الأمثال التي استشهَد بها الجِبْلي تنقسم إلى ثلاثةِ أقسام:
الأول: ما استشهَد به على شرح معنًى لُغَوِيٍّ، ومن أمثلته عنده ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (^٣)، قال الجِبْلي (^٤): "أي: لم يَقْرُبْ من أن يراها من شدّة الظُّلُمات، قال الفَرّاء (^٥): "كاد" صلةٌ، أي: لم يرَها، كما
_________________
(١) الضحى ٩.
(٢) البستان ٤/ ٤٦٨.
(٣) النور ٤٠.
(٤) البستان ١/ ٣٤٣.
(٥) معاني القرآن ٢/ ٢٥٥.
[ ١ / ٥٨ ]
تقول: ما كِدت أعرِفُه، وقال المبرّد (^١): لم يرَها إلّا بعد الجَهد، كما يقول القائل: ما كدتُ أراك من الظلمة، وقد رآه ولكنْ بعد بأسٍ وشدة، وقيل: معناه: قَرُبَ من الرؤية ولم يَرَ، كما يقال: كاد العروسُ يكونُ أميرًا، وكاد النعام يطير".
٢ - في قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ (^٢)، قال الجِبْلي (^٣): "وقال ابنُ عبّاس: يريد النَّوْمَ والماءَ، وكذلك قال ثَعْلَبٌ (^٤): البَرْدُ هاهنا: النَّوْمُ، ومن أمثال العرب: "مَنَعَ البَرْدُ البَرْدَ" يعني: النَّوْمَ؛ أي: أصابني من البَرْدِ ما منعني من النوم".
٣ - في قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ (^٥)، قال الجِبْلي (^٦): "والطَّبَقُ في اللغة هو: الحال، والعرب تقولُ لِمَن وقع في أمرٍ شديدٍ: وَقَعَ في بَناتِ طَبَقٍ".
الثانِي: ما استشهَد به على حُكمٍ نَحْويٍّ، كاستشهاده على أنّ الألفَ واللام في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (^٧) للجِنس، فقد قال الجِبْلي (^٨): "والكافر هاهنا: اسمٌ للجنس، ولهذا عُرِّفَ بالألف واللام، تقول العرب: أَهْلَكَ النّاسَ الدِّينارُ والدِّرْهَمُ، ويريدون به الجِنْسَ".
الثالث: ما استشهد به على تفسيرِ آيةٍ، ومن أمثلته عنده:
_________________
(١) الكامل في اللغة والأدب ١/ ١٩٥.
(٢) النبأ ٢٤.
(٣) البستان ٤/ ٢٥٥.
(٤) ينظر قوله في الأضداد لابن الأنباري ص ٦٤، الزاهر لابن الأنباري ١/ ١٩٧.
(٥) الانشقاق ١٩.
(٦) البستان ٤/ ٣٦٢.
(٧) النبأ ٤٠.
(٨) البستان ٤/ ٢٦٥.
[ ١ / ٥٩ ]
١ - في قوله تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ (^١)، قال الجِبْليّ (^٢): "أي: وفَرَّقْناهُم في كلِّ وجه من البلاد كُلَّ التفريق، وذلك أنّ اللَّه تعالى لَمّا أغرق مكانَهم، وأَذْهَبَ جَنَّتَيْهِم، تَبَدَّدُوا في البلاد، فصارت العربُ تتمثَّل بهم في الفُرْقةِ، فيقولون: تفرَّقوا أَيْدِيَ سَبَأ، وأَيادِي سَبَأ".
ويُلاحَظُ في هذا المثل اهتمامُ الجِبْلي بذكرِ اختلاف رواية المثل.
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (^٣)، قال الجِبْلي (^٤): "وقيل: أراد بالنَّجم هاهنا: الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ وغابَتْ، والعرب تُسمِّي الثُّرَيّا نَجْمًا وإن كانت في العدد سَبْعةَ أَنْجُمٍ، فسِتّةٌ منها ظاهرةٌ، وواحدٌ منها خَفِيٌّ يَمْتَحِنُ الناسُ به أبصارَهُم، ومنه قول العرب:
طَلَعَ النَّجْمُ عِشاءَ ابْتَغَى الرّاعِي كِساءَ".