بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله -﷿-: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ يعني: محاسبةَ اللَّهِ إياهم على أعمالهم، قيل: اللام بمعنى "مِنْ"، يعني: اقترب من الناس حسابُهُمْ، ولا يجوز في الكلام: اقترب حسابُهم للناس؛ لئلّا يُقَدَّمَ مُضْمَرٌ على مُظْهَرٍ لا يجوز أن يُنْوَى فيه التأخيرُ (^٢)، و"اقْتَرَبَ": "افْتَعَلَ" من القُرْبِ، يقال (^٣): قَرُبَ الشيءُ واقْتَرَبَ بمعنًى واحدٍ.
قوله: ﴿وَهُمْ﴾ واو الحال ﴿فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ عن التفكرِ فيه والتأهبِ له بالإيمان بمحمدٍ -ﷺ- والقرآنِ، نزلت هذه الآيةُ فيمن أنكر البعثَ.
قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ الخَفْض: نعتٌ لـ "ذِكْرٍ"، وأجاز الكِسائي (^٤) والفَرّاء (^٥): "مُحْدَثًا" (^٦) يعني: ما يأتيهم مُحدَثًا، وأجاز الفراء (^٧) أيضًا رفع ﴿مُحْدَثٍ﴾ (^٨) على تأويل: ﴿ذِكْرٍ﴾؛ لأنك لو حذفت "مِنْ" رفعتَ
_________________
(١) لم أعثر له على تخريج.
(٢) من أول قوله: "ولا يجوز في الكلام: اقترب. . . " قاله النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٦٣.
(٣) قاله ابن الأعرابِيِّ فيما حكاه عنه ثعلب، ينظر: ياقوتة الصراط لأبي عمر الزاهد ص ٣٥٧.
(٤) ينظر رأي الكسائي في إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٦٣، مشكل إعراب القرآن ٢/ ٨١.
(٥) معاني القرآن ٢/ ١٩٧.
(٦) وقد قرأ بالنصب زيدُ بنُ عليٍّ، ينظر: البحر المحيط ٦/ ٢٧٥.
(٧) ينظر: معاني القرآن ٢/ ١٩٧، ١٩٨.
(٨) وقد قرأ بالرفع إبراهيم بن أبِي عبلة، ينظر: الكشاف ٢/ ٥٦٢، البحر المحيط ٦/ ٢٧٥.
[ ١ / ١٧٨ ]
ذِكْرًا. ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ قال ابن عباس: يستمعون القرآن مستهزئين ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ يعني: ساهيةً. مشغولةً بالباطل عن الحق، معرضةً عن ذكر اللَّه، مأخوذٌ من قول العرب: لَهِيتُ عَنِ الشَّيْءِ: إِذا تَرَكْتَهُ (^١).
وهو منصوبٌ على الحال من ﴿يَلْعَبُونَ﴾ (^٢)، وقيل: لأنه نعتٌ تقدَّم الاسمَ، ومن حقَّ النعت أن يَتْبع الاسمَ في جميع الإعراب، فإذا تقدَّم النعتُ الاسمَ فله حالتان: فَصْلٌ ووصل، فحالُهُ في الفصل النصبُ، كقوله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ (^٣)، ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ (^٤) و﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾، قال الشاعر:
١ - لِمَيّةَ مُوحِشًا طَلَلُ يَلُوحُ كَأنَّهُ خِلَلُ (^٥)
أراد: طلَلٌ موحِشٌ، وحالُه في الوصل حالُ ما قبلَه من الإعراب، كقوله
_________________
(١) ينظر: تهذيب اللغة ٦/ ٤٢٨، الصحاح ص ٢٤٨٧.
(٢) يريد: من واو الجماعة في ﴿يَلْعَبُونَ﴾، قاله الكسائي والفراء والزجاج، ينظر: معانِي القرآن للفراء ٢/ ١٩٨، معانِي القرآن وإعرابه ٣/ ٣٨٣، إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٦٣.
(٣) القمر ٧.
(٤) الإنسان ١٤.
(٥) البيت من الوافر المَجزوء، لكُثَيِّرِ عَزّةَ، ورواية ديوانه: "لِعَزةَ"، ومن رواه: "لِمَيّةَ"، قال: إنه لذي الرمة، وسوف يتكرر البيت مرة أخرى ٥/ ١٣٤ من هذا الكتاب. اللغة: الخِلَلُ: جمع خِلّةٍ، وهي بطانة يُغَشَّى بها جفن السيف، تُنْقَشُ بالذهب وغيرِهِ. والشاهد فيه قوله: "موحشًا طللُ" فقد نصب "موحشًا" على الحال من "طللُ"، وكان في الأصل نعتًا له، فلما تقدم عليه صار حالًا منه. التخريج: ديوان كُثَيِّر ص ٥٠٦، الكتاب ٢/ ١٢٣، معاني القرآن للفراء ١/ ١٦٧، كتاب الشعر ص ٢٢٠، شرح أبيات سيبويه ٢/ ٥٩، الخصائص ٢/ ٤٩٢، عين المعاني ورقة ٨٣/ أ، أسرار العربية ١٤٧، شرح المفصل ٢/ ٥٠، ٦٢، اللسان: خلل، وحش، مغني اللبيب ص ١١٨، ٥٧١، ٨٦٥، شرح شواهد المغني ٢٤٩، خزانة الأدب ٣/ ٢١١، ٦/ ٤٣.
[ ١ / ١٧٩ ]
تعالَى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (^١)، قال النابغة (^٢):
٢ - مِنْ وَحْشِ وَجْرةَ مُوشِيٍّ أَكَارِعُهُ طاوِي المَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرَدِ (^٣)
أراد: أكارعه مُوشِيّةٌ، ويجوز الرفع بمعنى: قُلُوبُهُم لَاهِيةٌ (^٤)، أو يكون خبرًا بعد خبر، أو على إضمار مبتدأ (^٥).
قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كان حقه: وأسرَّ؛ لأنه فعل تقدم
_________________
(١) النساء ٧٥، ومن أول قوله: "ومن حق النعت أن يتبع الاسم" قاله الثعلبي في الكشف والبيان ٦/ ٢٦٩، وينظر: تفسير القرطبي ١١/ ٢٦٨.
(٢) هو: زياد بن معاوية بن ضباب الذبيانِيُّ، أبو أمامة، شاعرٌ جاهليٌّ من الطبقة الأولى، من أهل الحجاز، كان الشعراء يقصدون قُبَّتَهُ في سوق عكاظ، يعرضون عليه شعرهم، نادم النعمان بن المنذر، وعُمِّرَ طويلًا، وتوفي سنة (٦٠٤ م) تقريبًا. [الشعر والشعراء ص ١٦٣ - ١٧٩، الأعلام ٣/ ٥٤، ٥٥].
(٣) البيت من البسيط من قصيدة للنابغة في مدح النعمان والاعتذار له، وهذا البيت في وصف ناقته التي حملته إلى النعمان، يشبهها بالثور الوحشي. اللغة: وجرة: فلاة بين مكة والبصرة ليس فيها منزل، موشي أكارعه: الوشي: خلط لون بلون، والأكارع: القوائم واحدها كُراعٌ، والمعنى: أن هذا الثور بقوائمه نقط سود وخطوط، طاوي المصير: خالي المِعَى جائعٌ، والمصير: المعى وجمعه أَمْصِرةٌ ومُصْرانٌ، الصَيَّقَلُ: شَحّاذُ السُّيُوفِ الذي يجلوها، الفَرَدُ والفُرُدُ: المنقطع القرينِ. التخريج: ديوانه ص ١٧، الزاهر ٢/ ٢٩٦، تهذيب اللغة: فرد ١٤/ ٩٩، الكشف والبيان ٦/ ٢٦٩، القرطبي ٦/ ٢٣٥، اللسان: فرد، تاج العروس: فرد.
(٤) قاله الكسائي والفراء، ينظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ١٩٨، إعراب القرآن ٣/ ٦٣، وقد قرأ بالرفع ابن أبِي عبلة وعيسى بن عمر وعكرمة وسعيد بن جبير، ينظر: زاد المسير ٥/ ٣٤٠، مفاتيح الغيب ٢٢/ ١٤١، البحر المحيط ٦/ ٢٧٥.
(٥) هذان الوجهان حكاهما النحاس عن بعضهم بغير عزو في إعراب القرآن ٣/ ٦٣، ٦٤.
[ ١ / ١٨٠ ]
الاسمَ، واختلف النحاة فيه، فمنهم من قال (^١): ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في محل الخفض على أنه تابع للناس في قوله -﷿-: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾، وقال الكسائي (^٢): فيه تقديمٌ وتأخير، أراد: الذين ظلموا أسَرُّوا النجوى.
وقال قُطرب (^٣): هو شائع في كلام العرب، وحُكِيَ عن بعضهم أنه قال: سمعت بعض العرب يقول: أَكَلُونِي البَراغِيثُ (^٤)، قال اللَّه -﷿-: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ (^٥)، قال الشاعر:
٣ - بِكَ نالَ النِّضالُ دونَ المَساعِي فاهتدينَ النِّبالُ للأغراضِ (^٦)
_________________
(١) هذا قول الفراء، ينظر: معاني القرآن ٢/ ١٩٨، قال أبو حيان: "وهذا أبعد الأقوال"، البحر ٦/ ٢٧٦، وعليه فلا وقف على: ﴿النَّجْوَى﴾، ينظر: المكتفى في الوقف والابتدا ص ٢٥٠، القرطبي ١١/ ٢٦٩.
(٢) ينظر قول الكسائي في الكشف والبيان ٦/ ٢٦٩، عين المعاني ورقة ٨٣/ أ، تفسير القرطبي ١١/ ٢٦٩، البحر المحيط ٦/ ٢٧٦.
(٣) ينظر قوله في الكشف والبيان ٦/ ٢٧٠، وعين المعانِي ورقة ٨٣/ ب، وهو محمد بن المستنير بن أحمد لَقَّبَهُ سِيبَوَيْهِ بقُطْرُب، عالم بالنحو واللغة والأدب، وهو أول من وضع المثلث في اللغة، من مصنفاته: مَعاني القرآن، النوادر، المثلثات. [إنباه الرواة ٣/ ٢١٩، ٢٢٠، بغية الوعاة ١/ ٢٤٢، ٢٤٣، الأعلام ٧/ ٩٥].
(٤) حكى أبو عبيدة هذه العبارة عن أبي عمرو الهذلِي في مجاز القرآن ١/ ١٧٤، ٢/ ٣٥.
(٥) المائدة ٧١.
(٦) البيت من بحر الخفيف لأبي تمام من قصيدة له يمدح بها أحمد بن أبي دؤاد، ورواية ديوانه: "بك عاد النضال.. . . . واهتدين". اللغة: النضال: المباراة في رمي السهام، الأغراض: جمع غَرَضِ وهو الهدف الذي يُنْصَبُ فيُرْمَى فيه. التخريج: ديوان أبي تمام بشرح التبريزي ١/ ٣١٣، عين المعاني ورقة ٨٣/ ب، تفسير القرطبي ١١/ ٢٦٩.
[ ١ / ١٨١ ]
ويحتمل أن يكون محل "الَّذِينَ" رفعًا على الابتداء (^١)، أو يكون معناه: "وأسروا النجوى"، ثم قال: هم الذين ظلموا (^٢)، ويحتمل أن يكون محله رفعًا على البدل من الواو في: ﴿أَسَرُّوا﴾ (^٣)، قال المبرد: فهذا كقولك في الكلام: إن الذين في الدار انْطَلَقُوا بَنُو عبدِ اللَّه، على البدل مما في ﴿انْطَلِقُوا﴾، ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: أعني الذين ظلموا (^٤).
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا﴾ يعني الرسل الأولين، قال الزَّجّاج (^٥): هو واحدٌ ينبئ عن جماعة؛ أي: وما جعلناهم ذوي أجساد (^٦): ﴿لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ قال ثعلبٌ والمبرّدُ جميعًا: العرب إذا جاءت بين الكلام بجَحْدَيْن كان الكلام إخبارًا، فمعناه: إنما جعلناهم جسدًا ليأكلوا الطعام، ومثله في الكلام: ما سمعتُ منكَ ولا أَقْبَلُ، فمعناه: إنما سمعت منك لأقبل منك، قال: وإذا كان في أول الكلام جَحْدٌ كان الكلام مجحودًا جحدًا حفيقيًّا، وهو مثل قولك: ما
_________________
(١) ويكون خبره محذوفًا، تقديره: الذين ظلموا يقولون: ما هذا إلّا بشر مثلكم، ينظر: البيان في غريب إعراب القرآن للأنباري ٢/ ١٥٨، التبيان للعكبري ص ٢/ ٩١١، الدر المصون ٥/ ٧١.
(٢) أي: أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هم الذين، وهذا أحد قولين للأخفش، وأجازه الزجاج، ينظر: معاني القرآن للأخفش ص ٤١٠، معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٨٤، وينظر: مشكل إعراب القرآن ٢/ ٨١، البيان للأنباري ٢/ ١٥٨.
(٣) هذا قول يونس بن حبيب وسيبويه والأخفش والفراء والمبرد والزجاج، ينظر: الكتاب ٢/ ٤١، معاني القرآن للأخفش ص ٢٦٢، معاني القرآن للفراء ٢/ ١٩٨، معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/ ٣٨٤، وينظر قول المبرد في الوسيط ٣/ ٢٢٩، القرطبي ١١/ ٢٦٩، البحر المحيط ٦/ ٢٧٥.
(٤) هذا الوجه أجازه الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٨٤، وينظر: إعراب القرآن ٣/ ٦٤، مشكل إعراب القرآن ٢/ ٨١.
(٥) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٨٥.
(٦) في الأصل: "ذوي الأجساد".
[ ١ / ١٨٢ ]
زيدٌ بخارج، فإذا جاءت العرب بالجَحْدَيْن في أول الكلام كان أحدُهما صلةً، تقول: ما ما قمتُ، تريد: ما قمتُ، ومثله: ما إنْ قمتُ، تريد: ما قمت (^١).
قال الفراء (^٢): وإنَّما قال: ﴿جَسَدًا﴾ ولم يقل: أجسادًا؛ لأنها اسم الجنس، كقوله: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (^٣)، وقد تقدَّم قول الزَّجّاج فيه.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ أي: أهلكنا أهلَها، يُخَوِّفُ أهلَ مكة، والقَصْمُ: الكسر والدَّقُّ، يقال منه: قَصَمْتُ ظَهْرَ فلانٍ، وانْقَصَمَتْ سِنُّهُ: إذا انكسرتْ.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ يعني: رأَوْا عذابنا ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢)﴾ يعني: يسرعون هاربين، يقال منه: رَكَضَ فلانٌ فَرَسَهُ: إذا لَكَزَهُ بالرِّجْلِ، وأصله: التحريك.
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦)﴾ يريد: لم نخلقهما عبثًا ولا باطلًا، بل خلقناهما دلالةً على قدرتنا ووحدانيَّتنا ليعتبروا بخلقهما ويتفكَّروا فيهما ويعلموا أنّ العبادةَ لا تصلح إلا لخالقهما (^٤)، ونَصْب ﴿لَاعِبِينَ﴾ على الحال (^٥).
_________________
(١) انتهى قول ثعلب والمبرد، وقد حكاه أبو عمر الزاهد بنصه في ياقوتة الصراط ص ٣٥٧: ٣٥٩، وذكره الأزهري باختلاف يسير في التهذيب ١٠/ ٥٦٦، ٥٦٧، وينظر: زاد المسير ٥/ ٣٤١.
(٢) قال الفراء: "وَحَّدَ الجسدَ ولم يجمعه، وهو عربي؛ لأن الجسد كقولك: شيئًا مجسدًا؛ لأنه مأخوذ من فعل فكفى من الجمع، وكذلك قراءة من قرأ: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، والمعنى: سُقُوف"، معاني القرآن ٢/ ١٩٩.
(٣) غافر ٦٧.
(٤) من أول قوله: "لم نخلقهما عبثًا. . . " قاله ابن الجوزي بنصه في زاد المسير ٥/ ٣٤٣.
(٥) وهي الحال اللازمة الذكر، وصاحب الحال هو ضمير الفاعل في ﴿خَلَقْنَا﴾، ينظر: التبيان للعكبري ص ٩١٣.
[ ١ / ١٨٣ ]
قوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ يعني: امرأة، وقيل: ولدًا ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: من عندنا، يريد: من الحُور العين وما اتخذناه من أهل الأرض ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ يعني: ما كنا فاعلينَ ذلك، قال الفَرّاء (^١) والمبرّد (^٢) والزَّجّاج (^٣): يجوز أن تكون "إنْ" للنفي، كقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ (^٤)، ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ (^٥)، ويجوز أن تكون للشرط؛ أي: إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من لَدُنّا، قال الفراء (^٦): وهذا أَشْبَهُ الوجهينِ بِمَذْهَبِ العربيةِ.
واللهو في اللغة يقع على المرأة وعلى الولد، ولهذا يقال: امرأةُ الرجلِ وَوَلَدُهُ ريحانَتاهُ (^٧)، وأصل اللهو: الجماعُ، كُنِّيَ عنه باللهو كما كُنِّيَ عنه بالسِّرِّ، ثم قيل للمرأة: لَهْوٌ؛ لأنها تُجامَعُ، قال امرؤ القيس:
٤ - أَلا زَعَمَتْ بَسْباسةُ اليومَ أنَّنِي كَبِرتُ وأنْ لا يحسنُ السرَّ أمثالِي (^٨)
_________________
(١) معاني القرآن ٢/ ٢٠٠.
(٢) ينظر قول المبرد في الوسيط للواحدي ٣/ ٢٣٣.
(٣) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٨٦، ٣٨٧.
(٤) فاطر ٢٣.
(٥) الملك ٢٠.
(٦) معاني القرآن ٢/ ٢٠٠.
(٧) ينظر: مجمل اللغة لابن فارس ص ٧٩٥، ٧٩٦، اللسان: "لهو".
(٨) البيت من الطويل، لامرئ الفيس يرد على امرأة عيرته بالكِبَرِ، ورواية الديوان: "يُحْسِنُ اللَّهْوَ"، وكان حَرِيًّا بالمؤلف أن يستشهد بهذه الرواية لأنه يستشهد على لفظ اللهو. اللغة: بَسْباسةُ: اسم امرأة من بني أسد، السر أو اللهو هنا: الجماع. التخريج: ديوانه ص ٢٨، معاني القرآن ١/ ١٥٣، مجاز القرآن ١/ ٧٦، الزاهر ١/ ١٠٨، ٢/ ٣١٢، الخصائص ٢/ ٤٢٣، أمالي ابن الشجري ٢/ ١٧٢، ٣/ ١٩٣، عين المعاني ورقة ٨٣/ ب، زاد المسير ١/ ٢٧٧، تفسير القرطبي ٣/ ١٩١، ٦/ ٢٤٨، ١١/ ٢٧٦، اللسان: لهو، خزانة الأدب ١/ ٦٤.
[ ١ / ١٨٤ ]
يريد: الجماع (^١)، وهذه الآية نزلت في الذين قالوا: اتخذ اللَّه ولدًا.
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا (٢٢)﴾ يعني السماواتِ والأرض، و"إلّا" هاهنا صفةٌ للآلهة بمعنى "غَيْرٍ" (^٢)، وليس باستثناءٍ ولا ببدل (^٣)، ويجوز أن يُشَبَّهَ "إلّا" بـ "غَيْرٍ" فيُوصَفَ بها، كما يجوز أن يُشَبَّه "غَيْرُ" بـ "إلّا" ويُسْتَثْنَى بِها، قال الزَّجّاج (^٤): ولذلك ارتفع ما بعدها على لفظ الذي قبلها، قال الشاعر:
٥ - وكلُّ أخٍ مفارقُهُ أخوهُ لعَمْرُ أبيكَ إلّا الفَرقَدانِ (^٥)
_________________
(١) من أول قوله: "وأصل اللهو الجماع. . . " قاله ابن قتيبة بنصه في تأويل مشكل القرآن ص ١٦٣.
(٢) قال سيبويه: "هذا باب ما يكون فيه "إِلّا" وما بعده وصفًا بمنزلة "مِثْل" و"غَيْرٍ"، وذلك قوله: لو كان معنا رجلٌ إِلّا زيدٌ لَغُلِبْنا. . .، ونظير ذلك قوله ﷿: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، الكتاب ٢/ ٣٣١، ٣٣٢، وهذا قول أكثر العلماء"، ينظر: معاني القرآن للأخفش ص ١١٥، ١١٦، مجاز القرآن ١/ ١٣١، ١٥٥، إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٦٧، ٦٨، مشكل إعراب القرآن ٢/ ٨٢، التهذيب ١٥/ ٤٢٤، وذهب الفراء إلى أنها بمعنى "سِوَى"، معاني القرآن ٢/ ٢٠٠.
(٣) لا يجوز أن يكون لفظ الجلالة هنا بدلًا؛ لأنه لو كان بدلًا لكان المعنى: لو كان فيهما اللَّهُ لفسدتا، وهو باطل، ولا يجوز نصبه على الاستثناء؛ لأنه يكون المعنى: إن فساد السماوات والأرض امتنع لوجود اللَّه تعالى مع الآلهة، وفي هذا إثبات إله مع اللَّه، وهو باطل، ينظر في ذلك التبيان للعكبري ٢/ ٩١٤، ٩١٥، الدر المصون ٥/ ٧٧، ٧٨.
(٤) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٨٨.
(٥) البيت من الوافر لعمرو بن معدي كرب، ونسب لحضرمي بن عامر -﵁-، ونُسِبَ لِسَّوارِ بن المُضَرَّبِ. اللغة: الفرقدان: نجمان في السماء لا يغربان، وقيل: هما كوكبان قريبان من القطب. والشاهد فيه: استعمال "إلا" بمعنى "غير". التخريج: ديوان عمرو بن معدي كرب ص ١٧٨، الكتاب ٢/ ٣٣٤، مجاز القرآن ١/ ١٣١، =
[ ١ / ١٨٥ ]
يعني: غير الفرقدَينِ، قال الزَّجّاج (^١): المعنى: وكلُّ أخ غيرَ الفرقَدَيْنِ مفارقُه أخوه.
قوله: ﴿لَفَسَدَتَا﴾؛ أي: لَخَرِبتا وبَطَلتا وهلَكتا وهلَكَ من فيهما لوجود التمانع بين الآلهة ولم يَجْرِ أَمْرُ العالَمِ على النظام؛ لأنّ كلَّ أَمْرٍ صَدَرَ عن اثنين فأكثر لم يَجْرِ على النظام (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾، ثم نَزَّهَ نفسَه عما يقولون فقال: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ أي: بل هم عبادٌ مُكْرَمون، يعني: الملائكة، نزلت هذه الآيةُ في خُزاعة، حيث قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّه -جَلَّ وعز عن ذلك-.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأ ابن كثير (^٣): ﴿ألَمْ يَر﴾ بغير واو (^٤)، والمعنى: أولم يعلم الذين كفروا ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾
_________________
(١) = معاني القرآن للأخفش ص ١١٦، المقتضب ٤/ ٤٠٩، معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/ ٣٨٨، ٤/ ١٥٨، الزاهر ٢/ ٣٩٢، شرح أبيات سيبويه ٢/ ٤٦، البيان للأنباري ٢/ ٢٤٠، شرح الجمل لطاهر بن أحمد ١/ ٣٧٥، شمس العلوم ١/ ١٣٤، شرح المفصل ٢/ ٨٩، رصف المبانِي ص ٩٢، اللسان: ألا، الجنى الدانِي ص ٥١٩، مغني اللبيب ص ١٠١، ٧٣٩، شرح شواهد المغني ص ٢١٦، خزانة الأدب ٣/ ٤٢١، ٩/ ٣٢١، ٣٢٢.
(٢) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٨٨.
(٣) من أول قوله: "لخربتا وبطلتا" قاله الواحدي في الوسيط ٣/ ٢٣٤، وينظر: زاد المسير ٥/ ٣٤٥.
(٤) عبد اللَّه بن كثير الداري المكي أبو معبد، أحد القراء السبعة، فارسي الأصل، كان قاضي الجماعة بمكة، كان عطارًا وكانوا يسمون العطار دارُّيا فَلُقّبَ بالدّارِيِّ، ولد بمكة سنة (٤٥ هـ)، وتوفِّي بها سنة (١٢٠ هـ). [غاية النهاية ١/ ٤٤٣: ٤٤٥، الأعلام ٤/ ١١٥].
(٥) وهي أيضًا قراءة ابن محيصن وحميد وشبل بن عباد، ينظر: السبعة ص ٤٢٨، تفسير القرطبي ١١/ ٢٨٢، البحر المحيط ٦/ ٢٨٦، إتحاف فضلاء البشر ٢/ ٢٦٢، ٢٦٣.
[ ١ / ١٨٦ ]
قيل: كانت السماواتُ مرتَّقةً طبقةً واحدةً ففتقها فجعلها سبعَ سماوات، وكذلك الأرَضُونَ كانت مرتَّقةً طبقًا واحدًا ففَتقَها فجعلها سبعَ أرَضِين، وقيل: كانت السماء معَ الأرض جميعًا، ففتقهما اللَّه بالهواء الذي جُعِل بينهما، وقيل: كانت السماء رَتْقاءَ لا تمطر ففتقها بالمطر، وكانت الأرض رَتْقاءَ لا تنبت ففتقها بالنبات، نظيره قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ (^١).
وأصل الرَّتق: السدُّ، ومنه قيل للمرأة التي فرجُها ملتحم: رتقاءُ، وأصل الفَتْق: الفتح، وإنما وحَّد الرتقَ وهو من نعت السماواتِ والأرض، لأنه مصدرٌ وُضع موضعَ الاسم، مثلَ: الزَّوْر والصوم والفطر والعدل ونحوِها، والمعنى: كانتا ذواتي رتق (^٢).
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ يعني: أنّ كلَّ شيءٍ خُلِقَ من الماء، نظيره قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ (^٣).
"ولَمْ يصرَّح اللَّه تعالى بذكر الخبز والطعام لقلّته عنده، فصرح بذكر الماء لأنه شرفُه، إذْ كان كل شيءٍ خَلَقَهُ -من الحيوان والفاكهة وغير ذلك- حياتُهُ بالماء" (^٤)، وخَفَضَ حَيًّا على النعت لـ "شيء".
_________________
(١) الطارق ١١، ١٢.
(٢) قاله أبو عبيدة والزجاج، ينظر: مجاز القرآن ٢/ ٣٧، معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٩٠، وينظر أيضًا: إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٦٩، مشكل إعراب القرآن ٢/ ٨٣، والزَّوْرُ: مصدر بمعنى الزائر، والصَّوْمُ مصدر بمعنى الصائم، والفِطْرُ مصدر بمعنى المُفْطِرِ، والعَدْلُ مصدر بمعنى العادل، والمؤلف هنا اختار رأي البصريين في أن المصدر المنعوت به إنما هو على تقدير مضاف.
(٣) النور ٤٥.
(٤) من أول قوله: "ولم يصرح اللَّه" حكاه أبو عمر الزاهد عن ابن الأعرابِي في ياقوتة الصراط ص ٢٢٩.
[ ١ / ١٨٧ ]