اهتمَّ الجِبْلي بالشِّعر اهتمامًا كبيرًا، فقد استشهَد به في ستِّمائةٍ واثنَيْ عشَرَ موضعًا، تكرر الاستشهاد في ثلاثين موضعًا منها، وبليغ عدد الأبيات المستشهَد بها في هذه المواضع الستِّمائة والاثْنَتَيْ عَشْرةَ: سبعَمائةٍ وسبعةً وستينَ بيتًا، بِعَدِّ الشطر من الرَّجَز المشطور بيتًا، وهذه الأبيات تكرَّر منها أربعةٌ وثلاثون بيتًا، وبلغ عددُ أبيات الرَّجَز في هذه الشواهد مائةً وستةً وخَمسين بيتًا، وأمّا أبياتُ الشِّعر فبلغت ستَّمائةٍ وأحدَ عشَرَ بيتًا.
_________________
(١) سبأ ١٩.
(٢) البستان ٢/ ١٦٩.
(٣) النجم ١.
(٤) البستان ٣/ ٢٠٠.
[ ١ / ٦٠ ]
وقد رَقَّمْتُ كُلَّ موضعٍ من مواضعِ الاستشهاد برقمٍ واحدٍ، حتى وإن اشتمل على أكثرَ من بيت، وأما الأبيات المكرَّرة فلم أُعِدْ ترقيمها مرةً أخرى، بل اكتفيتُ بالإشارة إلى أنّ هذا الشاهدَ قد تقدَّم برقم كذا في صفحة كذا.
وهذه الأشعار تنقسم قسمَيْن:
الأول: أشعارٌ في الزُّهد والحِكمة ونحوِهما، فقد أورد الجِبْلي عدّةَ أبياتٍ ومقطوعات في الزّهد والحكمة ونحوهما في كتابه، وهذه الأبيات لا ينطبق عليها ما اشترطه العلماءُ من شروط الاستشهاد (^١).
والثاني: شواهدُ لُغَويّةٌ ونَحْويّة، وهذا هو الغالبُ على استشهاده بالشِّعر في الكتاب، وهذه الشواهدُ كلُّها لشعراءَ يُحْتَجُّ بشعرهم، ولكنّه استشهد ببيتَيْنِ للمتنبي -وهو لا يُحْتَجُّ بشعره- في موضعَيْنِ على معنيَيْنِ لُغويِّيْنِ:
- الأول: استشهاده على معنى السَّبْحِ ببيتَيْنِ أحدهما للمتنبي، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ (^٢)، قال الجِبْلي (^٣): "وأصل السَّبْحِ سُرعةُ الذَّهابِ، ومنه السباحة في الماء لِتَقَلُّبِ السّابِحِ بِيَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، وفَرَسٌ سابِحٌ: إذا كان شَدِيدَ الجَرْيِ، قال الشاعر:
أَباحُوا لكُمْ شَرْقَ البِلادِ وغَرْبَها ففِيها كُم يا صاحِ! سَبْحٌ منَ السَّبْحِ
وقال آخَر:
أَعَزُّ مكانٍ في الدُّنا سَرْجُ سابِحٍ وخَيْرُ جَلِيسٍ في الزَّمانِ كِتابُ".
_________________
(١) ومن أمثلة شعر الزهد والحكمة ونحوهما عنده ما ورد في البستان ص ٢/ ٧٢، ٣/ ٧٨، ٣/ ١٧٣، ١٧٧، ٤/ ٤٨٢، ٥/ ٢٧.
(٢) المزمل ٧.
(٣) البستان ٤/ ١٢٤.
[ ١ / ٦١ ]
وهذا البيت الثانِي للمتنبي.
- والثانِي: في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (^١)، فقد قال الجِبْلي (^٢): "وقيل: معنى ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ تَهْدِيدٌ، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (^٣)؛ أي: جَزاؤُكُم في الآخرة، فَأَخْرَجَ الكلامَ مُخْرَجَ اللِّينِ في الحُسْنِ للأعمالِ رَجاءَ أن يُنْصِفُوا عند اللُّطْفِ، كما قال الشاعر:
فمَن وَجَدَ الإحسانَ قَيْدًا تَقَيَّدا".
وهذا الشَّطر الذي استأنَس به الجِبْلي إنّما هو عَجُزُ بَيْتٍ لأبِي الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي، وصدره:
وقَيَّدْتُ نَفْسِي في ذَراكَ مَحَبّةً".