إذا نظرنا في "البستان" وجدنا أنّ الجِبْليَّ استشهَد بالحديث النَّبويِّ بصورةٍ كبيرة، ولكنّ هذا الاستشهادَ بهذه الأحاديث ينقسم قسمَيْن:
الأول: أحاديثُ أوردها الجِبْليُّ في فضائل السُّور، أو في تفسير الآيات، أو في بيانِ أسبابِ النزولِ، أو في بيانِ حُكْمٍ فِقْهِيٍّ ونحوِ ذلك، وهذه الأحاديث كثيرةٌ جدًّا، والأمثلة عليها أكثرُ من أن تُحصَى.
الثانِي: أحاديثُ أوردها الجِبْليُّ للاستشهاد بها على حُكمٍ نَحْويٍّ، أو معنًى لُغَوِيٍّ، وهذه الأحاديث قليلةٌ بالنسبة للقسم الأول، ومن أمثلتها:
١ - ما ذكره الجِبْلي في شرحه لمعنى التقدير في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (^٢)، فقد قال حاكيًا عن أبي عُمرَ الزاهد (^٣): "يقال: قَدَرَ اللَّهُ لك الخيرَ، يَقْدِرُهُ قَدْرًا، المعنى: قَدَّرَهُ، ومنه الخبر في هلال رمضان: "فإنْ غُمَّ عليكُم فاقْدُرُوا لهُ"؛ أي: قدِّرُوا له".
_________________
(١) ينظر: مختصر ابن خالويه ص ١٦٢، تفسير القرطبي ١٨/ ٢٩٦، البحر المحيط ٨/ ٣٣٠.
(٢) الأنبياء ٨٧.
(٣) البستان ١/ ٢٠٢.
[ ١ / ٥٦ ]
٢ - وفي قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (^١)، قال الجِبْلي (^٢): "والهَوْنُ في اللغة: الرِّفق واللِّين، ومنه قوله -ﷺ-: "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما، عسى أن يكونَ بغيضَكَ يومًا ما، وأَبْغِضْ بغيضَكَ هَوْنًا ما، عسى أن يكون حبيبَكَ يومًا ما".
٣ - في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ (^٣)، قال الجِبْلي (^٤): "قرأ العامّة: ﴿كِبْرَهُ﴾ بكسر الكاف، وقرأ حُمَيدٌ الأعرج ويعقوبُ بضمِّ الكاف، قال أبو عَمْرٍو بنُ العلاء: هو خطأ؛ لأنّ الكُبْر بالضمِّ في الوَلَاءِ والسِّنِّ، ومنه الحديث: "الولاء للكُبْر"، وهو: أَقْعَدُ وَلَدِ الرَّجُلِ من الذكور وأقربُهم إليه نسبًا".
٤ - في قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ (^٥)، قال الجِبْلي (^٦): "قال الزَّجّاج (^٧): من لم يصرِفْ فلأنّه اسمُ مدينة تُعرَف بِمَأْرِبَ: من اليمن، بينها وبين صنعاءَ مسيرةُ ثلاثة أيام، ومَن صَرَف فلأنّه اسمُ البلد، فيكون مذكَّرًا سُمِّي به مذكَّر. ورُوِيَ في الحديث، أنّ النبيَّ -ﷺ- سئل عن سَبَأٍ فقال: "كان رجلًا له عشَرةٌ من البنين".
٥ - في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ (^٨)، قال الجِبْلي (^٩): "وأصلُ المَرْجِ:
_________________
(١) الفرقان ٦٣.
(٢) البستان ١/ ٣٩١.
(٣) النور ١١.
(٤) البستان ١/ ٣١٣.
(٥) النمل ٢٢.
(٦) البستان ١/ ٤٥٠.
(٧) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ١١٤.
(٨) سورة ق ٥.
(٩) البستان ٣/ ١٤٠.
[ ١ / ٥٧ ]
الاضْطِرابُ والقَلَقُ، يقال: مَرَجَ أمْرُ النّاسِ، ومَرَجَ الدِّينُ، ومَرَجَ الخاتَمُ في إِصْبَعِي، أي: قَلِقَ من الهُزالِ، وفي الحديث: "مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وأماناتُهُمْ".
٦ - في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ (^١)، قال الجِبْلي (^٢): "وقرأ النَّخغِيُّ والشَّعْبِيُّ: ﴿فَلَا تَكْهَرْ﴾ بالكاف، وكذلك هو في قراءة عبد اللَّه بن مسعود، والكَهْرُ في اللغة: القَهْرُ والانْتِهارُ، والكَهْرُ: عُبُوسُ الوَجْهِ والشَّتْمُ، والعربُ تُعاقِبُ بَيْنَ الكاف والقاف، يَدُلُّ عليه حديثُ مُعاوِيةَ بنِ الحَكَمِ الذي تكلَّم في الصلاة: "واللَّهِ ما كَهَرَنِي ولَا ضَرَبَنِي"، يعني: رسولَ اللَّه -ﷺ-".