هل يجوز أن يُعَلَّلَ الحكمُ الواحدُ بعلّتَيْنِ أو أكثرَ؟
أجاب الأَنْباري عن هذا السُّؤال فقال (^٣): "اعلم أنّ العلماءَ اختلفوا في ذلك، فذهب قومٌ إلى أنه لا يجوز؛ لأنّ هذه العِلّة مُشَبَّهةٌ بالعلّة العقليّة، والعلّة العقليّة لا يَثبُت الحكمُ معَها إلّا بعلّةٍ واحدة، فكذلك ما كان مُشَبَّهًا به، وذهب قومٌ إلى أنه
_________________
(١) ثمار الصناعة للجليس الدينوري ص ١٣٥.
(٢) ينظر: الاقتراح للسيوطي ص ١٧٦.
(٣) لمع الأدلة للأنباري ص ١١٧، وينظر: الاقتراح للسيوطي ص ١٨٢.
[ ١ / ١٣١ ]
يجوزُ أن يُعَلَّلَ بعلّتَيْنِ فصاعدًا، وذلك مثلَ أن يُدَلَّ على كونِ الفاعل ينزلُ منزلةَ الجزءِ من الفعل بعِلَل". اهـ، ثم ذكر الأنباري عَشْرَ عِلَلٍ في هذا الحكم (^١)، ثم اعتَرض على الرأي المُجَوِّزِ لِتَعَدُّدِ العِلَلِ في الحكم الواحد (^٢).
وكان السُّيوطيُّ أكثَرَ توضيحًا للمعنى، وكانت عبارته أخصرَ من عبارة الأنباري، حيث قال (^٣): "العلة قد تكون بسيطةً، وهي: التي يقع التعليلُ بها من وجهٍ واحدٍ، كالتعليل بالاستثقال والجِوار والمشابَهة ونحو ذلك، وقد تكون مُرَكبةً من عدةِ أوصافٍ: اثنينِ فصاعدًا، كتعليل قلب "ميزان" بوقوع الواو ساكنةً بعد كسرة، فالعلّة ليس مجرَّدَ سكونِها، ولا وقوعِها بعد كسرة، بل مجموع الأمرَيْن، وذلك كثيرٌ جدًا".
وقد استعمل الجِبْلِيُّ عدةَ أنواع من العلّة البسيطة في كتابه، كما استعمل العلّةَ المركَّبة في بعض المواضع، فعَلَّلَ لبعض الأحكام بعلّتَيْن أو أكثر، وهذا يتضح فيما يلي: