رَوَى سعيدُ بن المسيِّب (^٢)، عن سعد بن مالك (^٣)، قال: سمعتُ رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "اسمُ اللَّه الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئل به أعطى: دعوهُ يونُسَ بن مَتَّى"، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه: هي ليونُسَ خاصةً أم لجماعة المسلمين؟ قال: "هي ليونُسَ خاصةً وللمسلمين عامةً، إذا دَعَوْا بها، ألم تسمعْ قوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾؟ (^٤)
_________________
(١) سالِمُ بن رافع الأشجعي بالولاء الكوفي أبو مسلم، تابعي ثقة، روى عن عَلِيٍّ وابن عباس وابن عمر وغيرهم، روى عنه الأعمش وقتادة، توفِّي سنة (٩٧ هـ) أو (٩٨ هـ). [سيَر أعلام النبلاء ٥/ ١٠٨ - ١١٠، تهذيب التهذيب ٣/ ٣٧٣، ٣٧٤]، وقوله في الكشف والبيان ٦/ ٣٠٣.
(٢) سعيد بن المسيب بن حَزْن المخزومي القرشي، أبو محمد، سيد التابعين وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع الحديث والفقه والزهد، وكان يعيش من تجارة الزيت، كان أحفظ الناس لأحكام عمر، حتى سمي راوية عمر، توفِّي سنة (٩٤ هـ). [سير أعلام النبلاء ٤/ ٢١٧: ٢٤٦، الأعلام ٣/ ١٠٢]
(٣) سعد بن مالك بن سنان بن عبيد اللَّه أبو سعيد الخُدْري، رَدَّهُ النبيُّ يوم أُحُدٍ لِصِغَرِهِ، وغزا بعد ذلك اثنتي عَشْرة غزوةً، روى عن النبي -ﷺ- وأبيه وأَخيه لأمه قتادة بن النعمان وعن أبي بكر وعمر، كان من أعيان الصحابة وفقهائهم، توفِّي سنة (٧٤ هـ). [أسد الغابة ٢/ ٢٨٩، ٢٩٠، سير أعلام النبلاء ٣/ ١٦٨ - ١٧٢].
(٤) واه الحاكم في المستدرك ١/ ٥٠٦ كتاب الدعاء/ باب "أيما مسلم دعا بدعوة يونس. . . "، وينظر: الدر المنثور ٤/ ٣٣٤، الجامع الصغير ١/ ١٥٦، كنز العمال ١/ ٤٥١، ٤٥٢.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وعن سعد بن أبي وَقّاص، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يقول: "إنّي لَأعلمُ كلمةً لا يقولها مكروبُ إلّا فَرَّجَ اللَّهُ عنه، كلمة أخي يونُسَ: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (^١).
قوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾؛ أي: أجبنا دعاءه ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ يعني: من تلك الظلمات ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: وكما نجيَّناه ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ وقَرأَ ابنُ عامر (^٢) وأبو بكرٍ (^٣) عن عاصم (^٤): ﴿نُجِّي﴾ (^٥) بنونٍ واحدة وتشديد الجيم، وجَميع النَّحويِّين حَكَموا على هذه القراءة بالغَلَط وأنها لحنٌ (^٦)،
_________________
(١) ينظر: الأذكار النووية ص ١٢٢، زاد المسير ٥/ ٣٨٣، الدر المنثور ٤/ ٣٣٤، كنز العمال ٢/ ١٢٠.
(٢) عبد اللَّه بن عامر بن يزيد أبو عمران اليحصبي الشامي، أحد القراء السبعة، كان إمام أهل الشام في القراءة، انتهت إليه مشيخة الإقراء بها، تولى قضاء دمشق في خلافة الوليد بن عبد الملك، وتوفِّي بها سنة (١١٨ هـ). [غاية النهاية ١/ ٤٢٣ - ٤٢٥، تهذيب التهذيب ٥/ ٢٤٠، الأعلام ٤/ ٩٥].
(٣) شعبة بن عياش بن سالم، أبو بكر الأزدي النهشلي الكوفي، راوية عاصم، عرض القرآن على عاصم ثلاث مرات، كان إمامًا كبيرًا عالمًا عاملًا من أئمة السنة، توفي بالكوفة سنة (١٩٣ هـ)، أو (١٩٤ هـ). [غاية النهاية ١/ ٣٢٥ - ٣٢٧، سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٩٥ - ٥٠٨، الأعلام ٣/ ١٦٥].
(٤) عاصم بن بهدلة أبي النَّجُودِ أبو بكر الأسدي بالولاء الكوفي، أحد القراء السبعة شيخ الإقراء بالكوفة، انتهت إليه رياسة الإقراء بها بعد أبي عبد الرحمن السلمي، تابعي ثقة في القراءات صدوق في الحديث، توفي بالكوفة سنة ١٢٧ هـ. [غاية النهاية ١/ ٣٤٦ - ٣٤٩، سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٥٦ - ٢٦١، الأعلام ٣/ ٢٤٨].
(٥) ينظر: السبعة لابن مجاهد ص ٤٣٠، التيسير للداني ص ١٥٥، النشر لابن الجزري ٢/ ٣٢٤.
(٦) لم يحكم النحويون جميعًا على هذه القراءة بأنها لحن، بدليل ما أورده المؤلف نفسه من آراء في تخريجها، ثم إن هذه القراءة قراءة سبعية، فكيف يحكم عليها بأنها لحن؟ قال السمين: "وهذه القراءة متواترة، ولا الْتِفاتَ على من طَعَنَ على قارئها"، الدر المصون ٥/ ١٠٦.
[ ١ / ٢٠٤ ]
ثم ذكر الفَرّاءُ لها وجهًا، فقال (^١): أضمَر المصدر في ﴿نُجِّي﴾ فنَوَى به الرَّفعَ، ونَصَبَ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ كقولك: ضُرِبَ الضربُ زيدًا، ثم تقول: ضُرِب زيدًا، على إضمار المصدر. وأنشد ابنُ قُتيبةَ حجةً لهذه القراءة (^٢):
٨ - ولَوْ وَلَدَتْ قُفَيْرةُ جَرْوَ كَلْبٍ لَسُبَّ بِذَلِكَ الجَرْوِ الكِلَابا (^٣)
قال أبو عليٍّ الفارسيُّ (^٤): هذا إنَّما يَجُوزُ في ضرورة الشعر، وراوِي هذه القراءةِ عن عاصم غالطٌ في الرواية، فإنه قرأ: ﴿نُنْجِي﴾ بنونَيْن كما روى حفصٌ، ولكن النونَ الثانية من ﴿نُنْجِي﴾ تخفى مع الجيم، ولا يجوز تبيينها، فالتبس على السامع الإخفاءُ بالإدغام فظُنَّ أنه إدغام، ويدلُّ على هذا إسكانه الياءَ من ﴿نُجِّي﴾ ونَصْبُ قوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولو كان على ما لم يُسَمَّ فاعله ما سكَّن الياء، ولَوَجَبَ أن ترفع ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) معاني القرآن ٢/ ٢١٠، وهذا رأي الكوفيين والأخفش، أما البصريون فإنهم لا يرتضونه؛ لأنهم لا يجيزون نيابة المصدر مع وجود المفعول الصريح لما في ذلك من عدم الفائدة، ينظر: شرح التسهيل لابن مالك ٢/ ١٢٨، ١٢٩، المساعد ١/ ٣٩٨، ٣٩٩.
(٢) تأويل مشكل القرآن ص ٥٥، ٥٦، على أن إنشاد ابن قتيبة لهذا البيت لا يعني أنه يؤيد هذا الوجه كما يوهم كلام الجبلي هنا.
(٣) البيت من الوافر لجرير يهجو الفرزدق، وليس في ديوانه. اللغة: قُفَيْرةُ: اسم أم الفرزدق، الجَرو مثلثة الجيم: ولد السباع ومنها الكلب. التخريج: إعراب القراءات السبع ٢/ ٦٦، الخصائص ١/ ٣٩٧، الكشف والبيان ٦/ ٣٠٤، أمالي ابن الشجري ٢/ ٥١٨، شرح الجمل لابن بابشاذ ١/ ١٥٥، شرح المفصل ٧/ ٧٥، عين المعاني ٨٤/ ب، شرح التسهيل لابن مالك ٢/ ١٢٨، شرح الكافية للرضي ١/ ١٩٣، خزانة الأدب ١/ ٣٣٧.
(٤) نقل المؤلف كلام الفارسي مختصرًا من الحجة ٣/ ١٦٠، ١٦١، وينظر أيضًا: المسائل البغداديات ص ٣٦٩.
[ ١ / ٢٠٥ ]
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ﴾ يعني: زكريا وامرأتَه ويحيى ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ وقيل: إنّ الكناية تعود إلى الأنبياء الذين ذَكَرهم اللَّه في هذه السُّورة، ومعنى ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: يبادرون في طاعة اللَّه وأداء فرائضه ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ يعني: خوفًا وطمعًا، رغبًا: في رحمة اللَّه ورَهَبًا: من عذابِ اللَّه، وقرأ الأعمش (^١): ﴿رُغْبًا وَرُهْبًا﴾ (^٢) بضمِّ الراءَيْنِ وجزم الغين والهاء، وهما لغتان، مثل: السُّقْم والسَّقَمِ والبُخْل والبَخَلِ والعُدْمِ والعَدَمِ (^٣).
وهما منصوبانِ على المصدر، وقيل: على المفعول له؛ أي: للرَّغبة والرهبة (^٤)، رغبةً في الجنة ورهبةً من النار ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ يعني: ذُلُلًا متواضِعِينَ خاضِعين.
قوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ يعني: مريمَ ﵍؛ أي: حَفِظت فرجَها عَمّا لا يَحِلُّ ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ أمَرْنا جِبريلَ حتى نفَخ في دِرْعِها، وأضاف الرُّوحَ إليه إضافةَ المِلْكِ لِلتشريف والتفضيل والتخصيص، وهو يريد رُوحَ عيسى ﵇، ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً
_________________
(١) سليمان بن مهران الأسدي بالولاء أبو محمد الكوفي، تابعي مشهور أصله من بلاد الرِّيِّ، ومنشؤه ووفاته بالكوفة، كان عالفا با لقرآن والحديث والفرائض، روى أكثر من ١٣٠٠ حديث، توفِّي سنة (١٤٨ هـ). [غاية النهاية ١/ ٣١٥، ٣١٦، سير أعلام النبلاء ٦/ ٢٢٦ - ٢٤٨، الأعلام ٣/ ١٣٥].
(٢) وهي أيضًا قراءة أبِي عمرو بن العلاء، ينظر: القرطبي ١١/ ٣٣٦، البحر ٦/ ٣١٢، الإتحاف ٢/ ٢٦٧.
(٣) قاله ابن السكيت في إصلاح المنطق ص ٨٦، وينظر: معانِي القرآن وإعرابه ٣/ ٤٠٣.
(٤) ويجوز انتصابهما على الحال على تأويلهما براغبينَ وراهبينَ، ينظر في هذه الأوجه: التبيان للعكبري ص ٩٢٥، البحر المحيط ٦/ ٣١٢، الدر المصون ٥/ ١٠٦.
[ ١ / ٢٠٦ ]
لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾؛ أي: دِلالةً على قدرتنا، ولم يقل: آيتَيْنِ -وقد ذكرهما جميعًا- قيل (^١): لأنه مصدر، فلم يُثَنَّ، وقيل (^٢): لأنّ الآية لهما واحدةٌ وهي الولادة من غير فَحْل، وقيل (^٣): معناه: جعلناها آيةً وابنَها آية، فاكتفى بذكر إحداهما عن الأخرى، وقيل (^٤): هو على التقديم؛ أي: جعلناها آيةً وابنَها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ يعني: دينكم واحدٌ، فجعل الشريعة أُمّةً لاجتماع أهلها على مقصِدٍ واحد، والأُمّة: الدِّين، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ (^٥)؛ أي: على دِين، وقيل: معناه: مِلَّتكم. ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: ملةً واحدة، وهي الإسلام، وأصلُ الأُمّة: الجماعة التي على مقصدٍ واحدٍ، وانتَصب ﴿أُمَّةً﴾: على الحال (^٦)، وقيل (^٧): على القطع.
وقرأ ابنُ أبي إسحاق (^٨): ﴿أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ﴾ بالرَّفع على التكرير، وقيل: خبرٌ
_________________
(١) قاله السجاوندي في عين المعاني ورقة ٨٤/ ب، وعليه تكون الآية بمعنى الدلالة.
(٢) قاله الفراء والزجاج، ينظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ٢١٠، معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤٠٤.
(٣) قاله النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٧٨، والمحذوف هنا هو الأول، وهو مذهب سيبويه، ينظر: الكتاب ١/ ٧٥، ٧٦، وأجاز المبرد الحذف من الثانِي، ينظر: المقتضب ٤/ ٧٢ - ٧٤، والراجح رأي سيبويه لما فيه من إعمال الأقرب وعدم الفصل بين المتلازمين، وينظر: مشكل إعراب القرآن ٢/ ٨٦، البيان للأنباري ٢/ ١٦٤، ١٦٥، التبيان للعكبري ص ٩٢٦.
(٤) حكاه النحاس عن المبرد في إعراب القرآن ٣/ ٧٨، وينظر أيضًا: مشكل إعراب القرآن ٢/ ٨٦.
(٥) الزخرف ٢٢، ٢٣.
(٦) قاله الزجاج والنحاس، ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤٠٤، إعراب القرآن ٣/ ٧٩.
(٧) قاله الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢١٠.
(٨) عبد اللَّه بن أبِي إسحاق زيد بن الحارث الحضرمي الزيادي البصري من الموالي، أخذ عنه كبار النحاة كأبي عمرو وعيسى بن عمر، فَرَّعَ النحو وقاسه، روى عن أنس بن مالك، وأخذ =
[ ١ / ٢٠٧ ]
بعدَ خبر، وإن شئت على إضمارِ مبتدأٍ، وإن شئتَ على بدلِ النكرة من المعرفة (^١).
قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾؛ أي: على أهل قرية، يريد: لا يرجِعون إلى الدنيا، وفي هذا تخويفٌ لأهل مكةَ أنهم إذا عذِّبوا وأُهلكوا لم يرجِعوا إلى الدنيا كغيرهم من الأمم المهلَكة.
وذهب جماعةٌ إلى أنّ "لا" في قوله: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾: زائدةٌ (^٢)، وقالوا: المعنى: حرامٌ على قريةٍ مهَلكةٍ رجوعُهم إلى الدنيا، كما قال: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ (^٣).
وقرأ الكوفيُّون سوى حفص: "وحِرْمٌ" بكسرِ الحاء وإسكان الراء (^٤)، وهو بمعنى "حَرامٌ"، كما يقال: حِلٌّ وَحَلالٌ.
_________________
(١) = القراءة عن يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم، توفِّي سنة (١١٧ هـ). [إنباه الرواة ٢/ ١٠٤: ١٠٨، بغية الوعاة ٢/ ٤٢، الأعلام ٤/ ٧١].
(٢) ينظر في هذه الأوجه: معانِي القرآن للفراء ٢/ ٢١٠، معانِي القرآن وإعرابه ٣/ ٤٠٤، إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٧٩.
(٣) ممن قال بزيادتها أبو عمرو والفراء وأبو عبيد وابن قتيبة وابن الأنباري، ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٥٠، تأويل مشكل القرآن ص ٢٤٥، إيضاح الوقف والابتداء ص ١٤١، ١٤٢ التهذيب: "لا" ٥/ ٤١٦، ٤١٧، وقد أنكر الزَّجّاجُ والنَّحّاسُ كونَ "لا" زائدة هنا، معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤٠٥، إعراب القرآن ٣/ ٧٩، ٨٠، وينظر: الحجة للفارسي ٣/ ١٦١، الوسيط ٣/ ٢٥١.
(٤) يس ٥٠، وفي الأصل: "لا يستطيعون".
(٥) هذه قراءة ابن عباس وعَلِيٍّ وابن مسعود وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر عنه، وقراءة أبي عمرو في رواية عنه، وقراءة الأعمش وطلحة وابن وثاب والنخعي وعكرمة وسعيد ابن جبير وأبي حنيفة، ينظر: السبعة ص ٤٣١، القرطبي ١١/ ٣٤٠، التيسير ص ١٥٥، البحر ٦/ ٣١٣، الإتحاف ٢/ ٢٦٧.
[ ١ / ٢٠٨ ]
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ معنى فتحِهما: إخراجُهما من السدِّ الذي جعلا وراءه، قرأ ابن عامر: ﴿فُتِّحَتْ﴾ (^١) بالتشديد على التكثير، وقرأ الباقون -يعقوبُ (^٢) وأبو جعفير (^٣) -: بالتخفيف.
وجوابُ "إذا" محذوفٌ (^٤)، قال ابنُ الأنباري (^٥): ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ هو الجواب، كأنه قال: حتى إذا فُتِحت يأجوجُ ومأجوجُ اقتربَ الوعدُ الحق، والواو مُقْحَمةٌ بمعنى التعجُّب، كما تقول في الكلام: "وأَيُّ رَجُلٍ زيدٌ" (^٦). وقرأ
_________________
(١) قرأ ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب وشيبة ورويس وروح: ﴿فُتِّحَتْ﴾ بالتشديد، ينظر: السبعة ص ٤٣١، الكشف لمكي ٢/ ١١٤، التيسير ١٠٢، ١٤٥، ١٤٦، البحر ٦/ ٣١٤، الإتحاف ٢/ ٢٦٧.
(٢) يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي البصري أبو محمد، أحد القراء العشَرة، ولد ومات بالبصرة، كان إمامها ومقرئها، له في القراءة رواية مشهورة، له كتب منها: الجامع، وجوه القراءات وقف التمام، توفِّي سنة (٢٠٥ هـ). [غاية النهاية ٢/ ٣٨٦: ٣٨٩، سير أعلام النبلاء ١٠/ ١٦٩ - ١٧٤، الأعلام ٨/ ١٩٥].
(٣) يزيد بن القعقاع المخزومي بالولاء، أبو جعفر المدني، أحد القراء العشرة من التابعين، كان إمام المدينة في القراءة ومن المفتين المجتهدين، ثقة روى عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة، توفِّي سنة (١٣٢ هـ). [غاية النهاية ٢/ ٣٨٢: ٣٨٤، سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٨٧، ٢٨٨، الأعلام ٨/ ١٨٦].
(٤) هذا قول البصريين، وتقدير هذا الجواب عندهم: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق قالوا: يا ويلنا، ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤٠٥، إعراب القرآن ٣/ ٨١، مشكل إعراب القرآن ٢/ ٨٨.
(٥) محمد بن القاسم بن محمد بن بشار أبو بكر الأنباري المقرئ النحوي، من أعلم أهل زمانه باللغة والأدب والأخبار، أخذ عن أبيه وعن ثعلب، ولد سنة (٢٧٢ هـ)، وتوفي ببغداد سنة ٣٢٨ هـ، من كتبه: الزاهر، إيضاح الوقف والابتداء، الأضداد. [إنباه الرواة ٣/ ٢٠١، غاية النهاية ٢/ ٢٣٠، الأعلام ٦/ ٣٣٤].
(٦) إيضاح الوقف والابتداء ص ٧٧٩، وهذا قول الكوفيين وابن قتيبة؛ لأن الواو عندهم صلة، =
[ ١ / ٢٠٩ ]
عاصم: ﴿يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ بالهمز فيهما، وقرأهما الباقون من غيرِ همز (^١).
قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ قال ثعلبٌ (^٢): الحَدَب: التلال والآكام، واحِدُهُ: حَدَبةٌ، ومعنى ﴿يَنْسِلُونَ﴾: يُسرعون، مأخوذٌ من النَّسَلَانِ، وهو: مقاربةُ الخَطْوِ مع الإسراع كمشي الذئب إذا أسرع، يقال: مَرَّ الذئبُ يَنْسِلُ ويَعْسِلُ (^٣)، والمعنى: وهم من كل نَشَزٍ من الأرض يُسرِعون.
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ﴾ يعني: المشركين ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: الأصنام ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قرأه العامّةُ بالصاد المهمَلة، وقرأ عليٌّ وعائشةُ وإسحاقُ بن حميد (^٤): ﴿حَطَبُ﴾ (^٥) بالطاء، نظيرُه قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (^٦)، قيل (^٧): إنّ الحَصَبَ في لغة أهل اليمن: الحَطَبُ.
_________________
(١) = وفيها أوجه أخرى، ينظر: معاني القرآن ٢/ ٢١١، تأويل مشكل القرآن ٢/ ٢٥٣، إعراب القرآن ٣/ ٨١.
(٢) ينظر: السبعة ص ٤٣١، التيسير ص ١٤٥، ١٤٦، البحر ٦/ ١٥٤، الإتحاف ٢/ ٢٢٥، ٢٦٧.
(٣) ينظر قوله في ياقوتة الصراط ص ٣٦٥.
(٤) قاله ابن قتيبة في غريب القرآن ص ٢٨٨، وينظر: غريب القرآن للسجستاني ص ١٠٦.
(٥) إسحاق بن حميد بن نعيم، مُرُوزِيُّ الأصلِ، حدث عن عفان بن مسلم، وروى عنه عبد الصمد ابن علي الطستي وأبو بكر الشافعي. [تاريخ بغداد ٦/ ٣٧٧].
(٦) وهي أيضًا قراءة أُبَيٍّ وابنِ الزبير وزيدِ بن عَلِيٍّ وعكرمةَ، ينظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ٢١٢، المحتسب ٢/ ٦٦، تفسير القرطبي ١١/ ٣٤٣، البحر المحيط ٦/ ٣١٦.
(٧) التحريم ٦.
(٨) قاله الفراء في معانِي القرآن ٢/ ٢١٢، وينظر: الكشف والبيان ٦/ ٣٠٩، غريب القرآن للسجستاني ص ١٠٦.
[ ١ / ٢١٠ ]
وقرأ ابنُ عباس: ﴿حَضَبُ﴾ (^١) بالضاد المعجَمة، وهو: كلُّ ما هُيِّجَتْ وأُوقِدَتْ به النارُ، ومنه قيل لدِقاقِ الناس: حَضَبٌ (^٢)، قال أبو ذُؤيب الهُذَلي (^٣):
٩ - فَأَطْفِئْ وَلا تُوِقِدْ وَلاتَكُ مِحْضَبًا لِنارِ العُداةِ أَنْ تَطِيرَ شَكاتُها (^٤)
وأصلُ الحَصْبِ: الرَّمْيُ، قال الضحّاك (^٥): يُرْمَوْنَ في النار كما تُرْمَى الحصباءُ. ثعلبٌ عن ابن الأعرابِيِّ (^٦) أنه قال: العرب تقول: هذا حَصَبُ النارِ
_________________
(١) وهي أيضًا قراءة اليماني، ورُوِيَ عن ابن عباس وعن اليمانِيِّ وكُثَيِّرِ عَزّةَ: "حَضْبُ" بالضاد الساكنة، ينظر: مختصر ابن خالويه ص ٩٥، المحتسب ٢/ ٦٦، القرطبي ١١/ ٣٤٣، البحر ٦/ ٣١٥.
(٢) قاله الفراء في معانِي القرآن ٢/ ٢١٢، وينظر: غريب القرآن للسجستاني ص ١٠٦.
(٣) خويلد بن خالد بن مُحَرِّث، شاعر فحل مخضرم، أدرك الإسلام، سكن المدينة وغزا وشارك في فتح إفريقية، وفد على النبي -ﷺ- ليلة وفاته وشهد دفنه، رثى خمسة من أبنائه أصيبوا بالطاعون في عام واحد، توفي سنة (٢٧ هـ). [الشعر والشعراء ٦٥٣ - ٦٥٨، الإصابة ٢/ ٣٥٨، الأعلام ٢/ ٣٢٥].
(٤) البيت من الطويل، لأبي ذؤيب، ورواية ديوانه: . . . . . . .، وَلَا تَكُ مِحْضَأً لِنارِ الأَعادِي أَنْ تَطِيرَ شَذاتُها اللغة: حَضَبَ النّارَ: أَلْقَى عليها الحطبَ لِتَتَّقِدَ، وكذلك: حَضَأَها، المِحْضَبُ والمِحْضَأٌ والمِحْضَجُ: الْمِسْعَرُ، وهو عود تُحَرَّكُ به النارُ عند الإيقاد، شَكاةُ النارِ وشَذاتُها: جَمْرُها. التخريج: ديوان الهذليين ١/ ١٦٣، شرح أشعار الهذليين ص ٢٢٣، سيرة ابن هشام ١/ ٢٤٠، معجم الشعراء ٢٧٦، اللسان: حضأ، التاج: حضأ.
(٥) الضحاك بن مزاحم البلخي الخراسانِي، أبو القاسم الهلالي، مفسر كان يؤدب الأطفال، حدث عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وأنس، ثقة مأمون، وضعفه بعضهم، له كتاب في التفسير، توفي سنة (١٠٥ هـ). [التاريخ الكبير ٤/ ٣٣٢، ٣٣٣، سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٩٨ - ٦٥٥، الأعلام ٣/ ٢١٥]، وينظر قوله في الكشف والبيان ٦/ ٣٠٩.
(٦) محمد بن زياد، أبو عبد اللَّه الكوفي، راويةٌ نسابة عَلَّامةٌ باللغة، وهو ربيب المفضل الضبي، =
[ ١ / ٢١١ ]
وحَضَبُها وحَطَبُها، كلُّه بمعنًى واحدٍ، وهو ما تأكلُه النار. وقوله: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾؛ أي: فيها داخلون.
قوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: الأصنامَ ﴿آلِهَةً﴾ كما يزعُم الكفار ﴿مَا وَرَدُوهَا﴾ يعني: العابدينَ والمعبودين ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا﴾ يعني: في جهنَّم ﴿زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ قال ابن مسعود (^١): إذا بقي في النار من يُخَلَّدُ فيها جُعِلُوا في توابيتَ من نار، ثم جُعِلَتْ تلك التوابيتُ في توابيتَ أخرى، فلا يسمعون شيئًا، ولا يَرَى أحدٌ منهم أنّ في النار أحدًا يُعَذَّبُ غيره.
قوله -﷿-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ قال قومٌ من العلماء (^٢): "إِنَّ" هاهنا: استثناءٌ بمعنى "إِلّا"، وليس في القرآن سواه. والسَّبْقُ: تقدُّمُ الشيءِ على غيره، والحُسنى: السعادة والعِدةُ الجميلة بالجنة.
قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: الذين سبقت لهم من اللَّه الحسنى ﴿عَنْهَا﴾ يعني: عن النار ﴿مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ والإبعاد: طولُ المسافة.
_________________
(١) = توفِّي بسامراء سنة (٢٣١ هـ)، من كتبه: النوادر: معاني الشعر، تاريخ القبائل. [إنباه الرواة ٣/ ١٢٨، الأعلام ٦/ ١٣١]. وينظر قوله في ياقوتة الصراط ص ٣٦٥.
(٢) هذا الخبر رواه مجاهد في تفسيره ١/ ٤١٦، وينظر: جامع البيان ١٧/ ١٢٦، الكشف والبيان ٦/ ٣٠٩، زاد المسير ٥/ ٣٩١، ٣٩٢، تفسير القرطبي ١١/ ٣٤٥، الدر المنثور ٤/ ٣٣٩.
(٣) لم أقف على صاحب هذا القول، وقد ذكره الطبري بغير عزو، فقال: "فأما الذين قالوا: ذلك استثناء من قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، فقَوْلٌ لا معنى له؛ لأن الاستثناء إنما هو إخراج المستثنى من المستثنى منه، ولا شك أن الذين سبقت لهم منا الحسنى إنما هم إما ملائكة وإما إنس أو جان، وكل هؤلاء إذا ذكرتْها العربُ فإن أكثر ما تذكرها بـ "مَنْ" لا بـ "ما"، واللَّه -تعالَى ذِكْرُهُ- إنما ذَكَرَ المعبودِينَ الذين أخبر أنهم حصب جهنم بـ "ما". جامع البيان ١٧/ ١٢٩، وينظر: الكشف والبيان ٦/ ٣٠٩، ٣١٠.
[ ١ / ٢١٢ ]
قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾؛ أي: حِسَّها وحركةَ تلهُّبها، والحِسُّ والحَسِيسُ: الصوتُ تسمَعُه من الشيء يَمُرُّ منك قريبًا (^١)، ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ﴾ من النَّعيم والكرامة ﴿خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ يعني: إطباقَ جهنَّم على أهلها ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يعني: تستقبلُهم ملائكةُ الرحمة عند خروجهم من قبورهم ويقولون لهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ في الدنيا.