١ - معاني القرآن للفَرّاء: وهو أهمُّ هذه المصادر على الإطلاق، فقد نَقَل الجِبْليُّ عن الفَرّاء صراحةً في مائتَيْن وخمسةٍ وثلاثين موضعًا، وكان نَقْلُه عن الفَرّاء بطريقةٍ من ثلاثٍ:
الأولى: النَّقل الصَّريح بالإشارة إلى أنّ هذا قولُ الفَرّاء، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ (^١)، قال الجِبْلي (^٢): "وقال الفَرّاء (^٣): إنّما جمع اثنَيْنِ فقال: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾، وهو يريد داودَ وسُليمانَ؛ لأنّ الاثنين جَمْعٌ، وهو مثلُ قوله: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوةٌ﴾ (^٤)، وهو يريدُ أخوَيْنِ".
٢ - في قوله تعالى ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ (^٥)، قال الجِبْلي (^٦):
_________________
(١) الأنبياء ٧٨.
(٢) البستان ١/ ١٩٨.
(٣) معاني القرآن ٢/ ٢٠٨.
(٤) النساء ١١.
(٥) الحج ٢.
(٦) البستان ١/ ٢٢٣.
[ ١ / ١٠٠ ]
"وقَرأَ حمزةُ والكِسائيُّ: ﴿سَكْرَى وَما هُمْ بِسَكْرَى﴾ بفتح السِّين من غير ألفٍ وبالإمالة، قال الفَرّاء (^١): وهو وجهٌ جيِّدٌ في العربية؛ لأنه بمنزلة: الهَلْكَى والجَرْحَى والمَرْضَى والزَّمْنَى، والعربُ تجعل "فَعْلَى" علامةً لِجَمْعِ كُلِّ ذي زَمانةٍ وضَرَرٍ وهلاكٍ، ولا يبالونَ أكان واحدُهُ "فاعلًا" أو "فعيلًا" أو "فَعْلانَ".
الثانية: النَّقل عن الفَرّاء بدون الإشارة إليه، ومن أمثلته ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (^٢)، قال الجِبْلي (^٣): "كان حقُّه: وأسرَّ؛ لأنه فعلٌ تقدَّم الاسمَ، واختلف النُّحاة فيه، فمنهم من قال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في محلِّ الخَفْض على أنه تابعٌ للناس في قوله ﷿: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ (^٤). اهـ، وهذا قولُ الفَرّاء في معاني القرآن (^٥).
٢ - في قوله تعالَى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (^٦)، قال الجِبْلي (^٧): "والعربُ تضَعُ "بَلْ" موضعَ "أَمْ"، و"أَمْ" موضعَ "بَلْ" إذا كان في أول الكلام استفهام، كقول الشاعر:
فواللَّهِ ما أَدْرِي أَسَلْمَى تَغَوَّلَتْ أمِ القَوْمُ أو كُلٌّ إِلَيَّ حَبِيبُ
أي: بل كلٌّ". اهـ، وهذا نصُّ كلام الفَرّاء في معانِي القرآن (^٨).
_________________
(١) معاني القرآن ٢/ ٢١٤، ٢١٥.
(٢) الأنبياء ٣.
(٣) البستان ١/ ١٨٠.
(٤) الأنبياء ١.
(٥) ٢/ ١٩٨.
(٦) النمل ٦٦.
(٧) البستان ١/ ٤٦٧.
(٨) ٢/ ٢٩٩.
[ ١ / ١٠١ ]
الثالثة: أقوالٌ ليست في معاني القرآن، ومن أمثلتها ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ (^١)، قال الجِبْلي (^٢): "قال الفَرّاءُ (^٣) والزُّجّاج (^٤): لم يقُلْ: كواحدة؛ لأنّ أَحَدًا: نَفْيٌ عامٌّ يصلُح للواحد والاثنَيْن والجميع والمذكَّر والمؤنَّث، قال اللَّه ﷿: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (^٦).
٢ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (^٧)، قال الجِبْلي (^٨): "قال الحَسن والفَرّاءُ والكِسائيّ (^٩): المَيِّتُ -بالتشديد-: من لم يَمُتْ وسيمُوتُ، والمَيْتُ بالتخفيف: الذي فارقَه الرُّوحُ، فلذلك لم يخففه هاهنا".
٢ - كتُبُ أحمدَ بن يحيى ثَعْلبٍ: وهو من أكثرِ العلماء الذين وَرَد ذكرهم في البستان، ولكنّ أكثرَ ما نقله الجِبْلي عنه كان من خلال كتُبِ تلاميذه، كأبِي بكرٍ بن الأنباريِّ وأبي بكرٍ النّقاش وغيرِهما، كأبي منصورٍ الأزهريِّ في التهذيب ومعاني القراءات.
أمّا ما نقله الجِبْلي عن كتُبِ ثعلبٍ فكان بطريقتَيْن:
_________________
(١) الأحزاب ٣٢.
(٢) البستان ٢/ ١١٥.
(٣) ينظر قوله في التهذيب للأزهري ٥/ ١٩٦، والكشف والبيان للثعلبي ٨/ ٣٤.
(٤) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٢٢٤.
(٥) البقرة ٢٨٥.
(٦) الحاقة ٤٧.
(٧) الزمر ٣٠.
(٨) البستان ٢/ ٣٥١.
(٩) ينظر قول ثلاثتهم في الكشف والبيان للثعلبي ٨/ ٢٣٤، تفسير القرطبي ١٥/ ٢٥٤.
[ ١ / ١٠٢ ]
الأولى: النقل الصَّريح عن ثعلب، ومن أمثلته ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١) قال الجبلي (^٢): "وقال أحمدُ بن يحيى ثَعْلبٌ (^٣): المِثْلُ صِلةٌ، المعنى: ليسَ كهُوَ شيءٌ، فأدخل المِثْلَ توكيدًا للكلام، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ (^٤)، وفي حرف ابن مسعود: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾.
٢ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ (^٥)، قال الجِبْلي (^٦): "وقال ثَعْلَبٌ (^٧): السَّبْحُ: التَّرَدُّدُ والاضْطِرابُ، والسَّبْخُ: السُّكُونُ والسُّكُوتُ".
والثانية: النقلِ عن كتُب ثعلبٍ بدون الإشارة إليه، ومن أمثلته:
١ - في قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (^٨)، قال الجِبْلي (^٩): "ويقال: قَوْمٌ سامِرٌ ورَجُلٌ سامِرٌ، مثل: قَوْمٌ زَوْرٌ". اهـ، وهذا قول ثعلبٍ في مجالسه (^١٠).
٢ - في قوله تعالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ (^١١)، قال الجِبْلي (^١٢): "يقال:
_________________
(١) الشورى ١١.
(٢) البستان ٢/ ٤٢٩.
(٣) مجالس ثعلب ص ٢٣١.
(٤) البقرة ١٣٧.
(٥) المزمل ٧.
(٦) البستان ٤/ ١٢٦.
(٧) مجالس ثعلب ص ٤٠٣.
(٨) المؤمنون ٦٧.
(٩) البستان ١/ ٢٩٢.
(١٠) ص ٧٧.
(١١) محمد ١٥.
(١٢) البستان ٣/ ٧٥.
[ ١ / ١٠٣ ]