وأهمُّها ثلاثةُ كتُب، هي: الكشفُ والبيان للثَّعلبي، والوسيطُ للواحدي، وإنسانُ عَيْن المعاني لِمُحمد بن طَيْفور الغَزْنَويِّ السّجاوَنْدي.
١ - الكشفُ والبيان للثَّعلبي: وهو من أكثرِ الكتُبِ التي نَقَل عنها الجِبْلي، وقد تعدَّدت هذه النُّقولُ بين نقولٍ نَحْويّة ولُغوية، بالإضافة إلى التفسير والحديث
_________________
(١) النور ٤٣.
(٢) البستان ١/ ٣٤٧.
(٣) ١/ ١٣٩.
(٤) الشعراء ٢٣.
(٥) البستان ١/ ٤١٤.
(٦) وقد قاله في شرح جمل الزجاجي ١/ ٣٦.
[ ١ / ١١١ ]
وأسباب النزول ونحوِها، وكانت نُقولُه عن الثَّعلبيِّ بطريقةٍ من اثنتَيْن:
الأُولَى: النَّقل الصَّريح، ومن أمثلته ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ (^١)، قال الجبْلي (^٢): "قال الثعلبي ﵀ (^٣): رأيتُ في بعض الكتب أنّ لقمان قال لابنه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ. . .﴾ إلى آخِر الآية، فانْفَطَرَ هَيْبةً من هذه الكلمة فمات، فكان آخِرَ حِكْمتِهِ".
٢ - في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ (^٤)، قال الجِبْلي (^٥): "قَرأَه العامّةُ بالياء لأَجْل الحائل، وقَرأ أبو جعفرٍ بالتاء لتأنيث النَّجْوَى، والأَوَّلُ أصَحُّ وأفْصَحُ، قاله الثَّعلبي (^٦) ".
والثانية: النقل عن الثَّعلبيِّ بدون الإشارة إليه، ومن أمثلته ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (^٧)، قال الجِبْلي (^٨): "والزَّلْزَلةُ والزَّلْزالُ: شدّةُ الحركة على الحال الهائلة، من قولهم: زَلَّتْ قَدَمُهُ: إذا زالت عن الجهة بسرعة". اهـ، وهذا ما قاله الثَّعلبي في الكشف والبيان (^٩).
_________________
(١) لقمان ١٦.
(٢) البستان ٢/ ٦٠.
(٣) الكشف والبيان ٧/ ٣١٤.
(٤) المجادلة ٧.
(٥) البستان ٢/ ١١٤.
(٦) في الكشف والبيان ٩/ ٢٥٦.
(٧) الحج ١.
(٨) البستان ١/ ٢٢٢.
(٩) ٧/ ٦.
[ ١ / ١١٢ ]
٢ - في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (^١)، قال الجِبْلي (^٢): "ونظيرها في الكلام: شِبْرٌ وأَشْبارٌ، وجِلْدٌ وأَجْلادٌ، فكما أنّ الحِمارَ يحمِلُها وهو لا يَدْرِي ما فيها، ولا يَنْتَفِعُ بها، كذلك اليهودُ يقرؤون التوراةَ ولا ينتفعون بها؛ لأنهم خالَفْوا ما فيها". اهـ، وهذا أيضًا ما قاله الثَّعلبي (^٣).
٢ - الوَسِيط للواحِدي: وهو من أهمِّ المصادر عندَ الجِبْلي، وهو مثلُ الكشف والبيان، تعدَّدت نُقول الجِبْلي عنه بين نَحْويّةٍ ولُغويّة وتفسيريّة، وكانت نُقولُه عن الواحِدي بطريقةٍ من اثنتَيْن أيضًا:
الأولى: النَّقل الصريح، ومن أمثلته ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (^٤)، قال الجِبْلي (^٥): "قال الواحِدي (^٦): ﴿أَنَّ﴾ في قراءة مَن فَتَح الألفَ محمولةٌ على الجارِّ في قول الخليل وسيبوَيْه (^٧)، التقدير: ولأنَ هذه أُمّتُكم أمةً واحدةً ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، ومن قرأ بالتخفيف، فـ ﴿أَنْ﴾ هي المخفَّفة من المشدَّدة، كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٨)، ومَن كَسَرَ مع التشديد فهو على الاستئناف".
_________________
(١) الجمعة ٥.
(٢) البستان ٣/ ٤٠٩.
(٣) في الكشف والبيان ٩/ ٣٠٧.
(٤) المؤمنون ٥٢.
(٥) البستان ١/ ٢٨٩.
(٦) الوسيط ٣/ ٢٩٢.
(٧) الكتاب ٣/ ١٢٦، ١٢٧.
(٨) يونس ١٠.
[ ١ / ١١٣ ]
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (^١)، قال الجِبْلي (^٢): "وقال الواحدي (^٣): إنّما شَرَطَ إرادةَ التحصُّن لأنّ الإكراهَ لا يُتَصَوَّرُ إلّا عند إرادة التحصُّن، فإن لم تُرِدِ المرأةُ التحصنَ باغَتْ بالطبع".
والثانية: النقل عن الواحدي بغير إشارةٍ إليه، ومن أمثلته ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (^٤)، قال الجِبْلي (^٥): "يعني: على شَكٍّ، وأصلُه من حَرْف الشّيء وهو: طَرَفُه، نحوَ: حَرْفِ الجبل والحائط الذي القائمُ عليه غيرُ مستقرٍ، فالذي يعبُد اللَّه على حرفٍ كالذي هو على حرفِ جبل أو نحوِه يضطرِبُ اضطرابًا، ويضعُف قيامه خوفًا من السقوط" اهـ، وهذا نصُّ كلام الواحدي (^٦).
٢ - في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ (^٧)، قال الجِبْلي (^٨): "وإنما خَصَّ الطيرَ بالذِّكر من جملة الحيَوان لأنها تكون بينَ السّماءِ والأرض، فهي خارجةٌ عن جُملة مَن في السماوات والأرض". اهـ، وهذا ما قاله الواحدي (^٩).
_________________
(١) النور ٣٣.
(٢) البستان ١/ ٣٢٩.
(٣) الوسيط ٣/ ٣١٩.
(٤) الحج ١١.
(٥) البستان ١/ ٢٣٠.
(٦) في الوسيط ٣/ ٢٦١.
(٧) النور ٤١.
(٨) البستان ١/ ٣٤٥.
(٩) في الوسيط ٣/ ٣٢٣.
[ ١ / ١١٤ ]
٣ - إنسانُ عَيْن المعاني أو إنسانُ العَيْن: وقد اعتمد عليه الجِبْلي اعتمادًا كبيرًا، إذ نَقَل عنه نقلًا صريحًا في أربعةٍ وخمسين موضعًا في البستان، وقد تنوَّعت نُقولُه عنه بينَ نقولٍ نَحْويّة ولُغويّة وتفسيريّة وغيرها، وهذأ الكتابُ أَلَّفَهُ أبو عبد اللَّه محمدُ بن طَيْفور الغَزْنَويُّ السَّجاوَنْدِيُّ اختصارًا لكتابه "عَيْنُ المعانِي في تفسير السَّبع المثاني" (^١).
وكتاب إنسان العَيْن لم أستطع الوصول إليه بعدَ أن بحثتُ عنه في فهارس المخطوطات المتاحة أمامي، ولذلك اضطُرِرت إلى تخريج أقوال السَّجاْوَنديِّ من كتابه الأصليِّ "عَيْن المعانِي في تفسير السبع المثاني"، باستثناء ما لم يَرِدْ في عين المعانِي، وقد نبَّهت على ذلك في موضعه، وكانت نُقولُ الجِبلي عن صاحب إنسان العَيْن بطريقة من اثنتَيْن:
الأولى: النقل الصَّريح، ومن أمثلته ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (^٢)، قال الجِبْلي (^٣): "قال صاحب إنسان العَيْن (^٤): والشُّكُورُ: إشارةٌ
_________________
(١) ينظر: طبقات القراء لابن الجزري ٢/ ١٥٧، الوافي بالوفيات ٣/ ١٧٨، طبقات المفسرين للسيوطي ص ١٠١، كشف الظنون ٢/ ١١٨٢، الأعلام ٦/ ١٧٩، معجم المؤلفين ١٠/ ١١٢، وذكر القفطي أن ابن محمد بن طيفور هذا هو الذي اختصر كتاب والده، قال القفطي: "محمد بن طيفور السجاوندي الغزنوي المفسر النحوي اللغوي، قريب العهد منا، كان في وسط المائة السادسة للهجرة النبوية، صنف كتابًا في تفسير القرآن العزيز سماه "عَيْنَ التفسير"، ذكر فيه النحو وعلل القراءات والأبيات ومعانيها واللغة إلى غير ذلك من معانِي التفسير في مجلدات، أعدادها قليلة، وفوائدها كثيرة جليلة، واختصر وَلَدُهُ هذا التفسير وسماه: "إنسان العين". إنباه الرواة ٣/ ١٥٣.
(٢) الفرقان ٦٢.
(٣) البستان ١/ ٣٩٠.
(٤) عين المعاني ورقة ٩٣/ أ.
[ ١ / ١١٥ ]
إليه في عُمَر بن الخطاب -﵁- لِفَوات وِرْدِهِ".
٢ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (^١)، قال الجِبْلي (^٢): "وهو نُوحُ ابن لَمَكَ بن مَتُّوشَلَخَ بن أَخْنُوخَ -وهو إِدْرِيسُ ﵇- ونوحٌ بالسُّرْيانِيّةِ معناه: السّاكِنُ؛ لأن الأرض طُهِّرَتْ من خَبَثِ الكفار وسَكَنَتْ إليه، وفي الحديث: "أَوَّلُ بَنِي إسرائيلَ نُوحٌ -﵇-"، قاله السَّجاوَنديُّ" (^٣).
والثانية: النقل عنه بدون الإشارة إليه، ومن أمثلته ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ (^٤)، قال الجِبْلي (^٥): "وقَرأَ طلحة بن مصرِّف والحسن وعيسى بن عُمر: ﴿سُورةً﴾ بالنَّصب على معنى: أَنْزَلْناها سُورةً، والكناية صلةٌ زائدة، وقيل: على الإغراء؛ أي: اتَّبِعوا سورة أنزلناها". اهـ، وهذا الوجه الثاني قاله السَّجاوَندي في عين المعانِي (^٦).
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ (^٧)، قال الجِبْلي (^٨): "وقيل: الباء للتّعدِية؛ أي: تُشَقِّقُ السماءُ الغمامَ: تُهْوِيها إلى الأرض". اهـ، وهذا ما قاله السَّجاوَندي (^٩).
_________________
(١) نوح ١.
(٢) البستان ٤/ ٨١.
(٣) عين المعانِي ورقة ١٣٧/ ب.
(٤) النور ١.
(٥) البستان ١/ ٣٠٨.
(٦) ورقة ٨٨/ ب.
(٧) الفرقان ٢٥.
(٨) البستان ١/ ٣٧٤.
(٩) ينظر: عين المعانِي ورقة ٩٢/ ب.
[ ١ / ١١٦ ]