٣٧.
(٦) وَقَالَ الأصمعيّ: يُقال: مارَه يَميره مَيْرًا، إِذا أَتَاهُ بمِيرة، أَي طَعام. وَمِنْه يُقال: مَا عِنْده خَيْر ومَيْر. وَقَالَ اللَّيْث: المِئْرة: العداوةُ. وجَمعها: المِئَر. وماءَرْتُ بَين الْقَوْم مُماءرةً، أَي عادَيْت بَينهم. قَالَه أَبُو زيد. أَبُو عُبيد، عَن الْكسَائي: المِئْرة: الذَّحْل. وَجَمعهَا: مِئَر. وَقَالَ اللَّيْث: امتأر فلانٌ على فلَان، أَي احْتَقد عَلَيْهِ. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ١٥/ ٢١٤. الجوهري، مرجع سابق، ٢/ ١٨٧ أبو سهل الهروي، محمد بن علي بن محمد (ت: ٤٣٣ هـ)، إسفار الفصيح، ت: أحمد بن سعيد بن محمد قشاش، ط ١، (المدينة المنورة: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، ١٤٢٠ هـ)، ١١/ ٢٢. ابن مالك، إكمال الأعلام بتثليث الكلام، ت: سعد بن حمدان الغامدي، ط ١، (مكة المكرمة: جامعة أم القرى، ١٤٠٤ هـ ١٩٨٤ م)، ٢/ ٧٠٣
[ ٢٥٤ ]
ويقال: ما عند فلان خير ولا مير (١) أي: ولا نفع، والمئرة بالهمز: الإحنة (٢) والحقد (٣)، ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ معطوف على ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾، وكذا ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ ابتداء وخبر، و﴿يَسِيرٌ﴾ نعت لـ ﴿كَيْلٌ﴾ ﴿أُرْسِلَهُ﴾ نصب بـ ﴿لَنْ﴾ ﴿مَعَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أُرْسِلَهُ﴾، ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾، ﴿حَتَّى﴾ غاية ناصبة لـ ﴿تُؤْتُونِ﴾، وعلامة النصب: حذف النون، والنون الموجودة مزيدة مع ياء النفس (٤)
، ﴿مَوْثِقًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿لَتَاتُنَّنِي﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿تُؤْتُونِ﴾، ﴿لَتَاتُنَّنِي بِهِ﴾ مؤكد بالنون الشديدة، واللام لام قسم (٥)، ﴿بِهِ﴾ متعلق
_________________
(١) ابن رفاعة، مرجع سابق، ١/ ٢٣٧. الميداني، أبو الفضل أحمد بن محمد بن إبراهيم (ت: ٥١٨ هـ) مجمع الأمثال، ت: محمد محيى الدين عبد الحميد، (بيروت: دار المعرفة)، ٢/ ٢٨٦. ابن قتيبة، أدب الكاتب (أو) أدب الكتّاب، ت: محمد الدالي، (مؤسسة الرسالة)، ١/ ٣. الزمخشري، أساس البلاغة، ت: محمد باسل عيون السود، ط ١، (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٩ هـ-١٩٩٨ م)، ١/ ٤٥٦.
(٢) الشِّحْنَةُ، والإِحْنةُ، والوَغْرُ، والضَّمَدُ، وَالْحِقْدُ، وقد أَحَنْتُ على الرجل أحنو آحَنُ، والجميع إِحَنٌ. وَغِرَ صدرُه يَوْغَرُ. وضَغِنَ يَضْغَنُ ضَغَنًا وضِغْنًا. المِئْرَةُ، بِالْهَمْزَةِ: الذَّحْلُ والعَدَاوَةُ، وَجَمْعُهَا مِئَرٌ، والدِّمْنة: الْحِقْدُ المُدَمِّن لِلصَّدْرِ مثله وجمعها دِمْن، تقول: منها: ودَمِنْت على الرجل. شاحنت الرجل مشاحنة من الشحناء. وآحَنْتُه مُؤَاحنةً مِنَ الإِحْنةِ. ابن قتيبة الدينوري، الجراثيم، ت: محمد جاسم الحميدي، قدم له: الدكتور مسعود بوبو، (دمشق: وزارة الثقافة)، باب الْحِقْدِ والضِّغْنِ والغضبِ، ١/ ٤٢٧.
(٣) ابن قتيبة الدينوري، الجراثيم، مرجع سابق، ص ٤٢. الجوهري، مرجع سابق، ٢/ ١٥٧. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ١٥/ ٢١٤. ابن دريد، مرجع سابق، ١/ ٤٤٨.
(٤) ينظر: سيبويه، مرجع سابق، ١/ ٤١٣. وهذا على مذهب الكوفيين .. أما البصريون فيرون: أنَّ "حتى" لا تنصب بنفسها بل تنصب بـ"أن" مضمرة. ابن السراج، مرجع سابق، ١/ ٤٢٦. درويش، مرجع سابق، ٥/ ١٩،١٨. الخراط، مرجع سابق، ١/ ٢٤٣.
(٥) العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٣٧. الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، مرجع سابق، ٢/ ٤٨٧.
[ ٢٥٥ ]
بـ ﴿لَتَاتُنَّنِي﴾ ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ و﴿إِلَّا﴾ إستثناء، ﴿أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب بالاستثناء، والتقدير: ﴿إِلَّا﴾ الإحاط (١) بكم، ويجوز أن ينصب ﴿أَنْ﴾ على المفعول له بتقدير: الإتيان أو الإحاطة (٢) كما تقول: ما يأتيني إلا لأخذ الدراهم، ﴿بِكُمْ﴾ في موضع اسم ما لم يسم فاعله في يحاط، ﴿فَلَمَّا آَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ نصب بـ ﴿آَتَوْهُ﴾ مفعول ثان لـ ﴿آَتَوْهُ﴾، والهاء مفعول أول، ﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ اسم ﴿اللَّهُ﴾ رفع بالابتداء، و﴿وَكِيلٌ﴾ الخبر، و﴿عَلَى مَا نَقُولُ﴾ متعلق بـ ﴿وَكِيلٌ﴾ و﴿مَا﴾ بمعنى الذي، وإن شئت كانت مع نقول بمنزلة المصدر أي: على قولنا (٣). ﴿مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ متعلق بـ ﴿تَدْخُلُوا﴾، وكذا ﴿مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ متعلق بـ ادخلوا، ﴿مُتَفَرِّقَةٍ﴾ نعت لـ ﴿أَبْوَابٍ﴾، ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مَا﴾ حرف نفي، ﴿عَنْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أُغْنِي﴾ ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة للتوكيد في موضع نصب، أي: ما أغنى عنكم شيئا (٤).
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ﴿إِنِ﴾ بمعنى ما و﴿الْحُكْمُ﴾ رفع بالابتداء و﴿لِلَّهِ﴾ في موضع الخبر متعلق بمعنى الاستقرار ﴿عليه تَوَكَّلْتُ﴾ ﴿عليه﴾ متعلق بـ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ ﴿وَعليه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿وَعليه﴾ متعلق بـ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾، واللام لام أمر، ﴿الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ رفع بـ"يتوكل"، ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ ﴿وَلَمَّا﴾ ظرف، ﴿مِنْ حَيْثُ﴾ ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿دَخَلُوا﴾ و﴿حَيْثُ﴾ مبنية على الضم مضافة إلى الجملة (٥)، ﴿مَا
_________________
(١) كذا في الأصل" الإحاط" بدون "تاء مربوطة" والصواب "الإحاطة" لسياق المعنى ولعله سقط من الناسخ والله أعلم.
(٢) الخراط، مرجع سابق، ١/ ٢٤٣/٤٣٨.
(٣) النحاس إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٨.الخراط، مرجع سابق ٢/ ٥١٠.الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٩٦.
(٤) العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٣٨.صافي، مرجع سابق، ١٣/ ٢٦.الخراط، مرجع سابق، ٢/ ٥١١.
(٥) الخراط، مرجع سابق، ١/ ٢٨٧. الأبياري، مرجع سابق، ١/ ١٤٨٠.
[ ٢٥٦ ]
كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مَا﴾ حرف نفي، عنهم متعلق، بـ ﴿يُغْنِي﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ كذلك ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة (١) والتقدير: ما كان يغني عنهم من الله شيء، ﴿إِلَّا حَاجَةً﴾ استثناء منقطع (٢)، ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ﴾ ﴿فِي﴾، في موضع النعت لـ ﴿حَاجَةً﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار، وكذا ﴿قَضَاهَا﴾، نعت لـ ﴿حَاجَةً﴾، وما دل عليه المعنى، عامل في لما، ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ مستأنف، ﴿لَذُو﴾ لام توكيد في موضع خبر إنّ، ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ متعلق بـ عِلْم، وما بمعنى الذي، ﴿وَلَكِنَّ﴾ حرف توكيد، ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ اسم لكن وخبرها.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم ولما فتح إخوة يوسف متاعهم الذي حملوه من عند يوسف، ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ أي: ثمن الطعام الذي اكتالوه منه، ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ قالوا لأبيهم: ماذا نبغي؟ ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ (٣) بطيبتنا (٤) منهم لنفسه بما صنع بهم في رد بضاعتهم إليهم والتقدير: أي شيء نبغي وراء هذا؟ إن بضاعتنا ردت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل (٥)، وقوله: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: ونطلب لأهلنا طعاما فنشتريه لهم، يقال: مار أهله يميرهم ميرا (٦).
_________________
(١) الألوسي، مرجع سابق، ٧/ ٢١. الخراط، مرجع سابق، ١/ ٤٣٩.
(٢) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٣٣٦. ابن عطية، مرجع سابق، ٤/ ٢٥.ابن جزي، مرجع سابق، ١/ ٧٤٢.
(٣) مقاتل، مرجع سابق، ٢/ ٣٤٢.
(٤) كذا بالأصل ولعله " تَطْيِيبًا " لاستقامة المعنى ولثبوته عند ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٦١. والله تعالى أعلم.
(٥) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٦٦.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٦٢. والمير: العطية، من قولهم: ما رهم يميرهم ميرا. أبو علي القالي، إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سلمان (ت: ٣٥٦ هـ)، الأمالي= ذور الأمالي= النوادر عني بوضعها وترتيبها: محمد عبدالجواد الأصمعي، ط ٢، (دار الكتب المصرية، ١٣٤٤ هـ-١٩٢٦ م)، ١/ ١١٦. الجرجاني، دَرْجُ الدُّرر في تَفِسيِر الآيِ والسُّوَر، مرجع سابق، ٣/ ١٠٠٨.
[ ٢٥٧ ]
إذا حمل الطعام لهم من بلد إلى بلد (١)، قال الشاعر (٢):
بعثتك مائرًا (٣) فمكثتَ حولًا متى يأتي غِيَاثُكَ من تُغِيثُ
﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ الذي ترسله معنا، ونزداد على أخينا لنا (٤) حمل بعير يكال لنا آخر من إبلنا، ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي: حمل يسير.
وقوله تعالى: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: قال يعقوب لبنيه: لن أرسل أخاكم معكم إلى ملك مصر، ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ﴾ أي: تعطوني الميثاق، وهو ما يوثق (٥) به من يمين
_________________
(١) النحاس، معاني القرآن الكريم، مرجع سابق، ٣/ ٤٤١.
(٢) قال الجوهري، مرجع سابق، ١/ ٢٨٩، والحميري، مرجع سابق، ٩/ ٦٤٢٤: قاله العامري فذكرا هذا البيت. وكذا نسبه إليه ابن منظور، مرجع سابق، ٢/ ١٧٤. وقال الزبيدي، مرجع سابق، ٥/ ٣١٣: قاله العامري، وقيل: هو لعائشة بنت سعد بن أبي وقاص.
(٣) فائدة: مير: المِيرَةُ: الطعامُ يَمْتارُه الإِنسان. ابْنُ سِيدَهْ: المِيرَةُ جَلَب الطَّعَامِ، وَفِي التَّهْذِيبِ: جلَب الطَّعَامِ لِلْبَيْعِ؛ وَهُمْ يَمتارُون لأَنفسهم ويَمِيرُون غَيْرَهُمْ مَيْرًا، وَقَدْ مَارَ عيالَه وأَهلَه يَمِيرُهم مَيْرًا وامْتارَ لَهُمْ. والمَيَّارُ: جالبُ المِيرَة. والمُيَّارُ: جَلّابة لَيْسَ بِجمْعِ مَيَّار إِنما هُوَ جَمْعُ مائِرٍ. الأَصمعي: يُقَالُ مارَه يمُورُه إِذا أَتاه بِمِيرَة أَي بِطَعَامٍ، وَمِنْهُ يُقَالُ: مَا عِنْدَهُ خَيْر وَلَا مَيْر، والامْتِيارُ مِثلُه، وَجَمْعُ المائِر مُيَّارٌ مِثْلُ كُفَّارٍ، ومَيَّارَةٌ مِثْلُ رَجَّالةٍ، يُقَالُ: نَحْنُ نَنْتَظِرُ مَيَّارَتَنا ومُيَّارَنا. وَيُقَالُ للرُّفْقة الَّتِي تَنْهَضُ مِنَ الْبَادِيَةِ إِلى القُرى لِتَمْتار: مَيَّارَةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: "والحَمُولَة المائِرَةُ لَهُمْ لاغِيةٌ"، يَعْنِي الإِبل الَّتِي تُحْمَلُ عَلَيْهَا الْمِيرَةُ وَهِيَ الطَّعَامُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَجْلَبُ لِلْبَيْعِ، لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا زكاةٌ لأَنها عَوامِلُ. وَيُقَالُ مارَهم يَمِيرُهم إِذا أَعطاهم الْمِيرَةَ. ابن منظور، مرجع سابق، ٥/ ١٨٨.
(٤) كذا بالمخطوط ولعل الصواب" أحمالنا" لاستقامة المعنى ولثبوته عند ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٣٣. الفيروزآبادى، تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، (لبنان: دار الكتب العلمية)، ١/ ٢٠٠.
(٥) في (د) "تؤتوا". فائدة: الأقدار لها أحكام، والرب-تعالى-يقدر ما يشاء والمصائب تحمل العقلاء على التعقل والتيقظ والاحتياط في المرات القادمة. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٦٥٢.
[ ٢٥٨ ]
وعهد (١)، ﴿لتَاتُنَّنِي﴾ بأخيكم ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: يحيط بجميعكم مالا تقدرون على أن تؤتوني به، وأصله ضرب السور حول الشيء، ومنه يقال: يعلمه علم إحاطة أي: على التحديد، قال قتادة: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك (٢)، وقال ابن إسحاق: إلا أن يصيبكم أمر يذهب بكم جميعا، فيكون ذلك عذرا لكم عندي (٣)، والوكيل: القائم بالتدبير (٤)، ويقال لمِ قال موثقا من الله وإنما الموثق من أنفسهم؟ قيل ذلك: لأن المعنى مُوَثَّقًا من جهة إشهاد الله، أو القسم بالله، والموثق بالعقد (٥) بما لا يجوز حله.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ أي: قال يعقوب لبنيه: لا تدخلوا مصر من طريق واحد، وادخلوها من أبواب متفرقة، وذكر أن قوله ذلك لهم: لأنهم كانوا رجالا، لهم جمال وهيئة، فخاف عليهم إذا دخلوا من طريق واحد وهم ولد رجل واحدٍ العينَ، فأمرهم أن يفترقوا (٦)، روي معنى ذلك: عن قتادة وابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، والسدي، وابن إسحاق، وقولُهُ: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يقول: وما أقدر أن أدفع عنكم من الله من شيء من قضاء الله الذي قضاه عليكم من شيء صغير ولا كبير، لأن قضاءه نافذ (٧)، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: ما القضاء والحكم إلا لله دون كل ما سواه، على الله توكلت فوثقت به فيكم وفي حفظكم حتى يردكم
_________________
(١) مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٩٨. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٦٣.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٦٧.
(٢) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٥ عن قتادة. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٦٤.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٦٧.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٣٦. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٦٧. الواحدي، مرجع سابق، ٢/ ٦٢١.
(٤) ابن فورك، أبو بكر محمد بن الحسن الأنصاري الأصبهاني، (ت: ٤٠٦ هـ)، تفسير ابن فورك من أول سورة المؤمنون-آخر سورة السجدة، دراسة وت: علال عبد القادر بندويش (ماجستير)، ط ١، (السعودية: جامعة أم القرى، ١٤٣٠ هـ-٢٠٠٩ م)، ٢/ ٨٠. السمعاني أبو المظفر، مرجع سابق، ٣/ ٤٧.
(٥) الكلمة فيها طمس وفي الهامش صوبها الناسخ بكلمة "بالعقد" ولعلها الصواب لاستقامة المعنى.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٦٥.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٦٩.البغوي، مرجع سابق، ٢/ ٥٠٢.
(٧) فائدة: الخوف من العين يلزم منه أخذ الحذر والحيطة، وهذا من القدر كما أن الإصابة بالعين من القدر الكوني، إن الكثرة والجمال من أسباب الإصابة بالعين، إن الحاكم هو الله وحده. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٦٦١.
[ ٢٥٩ ]
إلي وأنتم سالمون معافون لا على دخولكم مصر من أبواب متفرقة، ﴿عليه تَوَكَّلْتُ﴾ أي: فوضت أمري، ﴿وَعليه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أي: وإلى الله فليفوض المفوضون أمورهم (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ أي: ولما دخل ولد يعقوب من حيث أمرهم أبوهم من أبواب متفرقة، ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ﴾ قضاء الله الذي حتمه من شيء، إلا أنهم قضوا وطرًا ليعقوب من دخولها (٢) من طرق متفرقة مما كان يخاف عليهم بدخولهم من طريق واحد من العين، فاطمأنت نفسه أن يكونوا أُتوا من قبل ذلك، أو نالهم من أجله مكروه، قال مجاهد (٣) وابن عباس: وإن يعقوب لذو علم لتعليمنا إياه (٤)، وقيل: إنه لذو حفظ لما استودعناه صدره من العلم (٥)، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: ولكن كثيرا من الناس غير يعقوب، لا يعلمون ما يعلمه يعقوب. وقد تضمنت الآيات: البيان عما يوجبه الدعاء إلى طاعة المحسن بين الذكر لإحسانه فيما أولى وخيره الذي يرجى إذ هو حقيق به وأهل له، والبيان عما يوجبه الظن بالإنسان النفيس من الامتناع بإرساله إلى من طلبه إلا بعد الميثاق على من أصحبه إياه أن يرده إليه إلا أن يأتيه ما لا قبل له به ولا يطيق الامتناع منه، والبيان عما يوجبه الاحتياط في نفي مكروه العين والحسد من تفريق ما جمعه يكثر في نفوس الحساد وكثير من الناس، حتى ربما أدى ذلك إلى الهلاك، والبيان عما يوجبه إزالة توهم الخطأ على البريء منه من وصفه بما ينباء أنه ما عمل إلا ما له أن يعمله ومن ذكره بالعلم الذي قد وهب له وأن أمرًا دار في نفسه بلغه مما يجري مجرى الاحتياط في تدبير ولده.
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، لكن بلفظ: أمورَهم المفوِّضون، ١٦/ ١٦٦.
(٢) في (د) "دخولهموها".
(٣) مجاهد، مرجع سابق، ١/ ٣٩٩، ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٦٩.
(٤) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٦٩.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٤٠. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧٠.
[ ٢٦٠ ]
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ حسن (١)، و﴿رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ كاف (٢)، وكذا ﴿يَسِيرٌ﴾ (٣)، وكذا ﴿يُحَاطَ بِكُمْ﴾ (٤)، و﴿وَكِيلٌ﴾، ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ حسن (٥)، وكذا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٦).
وقولُهُ ﷿:
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾
_________________
(١) قال الأشموني: كاف "منار الهدى في الوقف والابتدا" ص ١٩٤.
(٢) قال: مفهوم، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٥. قال الأشموني: توضيح لقولهم ما نبغي، فلا يقطع منه، وفي هذا غاية في بيان هذا الوقف ولله الحمد، مرجع سابق، ص ١٩٥.
(٣) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٥. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٨. قال: حسن. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. الأشموني، المرجع السابق.
(٤) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. الأنصاري، المرجع السابق. قال: حسن، الأشموني، المرجع السابق.
(٥) قال: كاف النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. وكذا الداني، المرجع السابق. الأنصاري، المرجع السابق. الأشموني، المرجع السابق.
(٦) قال: تام الداني، المرجع السابق. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وعند الأشموني كاف، المرجع السابق.
[ ٢٦١ ]
﴿وَلَمَّا﴾ ظرف مضاف (١) إلى ﴿دَخَلُوا﴾، ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ متعلق بـ ﴿دَخَلُوا﴾، ﴿آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ جواب لما وهو العامل في لما (٢) وهو فعل رباعي ألفه ألف قطع، وزنه أفعل، ﴿أَخَاهُ﴾، نصب بـ ﴿آَوَى﴾، ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿آَوَى﴾ يقال: أوى فلانٌ فلانًا، إذا ضمه إليه (٣)، وآواني موضع كذا، وفلان يأوي إيواء إذا فعل ذلك، وآوى بالقصر أويًّا، لجأ إليه (٤)، ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ مستأنف لوقوعه بعد القول، ويجوز أن يكون ﴿أَنَا﴾ فاصلة، و﴿أَخُوكَ﴾ الخبر، ويجوز أن يكون ﴿أَنَا﴾ رفعا بالابتداء، و﴿أَخُوكَ﴾ خبر ﴿أَنَا﴾، والجملة خبر ﴿إِنِّي﴾، ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ الفاء جواب ما أخبر به من الإخوة و"لا" نهي، وتبتأس تفتعل من البؤس يقال ابتأس يبتئس ابتئاسًا وهو الحزن والابتئاس والاكتئاب والاغتمام نظائر في اللغة (٥).
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الباء متعلقة بـ ﴿تَبْتَئِسْ﴾، وما بمعنى الذي، ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ﴾ لما نظير ما تقدم، ﴿بِجَهَازِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿جَهَّزَهُمْ﴾، ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ جواب "لما"، و﴿السِّقَايَةَ﴾ نصب بـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾، ﴿فِي﴾ متعلقة أيضا بـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ نداء مفرد، و﴿الْعِيرُ﴾ نعت لأي والتقدير: يا أيتها العير، ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ مستأنف، ﴿عليهم﴾ متعلق بـ ﴿أقبلوا﴾، ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ ما استفهام في موضع رفع بالابتداء، وذا بمعنى: الذي ﴿تَفْقِدُونَ﴾ في صلة الذي، وذا
_________________
(١) كلمة مضاف في حاشية الصفحة وبعدها كلمة "العامل" ضرب عليها الناسخ.
(٢) ابن عطية، مرجع سابق، ٣/ ٢٧١. فخر الدين الرازي، مرجع سابق، ١٨/ ٤٨٦. أبو حيان، مرجع سابق، ٦/ ٣٠٢.
(٣) الفراهيدي، العين، مرجع سابق، ٨/ ٤٣٧. ابن دريد، مرجع سابق، ١/ ٢٥٠. الجوهري، مرجع سابق، ٦/ ٢٢٧٤.
(٤) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مرجع سابق، ١/ ١٥١. الفيومي، مرجع سابق، ١/ ٣٢. الزبيدي، مرجع سابق، ٣٧/ ١١٤.
(٥) ابن منظور، مرجع سابق، ٦/ ٢١. الزبيدي، مرجع سابق، ١٥/ ٤٣٤.
[ ٢٦٢ ]
و﴿تَفْقِدُونَ﴾ خبر ما، ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ نصب بـ ﴿تَفْقِدُونَ﴾ (١)، ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾، ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ رفع بالابتداء، ﴿وَلِمَنْ﴾ الخبر ومن بمعنى الذي، و﴿بِهِ﴾ متعلقة بـ ﴿جَاءَ﴾، ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ابتداء وخبر جملة معطوفة على جملة، و﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿زَعِيمٌ﴾، ﴿تَاللَّهِ﴾ قسم، والتاء بدل من الواو، ولا تدخل إلا في اسم الله بضعفها (٢) بكونها بدلا من بدل، إذ الواو بدلا من الباء، إذ هي الأصل لكثرتها فيه (٣)،
﴿لَقَدْ﴾ لام توكيد لجواب القسم، ﴿مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿لِنُفْسِدَ﴾ لام كي متعلقة بـ ﴿جِئْنَا﴾ وكذا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ ما نفي، والنون والألف اسم كان، و﴿سَارِقِينَ﴾ الخبر، ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ الفاء جواب إنكارهم، وما استفهام في موضع رفع بالابتداء، و﴿جَزَاؤُهُ﴾ الخبر، ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾، ﴿إِنْ﴾ حرف شرط، وجوابه ما تقدم، ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ﴾، ﴿جَزَاؤُهُ﴾ رفع بالابتداء وخبره محذوف تقديره جزاؤه رفع بالابتداء (٤) عندنا كجزائه عندكم (٥)، ويجوز أن يكون ﴿جَزَاؤُهُ﴾ مبتدأ و﴿مَنْ وُجِدَ﴾ مبتدأ ثانٍ، ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ خبر الثاني، والجملة خبر الأول (٦)، و﴿مَنْ﴾ شرط، وجوابه:
_________________
(١) كذا في الأصل "تفقدون" والصواب ﴿نَفْقِدُ﴾ ولعله تصحيف من الناسخ والله أعلم.
(٢) كذا بالأصل "بضعفها" والصواب باللام "لضعفها" لما يظهر من السياق.
(٣) ابن جني، سر صناعة الإعراب، ط ١، (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢١ هـ ٢٠٠٠ م)، ١/ ١٣٢. الأنباري، مرجع سابق، ١/ ٦٨ ..
(٤) كذا بالأصل "رفع بالابتداء" وهو تكرار يستقيم السياق بدونه.
(٥) النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق ٢/ ٢١٠.الأصبهاني، إعراب القرآن، ١/ ١٧٠.العكبري التبيان، مرجع سابق، ٢/ ٧٣٩.
(٦) الزجاج، مرجع سابق، ٧/ ٩٩.النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٣٣٨.القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٢/ ٩٧٧.الجوهري، مرجع سابق، ٣/ ١٠٥٩.
[ ٢٦٣ ]
﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ وإن شئت بمعنى الذي، والذي يعود على المبتدأ الأول ﴿جَزَاؤُهُ﴾ الثاني، والتقدير: فهو هو وأظهر الضمير كما أنشد سيبويه (١):
لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِير (٢)
ولم يقل (٣) سبقه ويجوز أن يكون ﴿جَزَاؤُهُ﴾ مبتدأ و﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ خبره والتقدير: جزاؤه استعباد من وجد في رحله (٤)، فهو كناية عن الاستقبال، وفي الجملة معنى التوكيد كما يقول جزاء من سرق القطع فهو جزاؤه، الهاء في قوله: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ تعود على السارق، وإن شئت على
_________________
(١) في (د) زيادة"عدي بن زيد". عدي بن زيد بن الحمار العبادي التميمي، النصراني: فجاهلي، من فحول الشعراء، وهو أحد الفحول الأربعة الذين هم: هو، وطرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة بن عبدة. وأما صاحب (الأغاني): فقيد جده: الخمار، بمعجمة مضمومة. وأظنه مات في الفترة .. المؤتلف والمختلف: ١١٦، المرزباني: ٢٥٣، تاريخ الإسلام ٤/ ١٥٠، طبقات ابن سلام: ٨٨، ٨٩، الاشتقاق: ٢٢٥، سمط اللآلي: ٣٠٩، البغدادي، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، مرجع سابق، ٤/ ٤٧٠، شرح الشواهد: ١٦٨، ابن قتيبة الدينوري، الشعر والشعراء، مرجع سابق، ٢/ ٦١٨، ٦٢١. الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ٥/ ١١٠. لعدي بن زيد في ديوانه ٦٥٨. سيبويه، مرجع سابق، ١/ ١٠٦.
(٢) كذا في الأصل "الفقير" بدون الألف والصواب ثبوتها"الفقيرا". وأصل البيت " لَا أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرَا" لثبوتها في المصادر التالية ومنها الجريرى النهرواني، أبو الفرج المعافى بن زكريا بن يحيى (ت: ٣٩٠ هـ) الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي، ت: عبد الكريم سامي الجندي، ط ١، (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢٦ هـ-٢٠٠٥ م)، ١/ ٥٢١. ابن منظور، مرجع سابق، ٧/ ٩٩. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لعدي بن زيد وَقيل لِابْنِهِ سوَاده بن عدي وَالصَّحِيح الأول وأولها (طالَ لَيلي أُراقِبُ التنويرا أَرقُبُ الصُّبحَ بالصَّباحِ بَصِيرا.) البغدادي، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، مرجع سابق،٦/ ٩٠ و١١/ ٣٦٦.ابن هشام، مرجع سابق، ٢/ ٥٠٠.
(٣) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٣/ ٨٢. الأصبهاني، مرجع سابق، ١/ ٥٣١.الباقولي، مرجع سابق، ٣/ ٩١٣.
(٤) الفيروزآبادى، تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، مرجع سابق، ١/ ٢٠١.تفسير القرآن العظيم المنسوب للإمام الطبراني، ٣/ ٤٧٢.
[ ٢٦٤ ]
المسروق (١)، والهاء الثانية في ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ﴾ تقول (٢) أيضا: على السارق أو على المسروق (٣)، وكذلك ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾، والهاء في ﴿رَحْلِهِ﴾ تعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ الكاف في موضع نصب (٤)، أي: نجزي الظالمين جزاءً كذلك (٥)، والإشارة بذلك إلى الحكم.
القولُ في القراءةِ:
قرأ أهل الكوفة برفع ﴿دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بتنوين ﴿دَرَجَاتٍ﴾، الباقون بإضافتها إلى ﴿مَنْ﴾ (٦)، فمن نوَّن كانت ﴿مَنْ﴾ في موضع نصب تكون مفعولًا ثانيًا لنرفع، ومن لم ينوِّن أضاف درجاتٍ إلى ﴿مَنْ﴾.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم ولما دخل ولد يعقوب على يوسف ضم إليه أخاه، قال السدي: لما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه، قال عرف أخاه فأنزلهم منزلا، وأجرى عليهم الطعام والشراب فلما كان الليل
_________________
(١) ابن عادل، مرجع سابق، ١/ ٣٠٠٧. " جَزَاؤهُ " مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: جزاؤه عندنا كجزائه عندكم، والهاء تعود على السَّارقِ، أو على المسروق، وفي الكلام المتقدِّم دليل عليهما.
(٢) كذا في الأصل ولعل الصواب "تعود" لاستقامة المعنى والله تعالى أعلم.
(٣) الواحدي، مرجع سابق، ١٨/ ٤٨٨.
(٤) ابن عادل، مرجع سابق، ١/ ٣٠٠٧.
(٥) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١٠. القيسي، مشكل إعراب القرآن، مرجع سابق، ١/ ٣٢٩.
(٦) ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٢٦١ - ٢٦٢. النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١١، ٢١٠. ابن خالويه، كتاب السبعة في القراءات، مرجع سابق، ص ٣٣٦.
[ ٢٦٥ ]
جاءهم بمثل ذلك فقال: لينم كل أخوين منكم على مِثَال (١)، فلما بقي الغلام وحده قال يوسف: هذا ينام معي على فراشي، فبات معه، فجعل يوسف يشم رائحته ويضمه إليه، حتى أصبح، وجعل روبيل يقول: ما رأينا مثل هذا أريحونا منه (٢)، وروي عن ابن إسحاق قال: فأنزلهم منازل شتى، وأنزل أخاه معه فآواه إليه، فلما خلا به قال: إني أنا أخوك أنا يوسف فلا تبتئس بشيء فعلوه بنا فيما مضى، فإن الله أحسن إلينا، ولا تعلمهم شيئا مما أعلمتك (٣)، وقال عمر بن ذر (٤):
لما دخل إخوة يوسف عليه، احتبسه فأقبل يحدثه، فقال له يوسف: أكل هؤلاء إخوتك لأبيك؟ قال: نعم، قال: فما لك أخ من أمك؟ قال: كان لي أخ، يقال له يوسف: قال فما فعل؟ قال: أكله الذئب، قال فهل حزن عليه والده يعقوب؟ قال: نعم، حزنا شديدا، قال: وما بلغ من حزنه؟ قال: ذهب بصره فهو كظيم، قال: فهل حزنت أنت عليه؟ قال: نعم حزنًا شديدا، قال: فهل تزوجت؟ قال: نعم، قال: وهل يتزوج المحزون؟ قال: الشيخ يعقوب أمرني بذلك، قال: يا بني تزوج لعله أن يولد لك من
_________________
(١) فائدة: مُثُلٌ: هي جَمع مِثَال وهو الفِراش. والمِثَالُ: حجَر قد نُقِر في وجهه نَقْرٌ على خِلْقة السِّمَة سواء، فَيُجعلُ فيه طَرَفُ الْعمودِ أَو المُلْمُول المُضَهَّب، فَلَا يَزَالُونَ يَحْنون مِنْهُ بأَرْفَق مَا يَكُونُ حَتَّى يَدخل المِثال فِيهِ فَيَكُونُ مِثْله. والأَمْثال: أَرَضُون ذاتُ جِبَالٍ يُشْبِهُ بعضُها بَعْضًا وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ أَمْثَالًا وَهِيَ مِنَ البَصرة عَلَى لَيْلَتَيْنِ ابن منظور، مرجع سابق، ١١/ ٦١٦. (م ث ل).
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٦٩.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٤٢. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧٠، ٢١٧١. فائدة: إن المؤمن عندما يبتلى بالشر لا يفقد إيمانه وثقته بالله بل يبقى ينظر إلى الأمور بالمنظار الأبيض، ويبعد عن نفسه الشعور بالإحباط واليأس والإبتئاس ما دام ينتظر الفرج من الله بصبر واحتساب. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٦٨٦.
(٤) عمر بن ذَر بن عبد الله أَبُو ذَر الْهَمدَانِي المرهبي الكوفي، وَقَالَ البُخَارِيّ: "قَالَ أَبُو نعيم مَاتَ سنة ١٥٦ هـ .. " البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة ت ٢٥٦ هـ، التاريخ الكبير، مرجع سابق،٦/ ١٥٤. ابن حنبل، موسوعة أقوال الإمام أحمد في رجال الحديث وعلله، جمع وترتيب: السيد أبو المعاطي النوري وأحمد عبد الرزاق عيد ومحمود محمد خليل،ط ١ (الرياض -عالم الكتب، ١٤١٧ هـ/١٩٩٧ م)، ٥/ ١١. الذهبي، تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام،ت: الدكتور بشار عوّاد معروف، ط ١ (لبنان-بيروت، دار الغرب الإسلامي ٢٠٠٣ م) ٤/ ١٦٠.
[ ٢٦٦ ]
يثقل الأرض بتسبيحه، وقولُهُ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ أي: فلا تستكن ولا تحزن (١) لشيء سلف من إخوتك إليك في نفسك وفي أخيك من أمك وما كانوا يفعلونه بك قبل اليوم (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: لما حمل يوسف إبل إخوته ما حملها من الميرة، وقضى حاجتهم (٣)، جعل الإناء الذي كان يكيل به الطعام ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾، "والسقاية": المشْرَبة، وهي الإناء الذي كان يشرب فيه الملك، ويكيل به الطعام (٤)، قال الحسن: الصواع والسقاية سواء، هو الإناء يشرب فيه (٥)، وهو قول مجاهد (٦) وقتادة (٧) وابن عباس (٨) والضحاك (٩) وابن زيد (١٠). ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ في متاع أخيه (١١) ابن أمه وأبيه: وهو بنيامين، ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أي: نادى منادٍ، وقيل: أعلم مُعْلِم، ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ وهي: القافلة فيها الأجمال، ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (١٢) قال ابن إسحاق: ثم جهزهم بجهازهم، وأكرمهم وأعطاهم، فأوفاهم، وحمل لهم بعيرًا بعيرًا، وحمل لأخيه بعيرًا باسمه، كما حمل لهم، ثم أمر بسقاية الملك وهو: الصواع، وزعموا أنها كانت من فضة، فجعلت
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٤٣. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧٠.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٤٤. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٣٨.
(٣) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧١.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٧٢.
(٥) ابن جرير، تاريخ الرسل والملوك، مرجع سابق، ١/ ٣٥٢.، وتفسيره، مرجع سابق، ١٦/ ١٧٢.
(٦) مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٩٩. ابن أبي حاتم، المرجع السابق.
(٧) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٥.
(٨) ابن أبي حاتم، المرجع السابق.
(٩) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٧٣.القنوجي، مرجع سابق، ٦/ ٣٧٤.
(١٠) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧١.
(١١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٧٣. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ١٧٢.
(١٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٧٣.الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٢٠.
[ ٢٦٧ ]
﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ بنيامين، ثم أمهلهم حتى إذا انطلقوا وأمعنوا (١)
من القرية، أمر بهم فأُدركوا فاحتبسوا، ثم نادى منادي (٢) ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قفوا، وانتهى إليهم رسوله، فقال لهم فيما يذكرون: ألم نكرم ضيافتكم ونوفكم كيلكم ونحسن منزلتكم ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم، وأدخلناكم علينا في بيوتنا ومنازلنا أو كما قال لهم؟، قالوا: بلى، وما ذاك؟ قال: سقاية الملك فقدناها ولا نتهم عليها غيركم (٣)، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ (٤)، وحُكيَ عن مجاهد: أن عير بني يعقوب كانت حميرًا (٥)، ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عليهم مَاذَا تَفْقِدُونَ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ قال بنو يعقوب لما نودوا ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ أي: أقبلوا على المنادي ومن بحضرتهم يقولون لهم: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ فقال القوم: ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾، مشربة الملك (٦)، قيل: كان كهيئة المكوك، وكان للعباس مثله في الجاهلية يشرب فيه (٧)، وقوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ
_________________
(١) أمعنوا: ابتعدوا. وأمعنوا في بلد العدو وفي الطلب أي جدوا وأبعدوا. وأمعن الرجل: هرب وتباعد. ابن منظور، مرجع سابق، ١٣/ ٤٠٩. (فصل الميم) ..
(٢) في الأصل "منادي"ولعل الصواب "مناد" وذلك لأنه فاعل حكمه الرفع وهو اسم منقوص تحذف ياؤه عند الرفع ويدخل عليه التنوين مثل غواش.
(٣) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧٢ - ٢١٧٣.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٧٤.ابن أبي حاتم، المرجع السابق.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٧٤.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧٢،٢١٨٣.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٣٩.
(٦) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٥.
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٧٦.النحاس، معاني القرآن الكريم، مرجع سابق، ٣/ ٤٤٤.السمرقندي، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٣.
[ ٢٦٨ ]
بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي: ولمن جاء بالصاع حمل بعير من الطعام أي: وقر بعير (١)
وقوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أي: أنا بأن أوفيه حمل بعير إذا جاء به كفيل، والزعيم بمعنى الكفيل (٢)، مثل قول الشاعر (٣):
فَلَسْتُ بِآمِرٍ فِيهَا سليم (٤) وَلَكِنِّي عَلَى نَفْسِي زَعِيمُ
وأصله في كلام العرب: القائم بأمر القوم، ولذلك قيل لرئيس القوم زعيمهم ومدبرهم (٥)، ولهذا جاء الخبر عن واحد في قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾ وهم جماعة، لأنه قصد الرئيس والقيّم بأمرهم.
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ أي: قال إخوة يوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لنعصيَ في أرضكم (٦)، فإن قال قائل: وما كان
_________________
(١) مقاتل، مرجع سابق، ٢/ ٣٤٤.ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٧٧.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧٤ ..
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٧٩. الزجاج، مرجع سابق، ٥/ ٢١٠. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ١٢/ ٥٨٢.فائدة: من الأحكام الشرعية: جواز الجعل للضرورة، وهذه جعالة بذلت للواجد لمشروعية إعطاء المكافئات لمن يقوم بعمل معين، وهي الجعالة في الفقه، مشروعية الكفالة، والكفيل غارم وفيه لا يشترط في عقد الجعل حضور المتعاقدين كسائر العقود. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٧٠٠.
(٣) في (د) "مؤسى الأزدي". هو لحاجز بن عوف. حاجز بن عوف بن الحارث الأزدي من الأزد، شاعر جاهلي مقل من شعراء اللصوص المغيرين العدائين الذين يدركون الخيل عدوًا ومن العرب الذين كانوا يغزون على أرجلهم توفي قبيل الإسلام بفترة قصيرة، الزركلي، مرجع سابق، ٢/ ١٥٣. وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة: " وقال المؤسى الأزدي"، وقال الشيخ شاكر تعليقًا على الطبري: أخشى أن يكون" المؤسى" تصحيف لنسبته، وهي" السروى"، نسبة إلى" السراة" وهي جبال الأزد. أبوعبيدة، مرجع سابق ١/ ٣١٥. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٨٠.
(٤) كذا في الأصل والصواب والله أعلم "بِسَلْمٍ" لاستقامة المعنى ولثبوتها في، أبي عبيدة، مجاز القرآن، ١/ ٣١٥. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٨٠. "فَلَسْتُ بِآمِرٍ فِيهَا بِسَلْمٍ وَلَكِنِّي عَلَى نَفْسِي زَعِيمٌ".
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٥٥. زعم فلان زعامة وزعامًا، ومن قول ليلى الأخيلية: حتى إذا برز اللواء رأيته تحت اللواء على الخميس زعيما ". والبيت في ديوان حميد بن ثور ص ١٣١.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٤٠.
(٦) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧٤.
[ ٢٦٩ ]
علم من قيل له ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ بأنهم لم يجيئوا لذلك، حتى استجاز قائلوا ذلك أن يقولوه، قيل استجازوا أن يقولوا ذلك، لأنهم فيما ذكر ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم، فقالوا: لو كنا سراقًا لم نرد عليكم البضاعة التي وجدناها في رحالنا، وقيل: إنهم كانوا قد عرفوا في طريقهم ومسيرهم أنهم لا يظلمون أحدا، ولا يتناولون ما ليس لهم، فقالوا ذلك حين قيل لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (١).
وقوله تعالى: قَالُوا: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي: قال: أصحاب يوسف لإخوته: فما ثواب السارق إن كنتم كاذبين في قولكم: ﴿مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ قال إخوة يوسف: ثواب من وجد في رحله السرق، أن يسلم بسرقته إلى من سرق منه حتى يسترقه، كذلك نفعل بمن ظلم، فيفعل ماليس له فعله من أخذه مال غيره سرقا (٢)، ومعنى الكلام: ثواب السرق الموجود في رحله كأنه قيل: ثوابه استرقاق الموجود في رحله، ثم حذف استرقاق إذ كان معروفا معناه، ثم ابتدأ الكلام فقيل: فهو جزاؤه ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، ويحتمل أن يكون معناه قالوا: ثواب السرق الذي يوجد السرق في رحله، فالسارق جزاؤه الاستعباد، وكانت هذه سنتهم في السارق: أن يستعبد (٣).
وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه حسن التدبير من بلوغ المحاب في النفس والحميم والأخ القريب بالاجتماع على الحال الجميلة والمنزلة الجليلة، والبيان عما يوجبه التلطف في بلوغ المراد من إيقاع الأسباب التي تؤدي إليه ويبعث عليه مما يخفى على كثير من الناس موقعه ولا يتبن لهم وجهه: لأنه أنفذ له وأنجح للمطلوب منه، والبيان عما يوجبه حال بهت الإنسان بأخذ ما لم يأخذ من الاستفهام للتثبت في الأمر وترك الإسراع إلى مالا يجوز من القول، والبيان عما يوجبه الحرص على وجدان ما ضاع من تضمن الجعل لمن جاء به ليجدَّ في طلبه رغبة فيما ضمن عليه، والبيان عما يوجبه براءة القوم بما قذفوا به من الإحالة على ظاهر حالهم وما يعلم من سداد طريقتهم بالأحوال
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٥٦.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٨٢. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧٤، ٢١٧٥.
(٣) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧٤. الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٢١.
[ ٢٧٠ ]
الدالة والآثار الشاهدة، والبيان عما يوجبه الكذب من الجزاء بالشر بالذم والضر، والبيان عما يوجبه السرقة من المذلة بالعقوبة وسقوط المحل بالفضيحة إلّا أن يرجع إلى تهمة من غير حقيقة.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ صالح (١)، وكذا ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، فِي ﴿رَحْلِ أَخِيهِ﴾ صالح (٣)، وكذا ﴿لَسَارِقُونَ﴾ (٤)، وكذا ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ (٥)، وكذا ﴿زَعِيمٌ﴾ (٦)، وكذا ﴿سَارِقِينَ﴾ (٧)، وكذا ﴿نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (٨).
وقولُهُ ﷿:
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ
_________________
(١) الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٥.
(٢) وعند الأشموني كاف، المرجع السابق.
(٣) الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٥. قال: جائز عند نافع الأشموني، المرجع السابق.
(٤) قال: تام الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٨. قال: حسن، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. قال: كاف، الأشموني، المرجع السابق.
(٥) قال: كاف الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
(٦) قال: كاف، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
(٧) وقال: كاف، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
(٨) قال: كاف، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
[ ٢٧١ ]
إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾
﴿فَبَدَأَ﴾ الفاء جواب ما أخبر به مما تقدم، وبدأ إذا كان بمعنى الابتداء كان مهموزا، وإن كان بمعنى الظهور كان غير مهموز (١) ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ متعلق بـ بدأ ﴿قَبْلَ﴾ ظرف العامل فيه بدأ، ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف، ﴿اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿اسْتَخْرَجَهَا﴾ والهاء في ﴿اسْتَخْرَجَهَا﴾ تعود على ﴿السِّقَايَةَ﴾ أو على الصواع وهو يذكر ويؤنث (٢)، ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف من ﴿كَذَلِكَ﴾ في موضع نصب (٣) أي: استخراجًا كذلك، فالإشارة بذلك: إلى ما ذكر من هذا التسبب ومصرف الأحوال، ﴿كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ اللام متعلقة بـ ﴿كِدْنَا﴾، والأصل في ﴿كِدْنَا﴾ كيدنا نقلت حركة الياء إلى الكاف، فسكنت الياء وبعدها الدال ساكنة، لاتصالها بالضمير المرفوع، فحذفت لالتقاء الساكنين، ﴿مَا كَانَ لِيَاخُذَ﴾، ﴿مَا﴾ حرف نفي، ﴿لِيَاخُذَ﴾ نصب بلام النفي، وهي متعلقة بفعل محذوف، وبتقديره: ما كان استقراره، ﴿لِيَاخُذ أَخَاهُ﴾ نصب بـ يأخذ، ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾، ﴿فِي﴾ متعلقة بـ يأخذ، ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ في موضع نصب بـ يأخذ بتقدير: إلا بأن يشاء الله (٤)،
وحذفت الباء لطول الاسم بالصلة، ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ
_________________
(١) كان غير مهموز كان بمعنى الابتداء كان أوعيتهم متعلق بـ "بدأ" كذا في الأصل وفيه تكرار. ابن سيده، المحكم والمحيط الأعظم ت: ابن سيده عبد الحميد هنداوي، ط ١، (بيروت: دار الكتب العلمية،١٤٢١ هـ-٢٠٠٠ م) ٩/ ٣٨٣. الزبيدي، مرجع سابق، ٣٧/ ١٤٦.ابن دريد، مرجع سابق، ٢/ ٧١. ابن منظور، مرجع سابق، ١٤/ ٦٥.
(٢) ابن جني، المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، مرجع سابق، ١/ ٣٤٥. الفيروزآبادى، القاموس المحيط، مرجع سابق، ١/ ٩٥٥.
(٣) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٣٣٩.درويش، مرجع سابق، ٥/ ٢٩.
(٤) الخراط، مرجع سابق، ١/ ٣٩٢ ..
[ ٢٧٢ ]
نَشَاءُ﴾، ﴿دَرَجَاتٍ﴾ نصب بـ ﴿نَرْفَعُ﴾ وعلامة النصب: كسرة التاء، وهي مضافة إلى ﴿مَنْ﴾، و﴿مَنْ﴾ بمعنى الذي، هذه أكثر القراءة، وقرأ أهل الكوفة بتنوين درجات، فتكون ﴿مَنْ﴾ على هذا في موضع نصب بـ ﴿نَرْفَعُ﴾ ويتعدى إلى مفعولين، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿عَلِيمٌ﴾ رفع بالابتداء، والخبر فوق وهو ظرف نصبه بمعنى الاستقرار، ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، ﴿إِنْ﴾ حرف شرط، والفاء جواب الشرط، و﴿أَخٌ﴾ رفع بـ ﴿سَرَقَ﴾، و﴿لَهُ﴾ و﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلقان بـ ﴿سَرَقَ﴾، في موضع النعت للأخ، ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ الفاء جواب ما أخبر به من قولهم، والهاء والألف نصب بأسرها عائدتان على الكلمة أو المقالة (١)، ﴿يُوسُفُ﴾ رفع بأسَرَّ و﴿فِي﴾ متعلق بـ أسرّ، ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا﴾ جزم بـ ﴿لَمْ﴾ فالهاء والألف نظير ما تقدم، و﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ يبدي، وهو من أبدى يبدي إذا أظهر (٢)، ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ ابتداء وخبر، و﴿مَكَانًا﴾ نصب على البيان (٣)، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ ابتداء وخبر، والباء متعلقة بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ نداء مفرد، و﴿الْعَزِيزُ﴾ نعت لأي، ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ (٤) اسم ﴿إِنَّ﴾، و﴿لَهُ﴾ الخبر متعلق بمعنى
_________________
(١) الخراط، المرجع السابق.
(٢) العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٤٠.
(٣) يقصد -﵀- بالبيان "التمييز الملحوظ".العكبري، مرجع سابق، ٢/ ٧٤١. القيسي، مشكل إعراب القرآن، مرجع سابق، ١/ ٣٩٣.
(٤) كذا في الأصل والصواب ﴿أَبًا﴾ اسم إن لاستقامة المعنى ولعله تصحيف من الناسخ والله تعالى أعلم.
[ ٢٧٣ ]
الاستقرار، لا يجوز تقدير إظهاره لأن لا يلي إن، وكسرت ﴿إِنَّ﴾ لأنها بعد القول، و﴿كَبِيرًا﴾ نعت لشيخ، أو بدل، وشيخ يجمع على أشياخ وشيوخ ومشيخة ومشوخا وشيخان، ولك أن تجمع أشياخا على أشاييخ وأشايخ (١)، كما تقول: أقوام وأقاويم وأقاوم، ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ الفاء جواب قولهم، فخذ من أحدنا، نصب بـ "خُذ"، ﴿مَكَانَهُ﴾ نصب بـ ﴿فَخُذْ﴾ أي: بدلا منه، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿مِنَ﴾ متعلقة بـ ﴿نَرَاكَ﴾، ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ مصدر (٢)، أي: أعوذ بالله عياذا ومعاذا (٣)، ﴿أَنْ نَاخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾، ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب بأعوذ، ﴿إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا﴾، ﴿مَنْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿نَاخُذَ﴾، و﴿مَنْ﴾ بمعنى الذي، ﴿عِنْدَهُ﴾ متعلق بـ ﴿وَجَدْنَا﴾، ﴿مَتَاعَنَا﴾ نصب بـ ﴿وَجَدْنَا﴾، ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ لام توكيد في موضع خبر "إن"، و﴿إِذًا﴾ ملغاة لتوسطها، وهي على الجواب (٤)، ويقال معاذ الله ومعاذه الله (٥) وعوذ الله وعياذ الله (٦).
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم ففتش يوسف أوعيتهم ورحالهم طلبًا بذلك صواع الملك، فبدأ في تفتيشه بأوعية إخوته من أبيه، فجعل يفتشها وعاءً وعاءً قبل وعاء أخيه من أبيه وأمه، فإنه أخّر تفتيشه، ثم فتش
_________________
(١) ابن دريد، مرجع سابق، ١/ ٣١٨. الزبيدي، مرجع سابق، ٧/ ٢٨٧. ابن منظور، مرجع سابق، ٣/ ٣١.
(٢) العكبري، المرجع السابق.
(٣) الزمخشري، أساس البلاغة، مرجع سابق، ١/ ٣٢٥.الجوهري، مرجع سابق، ٢/ ٤.الفيروزآبادى، القاموس المحيط، مرجع سابق، ١/ ٤٢٨.
(٤) الخراط، مرجع سابق، ١/ ٤٤١. الأبياري، مرجع سابق، ١/ ٤٤٢٩.
(٥) في (د) زيادة"وعوذ الله".
(٦) ابن سيده، المخصص، مرجع سابق، ٣/ ٤٦١. ابن منظور، مرجع سابق، ٣/ ٤٩٨. الزبيدي، مرجع سابق، ٩/ ٤٤١.
[ ٢٧٤ ]
آخرها وعاء أخيه، فاستخرج الصواع من وعاء أخيه، قال قتادة: ذكر لنا أنه كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثما مما قذفهم به حتى بلغ متاع الغلام، فقال: ما أظن هذا أخذ شيئا، قالوا: بلى فاستبرئه (١)، وقاله أيضا السدي (٢) ومعنى قول ابن إسحاق وابن جريج (٣)، وقولُهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا﴾ يقول: هكذا صنعنا ليوسف (٤) حتى نخلّص أخاه لأبيه وأمه من إخوته لأبيه، بإقرار منهم أنَّ له أن يأخذه منه ويحبسه في يديه ويحول بينه وبينهم، وذلك أنهم قالوا جزاء من سرق الصواع أن من وجد ذلك في رحله فهو مسترق به، وذلك كان حكمهم وفي دينهم، فكاد الله ليوسف كما وصف لنا حتى أخذه أخاه منهم فصار عنده بحكمهم وصنع الله له (٥)، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: ما كان يوسف ليأخذ أخاه في حكم ملك مصر وقضائه وطاعته منهم، لأنه لم يكن من حكم ذلك الملك وقضائه أن يسترق أحد بالسرق (٦)، فلم يكن ليوسف أخذ أخيه في حكم ملك أرضه إلا أن يشاء الله ذلك بكيده الذي كاده له، حتى أسلم من وجد في وعائه الصواع إخوته ورفقاؤه بحكمهم عليه وطيب أنفسهم بالتسليم بنحو ذلك قال مجاهد (٧)
وابن جريج والسدي والضحاك، وفِي دِينِ الْمَلِكِ أي: في سلطان الملك (٨) قاله ابن عباس والضحاك، وقال قتادة وابن جريج: في قضائه وحكمه (٩)، قال ابن زيد: ليس في دين الملك أن يؤخذ السارق بسرقته، وكان
_________________
(١) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٦،٣٢٥. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٨٤.
(٢) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧٥.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٨٥.
(٤) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧٦.
(٥) مقاتل، مرجع سابق، ٢/ ٣٤٥.ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٦٢. ابن أبي حاتم، المرجع السابق.
(٦) ابن أبي حاتم، المرجع السابق.
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ١٨٧ ..
(٨) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٨٨. ابن أبي حاتم، المرجع السابق. السمرقندي، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٤.
(٩) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٦.
[ ٢٧٥ ]
الحكم عند الأنبياء يعقوب وبنيه: أن يُؤْخَذ السارق بسرقته عبدًا يسترق (١)، وأصل الدين الطاعة والعادة، قال الشاعر (٢):
تَقُولُ إِذَا دَرَاتُ لَهَا وَضِينِي أَهَذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِينِي (٣)
أي هذا عادته أبدا وعادتي، وقولُهُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ قال السدي (٤): صنعناه له بأنهم قالوا: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾. وقال مجاهد: إلا بعلة كادها الله فأعلم بها يوسف. ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ مراتب ودرجات في العلم على غيره، كما رفعنا يوسف، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، أي: وفوق كل عالم من هو أعلم منه، حتى ينتهي ذلك إلى الله ﵎، وإنما عنى بذلك أن يوسف أعلم من إخوته، وأن فوق (٥) يوسف من هو أعلم منه، حتى ينتهي إلى الله ﷿، وروى محمد بن كعب قال: سأل رجل عليًا (٦)
_________________
(١) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧٤.
(٢) في (د) زيادة"المثقب العبدي". البيت للمُثَقِّب العَبْدي. وهو العائذ بن محصن بن ثعلبة، من بني عبد القيس، من ربيعة: شاعر جاهلي، من أهل البحرين. (نحو ٣٥ ق هـ = نحو ٥٨٨ م). ابن قتيبة الدينوري، والشعر والشعراء، مرجع سابق، ١/ ٣٨٣. الزركلي، مرجع سابق، ٣/ ٢٩٣. يذكر ناقته وهو في ديوانه ص ١٩٥. ودرأ الوضين لناقته: بسطه على الأرض، ثم أبركها عليه ليشد عليها رحلها. والوضين: حزام عريض من جلد منسوج يشد به رحل البعير. والدين: الدأب والعادة. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ١٤/ ١٥٩.ابن منظور، مرجع سابق، ١٣/ ١٦٩. ابن فارس، مجمل اللغة، مرجع سابق، ٢/ ٢٦٦. ابن جرير، مرجع سابق، ٢/ ٥٤٨.
(٣) ابن دريد، مرجع سابق، ٢/ ٩١٣. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ١٤/ ١١٣.الجوهري، مرجع سابق، ٦/ ٢٢١٤.
(٤) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧٦.
(٥) في المتن كلمة"قوم" وفي هامش النسخة "لعله فوق" فتكون العبارة "أن فوق يوسف من هو أعلم منه".
(٦) علي بن أبي طالب ولد بمكة، تربى في حجر النبي ﷺ، واسمه عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، أبو الحسن الهاشمي أمير المؤمنين ابن عم رسول الله ﷺ رابع الخلفاء الراشدين، إغتاله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي في ١٧ رمضان عام ٤٠ هـ. ابن عبد البر، مرجع سابق، ٣/ ١٠٨٩. ابن عساكر، مرجع سابق، ٤/ ٣٤٥.المزي، مرجع سابق، ٢٠/ ٤٧٢.
[ ٢٧٦ ]
﵇ (١) عن مسألة، فقال فيها، فقال الرجل: ليس هكذا ولكن كذا وكذا، قال علي﵇: أصبتَ وأخطأتُ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) فإن قال قائل: كيف كان ليوسف أن يجعل ﴿السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾، ثم يُسَرِّق قومًا أبرياء من السّرَق فيقول: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ
_________________
(١) فائدة: هل تجوز الصلاة والسلام على غير الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) استقلالا أم لا؟ أولًا: اختلف العلماء في الصلاة على غير الأنبياء-عليهم الصلاة والسلام-هل تجوز استقلالا أم لا؟ فقال ابن القيم في جلاء الأفهام: هذه المسألة على نوعين، أحدهما أن يقال اللهم صل على آل محمد، فهذا يجوز ويكون - ﷺ - داخلا في آله فالإفراد عنه وقع في اللفظ لا في المعنى. ثانيًا: أن يفرد واحد بالذكر كقوله اللهم صلِ على علي أو حسن أو أبي بكر أو غيرهم من الصحابة ومن بعدهم، فكره ذلك مالك، قال لم يكن ذلك من عمل من مضى، وهو مذهب أبي حنيفة وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وبه قال طاوس. وقال ابن عباس﵄: لا تنبغي الصلاة إلا على النبيﷺ- ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالاستغفار، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز. روى ابن أبي شيبة عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز: (أما بعد فإن ناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة وإن من القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل صلاتهم على النبي - ﷺ - فإذا جاء كتابي فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة) وهذا مذهب أصحاب الشافعي، ولهم ثلاثة أوجه: أنه منع تحريم أو كراهة تنزيه أو من باب ترك الأولى وليس، بمكروه، حكاها النووي في الأذكار. وقالت طائفة من العلماء: تجوز الصلاة على غير النبي استقلالا. قال القاضي أبو حسين الفراء من أئمة أصحابنا في رءوس مسائله: وبذلك قال الحسن البصري وحصيف ومجاهد ومقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان وكثير من أهل التفسير، وهو قول الإمام أحمد - ﵁ - مضى عليه في رواية أبي داود وقد سئل أينبغي أن يصلى على أحد إلا على النبي - ﷺ -؟ قال: أليس قال علي لعمر صلى الله عليك؟ قال القاضي: وبه قال إسحاق بن راهويه وأبو ثور ومحمد بن جرير الطبري، واحتج هؤلاء بصلاة النبي - ﷺ - على جماعة من أصحابه ممن كان يأتيه بالصدقة واختار ابن القيم الجواز ما لم يتخذه شعارا أو يخص به واحدا إذا ذكر دون غيره ولو كان أفضل منه، كفعل الرافضة مع علي دون غيره من الصحابة فيكره، ولو قيل حينئذ بالتحريم لكان له وجه، هذا ملخص كلامه ﵀. السفاريني، أبو العون شمس الدين محمد بن أحمد بن سالم الحنبلي (ت: ١١٨٨ هـ)، غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، ط ٢، (مصر: مؤسسة قرطبة، ١٤١٤ هـ/١٩٩٣ م)، ١/ ٣٢.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٩٢.
[ ٢٧٧ ]
لَسَارِقُونَ﴾ قيل: إن قوله: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، إنما هو خبَرٌ من الله ﵎ عن مؤذِّن أذَّن به، لا خبر عن يوسف، وجائز أن يكون المؤذِّن أذَّن بذلك إذ فَقَد الصُّواع من غير أمر يوسف إياه بذلك، وهو يحسب أن القوم سرقوه، ولا يعلم صنيع يوسف وجائز أن يكون كان أذان المؤذن عن أمر يوسف، واستجاز الأمر بالنداء بذلك، لعلمه بهم أنهم قد كانوا سرقوا سَرِقةً في بعض الأحوال، فأمر المؤذن أن يناديهم بوصفهم بالسَّرق، ويوسف يعني ذلك السَّرق لا سَرَقهم الصُّواع، وقيل: تأويل ذلك كان خطأ من فعل يوسف، فعاقبه الله بإجابة القوم إيّاه (١): ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قَالُوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ "يعنون أخاه لأبيه وأمه، وهو يوسف (٢)، واختلف في" السَّرَق " الذي وُصِف به يوسف، فقال سعيد بن جبير (٣) وقتادة (٤) وابن جريج (٥): صَنَمًا لجده أبي أمه، كسره وألقاه في الطريق، وقال ابن إدريس (٦) عن أبيه قال كان: يعقوب على طعام، إذْ نظرَ يوسف إلى عَرْق (٧)
_________________
(١) ابن جرير، المرجع السابق.
(٢) مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٩٩. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٧١.
(٣) ابن جرير، تاريخ الرسل والملوك، مرجع سابق، ١/ ٣٥٤. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧٧.
(٤) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٦.
(٥) ابن جرير، تاريخ الرسل والملوك، مرجع سابق، ١/ ٣٥١.
(٦) عبد الله بن إدريس الأودي أبو محمد، الإمام، الحافظ، المقرئ، القدوة، شيخ الإسلام، الكوفي. ولد: سنة عشرين ومائة. وحدث عن: أبيه. الشيباني، مرجع سابق،١/ ٢٩٠. ابن الخليل القزويني، أبو يعلى خليل بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم (ت: ٤٤٦ هـ)، الإرشاد في معرفة علماء الحديث، ت: د. محمد سعيد عمر إدريس، ط ١، (الرياض: مكتبة الرشد، ١٤٠٩ هـ)، ١/ ٢١٣. الزركلي، مرجع سابق، ٤/ ٧١.
(٧) العَرْقُ: بِالسُّكُونِ: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم وهبره وبقي عليها لحوم رقيقة طيبة فتكسر وتطبخ وتؤخذ إهالتها من طفاحتها، ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق وتتمشش العظام، ولحمها من أطيب اللحمان عندهم؛ وجمعه عراق؛ قال ابن الأثير: وهو جمع نادر. يقال: عرقت العظم وتعرقته إذا أخذت اللحم عنه بأسنانك نهشا. وعظم معروق إذا ألقي عنه لحمه؛ وأنشد أبو عبيد لبعض الشعراء يخاطب امرأته: وَلَا تُهْدِي الأَمَرَّ وَمَا يَليهِ،.وَلَا تُهْدِنَّ مَعْروقَ العِظامِ. قال الجوهري: والعَرْقُ مَصْدَرُ قَوْلِكَ عَرَقْتُ الْعَظْمَ أَعْرُقُه، بِالضَّمِّ، عَرْقًا ومَعْرقًا. ابن منظور، مرجع سابق، ١٠/ ٢٤٤ ..
[ ٢٧٨ ]
فخبأه فعيّروه به (١)، وروي عن مجاهد قال: كان أوّل ما دخل على يوسف من البلاء، فيما بلغني أن عَمَّته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت إليها منطقة إسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر، فكان من اختانها ممن وليها كان له سَلَمًا لا ينازع فيه، يصنع فيه ما شاء. وكان يعقوب حين وُلِد له يوسف، كان قد حضَنته عَمَّتُهُ فكان معها وإليها، فلم تحبَّ شيئًا من الأشياء حُبَّهَا إياه، حتى إذا ترعرع وبلغ سنواتٍ، ووقعت نفس يعقوب عليه أتاها فقال: يا أخيَّة سلّمي إليّ يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة! قالت: فوالله ما أنا بتاركته، والله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة فقال: والله ما أنا بتاركه! قالت: فدعه عندي أيامًا أنظر إليه وأسكن عنه، لعل ذلك يسلّيني عنه، أو كما قالت. فلما خرج من عندها إلى يعقوب عمدت إلى مِنْطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت مِنْطقة إسحاق، فينظروا من أخذها ومن أصابها؟ فالتُمِسَتْ، ثم قالت: كشِّفوا أهل البيت فكشفوهم، فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه لي لسَلَمٌ، أصنع فيه ما شئت. قال: وأتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذلك إن كان فعل ذاك، فهو سَلَمٌ لك، ما أستطيع غير ذلك. فأمسكته فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت. قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٢) وقولُهُ: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ أي: فأضمرها يعني الكلمة، و﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ (٣)
وكنى عن الكلمة ولم يجر لها ذكر متقدِّم، لأن العرب تفعل ذلك كثيرا إذا كان مفهوم المعنى المراد عند سامعي الكلام كما قال حاتم الطائي (٤):
_________________
(١) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧٨.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ١٩٦. ابن أبي حاتم، المرجع السابق.
(٣) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٠ ..
(٤) حاتم بن عبد الله الطائي، أبو عَدِىّ ت: ٤٦ ق هـ فارس، شاعر، جواد، جاهلي، يضرب المثل بجوده، كان من أهل نجد، ومات في عوارض جبل في بلاد طيِّئ وله "ديوان".وفاته في السنة الثامنة بعد مولد النبي ﷺ. ابن قتيبة الدينوري، الشعر والشعراء، مرجع سابق، ١/ ٢٣٥. لويس شيخو، مرجع سابق، ١/ ٩٨. ديوانه ص ٢١٠.
[ ٢٧٩ ]
أَمَاوِيَّ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بهَا الصَّدْرُ (١)
يريد: وضاق بالنفس الصدر، وكنى بها ولم يجر لها ذكر، إن كان في قوله: "إذا حشرَجَت يومًا" دلالة لسامع كلامه على مراده بقوله: "وضاق بها" ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) فقال: ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ ولم يجر قبل ذلك ذكر لاسم مؤنث وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ والله أعلم بما تكذبون (٣)
فيما تصفون به أخاه بنيامين، وذكر أن الصّواع لما وُجد في رحل أخي يوسف تلاوَمَ القوم بينهم، قال السدي: لما استخرجت السرقة من رحل الغلام انقطعت ظهورهم، فقالوا: يا بني يامين، ما يزال لنا منكم بلاء! متى أخذت هذا الصواع؟ فقال ابن يامين: بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منهم بلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية! وضَع هذا الصواع في رحلي، الذي وضع الدراهم في رحالكم! فقالوا: لا تذكر الدراهم فنؤخذ بها! فلما دخلوا على يوسف دعا بالصاع فنقرَ فيه، فأدناه من أذنه، ثم قال: إن صواعى هذا ليخبرني أنكم كنتم اثنى عشر رجلا وأنكم انطلقتم بأخٍ لكم فبعتموه، فلما سمعها ابن يامين، قام فسجد ليوسف، ثم قال: أيها الملك، سل صواعك هذا أخي، أحيٌّ هو؟ فنقره، ثم قال، هو حيٌّ، وسوف تراه، قال: فاصنع بي ما شئت، فإنه إن علم بي فسوف يستنقذني، قال: فدخل يوسف فبكى، ثم توضَّأ، ثم خرج فقال ابن يامين: أيها الملك إني أريد أن تضرب صُواعك هذا فيخبرك بالحقّ، فسله من الذي سرقه فجعله في رحلي؟ فنقره فقال: إن صواعي هذا غضبان، وهو يقول: كيف تسألني عن صاحبي، وقد رأيتَ مع من كنت؟ قال: وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقُوا، فغضب روبيل، وقال: أيها الملك، والله لتتركنا أو لأصيحنَّ صيحة لا يبقى بمصر امرأةٌ حامل إلا ألقت ما في بطنها! وقامت كل شعرة في جسد رُوبيل، فخرجت من ثيابه، فقال يوسف لابنه: قم إلى جنب روبيل فمسَّه. وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم مسَّه
_________________
(١) ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، ط ١، (محمد علي بيضون-١٤١٨ هـ-١٩٩٧ م)، ١/ ٢٠٢. ابن دريد، مرجع سابق، ٢/ ١٠٣٤. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ٩/ ٨٦.
(٢) سورة النحل، الآية: (١١٠).
(٣) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٠ ..
[ ٢٨٠ ]
الآخر ذهب غضبه، فمرّ الغلام إلى جنبه فمسَّه، فذهب غضبه، فقال روبيل: مَنْ هذا؟ إن في هذا البلد لبَزْرًا من بَزْر يعقوب! فقال يوسف: من يعقوب؟ فغضب روبيل فقال: يا أيها الملك لا تذكر يعقوب، فإنه سَرِيُّ الله ابن ذبيح الله، ابن خليل الرحمن، قال يوسف: أنت إذًا إن كنت صادقًا (١).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ أي: قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ ياأيها الملك ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ كلنا نحبه، فخذ واحدًا منّا بدلا منه، وخلِّ عنه ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ يقولون: في أفعالك قال ابن إسحاق: أي نرى ذلك منك إحسانا إن فعلت (٢). وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ أي: قال يوسف لإخوته أعوذ بالله أن نأخذ بريئًا بسقيم أي: أستجير بالله أن أفعل ذلك. وقولُهُ: ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ يقول: إن أخذنا غير الذي وجدنا متاعنا عنده ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ أي: لنفعل ما ليس لنا فعله ونجور على الناس (٣)، وروي عن أسباط قَالُوا: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا﴾ الآية قال يوسف: إذا أتيتم أباكم فأقرئوه مني السلام، وقولوا له: إن ملك مصر يدعوا (٤) لك أن لا تموت حتى ترى ابنك يوسف، حتى تعلمَ أنّ في أرض مصر صدِّيقين مثلَه (٥). وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه التدبير لأخذ الشيء بظاهر جميل مع باطن حق يخفى السبب فيه فلا يظهر لمتأمليه من بلوغ المراد على طريق العدل والإنصاف بما وقع من الإقرار بما هو حق الجزاء، والبيان عما توجبه السرقة من العار بها وتمثيل صاحبها بمن هو من أهلها عيب لربها، والبيان عما يوجبه الدعاء إلى الخطأ المطلوب من التذكير بالإحسان الذي يدعوا إلى المظاهرة فيه على من أنعم
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٠٠. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٧٩.
(٢) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٠.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٨٠. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٠.
(٤) كذا في الأصل والصواب "يدعو" لأن الواو الأصلية التي هي لام الفعل لا يثبت بعدها الألف كواو الجماعة.
(٥) ابن جرير، المرجع السابق. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨١.
[ ٢٨١ ]
عليه عند تأميله ذلك لدعاء إليه، والبيان عما يوجبه الظلم بأخذ البريء بالسقيم من الانتفاع منه والاستعاذة بالله في السلامة من معرته.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ كاف (١)، وكذا ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٢)، وكذا ﴿تَصِفُونَ﴾ (٣)، وكذا ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤)، وكذا ﴿لَظَالِمُونَ﴾ (٥).
وقولُهُ ﷿:
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾
_________________
(١) قال النحاس، كاف، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٥: وهو تام عند الأنباري، مرجع سابق، ٢/ ٧٢٦. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٨. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٥. الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٥.
(٢) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: تام الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال الأنصاري: حسن، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وهو تام، الأشموني، المرجع السابق.
(٣) قال الأنصاري: حسن، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. الأشموني، المرجع السابق.
(٤) قال: تام الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال: حسن، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وهو تام، الأشموني، المرجع السابق.
(٥) قال: تام الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال: حسن، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وهو تام، الأشموني، المرجع السابق.
[ ٢٨٢ ]
لما ظرف مضاف إلى ﴿اسْتَيْئَسُوا﴾، ﴿مِنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿اسْتَيْئَسُوا﴾، ﴿خَلَصُوا﴾ جواب لمّا وهو العامل في لمّا (١)، ﴿نَجِيًّا﴾ نصب على الحال، وهو واحد يؤدي عن جميع (٢)، وجمعه أنجية
وينشد (٣):
إِني إِذا مَا القَوْمُ كَانُوا أَنْجِيَهْ واخْتلف القولُ (٤) اختلاف الأَرْشِيَهْ (٥)
هناك أوصيني ولا توصي بيه (٦). يقال: نجوت الرجل أنجوه نجيا، جعل صفة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (٧) ويقال للجماعة نجوى وهم يتناجون تناجيًا (٨)، وقال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ
_________________
(١) الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ١٠١.
(٢) الزجاج، مرجع سابق، ٢/ ١٠٤،٣/ ١٢٤.النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١١.القيس، مرجع سابق، ١/ ٣٩٢.
(٣) هو لسُحَيْم بن وَثِيل بن عمرو، الرياحيّ اليربوعيّ الحنظليّ التميمي: شاعر مخضرم، وناهز عمره المئة. كان شريفا في قومه، نابه الذكر. له أخبار مع زياد بن أبيه ومفاخرة مع غالب بن صعصعة والد الفرزدق. قال ابن دريد: عاش أربعين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام. (نحو ٦٠ هـ = نحو ٦٨٠ م). ابن قتيبة الدينوري، الشعر والشعراء، مرجع سابق،٢/ ٦٢٩.ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، مرجع سابق، ٣/ ٢٠٧. الزركلي، مرجع سابق، ٣/ ٧٩. ويصف قوما أتعبهم السير والسفر فرقدوا على ركابهم واضطربوا عليها، وشد بعضهم على ناقته حذار سقوطه. وقيل: إنما ضربه مثلا لنزول الأمر المهم. والأرشية الحبال التي يستقى بها، والمراد أنه ثابت الجأش. و(أوصيني ولا توصي) بالياء لأنه يخاطب مؤنثا. القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ٢٤١.ابن منظور، مرجع سابق، ١٥/ ٣٠٨.
(٤) في (د) "القوم" ولعله الصواب لثبوته عند الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٤٥. الجوهري، مرجع سابق، ٦/ ٢٥٠٣ وغيرهما.
(٥) كذا في الأصل وعلى اختلاف "القوم" والقول"وكلا المعنيين واحد والله تعالى أعلم. "إِني إِذا مَا القَوْمُ كَانُوا أَنْجِيَهْ واضْطرب القَوْمُ اضْطرابَ الأَرْشِيَهْ"، ابن دريد، مرجع سابق، ١/ ٢٣٥. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ١١/ ١٣٦. ابن فارس، مجمل اللغة، مرجع سابق، ١/ ٨٥٧. ابن منظور، مرجع سابق، ١٥/ ٣٠٨.
(٦) ابن منظور، المرجع السابق.
(٧) سورة مريم، الآية: (٥٢).
(٨) الجوهري، مرجع سابق، ٦/ ٢٥٠٣.
[ ٢٨٣ ]
نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ (١) ويقال نجوت أنجو نجوى وأصل النجو الارتفاع من الأرض (٢)، فالمناجاة مثل المسارة، ويقال يئس يأسًا واستيئس استئاسًا وهو يائس ومستيئس وأيس يائس (٣)، و﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾ ألف الاستفهام ودخلت على "لم" للتوبيخ والتقرير (٤)، ﴿أَنَّ أَبَاكُمْ﴾، ﴿أَنَّ﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَعْلَمُوا﴾، ﴿عليكمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَخَذَ﴾، ﴿مَوْثِقًا﴾ نصب (٥) بـ ﴿أَخَذَ﴾، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿مَوْثِقًا﴾، ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾، ﴿مَا﴾ في موضع رفع بالابتداء، ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ الخبر (٦)
، ويكون ﴿مَا فَرَّطْتُمْ﴾ بمنزلة التفريط أي: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ تفريطكم في يوسف، ويكون "من" متعلقة بالاستقرار، و﴿قَبْلُ﴾ مبني لأنه غاية والتقدير: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ هذا تفريطكم، ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ زائدة، ويكون التقدير: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ فرطتم، ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ في موضع نصب عطف على ﴿أَنَّ﴾ والتقدير: أولم تعلموا من قبل تفريطكم (٧)، ﴿وفِي يُوسُفَ﴾ متعلق بـ ﴿فَرَّطْتُمْ﴾، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ الفاء جواب موافقة أباهم، و﴿أَبْرَحَ﴾ نصب بـ لن (٨)، ﴿الْأَرْضَ﴾ نصب بـ ﴿أَبْرَحَ﴾ يقال: برح يبرح بروحا وبراحا (٩)،
_________________
(١) سورة المجادلة، الآية: (٧).
(٢) زين الدين الرازي، مختار الصحاح، مرجع سابق، ١/ ٦٨٨. ابن منظور، مرجع سابق، ١٥/ ٣٠٨.
(٣) هذه الجملة مذكورة هكذا في هذا المكان في الأصل وكذلك في "د" وأرى أنها قد أقحمت هنا سهوا أو خطأ من المؤلف أو الناسخ وأن مكانها قبل قوله تعالى ﴿نَجِيًّا﴾.
(٤) الماتريدي، مرجع سابق، ٦/ ٢٧٢. الأصفهاني، مرجع سابق، ١/ ٢٨٩. القرطبي، مرجع سايق، ٢/ ٦٩.
(٥) النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١٢.الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ٩٦. الخراط، مرجع سابق، ٢/ ٥١٠.
(٦) ابن هشام، مرجع سابق، ١/ ٤١٨. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ٣٤٦ ..
(٧) الفراء، معاني القرآن، ٢/ ٥٣. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٨٦. الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٢٥.
(٨) الفراء، مرجع سابق، ١/ ١٣٦. النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١٢.
(٩) ابن جرير، مرجع سابق، ٩/ ٢٤٢.
[ ٢٨٤ ]
و﴿حَتَّى﴾ غاية، ﴿يَاذَنَ لِي أَبِي﴾، ﴿يَاذَنَ﴾ نصب بـ ﴿حَتَّى﴾ (١) و﴿لِي﴾ متعلق بـ ﴿يَاذَنَ﴾ و﴿يَحْكُمَ﴾ معطوف على ﴿يَاذَنَ﴾، و﴿لِي﴾ متعلق بـ ﴿يَحْكُمَ﴾، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين﴾ ابتداء وخبر (٢)، ﴿ارْجِعُوا﴾ أمر، ﴿إِلَى أَبِيكُمْ﴾، ﴿إِلَى﴾ متعلقة بـ ﴿ارْجِعُوا﴾، ﴿فَقُولُوا﴾ الفاء جواب الأمر (٣)، ﴿إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ الباء متعلقة بـ ﴿شَهِدْنَا﴾، ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾، ﴿لِلْغَيْبِ﴾ متعلق ﴿حَافِظِينَ﴾، ﴿الْقَرْيَةَ﴾ منصوبة بـ اسأل والتقدير: أهل القرية (٤)،
﴿الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ نعت لـ ﴿الْقَرْيَةَ﴾، (٥) و﴿فِيهَا﴾ متعلق بمعنى الاستقرار، ﴿وَالْعِيرَ﴾ عطف على ﴿الْقَرْيَةَ﴾ والتقدير: أصحاب العير (٦)، و﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿أَقْبَلْنَا﴾، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ اسم إنّ وخبرها، بل إضراب عن الأول، وإيجاب للثاني، "لكن" (٧) متعلق بـ ﴿سَوَّلَتْ﴾، ﴿أَمْرًا﴾ نصب بـ ﴿سَوَّلَتْ﴾، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ابتداء وخبر (٨)، ويجوز أن يكون "صبر" رفعًا بالابتداء و﴿جمِيلٌ﴾ نعتًا له، والخبر محذوف وتقديره: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أولى بي
_________________
(١) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٢٥. النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١٢.
(٢) النحاس، المرجع السابق.
(٣) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٢٥. الجدول، مرجع سابق، ١٣/ ٤٢. الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ١٠١.
(٤) المبرد، المقتضب، مرجع سابق، ٤/ ٣٥١. ابن جني، اللمع في العربية، ت: فائز فارس (الكويت: دار الكتب الثقافية)، ١/ ٢٨. الزجاج، مرجع سابق، ٢/ ٣٩٦ .. فائدة: قال القرطبي: واسأل القرية وإن كانت جمادًا فأنت نبي الله، وهو ينطق الجماد لك، وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٧٢٨.قال سيبويه: ولا يجوز كلم هندًا وأنت تريد غلام هند، لأن هذا يشكل، والقول في العير، كالقول في القرية سواء.
(٥) صافي، مرجع سابق، ١٣/ ٤٦. درويش، مرجع سابق، ٥/ ٣٥ الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ١٠١.
(٦) الأخفش، مرجع سابق، ١/ ٥٣.النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٩. العكبري، مرجع سابق، ٢/ ٧٤٢.
(٧) كذا في الأصل والصواب"لكم" للنص القرآني ولعله تصحيف من الناسخ.
(٨) النحاس، إعراب القرآن، المرجع السابق. ابن عطية، مرجع سابق، ٣/ ٢٧١.
[ ٢٨٥ ]
من جزع (١)، والصبر الجميل: الذي لا جزع فيه ولا استكانة (٢)، ويجوز أن يكون على حذف المبتدأ والتقدير: أمري صبر جميل، ولو أمرهم بالصبر لنصب (٣) كما قال (٤):
تشكو إِلَىَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى صَبْرٌ جَمِيلٌ وكِلاَنا مُبْتَلَى
عسى: طمع واشفاق من المخلوقين، ومن الله واجبة، وهي مشبهة بكان (٥)، ﴿أَنْ يَاتِيَنِي بِهِمْ﴾ ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿عَسَى﴾ ودخول ﴿أَنْ﴾ مع ﴿عَسَى﴾ ليحقق معنى الاستقبال فيها، و﴿بِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَاتِيَنِي﴾، ﴿جَمِيعًا﴾ نصب على الحال، أي: ﴿يَاتِيَنِي﴾ بهم مجتمعين وفيه معنى التوكيد، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ يجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ توكيدا للمضمر (٦)، ويجوز أن يكون فاصلة، ويجوز أن يكون مبتدأ، و﴿الْعَلِيمُ﴾ الخبر والجملة خبر إنّ.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم فلما يئسوا من أن يخلي يوسف عن ابن يامين، ويأخذ منهم واحدًا مكانه قال ابن إسحاق: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ﴾ يئسوا منه، ورأوا شدّته في أمره (٧)، ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أي خلا بعضهم ببعض يتناجون ولا يختلط بهم غيرهم، والنجي يكون واحدا وجماعة لأنه مصدر وكونه
_________________
(١) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ١٢/ ٥٨٤. القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٦١٦.
(٢) ابن جرير، ١٥/ ٥٨٤. الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩٦. القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ١٥٢.
(٣) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٣١٨.
(٤) كذا في الأصل ولعل الصواب: يَشْكُو إليَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى صَبْرًا جَمِيلا فَكِلانا مُبْتَلى وتكون لفظة"ويشكو" بدلا من تشكو وفَكِلانا بدلًا من "وكِلاَنا" والله أعلم. ورد في، سيبويه، مرجع سابق، ١/ ١٦٢. الفراء، مرجع سابق، ٢/ ٥٤. ابن جرير، مرجع سابق، ١٨/ ٧٩. ولم أقف على قائله.
(٥) الجوهري، مرجع سابق، ٦/ ٢٤٢٥ - ٢٤٢٦.
(٦) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٣/ ٢٢٠. ابن مالك، شرح الكافية، مرجع سابق، ٣/ ١١٨٤.
(٧) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨١.
[ ٢٨٦ ]
للجماعة (١) قوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ (٢) ﴿مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ (٣) والواحد ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ (٤) فهي في هذه المناجاة نفسها ومنه قول الشاعر (٥):
وأحب (٦) نجوى الرجال فَـ كُنْ عِنْدَ سرّكَ حبَّ النَّجِيّ
والنجوى و" النجى" في هذا بمعنى واحد، وهي المناجاة. وقولُهُ: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قال بعضهم، عنى به كبيرهم في العقل والعلم، لا في السن، وهو شمعون، قالوا: وكان روبيل أكبر منه قال ذلك مجاهد (٧). وقال قتادة (٨) والسدي (٩) وابن إسحاق (١٠): عنى بذلك كبيرهم في السن، وهو روبيل (١١)
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٠٤.
(٢) سورة الإسراء، الآية: (٤٧).
(٣) سورة المجادلة، الآية: ٧.
(٤) سورة المجادلة، الآية: ١٠.
(٥) هو الصَّلَتَان العَبْدي " هو قثم بن خبيئة الصَّلَتَان العَبْدي" (ت: ٨٠ هـ)، من بني محارب ابن عمرو، من عبد القيس: شاعر حكيم. قال فيه الآمدي: مشهور خبيث. ابن قتيبة الدينوري، الشعر والشعراء، مرجع سابق، ١/ ٤٩١. الزركلي، مرجع سابق،٥/ ١٩٠. من وصيته المشهورة التي أوصى بها ولده التي يقول فيها: أَشَابَ الصّغيرَ وَأَفْنَى الكَبيرَ. كَرُّ الغَدَاةِ وَمَرُّ العَشِي ثم يقول له بعد البيت الشاهد: وَسِرُّكَ مَا كَانَ عِنْدَ امْريٍ. وَسِرُّ الثَّلاَثَةِ غَيْرُ الخَفِي. و" الخب" (بكسر الخاء)، المكر، و" الخب" (بفتحها)، المكار. الخب بالكسر: الخداع والخبث والغش. والخب بالفتح والكسر: الخداع والخبيث. ابن منظور، مرجع سابق (خ ب ب). أبو علي القالي، مرجع سابق،٢/ ١٤١.
(٦) كذا في الأصل. وفي (د) "بني خب". وأصل البيت: بُنَيَّ بَدَا خِبُّ نَجْوَى الرِّجَالِ. فَكُنْ عِنْدَ سرّكَ خَبَّ النَّجِيّ ينظر المرجعين السابقين. وابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٠٥.
(٧) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨١.
(٨) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٧.ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٠٦.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨١.
(٩) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨١ - ٢١٨٢ - ٢١٨٤.
(١٠) ابن أبي حاتم، المرجع السابق.
(١١) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٧. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٠٨.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٢.
[ ٢٨٧ ]
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عليكمْ مَوْثِقًا﴾ يقول: أخذ عليكم عهودَ الله ومواثيقه، لتأتنه به إلا أن يحاط بكم، ومن قبل فعلتكم هذه، تفريطكم في يوسف. يقول: أو لم تعلموا من قبل هذا تفريطكم في يوسف؟ وقولُهُ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ يقول: فلن أبرح الأرض التي أنا بها: وهي مصر، فأفارقها ﴿حَتَّى يَاذَنَ لِي أَبِي﴾ بالخروج منها (١)، أو يقضي لي ربي بالخروج منها، وترك أخي ابن يامين، وإلا فإني غير خارج ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ والله خير من حكم، وأعدل من فصل بين الناس، وكان أبو صالح يقول: أو يحكم الله لي بالسيف (٢)، فكأنَّ أبا صالح وجّه ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾: أو يقضي الله لي بحرب من مَنَعَني من الانصراف بأخي ابن يامين إلى أبيه يعقوب، فأحاربه.
وقوله تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ يقول تعالى مخبرا عن قيل روبيل لإخوته، حين أخذ يوسف أخاه بالصواع الذي استُخرج من وعائه: ﴿ارْجِعُوا﴾، إخوتي، ﴿إِلَى أَبِيكُمْ﴾ يعقوب فقولوا له ﴿يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ (٣)، وقولُهُ: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ واختلف في ذلك فقال بعضهم معناها: وما قلنا إنه سرق إلا بظاهر علمنا فإن ذلك كذلك، لأن صواع الملك أصيب في وعائه دون أوعية غيره وهو قول ابن إسحاق (٤)، وقال ابن زيد: وما شهدنا عند يوسف بأن السارق
_________________
(١) مقاتل، مرجع سابق، ٢/ ٣٤٧.ابن جرير، المرجع السابق. النحاس، معاني القرآن الكريم، مرجع سابق، ٣/ ٤٥١.
(٢) ابن أبي حاتم، المرجع السابق. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٣٤٥. القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٦١٣.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢١٠. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٢. السمرقندي، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٥.
(٤) ابن أبي حاتم، المرجع السابق.
[ ٢٨٨ ]
يؤخذ بسرقته إلا بما علمنا (١)، ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ أي: وما كنا نرى أن ابنك يسرق ويصير أمرنا إلى هذا (٢)، وإنما قلنا لك ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ مما لنا إلى حفظه منه السبيل (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ يقولون: وإن كنتَ مُتَّهمًا لنا، لا تصدقنا على ما نقول من أن ﴿ابْنَكَ سَرَقَ﴾ فاسأل ﴿الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، وهي مصر، أي: سل من فيها من أهلها، ﴿وَالْعِيرَ﴾: وهي القافلة التي أقبلت منها معنا عن خبر ابنك وحقيقة ما أخبرناك فإنك تُخْبُر بمصداق ذلك ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخبرناك به من خبره قال ذلك قتادة (٤) وابن عباس (٥) وابن إسحاق (٦). وقوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ في الكلام حذف (٧)، وهو: فرجع إخوة ابن يامين إلى أبيهم، وتخلف روبيل، فأخبروه خبره، فلما أخبروه أنه سرق ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾ أي: بل زينت لكم أنفسكم أمرًا هممتم به وأردتموه فصبر على ما نالني من فقد ولدي، صبرٌ جميل لا جزع فيه ولا استكانة، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَنِي﴾ بأولادي جميعًا فيردّهم علي ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بوجدي، لفقدهم وحزني عليهم، وصِدْقِ ما يقولون من
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢١٠. ابن الجوزي، مرجع سابق، ٢/ ٤٦٢.
(٢) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٧.أخرج ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٢ - ٢١٨٣. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٤٦.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢١١.
(٤) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٣. فائدة: إنه يمكن للمؤمن الصادق أن يطلب ممن يستمعون إلى حجته أن يستشهدوا بحميع الشهود الذين رأوا ما حدث معه بأم أعينهم تعزيزًا لصدقه وإقناعًا لحجته. نصر والهلالي، مرجع سابق، ٧٢٨.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٩٠.
(٦) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٣.
(٧) وكذا قال ابن جرير: في الكلام متروك، مرجع سابق، ١٦/ ١٣.
[ ٢٨٩ ]
كذبه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره خلقه (١) قال ذلك قتادة (٢) وابن إسحاق، وقال يأتيني بهم جميعا يعني يوسف وأخاه ابن يامين (٣)، لأنه كان عنده أن يوسف لم يمت، وإنما غاب عنه خبره لأنه حمل وهو عبد لا يملك لنفسه شيء، ثم اشتراه الملك فكان في داره فلا يظهر للناس، ثم حبس فخفي خبره، فلما تمكن احتال في أن يعلم أبوه خبره ولم يوجه برسوله لأنه كره من إخوته أن يعرفوا ذلك فلا يدعوا الرسول يصل إلى أبيه (٤). وقد تضمنت الآيات البيان عما توجبه شدة المحبة في سبب نقض المعاهدة من إظهار البدر (٥) لئلا يتوهم اختيار النقض على ركوب القبيح من الأمر، والبيان عما يوجبه نقض العهد من الاعتداء بما وقع لأجله مما لا يملكه المعهود به مما لم يحتسبه ولا قدر أن يكون مثله، والبيان عما يوجبه طلب التصديق من الاستشهاد بأهل الخبرة حتى يتواتر من الخبر ما يزول معه الشك ويرفع الريب، والبيان عما يوجبه التعهد في شدة المحن من الصبر الجميل والطمع فيما يأتي من قبل الله ﷿ من تجديد النعمة وكشف البلية على ما وعد الصابرين من الخير في العاقبة.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿قدْ أَخَذَ عليكمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ كاف (٦) إذا جعلت ما زائدة أو مصدرا وإن جعلتها منصوبة معطوفة كان الكافي ﴿خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (٧)، وكذا ﴿حَافِظِينَ﴾ (٨)،
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢١٤، ٢١٣.
(٢) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٤.
(٣) السمعاني أبو المظفر، مرجع سابق، ٣/ ٥٧ ..
(٤) القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ٢٤٧.
(٥) في "د": الندر. وهذان اللفظان مما أشكلا علي في تضمين المعنى، والله تعالى أعلم.
(٦) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٥. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال: صالح، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٦.قال الأشموني: يبنى الوقف على موثقا من الله، مرجع سابق، ص ١٩٦.
(٧) تام عند الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
(٨) كاف عند الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
[ ٢٩٠ ]
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تمام (١)، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ تمام (٢) عند الأخفش، ويصلح الوقوف على ﴿جَمِيعًا﴾ (٣) وعلى ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٤).
وقولُهُ ﷿:
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾
﴿عَنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿تَوَلَّى﴾، ﴿يَا أَسَفَى﴾ الألف منقلبة من ياء النفس لخفة الفتحة والألف (٥)، والأصل يا أسفى، ويجوز الإمالة وتركها، فمن أمال: فليدل على انقلاب الألف عن
_________________
(١) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٥. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال الأنصاري: أكفى منه، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٦.كاف عند الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٦.
(٢) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال: حسن، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. قال: أحسن مما قبله الأشموني، المرجع السابق.
(٣) قال: صالح، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. قال: حسن، الأشموني، المرجع السابق.
(٤) قال: حسن، النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. وكذا الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
(٥) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٢٥. النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٧٩.
[ ٢٩١ ]
الياء (١)، ومن فتح: فعلى الأصل (٢). ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ على متعلقة بـ ﴿أَسَفَى﴾، ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾ متعلق بـ ابيضت، ويقال حُزْنٍ وحَزَنٍ، وأصله الغِلَظِ مأخوذ من الحزن، وهي الأرض الغليظة (٣)، ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ابتداء وخبر، والفاء جواب ما أخبر به وجميع ما يذكره من الفاء، وهي عاطفة أنها جواب فلما فيها من ذلك المعنى لشدة اتصال المعطوف بالمعطوف به بلا فصل (٤)، وليضمن الكلام معنى الفعل، فأشبهت بذلك جواب الشرط، فلذلك يقول جوابا، ﴿تَاللَّهِ﴾ قسم (٥) والتاء بدل من الواو، لقربها منها، كما أبدلت في تجاه، والأصل وجاه، ﴿تَفْتَأُ﴾ مستقبل بمعنى تزال والمعنى لا تزال، وحذفت لا وهي مراد للعلم بذلك، إذ الإيجاب لا يكون إلا بالنون الشديدة أو الخفيفة (٦)، يقال: فتى يفتأ فتأً وفتؤًا قال أوس بن حجر (٧):
فَمَا فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبَ وَتَدَّعِي وَيَلْحَقُ مِنْهَا لاحِقٌ وتَقَطَّعُ (٨)
_________________
(١) فخر الدين الرازي، مرجع سابق، ١٨/ ٤٩٨. النسفي، مرجع سابق، ٢/ ١٢٩. أبو حيان، مرجع سابق، ٦/ ٣١٤.
(٢) القرطبي، مرجع سابق، ١٣/ ١٧٩. السمين، مرجع سابق، ٨/ ٤٨٠.البقاعي، مرجع سابق، ٤/ ٨٩.
(٣) قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والحَزْنُ مَا غلُظَ مِنَ الأَرض، وَالْجَمْعُ حُزُونٌ وَفِيهَا حُزُونةٌ. ابن منظور، مرجع سابق، ١٣/ ١١٢. الزبيدي، مرجع سابق، ٣٤/ ٤١٤.
(٤) درويش، مرجع سابق، ٥/ ٣٦. الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ١٠٢.
(٥) الفراء، مرجع سابق،٢/ ٥١. أبوعبيدة، مرجع سابق، ١/ ٣١٥. النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٩.
(٦) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١٣. العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٤٣.
(٧) هو أوس بن حُجْر بن مالك التميمي .. قال أبو عمرو بن العلاء: كان أوس فحل مضر، حتّى نشأ النابغة وزهير فأخملاه. وكان أوس عاقلا فى شعره، كثير الوصف لمكارم الأخلاق. وهو من أوصفهم للحمر والسلاح، ولا سيّما للقوس. وسبق إلى دقيق المعانى، وإلى أمثال كثيرة. عمّر طويلا، ولم يدرك الإسلام. (ت: ٦٢٠ م). ابن قتيبة الدينوري، الشعر والشعراء، مرجع سابق، ١/ ١٩٨. الجمحي، مرجع سابق، ١/ ٩٧.ابن حجر العسقلاني، تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، ت: محمد علي النجار، مراجعة: علي محمد البجاوي (بيروت: المكتبة العلمية،)، ١/ ٤١٢. الزركلي، مرجع سابق، ٢/ ٣١.
(٨) ديوانه القصيدة: ١٧، البيت: ١٠. ابن دريد، مرجع سابق،٢/ ١١٠٢. أبوعبيدة، مرجع سابق،١/ ٣١٦. وكنى بالخيل عن أصحابها. ويقال: ثاب وثوب. إذا لوح بطرف ثوبه عند النداء من بعيد. وتدعى: تفتعل من الدعاء أى يدعو بعضهم بعضا. ويحتمل أن تثوب بمعنى ترجع، أى تذهب وترجع. ومعنى «تدعي» تلاحق وينتسب بعضها إلى بعض مجازًا، فيجوز أن الخيل حقيقة. أو شبه الخيل بالناس على طريق المكنية، والادعاء بمعنى التنادى تخييل، وهذان الوجهان أنسب بقوله «ويلحق» أى يسبق منها سابق. وتقطع: أى تتقطع وينقطع بعضها عن بعض قطعا قطعا، فهي تجتمع وتفترق: صور الحرب من أولها إلى آخرها في هذا البيت، أى: فما زالت الخيل تفعل كذلك حتى انتهت الحرب. الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، مرجع سابق،٢/ ٤٩٩.
[ ٢٩٢ ]
أي: فما زالت ﴿حَتَّى تَكُونَ﴾، ﴿حَتَّى﴾ غاية متعلقة بـ ﴿تَذْكُرُ﴾ ناصبة لـ ﴿تَكُونَ﴾ بإضمار إن، ولا يظهر أن معها حرضًا خبر ﴿تَكُونَ﴾، وأصل الحرض فساد الجسم والعقل للحزن والحب (١). قال العرجي (٢):
إنِّي امْرُؤٌ لَجّ بي حُبٌّ فأَحْرَضَني حَتَّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّني السَّقَمُ (٣)
أي: أذابني فتركني محرضا، يقال رجل حرض وامرأة حرضت وقوم حرض لا يثنى ولا يجمع على طريقة واحدة للمذكر والمؤنث (٤)، لأنه مصدر ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ معطوف على ﴿تَكُونَ﴾ الأولى، و﴿مِنَ﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار، ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ كسرت إنّ لأنها بعد القول، ودخلت ما على "إن" ليليها الفعل فهي مهيئة لدخول الفعل، ﴿بَثِّي﴾ في موضع نصب بـ ﴿أَشْكُو﴾، ﴿وَحُزْنِي﴾ معطوف عليه، و﴿إِلَى﴾ متعلقة بـ ﴿أَشْكُو﴾ وألف أشكوا ألف المخبر عن نفسه، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾، ﴿مِنَ﴾ متعلقة بـ ﴿وَأَعْلَمُ﴾، ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾،
_________________
(١) الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ٤/ ١٢١. الجوهري، مرجع سابق، ٣/ ١٠٧٠.ابن الأنباري، مرجع سابق، ٢/ ٢٦١.
(٢) أبُو عُمَر عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن عثمان بْن عفّان الأموي العَرجّي الشاعر كان ينزل بعَرْج الطّائف فنُسِب إِلَيْهِ، وكان أحد الأبطال المذكورين، غزا القسطنطينية فِي البحر، مات فِي خلافة هشام (ت: ١١١ - ١٢٠ هـ). الذهبي، تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، مرجع سابق، ٣/ ٢٧٧. الزركلي، مرجع سابق،٤/ ١٠٩.
(٣) ديوانه: ٥. أبوعبيدة، مرجع سابق، ١/ ٣١٧. ابن منظور، مرجع سابق، ٧/ ١٣٤.ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٢٢.
(٤) الفراء، مرجع سابق، ٢/ ٥٤. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ٤/ ١٢١.
[ ٢٩٣ ]
﴿مَا﴾ بمعنى الذي في موضع نصب بـ ﴿وَأَعْلَمُ﴾، ويقال بثثت مابي أبثه بثًا إذا ذكرته، وابثثتك مابي إذا أطلعتك عليه (١).
قال ذو الرمة (٢):
وَقَفتُ عَلى رَبع لِمَيَّةَ يا فتى (٣) فَما زِلتُ أَبكي عِنَدهُ وَأُخاطِبُه
وَأَسقيهِ حَتّى كادَ مِمّا (٤) أَبُثُّهُ تُكَلِّمُني أَحجارُهُ وَمَلاعِبُه (٥)
وأصل البث: البسط والنشر (٦) قال الله جل وعز ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ (٧) أي: منشورة مبسوطة، ﴿يَا بَنِيَّ﴾ نداء مضاف، ﴿اذْهَبُوا﴾ أمر، ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾ معطوف على ﴿اذْهَبُوا﴾ وهو جواب
_________________
(١) ابن دريد، مرجع سابق، ١/ ٦. ابن منظور، مرجع سابق، ٢/ ١١٤. ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مرجع سابق، ١/ ١٧٢.
(٢) غيلان بن عقبة بن مسعود العدوي، أبو الحارث، ذو الرمة، من مضر، (٧٧ - ١١٧ هـ) شاعر، من فحول الطبقة الثانية في عصره، توفي بأصبهان، وقيل: بالبادية. ابن عساكر، مرجع سابق، ٤٨/ ١٤٢. ابن خلكان، مرجع سابق،٤/ ١١. ابن منظور، مرجع سابق، ٢٠/ ٢٢٦. الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ١٧/ ٢٨٠.
(٣) كذا في الأصل"يا فتى" ولعل الصواب "ناقتي" كما عند ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة العربية، مرجع سابق، ١٢/ ١٧٢.ابن منظور، مرجع سابق، ١٤/ ٣٩١. وللسياق والله تعالى أعلم.
(٤) فأتى بالفاعلِ ظاهرًا فقد حَمَلَه بعضُهم على الشذوذِ، وينبغي أن يُقال: إنما جاز ذلك لأن الأحجارَ والملاعب هي عبارةٌ عن الرَّبْع، فهي هو، فكأنه قيل: حتى كاد يكلِّمني، ولكنه عَبَّر عنه بمجموع أجزائه، الزجاج، مرجع سابق، ٤/ ٤٨.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٥٠. القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ٢٥١.
(٥) ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة العربية، مرجع سابق، ١٢/ ١٧٢.ابن منظور، مرجع سابق، ١٤/ ٣٩١.
(٦) الفراهيدي، العين، مرجع سابق، ٨/ ٢١٧.كراع النمل، أبو الحسن علي بن الحسن الهُنائي الأزدي، (ت: بعد ٣٠٩ هـ) المُنَجَّد في اللغة (أقدم معجم شامل للمشترك اللفظي، ت: دكتور أحمد مختار عمر، دكتور ضاحي عبد الباقي، ط ٢، (القاهرة: عالم الكتب-١٩٨٨ م)، ١/ ١٣٧. ابن دريد، مرجع سابق، ١/ ١٦٣. الجوهري، مرجع سابق، ١/ ٢٧٣.
(٧) سورة الغاشية، الآية: ١٦.
[ ٢٩٤ ]
الذهاب، ﴿مِنْ يُوسُفَ﴾ متعلق بـ تحسسوا، وأصله طلب الشيء بالحس (١)، يقال: تحسس وتجسس بمعنى (٢) ﴿وَلَا تَيْئَسُوا﴾ نهي وهو ضد الرجاء (٣)، ﴿مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾، ﴿مِنْ﴾، متعلقة بـ ﴿تَيْئَسُوا،﴾ ﴿إِلَّا الْقَوْمُ﴾ رفع بـ ﴿يَيْئَسُ﴾، ﴿الْكَافِرُونَ﴾ نعت لـ ﴿الْقَوْمُ﴾، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عليه﴾ لمّا ظرف، ﴿عليه﴾ متعلق بـ ﴿دَخَلُوا﴾، ﴿قَالُوا﴾ جواب لمّا وهو العامل في لمّا، ﴿وَأَهْلَنَا﴾ عطف على النون والألف في ﴿مَسَّنَا﴾، ﴿الضُّرُّ﴾ رفع بـ ﴿مَسَّنَا﴾، بـ ﴿بِبِضَاعَةٍ﴾ متعلق بـ ﴿وَجِئْنَا﴾، ﴿مُزْجَاةٍ﴾ نعت لـ بضاعة، ﴿الْكَيْلَ﴾ نصب بـ ﴿أَوفِ﴾، ﴿وَتَصَدَّقْ﴾ معطوف على ﴿فَأَوْفِ﴾ علينا متعلق بـ "تصدق"، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾، ﴿إِنَّ﴾ المستأنفة.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم وأعرض عنهم يعقوب وقال: ﴿يَا أَسَفَى﴾ أي: يا حُزْنًا على يوسف (٤) يقال: إن " الأسف " هو أشدُّ الحزن يقال منه: "أسِفْتُ على كذا آسَفُ عليه أسَفًا"، يقول الله تعالى: ﴿وابيضَّت﴾ عينا يعقوب من الحزن ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾: أي فهو مكظوم على الحزن (٥)، أي هو مملوء منه، مُمْسِك عليه، صُرِف " المفعول " منه إلى " فعيل " قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ
_________________
(١) الفراهيدي، العين، مرجع سابق، ٣/ ١٦.
(٢) الأنباري، مرجع سابق، ١/ ٣٦٨. ابن منظور، مرجع سابق، ٦/ ٣٨.
(٣) الفراهيدي، العين، مرجع سابق، ٧/ ٣٣١.
(٤) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٧. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٥. السمرقندي، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٦.
(٥) مجاهد، مرجع سابق، ص ٤٠٠. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٧.ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢١٥.
[ ٢٩٥ ]
الْغَيْظَ﴾ (١)، ويسمى الحرض (٢) ونحوه كِظامة، لأنه يمسك الماء ويحبسه، وقيل: كان حزن يعقوب على يوسف لأنه علم أنه حي فخاف على دينه، وقيل: كان حزنه لأنه سلّمه إليهم وهو صبي فندم على ذلك.
وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: قال ولد يعقوب الذين انصرفوا إليه من مصر له حين قال: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾: تالله لا تزال تذكر يوسف (٣)، ﴿تَفْتَأُ﴾ بمعنى تزال يقال فتئ يفتأ فَتأً وفُتوُءًا (٤).
كما قال (٥):
فَمَا فَتِئَتْ حَتَّى كأَنَّ غُبَارَهَا سُرَادِقُ يَوْمٍ ذِي رِيَاحٍ تَرَفَّعُ (٦)
أي: فما زالت، والمعنى لا يزال (٧)، ولا يحذف مع النفي لدلالة ثبات قول الايجاب، لأنك تقول في الإيجاب والله لآتينك ومن حذف لا في النفي في القسم
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٤.فائدة: "وقال سعيد بن جبير: ما أعطيت أمة من الأمم ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ غير هذه الأمة، ولو كان أوتيها أحد قبلكم لأوتيها يعقوب حين قال: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾.نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٧٤٢.
(٢) كذا بالأصل ولعل الصواب"الحوض" لاستقامة المعني. ينظر: الزمخشري، أساس البلاغة، مرجع سابق، ٢/ ١٣٧.
(٣) مجاهد، مرجع سابق، ١/ ٤٠٠.عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٧.ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢١٩.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٢٩٩. ابن سيده، المحكم والمحيط الأعظم، مرجع سابق، ٩/ ٥١٣. ابن منظور، مرجع سابق، ١/ ١١٩. الزبيدي، مرجع سابق، ١/ ٣٤٢.
(٥) هو لأوس بن حُجْر بن مالك التميمي تقدمت ترجمته. ديوان "أوس بن حجر"، البيت: ١٧، القصيدة: ١٢، لسان العرب (شرم)، وروايته فيهما: " فَمَا فَتِئَتْ حَتَّى كَأَنَّ غُبَارَهَا ".ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٢٠. ابن عطية، مرجع سابق، ٣/ ٢٧٣.
(٦) السمين، مرجع سابق، ٦/ ٥٤٦. ابن عادل، مرجع سابق، ١١/ ١٩٠. الشوكاني، مرجع سابق، ٣/ ٥٨.
(٧) قوله: "تفتأ" هو جواب القسم في قوله: "تالله" وهو على حذف "لا" ويدل على حذفها أنه لو كان مثبتًا لاقترن بلام الابتداء ونون التوكيد معًا عند البصريين، أو أحدهما عند الكوفيين. وهي ناقصة بمعنى-لا تزال-فترفع الاسم وهو الضمير، وتنصب الخبر وهو الجملة من قوله: "تذكر".وسقوط (لا) منها ومن غيرها معروف في كلام العرب، تقول العرب: والله أقصدك أبدًا: أي لا أقصدك ومنه قول امرئ القيس: فقلت يمين الله أبرحُ قاعدًا. ولو قَطَّعوا رأسي لديْكِ وأوصالي، الجرجاني، دَرْجُ الدُّرر في تَفِسيِر الآيِ والسُّوَر، مرجع سابق، ٣/ ١٠١٣.
[ ٢٩٦ ]
قول امرئ القيس (١):
فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ (٢) أَبْرَحُ قَاعِدًا وَلَوْ قَطَّعُوا رَاسِي لَدَيكَ وَأَوْصَالِي
أي: لا أبرح وقولُهُ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ أي: حتى تكون دَنِفَ الجسم مخبولَ العقل، وأصل الحرض: الفساد في الجسم والعقل، من الحزن أو من العشق (٣) ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ (٤) أي: ممن هلك بالموت (٥) يذهب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: قال يعقوب للقائلين له من ولده (٦): ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ الآية، لست إليكم أشكو بثي وحزني، وإنما أشكو ذلك إلى الله (٧)، والبث همه وحزنه وقيل: البثّ أشد الحزن، إنما أشكوا حزني (٨) الذي أنا فيه، وأبث حديثي وحزني إلى الله، وقولُهُ:
_________________
(١) امْرُؤُ القَيْس، مرجع سابق، ١/ ١٣٧. ابن قتيبة الدينوري، الشعر والشعراء مرجع سابق، ١/ ١٣٦.
(٢) الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ١٥/ ٣٧٧. الجوهري، مرجع سابق، ٦/ ٢٢٢٢. ابن منظور، مرجع سابق، ١٣/ ٤٦٣.
(٣) ابن قتيبة الدينوري، غريب القرآن، مرجع سابق، ١/ ٢٢١. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٠١. البغوي، مرجع سابق، ٤/ ٢٦٨.
(٤) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٥، ٢١٨٨.
(٥) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٧. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٢٤.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٨.بدون "يذهب" في المراجع السابقة ولعلها "فيذهب" للسياق والله أعلم.
(٦) في (د) زيادة "لما قالوا له".
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٢٥.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٩. فائدة: فإن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، وانما الذي ينافيه الشكوى إلى المخلوقين. جواز ابتلاء صاحب الحق بالمصائب والرزايا، وصاحب الباطل بالنعم والعطايا، جواز إخبار الإنسان بما يجد وبما هو فيه من مرض أوفقر ونحوهما من غير وجه التسخط. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٧٥١
(٨) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٨٩.
[ ٢٩٧ ]
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وإني سأسجد له (١)، وقال السدي: لَمَّا أَخْبَرُوهُ بِدُعَاءِ الْمَلِكِ، أَحَسَّتْ نَفْسُ يَعْقُوبَ، وَقَالَ: مَا يَكُونُ فِي الأَرْضِ صِدِّيقٌ إِلا نَبِيُّ. فَطَمِعَ، قَالَ: لَعَلَّهُ يُوسُفُ (٢). وروي عن الحسن يرفعه إلى النبي صلى الله عليه قال، قيل: ما بلغ من وجدُ يعقوب على ابنه؟ قال: وجد سبعين ثكلى!. قال: فما كان له من الأجر؟ قال: أجر مئة شهيدٍ (٣).
قال: وما ساء ظنه قط من ليل ولا نهارٍ، ومما أخبر به وهب بن منبه (٤) قال: أتى جبريل يوسف بالبشرى وهو في السجن، فقال: هل تعرفني أيها الصِّدِّيق؟ قال: أرى صورة طاهرة ورُوحًا طيبة لا تشبه أرواح الخاطئين. قال: فإني رسول رب العالمين، وأنا الروح الأمين، قال: فما الذي أدخلك مُدْخَل المذنبين، وأنت أطيب الطيبين، ورأس المقربين، وأمين رب العالمين؟ قال: ألم تعلم يا يوسف أن الله يطّهر البيوت بطُهْر النبيين، وأن الأرض التي يدخلونها هي أطهر الأرَضِين، وأن الله قد طهَّر بك السجن وما حوله يا طهر الطاهرين وابن المتطهَّرين؟ إنما يتطهر بفضل طهرك وطهر آبائك الصالحين المخلَصِين! قال: كيف لي باسم الصالحين الصّدِّيقين، وتعدُّني من المخلصين، فقد أدخلت مُدْخَل المذنبين، وسميت بالضالين المفسدين (٥) قال: لم يُفْتَتَنْ قلبُك، ولم تطع سيدتك في معصية ربك، فلذلك سمَّاك الله في الصديقين، وعدّك من المخلَصين، وألحقك بآبائك الصالحين. قال: هل لك علم بيعقوب أيها الروح الأمين؟ قال: نعم، وهب الله له الصبر الجميل، وابتلاه بالحزن عليك، فهو كظيم. قال: فما قَدْرُ حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى، قال: فماذا له من الأجر
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٢٧.
(٢) ابن جرير، المرجع السابق. البغوي، مرجع سابق، ٤/ ٢٧٠.
(٣) تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري، سورة يوسف ﵇، ٢/ ١٧٥، رقم الحديث ١٦. وقال صاحب الكتاب: لم يروه الطَّبَرِيّ إِلَّا من قَول الْحسن. ابن جرير، المرجع السابق. الدر المنثور، للسيوطي، الآية: ٨٤ - ٤/ ٥٧٠.
(٤) وهب بن منبه بن كامل أبو عبد الله من أبناء فارس، كان ممن قرأ الكتب ولزم العبادة وصلى أربعين سنة صلاة الصبح بوضوء عشاء الآخرة ومات في المحرم سنة ثلاث عشرة ومائة. ابن سعد،مرجع سابق، ١/ ١٣٠. ابن حبان، مرجع سابق، ٥/ ٤٨٧. ابن حجر، لسان الميزان، مرجع سابق، ٧/ ٤٢٨.
(٥) قال الشيخ أحمد شاكر تعليقًا: وسُميتُ بالضالين المفسدين"، وهو لا يستقيم، صوابه، ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٣٠.
[ ٢٩٨ ]
يا جبريل؟ قال: قدر مئة شهيدٍ (١).
وقال يوسف: فإلى من أدي (٢) قال: إلى أخيك ابن يامين. قال: فتري ألقاه أبدًا؟ قال: نعم. فبكى يوسف لِما لقي أبوه بعده، ثم قال: ما أبالي ما لقيت إن أرانيه (٣)، وروي عن الحسن قال: كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب إلى يوم رجع ثمانون سنة، لم يفارق الحزن قلبه، ولم يزل يبكي حتى ذهبَ بصره، قال الحسن: والله ما على الأرض يومئذ خليقةٌ أكرم على الله من يعقوب (٤).
وقوله تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي: حين طمع يعقوب في يوسف، يقول لبنيه ﴿اذْهَبُوا﴾ إلى الموضع الذي جئتم منه وخلفتم أخويكم به، ﴿فتحسَّسوا﴾ يقول: التمسوا يوسف وتعرَّفوا من خبره وأصل التحسُّس "التفعل "من " الحِسِّ"، ﴿وَأَخِيهِ﴾ ابن يامين، ﴿وَلَا تَيْئَسُوا﴾ أي: لا تقنطوا من روح الله، يعني فرجه ورحمته إنه لا يقنط من فرجه ورحمته وينقطع رجاءه منه، ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ يعني: القوم الذين يجحدون قُدرته (٥) على كل ما شاءَ، قال السدي: من فرج الله. وهو معنى قول ابن إسحاق والضحاك وابن زيد (٦).
_________________
(١) السيوطي، المرجع السابق .. وقال: أخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن وهب بن مُنَبّه﵁قَالَ: لما أَتَى جِبْرِيل ﵇ يُوسُف ﵇. نفس الأثر. وبنحوه البغوي، مرجع سابق، ٤/ ٢٦٩، ٢٧٠.
(٢) كذا في الأصل ولعل الصواب"أوى بعدي" كما هو عند ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٣١، وللسياق والله تعالى أعلم.
(٣) بلفظ" إن الله أرانيه" ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٣١. السيوطي، الدر المنثور، مرجع سابق، ٤/ ٥٠٧.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٣٢.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣١٤.
(٦) ابن جرير، المرجع السابق.
[ ٢٩٩ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عليه قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ في الكلام متروك (١) وذلك: فخرجوا راجعين إلى مصر حتى صاروا إليها، فدَخلوا على يوسف، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عليه قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ (٢) أي: الشدة من الجدب والقحط ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أي: قليلة (٣). قال ابن إسحاق: بدراهم قليلة، أو ثمن لا يجوز في ثمن الطعام ألا يتجوز من البائع فيها (٤)، وأصل الإزجاء السوق بالدفع (٥) قال (٦):
لِبَيْكِ عَلَى مِلْحَانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعٌ وَأَرْمَلَةٌ (٧) تُزْجِى مَعَ اللَّيلِ أزجَلا
يعني: أنها تسوقه بين يديها على ضعف منه عن المشي وعجزًا، قال ابن عباس: مزجاة رثة المتاع خلق الحبل والغرارة (٨). وقال سعيد بن جبير: ناقصة (٩).
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٣٤.
(٢) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٢، ٢١٩١.
(٣) مجاهد، مرجع سابق، ١/ ٤٠٠. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٣٧. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٢.فائدة: من الأحكام الشرعية، جواز إخبار الإنسان بما يجد، وما هو فيه من مرض، أو فقر، أو غيرهما على غير وجه التسخط، لقول إخوة يوسف ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ وأقرهم يوسف على ذلك وجواز الشكوى إذا كان المراد بها الكشف عن الحال للإصلاح كأن يقول المحتاج: إني جائع أو عار. نصر والهلالي، ١/ ٧٥٩.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٤٠.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٢. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٥١.
(٥) والمعنى أنها بضاعة تدفع، ولا يقبلها كل أحد. القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ٢٥٣، أبو حيان، مرجع سابق، ٥/ ٣٣٩.
(٦) حاتم في ديوانه ص ٢٨٢. وأنشده ابن بري، ابن منظور، مرجع سابق، ١١/ ٢٩٧. (لسان العرب: رمل)، وظاهر أن الشعر لحاتم، لأن" ملحان"، هو ابن عمه" ملحان بن حارثة بن سعد بن الحشرج الطائي"ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٣٥.
(٧) رَجُلٌ أَرْمَلٌ: لا امرأةَ له، وامرأةٌ أرْمَلَة: لا زَوْجَ لها، والجميعُ الأرامل. كراع النمل، مرجع سابق، ١/ ١٢١.أبوحيان، مرجع سابق، ٦/ ٣١٧.
(٨) سعيد بن منصور، مرجع سابق، ٥/ ٤٠٧. عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٨ بزيادة "والشيئ". ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٣٥.
(٩) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٣٧. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٢. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٥١.
[ ٣٠٠ ]
وقال عكرمة: دراهم فسول رديئة (١). وقال عبد الله بن الحارث (٢): متاعُ الأعراب: الصوفُ والسَّمن (٣)، وقيل الصوف والحبة الخضراء (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أي: جئنا ببضاعة فيها تجاوز لردائتها فأوف لنا الكيل وأعطنا ما كنت تعطينا بالثمن الجيد والدراهم الجياد (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ أي تفضل علينا بما بَيْنَ سعر الجياد والرديّة (٦)، ولا تنقصنا إن الله يثيب المتفضلين على أهل الحاجة بأموالهم. واختلف في الصدقة هل كانت حلالا للأنبياء قبل نبيِّنا محمد صلى الله عليه؟ أو كانت حرامًا؟ فقال بعضهم: لم تكن حلالا لأحدٍ من الأنبياء (٧)، وهو معنى قول سعيد بن جبير. وروي عن ابن عيينة (٨):
هل حرمت الصدقة على أحدٍ من الأنبياء قبل النبيّ ﷺ؟ فقال: ألم تسمع قوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ ويذهب ابن عيينة (٩) إلى أنهم
_________________
(١) فسول: يقال: أفسل فلان على فلان متاعه، إذا أرذله، وأفسل عليه دراهمه، إذا زيفها. لسان العرب (ف س ل).ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩١،٢١٩٢.
(٢) عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي القرشي، (ت: ٩١ - ١٠٠ هـ) زوج أخت محمد بن سِيرين، وثقه أبو زرعة، وليس هو بالمشهور. البخاري،التاريخ الكبير، مرجع سابق، ٥/ ٦٤.ابن حبان، مرجع سابق، ٥/ ٢٦. ابن حجر، تهذيب التهذيب، مرجع سابق، ٥/ ١٨١.
(٣) سعيد بن منصور، مرجع سابق، ٥/ ٤٠٦.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩١.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٣٧. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩١.السمرقندي، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٨.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٢.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٤١. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٣.
(٧) أقسام موسوعة الحديث، الكتب، باب الجيم، رقم الحديث، ١٨١٥٢.والحديث مقطوع قاله الشيخ شاكر تعليقًا بتصرف. ابن جرير، المرجع السابق.
(٨) سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي الكوفي، أبو محمد: محدّث الحرم المكيّ. من الموالي. ولد بالكوفة، وسكن مكة وتوفي بها .. كان حافظا ثقة، واسع العلم كبير القدر، قال الشافعيّ: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز. مولده سنة سبْعٍ ومائة في نصف شَعْبان ت: ١٩٨ هـ. ابن سعد،مرجع سابق، ٦/ ٤١. الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ٨/ ٤٥٤. الزركلي، مرجع سابق، ٣/ ١٠٥.
(٩) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٤٢. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق، ٤/ ٣٣١
[ ٣٠١ ]
لم يقولوا ذلك وإلا فالصدقة لهم حلال (١)، وهم أنبياء وأن الصدقة إنما حرمت على محمد ﷺ (٢). قال ابن جريج: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾: براد (٣) أخينا إلينا. وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه شدة المحبة لشيء من الحزن على فقده والتأسف لقومه مع جلالة قدر الحزين وعظم منزلته في الدين، والبيان عما يوجبه كثرة الذكر للمحب من الصرف عنه واليأس منه فلا معنى لاختلاف الحزن عليه والتأسف لفقده، والبيان عما يوجبه شدة الاغتمام من الشكوى إلى من يملك الفرج من البلوى ويتفضل بالإحسان الذي هو أعلى وأولى، والبيان عما يوجبه حسن الرجاء لفضل الله من الطلب للأمور التي يكون بها والتعرض للأسباب التي يقع عندها، والبيان عما يوجبه التلطف في المسألة من ذكر ما يدعوا إلى الإجابة من الضر والحاجة وحال من يجوز له الصدقة بتذكير ما فيها من حسن المجازاة.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
_________________
(١) فائدة: واختلف العلماء هل كانت الصدقة حلالا للأنبياء قبل نبينا أم لا فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالا للأنبياء قبل محمد ﷺ واستدل بهذه الآية وأنكر جمهور العلماء ذلك وقالوا إن حال الأنبياء كلهم واحد في تحريم الصدقة عليهم لأنهم ممنوعون من الخضوع للمخلوقين والأخذ منهم، والصدقة أوساخ الناس فلا تحل لهم لأنهم مستغنون بالله عمن سواه. وأجيب عن قوله وتصدق علينا أنهم طلبوا منه أن يجريهم على عادتهم من المسامحة وإيفاء الكيل ونحو ذلك مما كان يفعل بهم من الكرامة وحسن الضيافة لا نفس الصدقة. الخازن، مرجع سابق، ٢/ ٥٥١ بتصرف.
(٢) فائدة: تحريم الزكاة والصدقة على محمدٍ وآله ﷺ، وذلك لكرامتهم وتنزيههم عن الأوساخ؛ فقد قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» رواه مسلم (١٠٧٢). من حديث عبدالمطلب بن ربيعة ﵁. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما تحريم الصدقة فحرمها عليه وعلى أهل بيته تكميلًا لتطهيرهم، ودفعًا للتهمة عنه؛ كما لم يورث، فلا يأخذ ورثته درهمًا ولا دينارًا). (مجموع الفتاوى)، ١٩/ ٣٠.
(٣) كذا في الأصل"براد" ولعل الصواب "برد" نص ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٤٢.
[ ٣٠٢ ]
﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ حسن (١)، وكذا ﴿مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ (٢)، ﴿بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ تمام (٣) عند نافع، ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ حسن (٤)، ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ كاف (٥)، ﴿يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ حسن (٦).
وقولُهُ ﷿:
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾
_________________
(١) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٥. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال الأنصاري: حسن، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٦. كاف عند الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٦.
(٢) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٩. وكذا الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. كاف عند الأشموني، المرجع السابق.
(٣) قال: حسن، النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق.
(٤) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. وكذا الأنصاري، المرجع السابق. قال: أكفى منه الأشموني، المرجع السابق.
(٥) قال: حسن، النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال الأنصاري: كاف، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. تام عند الأشموني، المرجع السابق.
(٦) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال: حسن. الأنصاري، المرجع السابق. كاف عند الأشموني، المرجع السابق.
[ ٣٠٣ ]
﴿هَلْ﴾ استفهام فيه معنى توبيخ وتقرير، ﴿مَا﴾ بمعنى الذي في موضع نصب، ﴿فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ متعلق بـ ﴿فَعَلْتُمْ﴾، ﴿إِذْ﴾ ظرف العامل فيه ﴿فَعَلْتُمْ﴾، ﴿أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ ابتداء وخبر، ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ دخلت ألف الاستفهام على إنك، يقرأ بالاستفهام وعلى الخبر (١)، ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾ ابتداء وخبر، ﴿وَهَذَا أَخِي﴾ جملة معطوفة على جملة، ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿مَنَّ﴾ ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، ﴿مَنْ﴾ شرطـ ﴿يَتَّقِ﴾ جزم بـ ﴿مَنْ﴾ ﴿وَيَصْبِرْ﴾ عطف على ﴿يَتَّقِ﴾، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الفاء جواب ﴿مَنْ﴾ وعلامة الجزم في ﴿يَتَّقِ﴾ حذف الياء، ومن أثبتها قدر الحركة جارية على الياء فحذف الحركة وبقي الياء (٢)، ومثله قول قيس بن زهير (٣):
أَلَمْ يَاتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي بِمَا لاَقَتْ لَبُونُ (٤) بَنِي زِيادِ
يريد يأتيُك فحذف الضمة الجزم، وبقي الياء، وحذف الياء أجود (٥)، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ﴾ قسم ﴿لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ جواب القسم، و﴿عَلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿آَثَرَكَ﴾،
_________________
(١) النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١٤. أبو حيان، مرجع سابق،٥/ ٣٣٧.
(٢) أبو شامة، مرجع سابق، ١/ ٥٤٠. درويش، مرجع سابق، ٥/ ٤٨.
(٣) قيس بن زهير بن رواحة العبسيّ، ويكنى أبا هند يلقب بقيس الرأي لجودة رأيه معدود في الأمراء والدهاة والشجعان والخطباء والشعراء مات في عمان ١٠ هـ أمير عبس. ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، مرجع سابق،٥/ ٤١٧. لويس شيخو، مرجع سابق، ٦/ ٩١٧. البغدادي، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، مرجع سابق، ٨/ ٣٥٩.الزركلي، مرجع سابق،٥/ ٢٠٦.
(٤) اللبون: الناقة ينزل فيها اللبن فترضع صغارها. مادة "ل ب ن" ابن منظور، مرجع سابق، ٥/ ٣٩٨٩.
(٥) الفراء، مرجع سابق،١/ ١٦١. الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٩٥ النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٣/ ٥١.
[ ٣٠٤ ]
يقال: آثره يؤثره إيثارا فهو مؤثر (١)، ويقال: أثرت التراب إثارة فأنا مثير، والأصل في أثرْتُ: أَثْيَرْتُ، نقلت حركة الياء إلى الثاء ثم قلبت الياء ألفا ثم حذفتها لسكونها وسكون الراء، ويقال أثرت الحديث على فعلت فأنا آثُره (٢) على أفعل وأنا آثر على فاعل، ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾، ﴿إنْ﴾ بمعنى: مالي (٣) ما كنا إلا خاطئين، ﴿لَا تَثْرِيبَ عليكمُ الْيَوْمَ﴾، ﴿تَثْرِيبَ﴾ مبني مع ﴿لَا﴾ في موضع رفع بالابتداء، ومعناه التوبيخ والتعنيف وإلزام الملامة (٤)، ﴿عليكمُ الْيَوْمَ﴾ في موضع خبر، ﴿لَا تَثْرِيبَ﴾ و﴿عليكمُ﴾ و﴿الْيَوْمَ﴾ متعلقان بمعنى الاستقرار (٥)،
﴿عليكمُ﴾ الخبر متعلق بمعنى الاستقرار، و﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف له متعلق بما تعلق به ﴿عليكمُ﴾ ويجوز أن يجعل عليكم صفة لـ ﴿تَثْرِيبَ﴾ ويكون ﴿الْيَوْمَ﴾ الخبر، ويجوز أن يكون الخبر عليكم، و﴿الْيَوْمَ﴾ منقطع مما تقدم على طريق الاستئناف فيكون متعلقا بـ ﴿يَغْفِرُ﴾ والتقدير: يغفر الله لكم اليوم لأنه الوقت (٦) الذي يسمح بما عاملوه به، و﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَغْفِرُ﴾، ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ابتداء وخبر ﴿اذْهَبُوا﴾ أمر ﴿بِقَمِيصِي﴾ هذا الباء متعلقة بـ ﴿اذْهَبُوا﴾، و﴿هَذَا﴾ نعت للقميص (٧) لإضافته إلى مضمر الذي هو أعرف من المبهم، ﴿فَأَلْقُوهُ﴾ عطف على فـ ﴿اذْهَبُوا﴾، ﴿عَلَى وَجْهِ
_________________
(١) الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ١٥/ ٨٩. ابن دريد، مرجع سابق، ٢/ ٨١. الزبيدي، مرجع سابق، ١٠/ ٢٠. الأَثر: بَقِيَّةُ الشَّيْءِ، وَالْجَمْعُ آثَارٌ وأُثور. وَخَرَجْتُ فِي إِثْره وَفِي أَثَره أَي بَعْدَهُ. واتَثَرْتُه وتَأَثَّرْته: تَتَبَّعْتُ أَثره، عَنِ الْفَارِسِيِّ. وَيُقَالُ: آثَرَ كَذَا وَكَذَا بِكَذَا وَكَذَا أَي أَتْبَعه إِياه. ابن منظور، مرجع سابق، ٤/ ٥
(٢) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١٤.
(٣) كذا في الأصل ولعله تحريف بزيادة"لي" لاستقامة المعنى.
(٤) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٣/ ٤٥٦.
(٥) القيسي، مشكل إعراب القرآن، مرجع سابق، ١/ ٣٩٤ ..
(٦) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١٤. أبو حيان، مرجع سابق، ٥/ ٣٣٨.
(٧) النَّحَّاس، المرجع السابق. ابن الأنباري أبو البركات، مرجع سابق، ٢/ ٥٥٣.
[ ٣٠٥ ]
أَبِي﴾ متعلق بـ ﴿فَأَلْقُوهُ﴾، ﴿يَأْتِ﴾ جواب الأمر (١)، ﴿بَصِيرًا﴾ نصب على الحال، العامل فيها ﴿يَاتِ﴾ وهي حال من المضمر في ﴿يَاتِ﴾، ﴿وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ﴾ الباء متعلقة بـ أتوني، ﴿أَجْمَعِينَ﴾ توكيد لأهلكم، القميص مذكر، فأما قوله: " تَدْعُو هَوَازِنَ وَالْقَمِيصُ مُفَاضَةٌ " (٢)، فإنما أراد في هذا بالقميص الدرع.
القولُ في القراءةِ:
قرأ ابن كثير ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ على الخبر، والباقون على الاستفهام، لأنه لما قال لهم ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ الآية. استثبتوه فقالوا: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ فأجابهم بأن قال: أنا يوسف. والمعنى في الخبر: لما قال لهم ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ الآية، تنبهوا فقالوا: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾، قرأ ابن كثير في
_________________
(١) النَّحَّاس، المرجع السابق.
(٢) قمص: الْقَمِيصُ الَّذِي يُلْبَسُ مَعْرُوفٌ مُذَكَّرٌ، وقد يعنى به الدرع فيؤنث؛ وأنثه جرير حين أراد به الدرع فقال: "تَدْعُو هوازنَ والقميصُ مُفاضةٌ تَحْتَ النّطاقِ، تُشَدُّ بالأَزرار". والجمع أَقْمِصةَ وقُمُصٌ وقُمْصانٌ وقَمَّص الثوبَ قَطَعَ منه. ابن منظور، مرجع سابق، فصل القاف،٧/ ٨٢. وبلا نسبة في الفراهيدي، العين، مرجع سابق، ٥/ ٧٠ .. الشاهد لجرير في ديوانه، ص ٨٩٧. الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، مرجع سابق، ٨/ ٣٨٧ ..
[ ٣٠٦ ]
رواية قنبل (١) ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ﴾ بإثبات الياء، والباقون بحذفها (٢)، فمن حذفها فللشرط، ومن أثبتها قدّر الحركة في الياء، ثم حذف الحركة، وأقر الياء كقوله (٣):
أَلَمْ يَأتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي (٤)
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم أن يوسف لما قال له إخوته: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ أدركته الرقّة، وباح لهم بما كان يكتمهم من شأنه، هذا نحو ما روي عن ابن إسحاق (٥) والسدي (٦)، فتأويل الكلام: هل تذكرون ما فعلتم بيوسف وأخيه، إذ فرقتم بينهما وصنعتم ما صنعتم في حال جهلكم بعاقبة ما تفعلون بيوسف، وما إليه صائر أمره وأمركم؟، وهذا يدل على أنهم كانوا صغارا في وقت أخذهم ليوسف، حتى تركوا أخاه منفردا منه.
_________________
(١) محمد بن عبد الرحمن المكيّ المخزومي أبو عمر الشهير بقنبل (١٩٥ - ٢٩١ هـ) من أعلام القرّاء. وولي الشرطة بمكة وتوفي بها. الذهبي، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، مرجع سابق، ١/ ١٣٣. ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، مرجع سابق، ٢/ ١٦٥. الزركلي، مرجع سابق، ٦/ ١٩٠.
(٢) ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٥١. النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١٤. ابن خالويه، كتاب السبعة في القراءات، مرجع سابق، ص ١٩٨. الأزهري الهروي، معاني القراءات، مرجع سابق،٢/ ٥٠.
(٣) ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة العربية، مرجع سابق، ١/ ٢١٣. ابن جني، سر صناعة الإعراب، مرجع سابق، ١/ ٣٣٤.نسبه ابن منظور إلى قيس بن زهير بن جذيمة العبسي، مرجع سابق، ١٤/ ١٤.
(٤) كذا في الأصل ولم يذكر عجزَ البيتِ ولعله أتى به للشاهد فقط ولقد ذُكر البيتُ بأكمله سابقًا وعجزُه"بما لاقت لبونُ بني زيادِ" الشرح: ألم تسمع أو يصل إليك نبأ لبون بني زياد وما جرى لهن. الشاهد: إبقاء الياء مع الجزم في "يأتيك" وقد خرجه الأخفش على أنه قدر الضمة قبل الجزم ثم حذفها للجزم كقولك في "يكرمك" ألم يكرمك. وذلك للضرورة. ودلل على ذلك بإنشاد أهل العربية لجرير. "فَيَوْمًا يُجارِينَ الهوَى، غيرَ ما صِبًا ويومًا ترىَ منهنَّ غولًا تغولُ". وقال سيبويه: إنه ضرورة، وزعم الزجاجي والأعلم أنها لغة وخالفهما ابن السيد في شرح أبيات الجمل. ابن جني، سر صناعة الإعراب، مرجع سابق، ١/ ٩٢.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٤٣.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٣.
(٦) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٣.
[ ٣٠٧ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قال إخوة يوسف حين قال لهم ذلك يوسف: ﴿أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ فقال: نعم ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ علينا﴾ بأن جمع بيننا بعد ما فرقتم بيننا، يقول إنه من يتق فيراقبه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه ويصبر ويكفّ نفسه، فيحبسها عما حرَّم الله عليه من قول أو عمل عند مصيبةٍ نزلتْ به من الله، فإن الله لا يضيع ثواب إحسانه وجزاء طاعته إيَّاه فيما أمره ونهاه (١) لا يبطل ذلك. وذكر ابن إسحاق أنه لما قال لهم ذلك: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ الآية، كشف عنهم الغطاء فعرفوه (٢) فقالوا: ﴿أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾، وقال مجاهد: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، بترك (٣) من يتقي معصية الله ويصبر على السجن (٤).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ علينا﴾ أي: قال إخوة يوسف لقد فضلك الله علينا، وآثرك بالحلم والعلم والفضل ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ أي: وما كنا في فعلنا الذي فعلناه بك (٥)، من تفرقتنا بينك وبين أبيك وأخيك وغير ذلك من صنيعنا الذي صنعنا بك، إلا خاطئين، بمعنى:
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٤٤.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٤٥.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٤.القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٦٢٩.
(٣) كذا في الأصل وفي (د) "يقول". ولعل الصواب "يقول" لاستقامة المعنى ولثبوتها في المصادر الأخرى، ابن جرير، المرجع السابق. ابن أبي حاتم، المرجع السابق.
(٤) ابن جرير، المرجع السابق. ابن أبي حاتم، المرجع السابق. البغوي، مرجع سابق، ٤/ ٢٧٤.
(٥) ابن أبي حاتم، المرجع السابق.
[ ٣٠٨ ]
مخطئين يقال: خَطِئَ فلان يَخْطَأ خَطَأ وخِطْأً وهو خاطئ وأخطأ يخطيء (١) مثل: أثم يأثم. وقال أمية بن الأسكر:
وَإنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ غَدَاتَئِذٍ لقَدْ خَطِئا وحَابَا (٢)
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عليكمُ الْيَوْمَ﴾ أي: قال يوسف لإخوته: لا تعيير (٣) عليكم ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة وحقّ الأخوة، ولكن لكم عندي الصفح والعفو (٤).وفي الحديث" إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا، وَلا يُثَرِّبْ "أي ولا يُعَيِّرها بالزِّنا " (٥) قال سفيان (٦) وقتادة وابن إسحاق
_________________
(١) وقال ابنُ السِكِّيت: يقال: خُطِّئ عَنك السوءُ؛ وقَالَ أَبو زَيْدٍ: خَطَأَ عَنْكَ السُّوءُ أَي أي أخطأك البلاء. وخَطِئَ الرجلُ يَخطَأُ خِطْأً وخِطْأَةً عَلَى فِعْلَةٍ: أَذنب. وخَطَّأَه تَخْطِئَةً وتَخْطِيئًا: نسبه إلى الخطإ، وقال له أخطأت. يقال: إن أخطأت فخطئني، وإن أصبت فصوبني، وإن أسأت فَسَوِّئْ عليَّ أَي قُل لِي قَدْ أَسَاتَ، ابن منظور، مرجع سابق،١/ ٦٦.
(٢) وَإنَّ غَدَاةَ إِذٍ لقَدْ خَطِئا وحَابَا. وَإنَّ غَدَاتَئِذٍ لقَدْ خَطِئا وخَابَا. (كذا في الأصل). وإن لعمرُ اللهِ قدْ خَطِئا وحَابَا. ويروى صدره" وَإنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ". "أتاه مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ" وأما عجزه فاختلفت رواياته، وروايته: " لعمرُ اللهِ قدْ خَطِئا وخَابَا " بالخاء، وأرجح أن أجود الروايتين، روايته في هذا الموضع، بالحاء المهملة؛ وإن كانت أكثر الكتب قد أثبتها بالخاء المعجمة، وأرجح أيضًا أنه تصحيف قديم، ومعنى رواية أبي جعفر أشبه بسياق الشعر إن شاء الله، والبيت فى طبقات الجمحي، ٤٤، والطبري ٤/ ١٥٤، والأغانى ١٨/ ١٥٨، والإصابة ١/ ١٥٠، البغدادي، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، مرجع سابق، ٢/ ٥٠٢. وهو من كلمة قالها فى ابنه كلاب الذي لقى ذات يوم طلحة بن عبد الله والزبير بن العوام فسألهما: أي الأعمال أفضل فى الإسلام؟ فقالا: الجهاد، فسأل عمر فأغزاه فى جيش، وكان أبوه كبر وضعف فطالت غيبته فقال، من تعليق الشيخ شاكر بتصرف، ابن جرير، مرجع سابق،٧/ ٥٢٩. الثعلبي، مرجع سابق، بالحاء المهملة والخاء المعجمة، ٣/ ٢٤٤ - ٥/ ٢٥٤.
(٣) التثريب كالتأنيب والتعيير والاستقصاء في اللوم. الجوهري، مرجع سابق، ١/ ٩٢. ابن منظور، مرجع سابق، ١/ ٢٣٥.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٤٧.القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٦٢٩. القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ٢٥٨.
(٥) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب بيع المدبر، ٣/ ٨٣، رقم الحديث ٢٢٣٤. وصحيح مسلم، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، ٣/ ١٣٢٨، رقم الحديث ١٧٠٣.
(٦) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٥.
[ ٣٠٩ ]
قال السدي (١): قال لا أذكر لكم ذنبكم يغفر الله لكم وهذا دعاء من يوسف لإخوته بأن يغفر الله لهم ذنبهم يقول: عفا الله لكم عن ذنبكم وظلمكم لي، فستره عليكم والله أرحم الراحمين لمن تاب من ذنبه وأناب (٢).
وقولُهُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ ذكر أن يوسف لما عرّف نفسه إخوته، سألهم عن أبيه، فقالوا: ذهب بصره من الحزن! فعند ذلك أعطاهم قميصَه وقال لهم: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾ يقول يَعُود بصيرًا، ﴿وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ﴾ أي: جيئوني بجميع أهلكم (٣)، وتوجيهه القميص علامة جعلها الله لشمه رائحة يوسف، وبشارة به قبل لقائه. قال الحسن والسدي في رد بصره عليه: معجزة جعلها الله، ويحكى أن يهوذا قال: أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم، وأخبرته أن يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص فأخبره أنه حي فأفرحه كما أحزنته، فهو كان البشير (٤). وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه الجهل من سلوك طريق الغي وحمل النفس على الظلم الذي يؤدي إلى الذل بعد العز، والفقر بعد الغنى، والبيان عما يوجبه صبر التقوى من إسباغ النعمة على صاحبه بما لا يهتدي لطلبه من جود الله وكرمه، والبيان عما توجبه الفضيلة من الإيثار لصاحبها ببسط يده وتمكينه وعلوه على غيره ممن لا يستحق مثل منزله، والبيان عما يوجبه الصفح عن الذنب من تطييب نفس صاحبه بأنه لا تبعة عليه فيه ولا ضرر يلحقه لأخيه، والبيان عما يوجبه منتهى الأمد في محبة الصابر من تبليغه المحنة على نهاية الأمنية.
_________________
(١) ابن أبي حاتم، المرجع السابق. البغوي، مرجع سابق، ٤/ ٢٧٤.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٤٧.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٤٨. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٦.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٥٩. ابن أبي حاتم، المرجع السابق.
[ ٣١٠ ]
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ كاف (١)، ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ علينا﴾ تمام (٢) عند نافع، ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ كاف (٣)، وكذا ﴿لَخَاطِئِينَ﴾ (٤)، وقال الأخفش: ﴿لَا تَثْرِيبَ عليكمُ﴾ تمام (٥)، وقال نافع: ﴿عليكمُ الْيَوْمَ﴾ تمام (٦)، ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ مستأنف (٧)،
_________________
(١) قال: حسن، النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٥. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٩. الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٦. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق.
(٢) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. وكذا الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. كاف عند الأشموني، المرجع السابق.
(٣) حسن عند النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال الأنصاري: حسن، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. قال: أكفى منه الأشموني، المرجع السابق.
(٤) قال: حسن، النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال: حسن. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. الأشموني، المرجع السابق.
(٥) قال النحاس: فإن الأخفش قد زعم أن هاهنا قطع، القطع والائتناف، المرجع السابق. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٢٩. قال الأشموني،: بيان بين به أن قوله اليوم ليس ظرفا لقوله: لا تثريب، وإنما هو متعلق بمحذوف " أى ادعو " ثم استأنف اليوم يغفر الله لكم بشرهم بالمغفرة لما اعترفوا بذنبهم وتابوا فتيب عليهم، المرجع السابق. قال: وقف بيان الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق.
(٦) قال: حسن، النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال الأنصاري: وقف بيان، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. قال: والوقف على اليوم قاله نافع ويعقوب الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٧.
(٧) قال: على الدعاء النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. وكذا الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. قال الأشموني: وقف بيان، المرجع السابق.
[ ٣١١ ]
و﴿أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ كاف (١)، وكذا ﴿أَجْمَعِينَ﴾ (٢).
وقولُهُ ﷿:
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾
﴿لما﴾ ظرف (٣) نظير ما تقدم، جوابها: ﴿قَالَ﴾ وهو العامل فيها، ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾، ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى هلا (٤)، ﴿أَنْ﴾ في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، تقديره: هلا تفنيدكم، بمعنى من أن أُخبركم، ما أجد مؤكدة، وأن تزاد مع لما وقد لا تزاد (٥)، وكذلك حتى، تقول: حتى كان كذا وكذا، وحتى أن كان كذا، و﴿الْبَشِيرُ﴾ رفع بـ ﴿جَاءَ﴾، ﴿أَلْقَاهُ﴾ جواب "لَمَّا" ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَلْقَاهُ﴾، ﴿فَارْتَدَّ﴾ الفاء جواب ما أخبر به من إلقاء القميص، ﴿بَصِيرًا﴾ نصب على الحال من الضمير في "ارتدّ" وهو العامل في الحال، ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ الألف
_________________
(١) قال: حسن، النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٦. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٣٠. قال: تام الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٧. كاف عند الأشموني، المرجع السابق.
(٢) قال: حسن، النحاس، المرجع السابق. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٣٠. قال: حسن، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. قال: تام الأشموني، المرجع السابق.
(٣) صافي، مرجع سابق، ١٣/ ٦١. درويش، مرجع سابق، ٥/ ٥٤.
(٤) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ١٨٧. ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها، مرجع سابق، ١/ ١١٩. القيسي، مشكل إعراب القرآن، مرجع سابق، ١/ ٣٨٤. ابن الأنباري أبو البركات، مرجع سابق، ١/ ٦٥.
(٥) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٩٢ - ٢١٥. درويش، مرجع سابق، ٧/ ٢٩٥.
[ ٣١٢ ]
للتقرير، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿مَا﴾ بمعنى الذي في موضع نصب بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، ﴿لَنَا﴾ متعلق بـ ﴿اسْتَغْفِرْ﴾، ﴿ذُنُوبَنَا﴾ نصب بـ ﴿اسْتَغْفِرْ﴾، ﴿خَاطِئِينَ﴾ خبر ﴿كُنَّا﴾، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿اسْتَغْفِرْ﴾، ﴿رَبِّي﴾ نصب بـ ﴿أَسْتَغْفِرُ﴾، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ فاصلة (١)، ويجوز أن يكون مبتدأه، وأن يكون توكيدًا للفاء (٢)، وقد تقدم مثله.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم: ولما فصلت عير بني يعقوب من عند يوسف متوجهة إلى يعقوب، قال أبوهم يعقوب: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. ذُكر أن الريح استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف، قبل أن يأتيه البشير (٣)، فأذن لها، فأتته بها. قال ابن عباس (٤): هاجت بريح يوسف من مسيرة ثمان ليالٍ، وقال الحسن (٥): بلغنا أنه كان بينهم يومئذ ثمانون فرسخًا، وقال إني لأجد ريح يوسف، وكان قد فارقه قبل ذلك سبعًا وسبعين سنة، وهو معنى قول ابن إسحاق (٦). وقولُهُ: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ بمعنى: لولا أن تضعفوني،
_________________
(١) الإستراباذي، مرجع سابق، ٢/ ٤٥٥.
(٢) كذا في الأصل والصواب "للهاء" في ﴿إِنَّهُ﴾ لاستقامة المعني. الإستراباذي، المرجع السابق.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٤٩.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٥٥.الواحدي، مرجع سابق، ٢/ ٦٣٢.البغوي، مرجع سابق، ٢/ ٥١٣.
(٤) ابن جرير، المرجع السابق. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٧.السمرقندي، مرجع سابق، ٢/ ٢٠٩.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٥١.الثعلبي، المرجع السابق. البغوي، مرجع سابق، ٢/ ٥١٣.
(٦) ابن عطية، مرجع سابق، ٣/ ٢٧٨.
[ ٣١٣ ]
وتعجزوني، وتلوموني، وتكذبوني (١)، ومنه قول الشاعر (٢):
يا صَاحِبَيَّ دَعَا لَوْمِي وَتَفْنِيدِي (٣) فَلَيْسَ مَا فَاتَ مِنْ أَمْرِي (٤) بمَرْدُودِ
ويقال: أفنده الدهر أي: أفسده وقال ابن مقبل:
دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلُ مَا أَرَادَ فإنّه (٥) إِذا كُلِّفَ الإنسان بالدهر أَفْنَدا (٦)
والمعنى: لولا أن تسفهوني: عن ابن عباس (٧). وقال الحسن (٨)، ومجاهد (٩): تهرمون. وقيل: تكذبون عن الضحاك (١٠)،
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٥٤. البغوي، مرجع سابق، ٤/ ٢٧٥.
(٢) في (د) زيادة"هانئ بن شكيم العدوي". هو هانئ بن شكيم العدوي، هكذا نسبه أبو عبيدة، مرجع سابق، ١/ ٣١٨، وروايته هناك: "عن أمر"، بغير إضافة. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٥٢. لم أجد له ترجمة فالله المستعان.
(٣) قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لولا أن تضعفوا رأي، وَقَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَالْفَنَدُ ضَعْفُ الرَّايِ مِنْ كِبَرٍ. وَقَوْلٌ رَابِعٌ: تُضَلِّلُونَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وقال الأخفش: تلوموني والتفنيد: اللوم وتضعيف الرأي وقال الحسن وقتادة ومجاهد أيضا: تهرمون وكله متقارب المعنى، وهو راجع إلى التعجيز وتضعيف الرأي يقال: فنده تفنيدًا إذا أعجزه. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ١٢/ ٥٨٦.القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ٢٦٠.
(٤) الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٥٦. (من أمر).الماوردي، مرجع سابق، ٣/ ٧٧. (من أمري).
(٥) كذا في الأصل. صدرُ البيت موافقٌ لما في المخطوط ولكنَّ الخُلفَ في عجزه. دَعِ إِذا كُلِّفَ "الإفْنَاد بالنِّاسِ أَفْنَدا" ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٥٢. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٥٦. ابن عطية، مرجع سابق، ٣/ ٢٧٩.
(٦) كذا في الأصل. ورواية الديوان: دَعا الدَّهْرَ يَفْعَلُ مَا أَرَادَ فإنّه إِذا كُلِّفَ الإفساد بالناس أَفْسْدَا.
(٧) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٨ بزيادة تهرمون. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٥٢. الواحدي، مرجع سابق، ٢/ ٦٣٣. البغوي، مرجع سابق، ٢/ ٥١٣.
(٨) الثوري، مرجع سابق، ١/ ١٤٦. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ١٢/ ٥٨٦. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٥٥.
(٩) سفيان الثوري، مرجع سابق، ١/ ١٤٦. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٥٥.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٨.
(١٠) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٥٥. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٥٥. القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٦٣١.
[ ٣١٤ ]
وقال جرير بن عطية (١):
يا عَاذِليَّ دَعَا المَلامَ وأَقْصِرَا طَالَ الهَوَى وأَطَلْتُما التَّفْنيدا (٢)
أي: إفساد الرأي، والفساد في الجسم: الهرم وذهاب الفعل والضعف، وفي الفعل: الكذب واللوم بالباطل، كما قال جرير بن عطية. وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أي: قال الذين قال لهم يعقوب من ولده ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾: تالله أيها الرجل، إنك من حبّ يوسف (٣) وذِكْره، لفي خطئك ذلك القديم (٤) لا تنساه، ولا تتسلى عنه (٥) وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أي: فلما أن جاء يعقوبَ البشيرُ من عند ابنه يوسف، وهو المبشّر برسالة يوسف، وذلك بريدٌ فيما ذكر، كان يوسف أبردَهُ إليه (٦)، وكان البريد فيما ذكر
_________________
(١) جرير بن عطية بن حذيفة اليربوعي أبو حزرة، من تميم، أشعر أهل عصره ولد ومات في اليمامة (٢٨ - ١١٠ هـ) وهو من أغزل الناس شعرًا. ولقب حذيفة الخطفى. ابن قتيبة الدينوري، الشعر والشعراء، مرجع سابق، ١/ ٤٥٦. الجمحي، مرجع سابق، ٢/ ٢٩٧. ابن عساكر، مرجع سابق، ٧٢/ ٨٦. ابن خلكان، مرجع سابق، ١/ ٣٢١. الزركلي، مرجع سابق، ٢/ ١١٩.
(٢) قال الشيخ شاكر تعليقًا: ديوانه: ١٦٩، من قصيدة له طويلة، ورواية البيت خطأ في الديوان، صوابه ما ههنا، " وأقصرا"، بالراء، من" الإقصار"، وهو الكف عن فعل الشيء. (التَّفْنيدا-يَعْنِي الملَامَةَ) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٥٦. الثوري، مرجع سابق، ٥/ ٢٥٦.
(٣) مقاتل، مرجع سابق، ٢/ ٣٥٠.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٥٦.
(٥) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٨،٢١٩٩.
(٦) برده وأبرده: أرسله. ابن منظور، مرجع سابق، ٧/ ٤١٨.
[ ٣١٥ ]
والبشير: يهوذا بن يعقوب (١)، أخا يوسف لأبيه، قال ابن عباس (٢): البشير البريد، وهو قول الضحاك (٣) ومجاهد (٤)،
قال السدي (٥): قال يهوذا: أنا ذهبتُ بالقميص، ملطّخًا بالدم إلى يعقوب، فأخبرته أن يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص فأخبره أنه حيٌّ، فأفرحه كما أحزنته (٦). وقولُهُ: ﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ يقول: البشير ألقى القميص على وجه يعقوب. وقولُهُ: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أي: فرجع وعادَ مبصرًا بعينيه، بعد ما كان قد عمي، قَالَ ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: قال يعقوب لمن كان بحضرته حينئذ من ولده: ألم أقل لكم أنه سيردّ عليّ يوسف، ويجمع بيني وبينه، وكنتم أنتم لا تعلمون من ذلك ما كنت أعلمه، لأن رؤيا يوسف كانت صادقة، وكان الله قد قضى أن أخِرَّ أنا وأنتم له سجودًا، فكنت مُوقنًا بقضائه (٧).
وقوله تعالى: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ أي: قال ولد يعقوبَ الذين كانوا فرَّقوا بينه وبين يوسف: يا أبانا سل لنا ربك يعفُ عنَّا، ويستر علينا ذنوبنا التي أذنبناها فيك وفي يوسف، ولا يعاقبنا بها في القيامة، ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ فيما فعلنا به وبك، فقد اعترفنا بذنوبنا، قال يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ أي: سوف أسأل ربي أن يعفو عنكم ذنوبكم التي أذنبتموها
_________________
(١) مجاهد، مرجع سابق، ص ٤٠٠. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٩. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٤٥.
(٢) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٩.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٥٨.
(٤) قال مجاهد: يهوذا بن يعقوب. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٥٨. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٩.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٥٩. ابن أبي حاتم، المرجع السابق.
(٦) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢١٩٦. القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٦٣٢.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٥٦.
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٤٦.
[ ٣١٦ ]
فيّ وفي يوسف (١)، واختُلف في الوقت الذي أخَّر الدعاء إليه يعقوبُ لولده بالاستغفار لهم من ذنبهم، فقال ابن مسعود وإبراهيم التيمي (٢)
وابن جريج: إلى السَّحر (٣)، وقال آخرون: أخر ذلك إلى ليلة الجمعة، روى عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة (٤).
_________________
(١) ابن جرير، المرجع السابق.
(٢) إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، أبو أسماء، الإمام، القدوة، الفقيه، عابد الكوفة، توفي سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة أربع وتسعين، لم يبلغ إبراهيم أربعين سنة يقال: قتله الحجاج. البخاري، التاريخ الكبير، مرجع سابق، ١/ ٣٣٤.ابن حبان، مرجع سابق،٤/ ٧. ابن حنبل، (الْأَسَامِي والكنى للْإِمَام أَحْمد رِوَايَة ابْنه صَالح)، مرجع سابق، ١/ ٣٨٩.الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ٥/ ٦٠.
(٣) مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر للمَرْوَزِي، بَابُ الِاسْتِغْفَارِ بِالْأَسْحَارِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا، ١/ ٩٦.الدر المنثور للسيوطي، باب ٩٧، ٤/ ٥٨٤. قال: أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - في قوله: سأستغفر ﴿لَكُمْ رَبِّي﴾) قال: إن يعقوب ﵇ أخر بنيه إلى السحر وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس - ﵄ - في قوله ﴿سَوف أسْتَغْفر لكم رَبِّي﴾ قال: أخرهم إلى السحر وكان يصلي بالسحر وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي ﷺ سئل: لم أخر يعقوب بنيه في الاستغفار قال: أخرهم إلى السحر لأن دعاء السحر مستجاب.
(٤) السيوطي، الدر المنثور، مرجع سابق، ٩٧، ٤/ ٥٨٤.قال: وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال النبي ﷺ: في قصة قول أخي يعقوب لبنيه ﴿سَوف أسْتَغْفر لكم رَبِّي﴾ يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة. وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس - ﵄ - قال جاء علي بن أبي طالب - ﵄ - إلى النبي ﷺ فقال بأبي أنت وأمي تفلت هذا القرآن من صدري فما أجدني أقدر عليه فقال له رسول الله ﷺ: يا أبا الحسن أفلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وينفع الله بهن من علمته ويثبت ما تعلمت في صدرك قال: أجل يا رسول الله فعلمني قال: إذا كانت ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم ثلث الليل الأخير فإنه ساعة مشهودة والدعاء فيها مستجاب وقد قال أخي يعقوب لبنيه ﴿سَوف أسْتَغْفر لكم رَبِّي﴾ يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة. وقد ضعفه الشيخ أحمد شاكر بعد تعليقه على سند الرواية وقال: وقد ذكره ابن كثير في تفسيره ٤: ٤٧٧، ثم قال: "وهذا غريب من هذا الوجه، وفي رفعه نظر، والله أعلم". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم". ورواه الحاكم في المستدرك ١: ٣١٦. ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".وقد علق الذهبي فقال: " هذا حديث منكر شاذ، أخاف لا يكون موضوعًا. وقال أي الشيخ شاكر: ولم نجد أحدًا رواه عن الوليد بن مسلم غير سليمان. والله أعلم. بتصرف. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٦٢.
[ ٣١٧ ]
وقولُهُ: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يقول: إن ربي هو الستير على ذنوب التائبين إليه من ذنوبهم، الرحيم بهم أن يعذبهم بها بعد توبتهم منها (١).
وقد تضمنت الآيات البيان عما توجبه المحبة من تنسم الرائحة طلبا للفرج من جهتها ورد الصارف عنها، والبيان عما يوجبه استبعاد الشيء من نسبه لصاحبه إلى الطمع فيه مع طول مدته التي توجب اليأس، والبيان عما يوجبه تمام النعمة في البشارة بتبليغ المحبة في الولد من رد البصر بعد ذهابه تفضلًا من الله به ومعجزة تدل على نبوة صاحبه وجلالته عند ربه، والبيان عما يوجبه قبح الخطيئة في الفعل من طلب الاستغفار بما يزيل معرتها عن النفس ويسقط التَّبِعة بالضر إلى الفوز بالنفع الذي يكون من قبل الله ﷿، والبيان عما توجبه حاجة السائل بما يجوز في الحكمة من العِدَة به لما في ذلك من الإحسان إلى صاحبه والأخذ بالفضل عليه.
القولُ في الوقفِ والتمامِ
﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ كاف (٢)، وكذا ﴿ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ (٣)، ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ كاف (٤)، وكذا ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥)، ﴿خَاطِئِينَ﴾
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٤٩.
(٢) قال: حسن، النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٦. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٣٠. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٧. الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٧.
(٣) قال: حسن، النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال: حسن، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. الأشموني، المرجع السابق.
(٤) قال: حسن، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. الأشموني، المرجع السابق.
(٥) قال: حسن، النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال: حسن، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. المرجع السابق.
[ ٣١٨ ]
حسن (١)، وكذا ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢).
وقولُهُ ﷿:
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾
﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿آَوَى﴾، ﴿أَبَوَيْهِ﴾ نصب بـ ﴿آَوَى﴾، و﴿مِصْرَ﴾ نصب بـ ﴿ادْخُلُوا﴾ وهي لا تنصرف فلم ينون (٣)، ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ شرط يجوز أن يكون ماتقدم جوابه (٤)، ويجوز أن يكون محذوفا، و﴿آَمِنِينَ﴾ نصب على الحال من الضمير في ﴿ادْخُلُوا﴾، و﴿أَبَوَيْهِ﴾ نصب بـ"رفع"، و﴿عَلَى﴾ متعلق بـ"رفع"، ﴿وَخَرُّوا﴾ معطوف على "رفع"، و﴿لَهُ﴾ متعلق بـ "خروا"، ﴿سُجَّدًا﴾ نصب على الحال من الضمير في خروا (٥)، و﴿لَهُ﴾ متعلقة بـ "خروا"، والهاء تعود
_________________
(١) قال: كاف الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٧.وكذا الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٧.
(٢) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٦. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. تام عند الأشموني، المرجع السابق.
(٣) الزجاج، مرجع سابق، ١/ ١٤٤. الصبان، مرجع سابق، ٣/ ٣٧٢.
(٤) النَّحَّاس، معاني القرآن الكريم، مرجع سابق، ٣/ ٤٥٨.
(٥) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ٣٣٥.النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٣/ ٢٠٢. القيسي، مشكل إعراب القرآن، ٢/ ٤٥٦.
[ ٣١٩ ]
على يوسف (١)، يقال: خرّ الرجل خرورًا إذا سقط، وخرّ الماء خريرًا إذا جاء صوت جريه (٢)، ﴿هَذَا تَاوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ ابتداء وخبر، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ غاية و﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿تَاوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ والهاء والألف مفعول ﴿جَعَلَهَا﴾ وهما عائدتان على الرؤيا، و﴿حَقًّا﴾ مفعول ثاني، و﴿إِذْ أَخْرَجَنِي﴾ ظرف العامل فيه ﴿أحسن﴾، ﴿مِنَ السِّجْنِ﴾، ﴿مِنَ﴾ متعلقة بـ ﴿أَخْرَجَنِي﴾، ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ حرفا الجر متعلقان بـ جاء، و﴿مِنْ بعد﴾ (٣)
معطوف على الأولى، ﴿أَنْ نَزَغَ﴾، ﴿أَنْ﴾ في موضع جر بإضافة ﴿بعد﴾ إليها، ﴿بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ ظرفان معطوف أحدهما على الآخر، العامل فيهما ﴿نَزَغَ﴾، ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ اللام في ﴿لِمَا﴾ متعلقة بـ ﴿لَطِيفٌ﴾ وما بمعنى الذي، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ نظير ما تقدم، ﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾ متعلق بـ ﴿آَتَيْتَنِي﴾، ﴿وَعَلَّمْتَنِي﴾ معطوف على ﴿آَتَيْتَنِي﴾، ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ نداء مضاف (٤)، ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ ابتداء وخبر، و﴿فِي﴾ متعلقة بـ ﴿وَلِيِّي﴾، ﴿تَوَفَّنِي﴾ سؤال وطلب (٥)
_________________
(١) الأنباري، مرجع سابق، ١/ ٤٨.
(٢) الحميري، مرجع سابق، ٣/ ١٦٨٣،١٦٨٤.الزمخشري، أساس البلاغة، مرجع سابق، ١/ ٢٣٨.
(٣) "حال" درويش، مرجع سابق، ٥/ ٥٦. "جارّ ومجرور متعلّق بـ جاء" صافي، مرجع سابق، ١٣/ ٦٨ ..
(٤) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٣٠. النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١٥.
(٥) فائدة: واختلفوا هل هو طلبَ للوفاة في الحال أم لا على قولين: أحدهما: أنه سأل الله الوفاة في الحال، قال قتادة: لم يسأل نبي من الأنبياء الموت إلا يوسف قال أصحاب هذا القول وإنه لم يأت عليه أسبوع حتى توفي. والقول الثاني: أنه سأل الوفاة على الإسلام ولم يتمن الموت في الحال قال الحسن إنه عاش بعد هذه سنين كثيرة فعلى هذا القول يكون معنى الآية توفني إذا توفيتني على الإسلام فهو طلب لأن يجعل الله وفاته على الإسلام وليس في اللفظ ما يدل على أنه طلب الوفاة في الحال، قال بعض العلماء وكلا القولين محتمل لأن اللفظ صالح للأمرين ولا يبعد من الرجل العاقل الكامل أن يتمنى الموت لعلمه أن الدنيا ولذاتها فانية زائلة سريعة الذهاب وأن نعيم الآخرة باق دائم لا نفاذ له ولا زوال ولا يمنع من هذا قوله ﷺ: «لا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَلكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي وَأفْضَلَ"» أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة باب كراهة تمني الموت لضر نزل به رقم ٢٦٨٠. فإن تمني الموت عند وجود الضر ونزول البلاء مكروه والصبر عليه أولى وقولُهُ: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ أراد به بدرجة آبائه وهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب- عليهم الصلاة والسلام- بتصرف. ذكره الخازن، مرجع سابق، ٢/ ٥٥٨.وبنحو هذا أي قصة دفنه ذكره دون الأقوال البغوي، مرجع سابق، ٢/ ٥١٦.القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ٢٨٠.
[ ٣٢٠ ]
فلهذا جزم حتى حذفت منه الألف المنقلبة من الياء (١)، و﴿مُسْلِمًا﴾ نصب على الحال (٢) من الياء في ﴿تَوَفَّنِي﴾، و﴿تَوَفَّنِي﴾ العامل، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ الباء متعلقة بـ ألحقني، وألفه ألف قطع، ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ ابتداء وخبر، والإشارة بذلك إلى ما أنبأ به من قصة يوسف يخاطب به محمدا صلى الله عليه (٣)، و﴿مِنْ﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار، ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ فعل مستقبل في موضع الحال، وإن شئت خبرا بعد خبر، وإن شئت جعلت نوحيه الخبر (٤)، ويكون من الغيب متعلقا بـ ﴿نُوحِيهِ﴾، والهاء نصب بـ ﴿نُوحِيهِ﴾ وهي راجعة إلى ذلك، و﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿نُوحِيهِ﴾، ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ ما حرف نفي، ﴿لَدَيْهِمْ﴾ ظرف لما قرب في موضع خبر ﴿كُنْتَ﴾ والعامل فيه للاستقرار، ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾، ﴿إِذْ﴾ ظرف أيضا، العامل فيه ما عمل في لديهم، ﴿أَمْرَهُمْ﴾ نصب بـ ﴿أَجْمَعُوا﴾، ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ ابتداء وخبر، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾
_________________
(١) الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ١٠٧.
(٢) النحاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٥. الخراط، مرجع سابق، ٢/ ٥٢٠.
(٣) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٣٠. النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١٥.
(٤) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٣٠.النحاس، إعراب القرآن، المرجع السابق.
[ ٣٢١ ]
اسم ما، ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ خبر ما (١) متعلق بالاستقرار، ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ (٢) على أن يؤمنوا وتهديهم ﴿وَلَوْ﴾ فيها معنى الشرط يمتنع بها الشيء لامتناع غيره.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى -والله أعلم-: فلما دخل يعقوب وولده وأهله على يوسف ﴿آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أي: ضمهما إليه ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ ويقال: كيف قال لهم ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ بعد ما قد دخلوها لأنه قيل لما ضم إليه أبويه قال لهم هذا القول إذ الخبر به؟ قيل في ذلك خلاف، وقال بعضهم: إن يعقوب إنما دخل على يوسف هو وولده، وآوى يوسف أبويه إليه قبل دخول مصر. قالوا: وذلك أن يوسف تلقَّى أباه تكرمةً له قبل أن يدخل مصر، فآواه إليه، ثم قال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ قبل الدخول، هذا معنى قول السدي (٣)،
وروى فرقد السَّبَخِي (٤) قال: لما ألقي القميص على وجهه ارتد بصيرًا، وقال: ﴿وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، فحُمل يعقوب وإخوة يوسف، فلما دنا يعقوبُ أُخبر يوسفُ أنه قد دنا منه، فخرج يتلقاه، وركب معه أهلُ مصر، وكانوا يعظمونه، فلما دنا أحدهما من صاحبه، وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على رجلٍ من ولده يقال له يهوذا قال: فنظر يعقوب إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا، هذا فرعون مصر؟ قال: لا، هذا ابنك! قال: فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه، فذهب يوسف يبدؤه
_________________
(١) النَّحَّاس، إعراب القرآن، المرجع السابق.
(٢) في (د) زيادة"اعتراض أي ولوحرصت".
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١/ ٣٦١. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢٠٠،٢٢٠١.
(٤) فَرقَد بْن يَعقُوب السَّبَخِي، أَبو يَعقُوب الْبَصْرِي الحائِك، (ت ١٢١ - ١٣٠ هـ) أحد العبَّاد الأعلام وكان ضعيفًا، منكرَ الحديث وكَانَ أصله من أرمينية. ابن سعد،مرجع سابق، ٧/ ١٨٠. الذهبي، تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، مرجع سابق، ٣/ ٤٨٠.
[ ٣٢٢ ]
بالسلام، فمُنع من ذلك، وكان يعقوب أحقّ به منه وأفضل، فقال: السلام "عليه" (١) يا ذاهب، يا ذاهب الأحزان عني، هكذا قال: "يا ذاهب يريد يا مذهب الأحزان عني" (٢) وقال آخرون: بل قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ استثناءٌ من قول يعقوب لبنيه ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ قالوا: وهو من المؤخر الذي معناه التقدم. قالوا: وإنما معنى الكلام: قال: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (٣)
إن شاء الله ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾، ورفع أبويه، وهو معنى قول ابن جريج (٤)، والوجه قول السدي: إذ لا تقديم فيه ولا تأخير، وإذا صحت المعاني على الترتيب فليس يجب حملها على خلافه، وقيل في أبويه أبوه وخالته لأنّ أم يوسف كانت ماتت قاله السدي (٥)، وقال ابن إسحاق (٦): أبوه وأمه.
وقولُهُ: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قيل: على السرير (٧)، قاله السدي (٨)، ومجاهد (٩)
_________________
(١) كذا في الأصل"عليه"ولعل الصواب "عليك"كما نص ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٦٥.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٥٨، وللسياق- والله أعلم.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٦٥. وقولُهُ: ياذاهب الأحزان عني. يريد يا مذهب الأحزان عني. وهى هكذا في ابن جرير: "يا مذهب الأحزان عنى".،تاريخ الرسل والملوك، مرجع سابق، ١/ ٣٦٢.
(٣) فائدة: بيان أن الله غافر الذنب وقابل التوب من عباده إذا هم استغفروه وتابوا اليه سبحانه و-تعالى، ووجوب الاستغفار عند الذنب وندبه واستحبابه في سائر الأوقات لما يحصل من التقصير. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٨٤٣ ..
(٤) القرطبي، مرجع سابق، ٩/ ٢٦٣.
(٥) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢٠١.
(٦) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق، ٤/ ٣٣٥.
(٧) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٨.
(٨) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٦٧.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢٠١.القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٦٣٨.
(٩) مجاهد، مرجع سابق، ١/ ٤٠١. مقاتل، مرجع سابق، ٥/ ١٠٨. الثوري، مرجع سابق، ١/ ١٤٧.
[ ٣٢٣ ]
وقتادة (١) وابن عباس (٢)، وقولُهُ: ﴿آَمِنِينَ﴾ أي: مما كنتم فيه في باديتكم من الجدب والقحط وقولُهُ: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ يقول: خرّ يعقوب وولده وأمّه ليوسف سجّدًا (٣)، وقالوا: كان ذلك تحيتهم، وقال ابن زيد (٤): السجود ليس قوله (٥) كما سجدت الملائكة لآدم، فبشرفه، لا سجود عبادة، وقال أعشى بني ثعلبة (٦):
فَلَمَّا أَتَانَا بُعَيْدَ الكَرَى سَجَدْنَا لَهُ وَرَفَعْنَا عمَارَا (٧)
﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَاوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قال يوسف لأبيه: هذا السجود الذي سجدتَ أنت وأمّي وإخوتي ما آلت إليه رؤياي التي كنت رأيتها، وهي قبل صنيع إخوته به ما صنعوا، ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ أي: قد حقّقها ربي، بمجيء تأويلها على الصحَّة، واختلف في المدّة التي كانت بين
_________________
(١) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٨.
(٢) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢٠١.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٥٤.
(٤) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ هَارُونَ، وزيد أبوه هو ابن أسلم العدوي: الفقيه العابد المفسر، مولى عمر بن الخطاب ﵁ كان من كبار التابعين الذين عرفوا بالتفسير والعبادة، وكانت له حلقة للفتوى والعلم بالمدينة يجلس فيها العلماء، وله تفسير يرويه عنه ابنه عبد الرحمن. (ت: ١٣٦ هـ). الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ٥/ ٣١٦. الزركلي، مرجع سابق، ٣/ ٥٦.
(٥) كذا بالأصل "قوله" وهي زائدة على السياق. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٧٠. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢٠٢.
(٦) البيت من قصيدته في تمجيد قيس بن معد يكرب، وكان خرج معه في بعض غاراته، فكاد الأعشى أن يؤسر، فاستنقذه قيس، فذكر ذلك فقال: فَيَا لَيْلَةً لِيَ فِي لَعْلَعٍ كَطَوْفِ الغَرِيبِ يَخَافُ الإسَارَا فلمَّا أَتَانا و" لَعْلَعٍ" مكان بين الكوفة والبصرة. يذكر في البيت الأول قلقه وشدة نزاعه وحيرته، لما تأخر قيس، وقد كاد هو يقع في أسر العدو، فلما جاء قيس استنقذه ومن معه، فسجدوا له وحيوه. و" العمار" مختلف في تفسير قيل: هو العمامة أو القلنسوة، وقيل الريحان يرفع للملك يحيا به، وقيل: رفعنا أصواتنا بقولنا: "عمرك الله".ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٧٠.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٥٩.
(٧) كذا في الأصل "عمَارَا ". وضرب الناسخُ على الهامش وصوبه "العَمَارَا" وهو الصواب- إن شاء الله- لما ورد في المصادر التالية، ابن دريد، مرجع سابق، ٢/ ٧٧٢. ابن فارس، مجمل اللغة، مرجع سابق، ١/ ٦٢٩. الجوهري، مرجع سابق، ٢/ ٧٥٨.
[ ٣٢٤ ]
رؤيا يوسف وبين تأويلها، فقال بعضهم: مدّةُ ذلك أربعون سنة، قاله سلمان الفارسي (١)، وهو قول عبد الله بن شداد (٢)، وقال آخرون: مدة ذلك ثمانون سنة، وهو قول الحسن (٣) وحسن بن فرقد (٤)
وفضيل بن عياض (٥)، وقال الحسن (٦): ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، فغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد أن جمع الله شمله ثلاثًا وعشرين سنة، ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة وقال ابن إسحاق (٧):مدة ذلك ثماني عشرة سنة وقولُهُ: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ يقول تعالى مخبرًا عن قيلِ يوسف: وقد أحسن الله في إخراجه إياي من السجن الذي كنت فيه محبوسًا، وفي مجيئه بكم من البدو. وذكر أن مسكن يعقوب وولده كان ببادية فلسطين
_________________
(١) سلمان الفارسي: صحابي ت: ٣٦ هـ. من مقدميهم. كان يسمي نفسه سلمان الإسلام. أصله من مجوس أصبهان. وهو الذي دل المسلمين على حفر الخندق في غزوة الأحزاب، قال رسول الله ﷺ: " سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ ". أبو نعيم، معرفة الصحابة، مرجع سابق، ٣/ ١٣٢٧. ابن عبد البر، مرجع سابق، ٢/ ٦٣٤ - ٦٣٧. ابن الأثير أبو الحسن عز الدين، أسد الغابة، (بيروت: دار الفكر، ١٤٠٩ هـ-١٩٨٩ م)، ٢/ ٥١٠.
(٢) عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي أبو الوليد المدني. (ت ٨١ - ٩٠ هـ) كان يأتي الكوفة، وعده خليفة فِي تابعي أهلِ الكوفة وقال ابن سعد في الطبقةِ الأولى من تابعي أهل المدينة. ابن عساكر، تاريخ دمشق، مرجع سابق، ٢٩/ ١٤٠. الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ٤/ ٤٧١. ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، مرجع سابق، ٥/ ٢٥١.
(٣) القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٦٤٠. الماوردي، مرجع سابق، ٣/ ٨٢. فخر الدين الرازي، مرجع سابق، ١٨/ ٥١٢.
(٤) الصواب: أنه ابن الحسن، وهو: محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني مولاهم الكوفي الفقيه العلامة، مفتي العراقين، أبو عبد الله، صاحب أبي حنيفة. أحد الأعلام. (١٨١ - ١٩٠ هـ). يُترجم لأبيه لأن أباه لم يكن فقيها ولكن ابنه. ابن عساكر، تاريخ دمشق، مرجع سابق، ١٣/ ٣٤٦ .. الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، مرجع سابق، ٣/ ٥١٣. الذهبي، تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، مرجع سابق، ٤/ ٩٥٤. ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، مرجع سابق، ٥/ ١٢١.
(٥) الفضيل بن عياض التميمي اليربوعي، أبو علي ولد في سمرقند، ونشأ بأبيورد، ودخل الكوفة وهو كبير ثم سكن مكة وتوفي بها. (ت: ١٨٧ هـ). كان ثقة في الحديث. ابن سعد، مرجع سابق،٦/ ٤٣. الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ٨/ ٤٢١.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٧٤.
(٧) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٧٥.
[ ٣٢٥ ]
قال ذلك ابن إسحاق (١) وقيل: بأرض كنعان أهل مواشٍ وبرّية قاله مجاهد وقتادة (٢)، وقيل إن يعقوب دخل مصر هو ومن معه من أولاده وأهاليهم وأبنائهم يوم دخلوها، وهم أقلّ من مائة، وخرجوا يوم خرجوا وهم زيادة على ستمائة ألف، كما روي عن محمد بن كعب القرظي (٣) وعبد الله بن مسعود، وقولُهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي: أفسد ما بيني وبينهم، وحمل بعضنا على بعض (٤)، ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ من الأشياء، ومن لطفه وصنعه أن أخرجني من السجن، وجاء بأهلي من البدو ومن بُعدِ الدار، وبعد ما كنت فيه من العُبُودية والرِّق والإسار (٥)
، إن ربي هو ﴿الْعَلِيمُ﴾ بمصالح خلقه وغير ذلك لا يخفى عليه مبادئ الأمور وعواقبها، الحكيم في تدبيره. ﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال يوسف بعد أن جمع الله إليه أبويه وبسط له من الدنيا ما بسط ومكنه في الأرض، متشوِّقًا إلى لقاء آبائه الصالحين: رب قد آتيتني من ملك مصر، ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، يعني من عبارة الرؤيا يعد به نعم الله عليه وشكرًا له عليها، يا ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يا خالقها وبارئها، أَنْتَ تليني فِي دنياي على من عاداني وأرادني بسوء بنصرك، وتغذوني فيها بنعمتك، وتليني في الآخرة بفضلك ورحمتك، ﴿توفني مسلمًا وألحقني﴾ (٦)
بصالح آبائي إبراهيم وإسحاق، ومن قبلهم من أنبيائك ورسلك، وقيل: إنه لم
_________________
(١) ابن جرير، المرجع السابق.
(٢) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢٠٣.
(٣) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق، ٤/ ٣٣٧.
(٤) نزغ بينهم نزغا: أفسد وأغرى-وحمل بعضهم على بعض. ابن منظور، مرجع سابق، ٨/ ٤٥٤.الزبيدي، مرجع سابق، ٢٢/ ٥٨٠.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٦٣ ..
(٦) فائدة: الدين الحق هو النعمة العظمى، مشروعية دعاء الله-تعالى-والتوسل بأسمائه وصفاته، مشروعية العزوف عن الدنيا والرغبة عنها عند تحصيلها والتمكن منه، الأنبياء يسألون الله أحسن الدعاء، وطلب حسن الخاتمة بالإسلام من أجل ما يسأل الله به، فهم قد سنوا هذه السنة الحسنة، فضل الشوق الى الله-تعالى-والحنين إلى رفقة الصالحين في الملكوت الأعلى، غاية المؤمن الوفاة على الإسلام الذي ارتضاه الله للخلق فمن مات يهوديا أو نصرانيا لم يفلح ابدا، وكذا من مات مشركا. فيه رد على من أنكر قدرة الدين على إدارة أمور الحكم الثناء على الله وتعداد نعمه قبل سؤاله ودعائه، وهذا من أدب الأنبياء مع ربهم، بين يدي دعائهم وسؤالهم، وكذلك ينبغي أن يكون المسلم مع ربه، مشروعية سؤال الموت إن لم يكن لضرر او ملل من العبادة أو رغبة في الراحة .. بيان أنه دعا بذلك مع علمه إظهارا للعبودية والافتقار وشدة الرغبة في طلب الخاتمة وتعليما للأمة وبيان أنه من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه دين الأنبياء واحد، وهو: الإسلام، وهو الدين الذي ارتضاه الله-تعالى-لجميع خلقه وفيه الرد على دعاة توحيد الأديان، والتسوية بينها وبين الإسلام، كما عليه الماسونية وأتباعها من الساسة العلمانيين الذين لا يفرقون بين التوحيد ودعاة التثليث، ولا يميزون بين المسلمين والمجرمين. قال ابن قيم الجوزية: "جمعت هذه الدعوة: الإقرار بالتوحيد، والاستسلام للرب، إظهار الافتقار إليه، والبراءة من موالاة غيره سبحانه، وكون الوفاة على الإسلام أجل غايات العبد، وأن ذلك بيد الله لا بيد العبد، والاعتراف بالمعاد، وطلب مرافقة السعداء. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٨٥٩ - ٨٦٠ - ٨٦١ - ٨٦٤.
[ ٣٢٦ ]
يتمنّ أحدٌ من الأنبياء الموتَ قبل يوسف، وهو قول ابن عباس (١)، وقتادة (٢)، وابن جريج، وقال مجاهد: من تأويل الأحاديث: العبارة (٣)، وقاله الضحاك (٤)، وابن إسحاق (٥)، وذكر أن بني يعقوب الذين فعلوا بيوسف ما فعلوه، استغفر لهم أبوهم فتاب الله عليهم وعفا عنهم وغفر لهم ذنبهم، وروي عن أنس بن مالك أنه قال: إن الله لما جمع ليعقوب شمله، وأقر بعينه، خَلا ولده نَجِيًّا، بعضهم لبعض: ألستم قد علمتم ما صنعتم، وما لقي منكم الشيخ، وما لقي منكم يوسف؟ قالوا: بلى! فيغرُّكم كفهما (٦)
عنكم، فكيف لكم بربكم؟ فاستتام أمرهم على أن أتوا الشيخ فجلسوا بين يديه، ويوسف إلى جنب أبيه قاعد، قالوا: يا أبانا، أتيناك في أمر لم نأتك في مثله قط، ونزل بنا أمر لم ينزل بنا مثله! حتى حرّكوه، والأنبياء أرحم البرية، فقال: مالكم يا بَني؟ قالوا: ألستَ قد علمت ما كان منا إليك، وما كان منا إلى أخينا يوسف؟ قالا: بلى! فقالوا: ألستما قد عفوتُما؟ قالا بلى! قال: فإن عفوكما لا يغني عنّا شيئًا إن كان الله لم يعف عنا! قال: فما تريدون يا بني؟ قالوا:
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٧٨. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢٠٤.الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٠٦.
(٢) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢٠٤.
(٣) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢٠٣.
(٤) ابن جرير، مرجع سايق، ١٣/ ٣٦٥. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢٠٤ - ٢٢٠٥.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٨٠.فائدة: من الأحكام الشرعية جواز تمني الموت مخافة فساد الدين عند الفتن مباح ومشروعية سؤال الموت إن لم يكن لضرر أو ملل من العبادة أو رغبة في الراحة. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٨٦١ - ٨٦٥.
(٦) العبارة كما عند ابن جرير"عفوهما"، مرجع سابق، ١٦/ ٢٨١ ..
[ ٣٢٧ ]
نريد أن تدعوا الله لنا، فإذا جاءك الوحي من عند الله بأنه قد عفا عنا صنيعنا، قرّت أعيننا، واطمأنت قلوبنا، وإلا فلا قُرّةَ عَين في الدنيا لنا أبدًا. قال: فقام الشيخ فاستقبل القبلة، وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلةً خاشعين. قال: فدعا وأمَّن يوسف، فلم يُجَبْ فيهم عشرين سنة حتى إذا كان رأس العشرين، نزل جبريلﷺ- على يعقوب﵇، فقال: إن الله بعثني إليك أبشرك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك، وأنه قد عفا عما صنعوا، وأنه قد أعقبك مواثيقهم (١) من بعدك على النبوّة (٢) وذكر أن يعقوب توفي قبل يوسف، وأوصى إلى يوسف وأمره أن يدفنه عند قبر أبيه إسحاق (٣).
وقولُهُ: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ يقول تعالى: هذا الخبر الذي أخبرتك به من خبر يوسف ووالده يعقوب وإخوته من أخبار الغيب الذي لم تشاهده ولم تعاينه، ولكنا ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ ونعرّفكه، ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (٤)، ونشجع به قلبك، فتصبر على ما نالك من الأمر من قومك في ذات الله، وتعلم أن من قبلك من رسل الله، إذ صبروا على ما نالهم فيه، وأخذوا بالعفو، وأمروا بالمعروف، وأعرضوا عن الجاهلين، فازوا بالظفر، وأُيِّدوا بالنصر، ومُكِّنوا في البلاد، يقول الله ﷿ لنبيه محمد ﷺ: فبهم يا محمد، فتأسَّ، وآثارهم فقُصَّ ما كنت عند إخوة
_________________
(١) ابن جرير، المرجع السابق. الثعلبي، مرجع سابق، ٥/ ٢٦١.قال ابن كثير: هذا الأثر موقوف عن أنس. وذكر السدي أن يعقوب ﵇ لما حضره الموت أوصى إلى يوسف بأن يدفن عند إبراهيم وإسحاق، فلما مات صَبَّرَهُ وأرسله إلى الشام، فدفن عندهما ﵈، تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق، ٤/ ٣٥٧ بتصرف.
(٢) قال الشيخ أحمد شاكر تعليقًا على الطبري: وهذا خبر هالك من جراء هذين القاصين المتروكين، صالح المري، ويزيد الرقاشي. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٨١. بتصرف. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق، ٤/ ٣٥٦.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٨٣. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢٠٥ .. القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، ٥/ ٣٦٤٥.
(٤) سورة الفرقان، الآية:٣٢.
[ ٣٢٨ ]
يوسف، ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾، واتفقت آراؤهم (١) على أن يلقوا يوسف في غيابة الجب. وذلك كان مكرهم الذي قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ نحو ما روي عن قتادة وابن إسحاق (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: وما أكثر مشركي قومك يا محمد، ولو حرصت على أن يؤمنوا بك فيصدّقوك، ويتبعوا ما جئتهم به من عند ربك، ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدِّقيك ولا مُتَّبِعيك (٣)، وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه الاجتماع مع المحبوب من إيواء السرور والتبشير بالأمن من الخوف، والبيان عما يوجبه الأعظم لمن له حق الأبوة برفع مجلسه لإكرامه بما يجب له من تجديد النعمة لمن هو أهل لها بتأويل الرؤيا التي بشر بها، والبيان عما يوجبه حال الشاكر من الاعتراف بالنعمة والاعتداد بها على تفضيلها وجلالة موقعها، والبيان عما يوجبه الإعلام بما يحتاج إليه في الدين من التذكير به وموقع النعمة فيه وجلالة صاحبه بما ألقي إليه وخص به، والبيان عما يوجبه حال أكثر الناس من العدول عن الحق إلى الباطل جهلا منهم بمنزلة ما صنعوا وسوء عاقبة ما أخذوا بما فيه تسلية الداعي إلى الحق وتخفيف المحنة عليه.
_________________
(١) الفراء، مرجع سابق، ١/ ٤٧٣. "الإجماع " إحكام النية والعزيمة. ابن منظور، مرجع سابق،"فصل الجيم" ٨/ ٥٧. ومنه قول أبي زيد، يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالمنَى لا تَنْفَعُ. هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ، نوادر أبي زيد: ١٣٣. ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٧٠.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٨٣.فائدة: فيه دليل على كونه نبأً غيبيًا ووحيًا سماويًا أي لم تعرف هذا النبأ إلا من جهة الوحي لأنك لم تحضر إخوة يوسف حين أجمعوا أمرهم على إلقاء أخيهم في البئر وهم يمكرون به، إذ حثوه على الخروج معهم يبغون له الغوائل، وبأبيهم في استئذانه ليرسله معهم أي: فلم تشاهدهم حتى تقف على ظواهر أسرارهم وبواطنها قال العلمي: فيه "الرد على دعوى الكفرة: بأن الرسول ﷺ قد تلقى العلم من الناس قبل النبوة. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٨٧٤.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٧٠. فائدة: بيان حكم الله في الناس وهو أن أكثرهم لا يؤمنون، فلا يحزن الداعية ولا يكرب "المؤمنون أقل من الكافرين"بيان شدة حرص رسول اللهﷺ- على إيمان قومه، وشفقته على أمته، وإخلاصه في دعوته، إن الهداية بيد الله وحده. نصر والهلال، مرجع سابق،١/ ٨٨٤.
[ ٣٢٩ ]
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿آَمِنِينَ﴾ كاف (١)، ومن الوقف ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾، وكذا ﴿حَقًّا﴾ (٢)، و﴿مِنَ السِّجْنِ﴾، ﴿وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ و﴿لِمَا يَشَاءُ﴾ و﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) حسن، وكذا ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٤)، و﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ (٥) كاف، وكذا ﴿يَمْكُرُونَ﴾ (٦)، وكذا ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٧).
وقولُهُ ﷿:
﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾
_________________
(١) قال النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٦: عن نافع تام. الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٣١. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٧.
(٢) الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. قال: جائز الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٧. قال: حسن الأشموني، المرجع السابق.
(٣) قال: حسن. النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. وكذا الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. تام عند الأشموني، المرجع السابق.
(٤) الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال: حسن، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. تام عند الأشموني، المرجع السابق.
(٥) قال: حسن. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
(٦) قال: تام الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. كاف عند الأشموني، المرجع السابق.
(٧) الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد المرجع السابق. الأشموني، المرجع السابق.
[ ٣٣٠ ]
و﴿ما﴾ حرف نفي، ﴿تَسْأَلُهُمْ عليه﴾، ﴿عليه﴾ متعلق بـ ﴿تَسْأَلُهُمْ﴾، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾، ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما، و﴿هُوَ﴾ ابتداء، و﴿ذِكْرٌ﴾ خبره، و﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ متعلق بـ ﴿ذِكْرٌ﴾، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هي "أي" دخلت عليها كاف التشبيه (١)، وقد تقدم القول فيها، وخلاف القراء ﴿مِنْ آَيَةٍ﴾ (٢) متعلقة بمعنى التشبيه و﴿يَمُرُّونَ عليها﴾ متعلق بـ ﴿يَمُرُّونَ﴾ ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ ابتداء وخبر و﴿عَنْهَا﴾ متعلق بـ ﴿مُعْرِضُونَ﴾، ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ﴾، ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُ﴾، ﴿إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ابتداء وخبر، ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَاتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ ألف الاستفهام دخلت للتقرير (٣)، والفاء جواب ما أخبر به عنهم، ﴿أَنْ تَاتِيَهُمْ﴾، ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب بـ أمنوا، و﴿تَاتِيَهُمْ﴾ نصب بـ ﴿أَنْ﴾، ﴿غَاشِيَةٌ﴾ رفع بـ ﴿تَاتِيَهُمْ﴾، ﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾، ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿تَاتِيَهُمْ﴾، ﴿أَوْ تَاتِيَهُمُ﴾ عطف على ﴿تَاتِيَهُمْ﴾، ﴿بَغْتَةً﴾ نصب على الحال (٤)
من ﴿السَّاعَةُ﴾، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ابتداء وخبر، وكذا ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ حرفا الجر يتعلقان بـ ﴿أَدْعُو﴾، ﴿أَنَا﴾ توكيد للضمير في ﴿أَدْعُو﴾، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، "مَنْ" عطف على الضمير المؤكد (٥)،
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ مصدر، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ
_________________
(١) سيبويه، مرجع سابق، ١/ ٢٩٧،٢٩٨.النَّحَّاس، إعراب القرآن، المرجع السابق.
(٢) تمييز مجرور بمن، درويش، مرجع سابق، ٥/ ٦١. الدعاس، مرجع سابق، ٢/ ١٠٧.
(٣) والهمزة للإنكار: الشوكاني، مرجع سابق، ٣/ ٧١. والهمزة للتوبيخ: ابن عاشور، مرجع سابق، ١٣/ ٦٣.
(٤) الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٣١. النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١٦. العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٧٤٧ ..
(٥) النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١٦. أبو حيان، مرجع سابق، ٦/ ٣٣٣. فائدة: الرسول ﷺ وأتباعه هم أهل البصائر الداعين إلى الله على بصيرة فمن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة، وإن كان من أتباعه على الانتساب والدعوى. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٩٠١.
[ ٣٣١ ]
الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿أَنَا﴾ اسم ما، والخبر محذوف دل عليه من المشركين والتقدير: ما ﴿أَنَا﴾ مشركًا من المشركين، و﴿مِنَ﴾ متعلقة بالمحذوف، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ نصب بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ في موضع النعت لـ "رجال"، ومن قرأ بالنون الشديدة (١): أسند الفعل إلى الله -﷿-، ومن قرأ ﴿يُوحَى﴾: جعله لما لم يسم فاعله، وأقام إليهم مقام الفاعل (٢)، ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿نُوحِي﴾، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ الفاء فيها معنى الجواب، وهي فصل الثاني بالأول، والألف للتقرير، و﴿يَسِيرُوا﴾ جزم بـ لم، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿فِي﴾ متعلقة بـ ﴿يَسِيرُوا﴾، ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ عطف على ﴿يَسِيرُوا﴾ وفي الفاء معنى الجواب، ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿عَاقِبَةُ﴾ اسم ﴿كَانَ﴾، و﴿الَّذِينَ﴾ خفض بإضافة ﴿عَاقِبَةُ﴾ إليهم، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿مِنْ﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار، و﴿كَيْفَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار، ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ لا تعمل في كيف، والجملة في موضع نصب بـ ينظروا، ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ابتداء وخبر، واللام لام توكيد، وفيها معنى القسم، واللام متعلقة بخبر (٣) ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ الألف للتقرير والتوبيخ، والفاء جواب الإخبار عنهم مما مضى.
_________________
(١) يقصد بالشديدة إدغام تنوين "رجالًا" في نون "نوحي" وهذا هو المتعارف عليه في عصر المؤلف بلفظ الشديدة.
(٢) الحميري، مرجع سابق، ١١/ ٧٠٩٦. أبو حيان، مرجع سابق، ٦/ ٣٣٤.
(٣) الفراء،مرجع سابق،٢/ ٥٥.النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٢١٦.الزجاجي، اللامات، مرجع سابق، ١/ ٧٨.
[ ٣٣٢ ]
القولُ في القراءةِ:
قرأ حفص ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾، وفي النحل ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (١)، وفي الأنبياء ﴿رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (٢)، ﴿مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ﴾ (٣) بالنون، والباقون بالياء (٤)، إلا حمزة والكسائي: فإنهما وافقا حفصًا في الثاني من سورة الأنبياء، ووافقا الجماعة فيما عدا ذلك، فالنون: إخبار الله عن نفسه، والياء: ترك تسمية الفاعل، والخلاف للجمع بين لغتين، ومن قرأ بالنون شاهده: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ (٥) وشا (٦) الياء: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ (٧).
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى -والله أعلم-: وما تسأل يا محمد هؤلاء الذين ينكرون نبوتك، ويمتنعون من تصديقك والإقرار بما جئتهم به من أجر، من ثواب، وجزاء أي: ما تسألهم على ذلك ثوابًا، فيقولوا لك: إنما تريد بدعائك إيّانا إلى إتباعك لننزلَ لك عن أموالنا إذا سألتنا ذلك. وإن كنت لا تسألهم ذلك، فقد كان حقًّا عليهم أن يعلموا أنك أنما تدعوهم إليه إتباعا منك لأمر ربك، ونصيحةً منك لهم، وأن لا
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٤٣.
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٧.
(٣) السورة السابقة، الآية: ٢٥.
(٤) ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٥١.ابن خالويه، كتاب السبعة في القراءات، مرجع سابق، ص ١٩٨.الفارسيّ، مرجع سابق،٤/ ٤٤٠.
(٥) سورة النساء الآية: ١٦٣.
(٦) كذا بالأصل والصواب"وشاهد" لاستقامة المعنى. سورة الجن، الآية: ١.
(٧) سورة الجن، الآية: ١.
[ ٣٣٣ ]
يستغشُّوك، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾ أي: ما هذا الذي أرسلك به ربك يا محمد من النبوة والرسالة إلا عظة، وتذكير للعالمين، ليتعظوا ويتذكَّروا به (١).
وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: وكم من آية في السموات والأرض لله وعبرةٍ وحجةٍ، كالشمس والقمر والنجوم ونحو ذلك كالجبال والبحار والنبات والشجر، ﴿يَمُرُّونَ عليها﴾ أي: يعاينونها فيمرُّون بها معرضين عنها، لا يعتبرون بها، ولا يفكرون فيها وفيما دلت عليه من توحيد ربِّها، وإن كانت السماء والأرض آيتين عظيمتين (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ أي: وما يُقِرُّ أكثر هؤلاء -الذين وصَفَ صفتهم- بالله أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء، ﴿إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ في عبادته الأوثان والأصنام، واتخاذهم من دونه أربابًا، وزعمهم أنَّ له ولدًا (٣)، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، قال ابن عباس: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ يعني: النصارى يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٤)، ولئن سألتهم من يرزقكم من السماء والأرض ليقولن: الله، وهم مع ذلك مشركون به ويعبدون غيره، ويسجدون للأنداد من دونه (٥).
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٧١.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٨٥.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢٠٧.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٨٦.
(٤) سورة لقمان، الآية: ٢٥.في (د) "سقط".
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٨٩.
[ ٣٣٤ ]
وقولُهُ: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَاتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ أي: أفأمن هؤلاء الذين لا يقرُّون بأن الله ربَّهم إلا وهم مشركون في عبادتهم إياه غير أن تأتيهم غاشية تغشاهم من عقوبة الله وعذابه (١)، على شركهم بالله، أو تأتيهم القيامة فجأةً وهم مقيمون على شركهم وكفرهم بربِّهم، فيخلدهم الله في ناره، وهم لا يدرون بمجيئها وقيامتها، بنحو ذلك قال مجاهد (٢)
وقتادة (٣). يقال غَشِيَه الشيء يَغْشَاهُ غِشْيانًا وهو غاشٍ، وهو ما غطى الشيء وجلله (٤).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي: قل يا محمد: هذه الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته، وترك معصيته سبيلي، وطريقي ودعوتي أدعو إلى الله وحده على بصيرة، بذلك ويقين علم مني (٥)، أنا ومن يدعو إليه على بصيرة أيضًا من اتبعني وصدقني، ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: تنزيهًا وتعظيمًا له من أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه في سلطانه، وأنا بريءٌ من أهل الشرك به، ولست منهم ولا هم منّي (٦).
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٩٠.عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٩. فائدة: الشرك وترك التوحيد سبب للعذاب المباغت والعقاب العاجل المفاجئ. بيان إمكان إتيان الغاشية في الدنيا بغتة أو يوم القيامة يحرص المؤمن على تتبع أشراط الساعة ليبقى قلبه بذكر الله نابضًا، ورجاؤه برحمة الله معلقًا. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٨٩٨.
(٢) مجاهد، مرجع سابق، ١/ ٤٠١.ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٧٧. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢٠٨.
(٣) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٩.ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٩١.ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢٠٩.
(٤) يُقَالُ: غَشِيَهُ يَغْشَاهُ غِشْيانًا إِذا جاءَهُ، وغَشَّاهُ تَغْشِيةً إِذا غَطَّاه. وغَشِيَ الشَّيْءَ إِذا لابَسَه. وغَشِيَ المرأَة إِذا جامَعها. وغُشِيَ عَلَيْهِ: أُغْمِيَ عَلَيْهِ. ابن منظور، مرجع سابق، ١٥/ ١٢٧.
(٥) كذا في الأصل: "مني".نص ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٧٨.بزيادة" مني به" ولعل هذا الأصوب لتمام المعنى.
(٦) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٧٩.
[ ٣٣٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ أي: وما أرسلنا يا محمد من قبلك إلا رجالًا، لا نساءً ولا ملائكة، ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ آياتنا بالدعاء إلى طاعتنا، وإفراد العبادة لنا ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ يعني: من أهل الأمصار، دون أهل البوادي (١)، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ يقول تعالى ذكره: أفلم يسِر هؤلاء المشركون-الذين يكذبونك يا محمد ويجحدون نبوَّتك، وينكرون ما جئتهم به من توحيد الله وإخلاص العبادة والطاعة له في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الأمم الذين كانوا من قبلهم إذ كذبوا رسُلنا ألم تحِلّ بهم عقوبتنا، فنهلكهم بها، وننج رسلنا وأتباعهم، فيتفكروا في ذلك ويعتبروا (٢) نحو ما روي عن ابن جريج، وقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا فِعْلُنا في الدنيا بأهل ولايتنا وطاعتنا (٣)، وما في الدار الآخرة لهم خير، وترك ذكر ما ذكرنا اكتفاءً بدلالة قوله: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، وأضيفت "الدار" إلى ﴿الْآَخِرَةِ﴾ والمعنى لدار الكرة الآخرة، كما قيل: صلاة الأولى أي: صلاة الفريضة الأولى، فالمعنى: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، وقيل: أضيفت الدار إلى الآخرة وهي الآخرة لاختلاف لفظيهما، كما قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (٤) وكما تقول: أتيتك عام الأوَّل (٥)
وينشد (٦):
_________________
(١) فائدة: بيان أن الرسالة من خصوصيات الرجال وليس في النساء، جرت سنة الله أن يكون الرسول بشرًا من جنس قومه، العاقل يؤثر نعيم الجنة الدائم على عرض الدنيا الزائل الرسل لا يكونون من أهل البادية لما في أهل البوادي من جفاء وخشونة طبع. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٩٠٦.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٨٠.
(٣) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٨١.
(٤) سورة الواقعة، الآية: ٩٥.
(٥) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٣٨١ .. ابن الجوزي، مرجع سابق، ٢/ ٤٧٧.
(٦) قال الشيخ شاكر تعليقًا على الطبري لم أعرف قائله والبيتان بلا نسبة في التفاسير التالية. الفراء، مرجع سابق،٢/ ٥٦ السمعاني أبو المظفر، مرجع سابق، ١٣/ ٣٨١.و"الهجين"، ولد العربي لغير العربية. و" أقوت الدار": أقفرت وخلت من سكانها. وظاهر هذا الشعر، أن قائله يقوله في رجل من بني عبس، كان هجينًا، فمدح فقعسًا وذم قومه لخذلانهم إياه. فهو يقول له: لو فارقت عبس مكانها وأفردتك فيه، لعرفت الذل عرفانًا يقينًا. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٩٥.واجتهدت فيمن قال هذين البيتين، فلم أعرف قائلهما- فالله المستعان.
[ ٣٣٦ ]
أَتَمْدَحُ فَقْعَسًا وَتَذُمُّ عَبْسًا أَلا للهِ أُمُّكَ مِنْ هَجِينِ
وَلَوْ أَقْوَتْ (١) عليك دِيَارُ عَبْسٍ عَرَفْتَ الذُّلَّ (٢) عِرْفَانَ اليَقِينِ
يعني: عرفانًا له (٣) يقينًا (٤)، وقيل الإضافة على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، والتقدير: ولدار الكرة الآخرة، وحذفت الكرة وأقيمت الآخرة مقامها. وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه حال الداعي إلى الحق من إسقاط الأجر على دُعائه ليخلص جزاؤه على ربه ولا يمتنع من الإجابة للعزم الذي يلزم به، والبيان عما يوجبه الإعراض عن الاعتبار بالآيات من بخس (٥) صاحبه وذمه بتفريطه فيما عليه مما يلزمه النظر فيه، والبيان عما يوجبه الجهل من الإشراك في عبادة الله على ما فيه من تضييع حق نعمة الله بإهضامها في جعل موضعها من العبادة لغير الله ﷿، والبيان عما يوجبه حال المتهالك في الكفر: من الوعيد بعذاب يغشى لا يمكن دفعه، ولا يتوجه لصاحبه الخلاص منه، والبيان عما يوجبه حال الداعي إلى الله من البصيرة في الدين مع دعائه إلى الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى الخلود في النعيم، والبيان عما يوجبه الاعتبار بالأمم الماضية فيما أبقوا من الآثار مما يقتضي الانزجار عن مخالفة الرسل﵈ فيما دعوا إليه من اعتقاد الحق والعمل به.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
_________________
(١) يقال: أقوت الدار إقواء: إذا أقفرت وخلت من أهلها. ابن منظور، مرجع سابق، ١٤/ ٢٤٥.
(٢) في (د) "الدار". والله أعلم الأثبت في الأصل لاستقامة المعنى ولثبونهما في المراجع السابقة.
(٣) في (د) سقط "له".والصواب ثبوتها لاستقامة المعني والله أعلم.
(٤) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٢٩٥.
(٥) بخس: البخس: النقص. بخسه حقه يبخسه بخسا إذا نقصه؛ وامرأة باخس وباخسة. وفي المثل في الرجل تحسبه مغفلا وهو ذو نكراء: تحسبها حمقاء وهي باخس أو باخسة؛ أبو العباس: باخس بمعنى ظالم، ولا تبخسوا الناس. لا تظلموهم. ابن منظور، مرجع سابق، ٦/ ٢٤.
[ ٣٣٧ ]
﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ حسن (١)، و﴿مُعْرِضُونَ﴾ كاف (٢)، ﴿وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
_________________
(١) قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٣١. قال: تام الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٧ كاف عند الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٧.
(٢) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٦. قال: تام الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. قال: كاف وقيل: تام، الأشموني، المرجع السابق.
[ ٣٣٨ ]
حسن (١)، وكذا ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢)، ﴿سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ تمام (٣) عند الأخفش وأبي حاتم، وقال غيرهما: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تمام (٤)، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ كاف (٥).
وقولُهُ ﷿:
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾
﴿حَتَّى﴾ غاية، و﴿إِذَا﴾ ظرف فيه بمعنى الشرط، و﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ جواب ﴿إِذَا﴾ وهو العامل في ﴿إِذَا﴾، وفتحت ﴿أَنَّهُمْ﴾ بوقوع الظن عليها، ويقرأ ﴿كُذِبوا﴾
_________________
(١) قال: تام الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٧. كاف عند الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٨.
(٢) الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. الأشموني، المرجع السابق.
(٣) قال النحاس: تمام عند الأخفش، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٦.كاف عند الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٣١. وهو ترجيح لرأي الأنباري، مرجع سابق ٢/ ٧٢٨. حسن عند الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. وكذا الأشموني، المرجع السابق.
(٤) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٣٢. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٨. الأشموني، المرجع السابق.
(٥) قال: تمام النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٧. قال: أتم " الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. تام عند الأشموني، المرجع السابق.
[ ٣٣٩ ]
بالتخفيف (١)، وكُذّبوا بالتشديد (٢)، فمن قرأ بالتشديد: أراد كذبهم قومهم، ومن قرأ بالتخفيف: أرادوا أنهم أخلفوا ما وعدوا به، ﴿فَنُجِّيَ﴾ الفاء جواب النصر بعذاب المكذبين، ويقرأ فننجي بنونين (٣): على أنه فعل مستقبل، ويقرأ ﴿فَنُجِّيَ﴾ بنون واحدة: على أنه فعل ماضٍ ما لم يسم فاعله، ومن جعله فعلا مستقبلا نصب ﴿مَنْ﴾ به، و﴿مَنْ﴾ بمعنى الذي، ومن جعله ماضيا رفع ﴿مَنْ﴾ به، ﴿وَلَا يُرَدُّ بَاسُنَا﴾ معطوف ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾، ﴿عَنِ﴾ متعلقة بـ ﴿يُرَدُّ﴾، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ اللام لام توكيد، و﴿عِبْرَةٌ﴾ اسم ﴿كَانَ﴾، ﴿فِي قَصَصِهِمْ﴾ الخبر متعلق بمعنى الاستقرار، والهاء والميم يرجعان (٤) إلى يوسف وإخوته، وذكر و﴿كَانَ﴾ لأن ﴿عِبْرَةٌ﴾ بمعنى الاعتبار، ﴿لِأُولِي﴾ متعلق بـ ﴿عِبْرَةٌ﴾ ﴿الْأَلْبَابِ﴾ خفض بإضافة أُولي إليهم، ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ ﴿مَا﴾ نفي، و﴿حَدِيثًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، واسمها مضمر فيها، والضمير كناية عن القرآن، أي: ما كان هذا القرآن حديثا يفترى، ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ﴿لَكِنْ﴾ حرف توكيد، وكان مضمر (٥)
بعد ﴿لَكِنْ﴾ لدلالة الكلام عليها فالتقدير: ولكن كان القرآن ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ والهاء في يديه عائدة على القرآن أي كان ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ
_________________
(١) قراءة عاصم، والكسائي، وحمزة. ينظر، ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٥٢. القيسي، التبصرة، ت: محمد غوث الندوي، ط ٢، (الهند: الدار السلفية، ١٤٠٢ هـ-١٩٨٢ م)، ٣٣٠. الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٣٢.أبو حيان، مرجع سابق، ٥/ ٣٥٥.
(٢) في (د) سقط "بالتشديد". قراءة ابن كثير، ونافع وأبي عمرو، وابن عامر. ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٥١. الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٣٢.
(٣) الفراء، مرجع سابق،٢/ ٥٦.النَّحَّاس، إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٣٤٧.
(٤) في (د) "راجعان". اللفظان يفيدان المعنى الواحد.
(٥) القيسي، مشكل إعراب القرآن، مرجع سابق، ١/ ٣٤٦. العكبري، التبيان في إعراب القرآن، مرجع سابق، ٢/ ٦٧٥.الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٣٣ ..
[ ٣٤٠ ]
يَدَيْهِ﴾ من الكتب: التوراة والإنجيل والزبور يصدق ذلك كله ويشهد أن جميعه حق من عند الله (١)، ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عطف على ﴿تَصْدِيقَ﴾، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ عطف على ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ اللام متعلقة برحمة.
القولُ في القراءةِ:
قرأ أهل الكوفة ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ بالتخفيف، الباقون بالتشديد (٢)، والتشديد: على أن الظن للرسل-صلوات الله عليهم-معطوف على ﴿اسْتَيْئَسَ﴾ والضمير في ﴿أَنَّهُمْ﴾، و﴿جَاءَهُمْ﴾ راجع إليهم، والظن يحتمل اليقين أي: لما استيئسوا من إيمان قومهم أيقنوا أن قومهم قد كذبوهم جاءهم نصرنا، ويجوز أن يكون الظن على جاءنا به (٣) أي: ظنوا أن من آمن من قومهم قد كذبوهم (٤)، لما لحقهم من البلاء والامتحان. والتخفيف فيه وجهان أيضا: أحدهما: أن الضمير في ظنوا للقوم، والتقدير: حتى إذا استيئس الرسل من إيمان قومهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا، والثاني: أن يكون الضمير في ﴿ظَنُّوا﴾، و﴿أَنَّهُمْ﴾، و﴿كُذِبُوا﴾، للقوم، والتقدير: حتى إذا استيئس الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أنهم قد كذبوا أي: كذبتهم الرسل. قرأ عاصم (٥) وابن عامر: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ بنون واحدة وتشديد الجيم وفتح الياء الباقون: بنونين،
_________________
(١) فائدة: المؤمن الحق هو الذي يعتقد بأن القرآن كلام الله منزل من عنده، وليس كلامًا مختلقًا من عند الرسول ﷺ، وأنه يحمل الرحمة والهداية للمؤمنين، فلا يشقون ولا يتعذبون. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٩٤٢.
(٢) الفراء، مرجع سابق،٢/ ٥٦. ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، مرجع سابق، ١/ ٢٣٤. ابن مجاهد، مرجع سابق، ص ٣٥١.
(٣) كذا بالأصل"جاءنا به" والصواب "بابه" لثبوته في ابن عطية، ٣/ ٢٨٧.وابن حيان، ٦/ ٣٣٦.والسمين، ٦/ ٥٦٤.
(٤) عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٩. ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٣٠٨.
(٥) عاصم بن أبي النجود بهدلة الكوفي الأسدي، أبو بكر، (ت: ١٢٧ هـ)، أحد القراء السبعة، تابعي، من أهل الكوفة، ووفاته فيها. ابن سعد، مرجع سابق،١/ ٤٨٣. ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، مرجع سابق،١/ ٣٤٦ ..
[ ٣٤١ ]
والياء ساكنة (١)،
فالتشديد: على أنه فعل ماض من نجى ينجي لم يسم فاعله و﴿مَنْ﴾ اسم ما لم يسم فاعله، والتخفيف: على أنه فعل مستقبل من نجا ينجوا (٢) أخبر الله تعالى عن نفسه، و﴿مَنْ﴾ في موضع نصب، وكتبت بنون واحدة لخفائها في اللفظ.
القولُ في المعنى والتفسيرِ:
المعنى والله أعلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ لا ملائكة ولا أغوانًا ولا نساء، فدعوا من أرسلناهم إليه فكذبوهم، وردوا ما أتوهم به من عند الله، ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ (٣) الرُّسُلُ﴾ الذين أرسلناهم إليهم منهم أن يؤمنوا بالله، ويصدِّقوهم فيما أتوهم به من عند الله، وظن الذين أرسلناهم إليهم من الأمم المكذِّبة: أن الرسل الذين أرسلناهم قد كذبوهم فيما كانوا أخبروهم عن الله، من وَعده إياهم نصرَهم عليهم، ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ قال ذلك ابن عباس (٤)
_________________
(١) ابن جني، المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، مرجع سابق، ١/ ٣٥٠. ابن زنجلة، مرجع سابق،١/ ٣٦٨، ٣٦٧، ٣٦٦. الداني، الأحرف السبعة للقرآن، ت: عبد المهيمن طحان، ط ١، (مكة المكرمة: مكتبة المنارة، ١٤٠٨ هـ)، مرجع سابق، ١/ ١٣٠، ٥٠ .. الداني، جامع البيان في القراءات السبع، مرجع سابق، ١/ ١٢٢.
(٢) كذا في الأصل"ينجوا"بزيادة ألف بعد الواو بخلاف الرسم الإملائي الحديث. ونجا فلان ينجو إذا أحدث ذنبا أو غير ذلك. ونجاه نجوا ونجوى: ساره. والنجوى والنجي: السر. والنجو: السر بين اثنين، يقال: نجوته نجوا أي ساررته، وكذلك ناجيته، والاسم النجوى، ابن منظور، مرجع سابق،١٥/ ٣٠٨. (فصل النون).
(٣) أَيسَ يَأيَسُ، وآيَسْتُه، أَي: أيأَسْتُه، وَهُوَ اليَاس والإياس، وَكَانَ فِي الأَصْل الإييَاس بِوَزْن الإيعَاس. وَيُقَال: استيْأَس بِمَعْنى يَئِس، وَالْقُرْآن نَزل بلُغة من قَرَأَ يَئس. وَقد رَوَى بعضُهم عَن ابْن كَثير أنّه قَرَأَ: ﴿وَلَا تايَسُوا﴾، بِلَا همز، الأزهري، تهذيب، اللغة، مرجع سابق، ١٣/ ٩٧. يَئِس منه، أي قَنَطَ. الخطاب، جمهرة أشعار العرب، مرجع سابق، ٤/ ٢١٦. أَيِسْتُ مِنْهُ آيَسُ يَاسًا لُغَةٌ فِي يَئِسْتُ مِنْهُ أَيْأَسُ يَاسًا، وَمَصْدَرُهُمَا وَاحِدٌ، ابن منظور، مرجع سابق، ٦/ ١٩.
(٤) مجاهد، مرجع سابق، ص ٤٠٢. الثوري، مرجع سابق، ١/ ١٤٨.سعيد بن منصور، مرجع سابق، ٥/ ٤١٢. فائدة: بيان سنة الله في النصر على رسله وعباده المؤمنين زيادة من الإعداد والتمحيص، ثم يأتي نصر الله فيعز أولياءه ويذل أعداءه. يصح تسمية المشرك بالمجرم لأن الشرك جريمة لا تغتفر إلا من تاب منها قبل الموت، عندما ينزل عذاب الله الموعود فلا مرد له، وينجي الله من عذابه من يشاء فالعاقل يسارع إلى الإيمان لينجو من عذاب الله المحتوم قبل فوات الأوان التنديد بالإجرام، وهو الإفساد للعقائد والأخلاق والشرائع والأحكام. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٩١١ ..
[ ٣٤٢ ]
وسعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد (١) والضحاك (٢) وعبد الله بن مسعود (٣)، ومعنى الآية: حتى إذا استيئس الرسل من أن يصدقهم قومهم وظن الرسل أن قومهم قد كذبوهم، ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾، فالظن على بابه، ويجوز أن يكون الظن يراد به اليقين، لأن من آمن من قومهم لم يصْدُقوا في إيمانهم لما لحقهم منهم من البلاء والامتحان، ومن خفف كذبوا قال هذا المعنى مؤول أي: ظن قومهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به أو تيقنوا حتى جاءهم النصر (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَنُجِّيَ﴾ أي:
_________________
(١) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢١٢.
(٢) أبو حيان، مرجع سابق، ٥/ ٣٥٥.
(٣) سعيد بن منصور، مرجع سابق، ٥/ ٤١٣. عبدالرزاق، مرجع سابق، ١/ ٣٢٩.
(٤) ابن وهب، أبو محمد عبد الله بن مسلم المري القرشي (ت: ١٩٧ هـ)، تفسير القرآن من الجامع ت: ميكلوش موراني، ط ١، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ٢٠٠٣ م)، ١/ ٢٧.الزجاج، مرجع سابق، ٣/ ١٣٢. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢١١. قال السَّمين: قوله تعالى: ﴿كُذِّبُوا﴾ قرأ الكوفيون» ﴿كُذِبوا﴾ «بالتخفيف والباقون بالتثقيل. فأمَّا قراءةُ التخفيف فاضطربت أقوالُ الناسِ فيها، ورُوي إنكارها عن عائشة ﵂ قالت:» معاذَ اللَّه لم يكنِ الرسلُ لِتَظُنُّ ذلك بربها "وهذا ينبغي أن لا يَصِحَّ عنها لتواتُرِ هذه القراءة"وقد وَجَّهها الناسُ بأربعة أوجه، أجودُها: أن الضميرَ في» وظنُّوا «عائدٌ على المرْسَل إليهم لتقدُّمهم في قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ سورة يوسف، الآية: ١٠٩، ولأن الرسلَ تَسْتدعي مُرْسَلًا إليه. والضمير في» أنهم «و» كُذِبوا «عائد على الرسل، أي: وظنَّ المرْسَل إليهم أنَّ الرسَلَ قد كُذِبوا، أي: كذَّبهم مَنْ أُرْسِلوا إليه بالوحي وبنصرهم عليهم. الثاني: أنَّ الضمائرَ الثلاثةَ عائدة على الرسل. قال الزمخشري في تقرير هذا الوجه» ﴿حتى إذا اسْتَيْئَسوا﴾ من النصر ﴿وظنُّوا أنهم قد كُذِبوا﴾، أي: كَذَّبَهم أنفسُهم حين حَدَّثَتْهم أنهم يُنْصَرون أو رجاؤُهم لقولهم رجاءٌ صادق ورجاءٌ كاذب، والمعنى: أن مدَّة التكذيب والعداوةِ من الكفار، وانتظارَ النصر من اللَّه وتأميلَه قد تطاولت عليهم وتمادَتْ، حتى استشعروا القُنوط، وتَوَهَّموا ألاَّ نَصْرَ لهم في الدنيا فجاءهم نَصْرُنا «انتهى/فقد جعل الفاعلَ المقدر: إمَّا أنفسُهم، وإمَّا رجاؤُهم، وجعل الظنَّ بمعنى التوهم فأخرجه عن معناه الأصلي وهو تَرَجُّحُ أحدِ الطرفين، وعن مجازه وهو استعمالُه في المتَيَقَّن. الثالث: أنَّ الضمائرَ كلَّها أيضًا عائدة على الرسل، والظنُّ على بابه من الترجيح، وإلى هذا نحا ابن عباس وابن مسعود وابن جبير، قالوا: والرسل بَشَرٌ فَضَعُفوا وساءَ ظَنُّهم، وهذا ينبغي ألاَّ يَصِحَّ عن هؤلاء فإنها عبارة غليظة على الأنبياء ﵈، وحاشى الأنبياء من ذلك، ولذلك رَدَّتْ عائشة وجماعةُ كثيرة هذا التأويلَ، وأعظموا أن تُنْسَبَ الأنبياء إلى شيء مِن ذلك. =
[ ٣٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال الزمخشري: «إن صَحَّ هذا عن ابن عباس فقد أراد بالظنِّ ما يَخْطِر بالبال ويَهْجِس في القلب مِنْ شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية، وأمَّا الظنُّ الذي هو ترجيحُ أحدِ الجائزين على الآخر فغير جائز على رجلٍ من المسلمين، فما بالُ رسلِ اللَّه الذين هم أعرفُ بربهم؟» قلت: ولا يجوز أيضًا أن يقال: خَطَر ببالهم شبهُ الوسوسة، فإنَّ الوسوسة من الشيطان وهم مَعْصومون منه. وقال الفارسي أيضا: «إنْ ذهب ذاهب إلى أن المعنى: ظنَّ الرسلُ الذين وعد اللَّه أمَمَهم على لسانهم قد كُذِبوا فيه فقد أتى عظيمًا "لا يجوزُ أَنْ يُنْسَبَ مثلُه" إلى الأنبياء ولا إلى صالحي عبادِ اللَّه، وكذلك مَنْ زعم أنَّ ابنَ عباس ذهب إلى أن الرسل قد ضَعُفوا فظنوا أنهم قد أُخْلفوا، لأن اللَّه تعالى: ﴿لَايُخْلِفُ الْمِيعَاد﴾ و﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ وقد روي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: معناه وظنُّوا حين ضَعُفوا وغُلبوا أنهم قد أُخْلفوا ما وعدهم اللَّه به من النصر وقال: كانوا بشرًا وتلا قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حتى يَقُولَ الرسولُ﴾ سورة البقرة، الآية: ٢١٤. الرابع: أن الضمائر كلَّها تَرْجِعُ إلى المرسَل إليهم، أي: وظَنَّ المرْسَلُ إليهم أنَّ الرسلَ قد كَذبوهم فيما ادَّعوه من النبوَّة وفيما يُوْعِدون به مَنْ لم يؤمنْ بهم من العقاب قبلُ، وهذا هو المشهور من تأويل ابن عباس وابن مسعود وابن جبير ومجاهد قالوا: ولا يجوز عَوْدُ الضمائر على الرسل لأنهم مَعْصومون. ويُحكى أن ابن جبير حين سُئِل عنها قال: نعم إذا استيئسَ الرسل من قومهم أن يُصَدِّقوهم، وظنَّ المرْسَلُ إليهم أنَّ الرسلَ قد كَذَبوهم» فقال الضحاك بن مزاحم وكان حاضِرًا: «لو رَحَلْتُ في هذه إلى اليمن كان قليلًا». وأمَّا قراءةُ التشديدِ فواضحة وهو أن تعودَ الضمائرُ كلها على الرسل، أي: وظنَّ الرسلُ أنهم قد كَذَّبهم أممُهم فيما جاؤوا به لطول البلاءِ عليهم، وفي صحيح البخاري عن عائشة: «أنها قالت: هم أتباعُ الأنبياءِ الذي آمنوا بهم وصَدَّقوا طال عليهم البلاءُ واستأخر عنهم النصرُ حتى إذا استيئس الرسلُ ممَّن كذَّبهم مِنْ قومهم، وظنَّتْ الرسلُ أن قومَهم قد كَذَّبوهم جاءهم نَصْرُ اللَّهِ عند ذلك». قلت: وبهذا يَتَّحد معنى القراءتين، والظنُّ هنا يجوز أن يكون على بابه، وأن يكونَ بمعنى اليقين وأن يكونَ بمعنى التوهُّم حسبما تقدَّم. وقرأ ابن عباس والضحاك ومجاهد «كَذَبوا» بالتخفيف مبنيًا للفاعل، والضمير على هذه القراءة في ﴿ظنُّوا﴾ عائد على الأمم وفي ﴿أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ عائدٌ على الرسل، أي: ظنَّ المرْسَلُ إليهم أنَّ الرسلَ قد كَذَبوهم فيما وعدوهم به من النصر أو من العقاب، ويجوز أن يعودَ الضميرُ في «ظنُّوا» على الرسل وفي ﴿أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ على المرْسَل "إليهم"، أي: وظنَّ الرسلُ أن الأممَ كَذَبَتْهم فيما وعدوهم به مِنْ أنَّهم يؤمنون به، والظنُّ هنا بمعنى اليقين واضح. «وقرأ مجاهد» كَذَبوا «بالتخفيف على البناء للفاعل على: وظنَّ الرسلُ أنهم قد كَذَبوا فيما حَدَّثوا به قومهم من النُّصْرة: إمَّا على تأويل ابن عباس، وإمَّا على أنَّ قومهم إذا لم يَرَوا لموعدهم أثرًا قالوا لهم: قد كَذَبْتُمونا فيكونون كاذبين عند قومهم أو: وظنَّ المرْسَلُ إليهم أن الرسلَ قد كَذَبوا. اهـ السمين، مرجع سابق، ٦/ ٥٦٣ - ٥٦٤ - ٥٦٥ - ٥٦٦ بتصرف.
[ ٣٤٤ ]
فننجي الرسل ومن نشاء من عبادنا المؤمنين إذا جاء نصرنا (١)، ﴿وَلَا يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ وذلك أن الله بَعَث الرسل، فدعوا قومهم، وأخبروهم أنه من أطاع الله نجا، ومن عصاه عُذِّب وغَوَى (٢). وقولُهُ: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَاسُنَا﴾ أي: عقوبتنا وبطشنا، ثم بطشنا به من أهل الكفر بنا وعن القوم الذين أجرموا، فكفروا بالله، وخالفوا رسله.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ أي: لقد كان في قصص يوسف وإخوته عبرة لأهل الحجى والعقل يعتبرون بها، وموعظة يتّعظون بها، وذلك أن الله جل ثناؤه بعد أن ألقي يوسف في الجبّ ثم بِيع بَيْع العبيد وبعد الإسار والحبس الطويل، ملّكه مصر، ومكّن له في الأرض، وأعلاه على من بغاه سوى إخوته، وجمع بينه وبين والديه وإخوته، وجاء بهم إليه من الشُّقّة البعيدة، يقال للمشركين من قريش: لقد كان لكم أيها القوم، في قصصهم عبرةٌ لو اعتبرتم به، أن الذي فعل ذلك بيوسف وإخوته، لا يتعذَّر عليه أن يفعل مثله بمحمد صلى الله عليه (٣)، فيخرجه من بين أظهُرِكم، ثم يظهره عليكم، ويمكن له في البلاد، ويؤيده بالأتباع والأصحاب، وإن مرَّت به شدائد، وكان مجاهد (٤) يقول: لقد كان في قصصهم عبرة ليوسف وإخوته، ورَدُّ العبرة إلى قريش أوْلى: لأنه عَقِيب الإخبار عن نبينا-صلى الله عليه (٥). وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ أي: ما كان هذا القرآن حديثًا يختلق ويُتَكذَّب ويُتَخَرَّص، ولكنه تصديق الذي بين يديه من
_________________
(١) قصة يوسف ﵇ تتضمن فنونًا شتى من أساليب التربية والسلوكيات، وتهدف بوضوح إلى إبراز الخصائص النفسية للصفوة المختارة من الناس، وتشرح لنا في أسلوب سهل جني، ثمرة اللجوء إلى الله﷿في الضيق والمحن، وكيف لا يتخلى الله عمن يلتجأ إليه فيصرف عنه السوء، وينقذه مما يتورط فيه، ويضيء له الطريق مع شدة الظلام من حوله، ويمكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء. وفيها جواز استعمال الحيلة في التوصل إلى الأمر المباح. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٩٤٤.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٣١٢. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢١٢ - ٢٢١٣.
(٣) كذا في (د). وفى الأصل: بدون "وسلم " والمشهور "وسلم" لورود النص والله أعلم.
(٤) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢١٣.
(٥) كذا فى الأصل وفي (د) بدون "وسلم " والمشهور "وسلم" لورود النص به.
[ ٣٤٥ ]
كتب الله ﷿ التي أنزلها قبله على أنبيائه، كالتوراة والإنجيل والزبور، يصدِّق ذلك كله. ويشهد عليه أنّ جميعه من عند الله (١).
وقولُهُ: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: تفصيل كلما بالعباد إليه حاجة من بيان أمر الله ونهيه، وحلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: هو بيان أمره، ورشاد من جهل سبيل الحق فعمي عنه، إذا اتبعه اهتدى به من ضلالته ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به وعمل بما فيه، ينقذه من سخط الله وأليم عقابه، ويورِّثه في الآخرة جناته، والخلودَ في النعيم المقيم ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدِّقون بالقرآن فيعملون بما فيه من أمره وينتهون عما فيه من نهي (٢) وقد تضمنت الآيتان: البيان عما يوجبه بلوغ الحد في الناس من فلاح أحد من القوم من أخذهم بعذاب الاستئصال في الدنيا مع نجاة من آمن بإيمانه وفوزه بطاعته، والبيان عما يوجبه الاعتبار بأخبار الماضين من الهداية إلى الحق، وسلوك طريق الرشد الذي يؤدي صاحبه إلى أجل حال في أخلص إنعام.
القولُ في الوقفِ والتمامِ:
﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ صالح (٣)، ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ حسن (٤)، وآخر السورة تمام (٥).
_________________
(١) ابن جرير، مرجع سابق، ١٦/ ٣١٤. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، ٧/ ٢٢١٣.
(٢) ابن جرير، مرجع سابق، ١٣/ ٤٠٤. فائدة: إن القرآن مفصل لكل شيء من التحليل والتحريم، والأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات، والنهي عن المحرمات والمكروهات، والإخبار عن الرب﵎بالأسماء والصفات، وتنزهه عن مماثلة المخلوقات فتهدى به قلوبهم من الغي إلى الرشاد، ومن الضلال إلى السداد. نصر والهلالي، مرجع سابق، ١/ ٩٤٢.
(٣) النحاس، القطع والائتناف، مرجع سابق، ص ٣٣٧. قال: كاف الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، مرجع سابق، ص ٣٣٢. قال: حسن، الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، مرجع سابق، ص ١٩٨. قال: كاف الأشموني، مرجع سابق، ص ١٩٨.
(٤) النحاس، القطع والائتناف، المرجع السابق. قال: تام الداني، المكتفى في الوقف والابتدا، المرجع السابق. قال: تام الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. كاف عند الأشموني، المرجع السابق.
(٥) الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، المرجع السابق. الأشموني، المرجع السابق.
[ ٣٤٦ ]
وعدد السورة سبعة آلاف ومائة وستة وستون حرفا (١) وألف وسبع مائة وست وسبعون (٢)، ومائة وإحدى عشر (٣) آية لا خلاف في عددها (٤).
_________________
(١) الفيروزآبادى، مرجع سابق، ١/ ٣٨٠. الخازن، مرجع سابق، ٢/ ٥١٠.
(٢) كذا بدون ذكر تمييز العدد "كلمة" وكذلك في"د" والظاهر سقوط "كلمة".لعله سقط من النساخ والصواب ثبوتها لاستقامة المعنى ولثبوتها في المصادر الأخرى. الداني، البيان في عدّ آي القرآن ت: غانم قدوري الحمد، ط ١، (الكويت: مركز المخطوطات والتراث، ١٤١٤ هـ-١٩٩٤ م)، ١/ ١٦٧.
(٣) كذا في الأصل وفي "د" "عشرة" وهو الصواب لأن العشرة تخالف المعدود إذا كانت مفردة، وتوافقه إن كانت مركبة، فالعشرة توافق "آية" ولعله سقط من الناسخ والله- تعالى- أعلم.
(٤) البغوي، مرجع سابق، ٢/ ٤٧٣.
[ ٣٤٧ ]