عن ابن عباس قال: سألت نبيَّ اللَّه -ﷺ- عن قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾، قال: "يا ابن عباس، رَدَّ اللَّهُ امرأتَه إليه، وزاد في شبابها، حتى ولدت له ستةً وعشرين (^١) ذكرًا، وأَهْبَطَ اللَّهُ إليه مَلَكًا فقال له: يا أيوب: إنّ اللَّه يُقرئُك السلام لصَبْرِك على البلاء، فاخرُجْ إلى أَنْدَرِكَ (^٢)، فبعث اللَّه تعالى سحابةً حمراءَ، فهبطت عليه بجراد الذهب، والملك قائمٌ معه، فكانت الجرادة تذهب فيتَّبعها حتى يردَّها إلى أندره، فقال له الملك: يا أيوب، أما تَشْبَعُ من الداخلِ حتى تتبع الخارج؟ قال: إن هذه بركةٌ من بركات ربِّي، وليس أشبَعُ منها" (^٣).
قوله -﷿-: ﴿وَذَا النُّونِ﴾؛ أي: واذكُرْ يا محمد صاحبَ النون، يعني: الحوت (^٤)، وهو يونس بن مَتَّى ﵇ سُمِّيَ بذلك لابتلاع النون
_________________
(١) في الأصل: "وعشرون".
(٢) في حاشية الأصل: "الأندر: الجُرْنُ الذي يُداسُ به الحَبُّ".
(٣) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٠/ ٧٧، وينظر: مجمع الزوائد ٨/ ٢٠٨، الدر المنثور ٤/ ٣٣٠.
(٤) النون: الحوت، ينظر: كتاب الحروف للخليل ص ٤٥.
[ ١ / ٢٠٠ ]
إياه في البحر، والنون: السمكة، وجمعها: نِينانٌ (^١).
وقوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ قيل: لقومه، وقيل (^٢): لربه؛ أي: لأمر ربِّه، وقال آخرون (^٣): معناه: مُغاضبًا لبعض الملوك. والمغاضَبة: مفاعلةٌ، وأكثر ما تكون المفاعلةُ من اثنين كالمخاصَمة والمجادلة والمقاتلة، وقد تكون من واحدٍ كقولك: سافرتُ وعاقبتُ الرجل، وطارَقتُ النَّعلَ (^٤)، وشارفت الأمرَ ونحوها، ومعنى قوله: ﴿مُغَاضِبًا﴾ يعني: غضبانَ أنِفًّا، والعرب تسمِّي الغضبانَ أَنِفًا، والأنِفَ غضبانٌ لقرب أحدهما من الآخر (^٥)، وهو منصوب على الحال.
وقوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: لن نقضيَ عليه من العقوبة ما قضيناه، يقال: قَدَرَ اللَّهُ الشيءَ وقَدَّره؛ أي: قضاه، وهذا القول اختيارُ الفراء (^٦) والزَّجّاج (^٧).
وقال عطاء (^٨): معناه: فظن أَنْ لَنْ نُضَيِّقَ عليه الحبسَ، من قوله تعالى:
_________________
(١) قال سيبويه: "ونينانٌ: جماعة النون". الكتاب ٣/ ٥٩٣.
(٢) ذكره ابن قتيبة والنحاس بغير عزو، واللام هنا هي لام العلة أي: من أجل ربه، كما تقول: غضبت لك؛ أي: من أجلك، وليست هي اللام الموصلة للمفعول به، ينظر: تأويل مشكل القرآن ص ٤٠٥: ٤٥٨، إعراب القرآن ٣/ ٧٧، البحر المحيط ٦/ ٣١١.
(٣) قاله الأخفش في معاني القرآن ص ٤١٢، وينظر: إيضاح الوقف والابتداء ص ٧٧٨.
(٤) طارَقَ الرجلُ نعليهِ: أطبق نعلًا على نعل، اللسان: طرق.
(٥) من أول قوله: "والمغاضبة: مفاعلة. . . " قاله ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص ٤٠٦، ٤٠٧.
(٦) معاني القرآن ٢/ ٢٠٩.
(٧) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤٠٢.
(٨) في الأصل: "ابن عطاء"، والصواب: "عطاء"، ينظر قوله في: زاد المسير ٥/ ٣٨٣، تفسير القرطبي ١١/ ٣٣١، وهو عطاء بن أبي مسلم الخراسانِي واسم أبيه عبد اللَّه وقيل: ميسرة، نزيل بيت المقدس، مفسر أرسل عن جماعة من الصحابة وروى عن الزهري وابن =
[ ١ / ٢٠١ ]
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (^١)؛ أي: يضيق، وقولِهِ تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (^٢)؛ أي: ضُيِّقَ.
وقال ابنُ زيد (^٣): هو استفهامٌ معناه: أَفَظَنَّ أن لن نقدِرَ عليه؟
قال أبو عُمر محمدُ بنُ عبد الواحد البيوَرْدِيُّ (^٤): "هو من التقدير ليس من القدرة، يقال: قَدَرَ اللَّه لك الخيرَ يَقْدُرُهُ قَدْرًا، المعنى: قَدَّرَهُ، ومنه: الخبر في هلال رمضان: "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فاقْدُرُوا لَهُ"؛ أي: قدِّرُوا له (^٥)، فهذا كلُّه من التقدير، وتقول من القدرة: قَدَرْتُ على الشيء أَقْدِرُ عليه قُدْرةً، وفي لغة أخرى: قَدِرْتُ عليه أَقْدَرُ قُدْرةً" (^٦).
_________________
(١) = المسيب ونافع، وروى عنه أبو حنيفة ومالك وشعبة، كان ثقة، وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ، توفي سنة ١٣٥ هـ. [طبقات المفسرين للداودي ١/ ٣٨٥، سير أعلام النبلاء ٦/ ١٤٠: ١٤٣]، وينظر قوله في الكشف والبيان ٦/ ٣٠٢، الوسيط ٣/ ٢٤٩.
(٢) الرعد ٢٦.
(٣) الطلاق ٧.
(٤) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، فقيه مفسر مُحَدِّثٌ، حدث عن أبيه وابن المنكدر وروى عنه قتيبة وهشام بن عمار وغيرهما، ضَعَّفَهُ بعضُهُمْ، توفِّيَ سنة (١٨٢ هـ)، من كتبه: التفسير، الناسخ والمنسوخ. [الضعفاء الكبير للعقيلي ٢/ ٢٣١، طبقات المفسرين للداودي ١/ ٢٧١، سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٤٩]، وينظر قوله في جامع البيان ١٧/ ١٠٥، تهذيب اللغة ٩/ ٢٠، زاد المسير ٥/ ٣٨٣، القرطبي ١١/ ٣٣٢.
(٥) أبو عمر الزاهد المُطَرِّزُ الباوَرْدِيُّ أو البيوَرْدِيُّ، منسوب إلى أَبيَوَرْدَ بخراسان، أحد أئمة اللغة، صحب أبا العباس ثعلبًا زمانًا فلُقِّبَ بَغلام ثعلب، ولد سنة (٢٦١ هـ)، وتوفي سنة (٣٤٥ هـ)، من كتبه: شرح الفصيح فائت الفصيح ياقوتة الصراط. [إنباه الرواة ٣/ ١٧١ - ١٧٧، بغية الوعاة ١/ ١٦٤ - ١٦٦، الأعلام ٦/ ٢٥٤].
(٦) هذا جزء من حديث رواه البخاري بسنده عن ابن عمر في صحيحه ٢/ ٢٢٧، ٢٢٩ كتاب الصوم/ باب وجوب صوم رمضان، ومسلم في صحيحه ٣/ ١٢٢، ١٢٣ كتاب الصيام/ باب وجوب صوم رمضان.
(٧) انتهى كلام أبي عمر بنصه، وهو في ياقوتة الصراط ص ٣٦٣، ٣٦٤.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وقوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ أراد [بقوله]: ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾: ظُلمة اللَيل وظُلمةَ البحر وظُلمةَ بطن الحوت، وهذا قولُ أكثر المفسِّرين، وقال سالم بن أبي الجَعْد (^١): حوتٌ في حوتٍ وظُلمةِ البحر، قال: ابتلعه حوتٌ، ثم ابتلعه حوتٌ آخَر.