عن عائشةَ -﵂- قالت: دَخَلَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- وعندي عجوزٌ من بني عامر، فقال: "مَنْ هذه العجوزُ يا عائشةُ؟ "، فقلتُ: إحدى خالاتِي، فقالت العجوزُ: ادْعُ اللَّهَ أن يُدخلَني الجنةَ، فقال لها: "إنّ الجنةَ لا يَدْخُلُها العُجُزُ"، فأخَذ العجوزَ ما أخَذَها، فقال -﵇-: "إنّ اللَّه -﷿- يُنْشِئُهُنَّ خَلْقًا غيرَ خَلْقِهِنَّ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. . .﴾ الآيةَ (^٢)، قال: "إنكم تُحشَرون يومَ القيامة عُراةً حُفاةً غُرْلًا غُلْفًا، فأولُ من يُكْسَى إبراهيمُ ﵇ خليلُ اللَّهِ -﷿- (^٣) "، فقالت عائشةُ -﵂-: واسَوْأَتاه! أفلا يَحتشمُ الناسُ بعضهم بعضًا؟! فقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (^٤)، ثم قَرأَ رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (^٥).
_________________
(١) يعني أنه مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة الخبرية قبله، ينظر: التبيان ص ٩٢٩، البحر المحيط ٦/ ٣١٨.
(٢) الطور ٣٥، والحديث رواه الطبراني في المعجم الأوسط ٥/ ٣٥٧، وينظر: الشمائل المحمدية ص ٢٠٠، الكشف والبيان ٦/ ٣١٢.
(٣) في الأصل: "إبراهيم خليل اللَّه ﷿".
(٤) عبس ٣٧.
(٥) هذا حديث آخرُ، رواه الإمام أحمد بسنده عن السيدة عائشة في المسند ٦/ ٥٣، ٩٠، والبخاري في صحيحه ٧/ ١٩٥ كتاب الرقاق/ باب الحشر، ومسلمٌ في صحيحه ٨/ ١٥٦ كتاب الجنة وصفة نعيمها/ باب فناء الدنيا.
[ ١ / ٢١٦ ]
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ يعني: أمةَ محمد -ﷺ- والمؤمنين العاملينَ بطاعة اللَّه يرِثون الجنة، كقوله: ﴿يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ (^١).
قرأ الأعمشُ وحمزةُ (^٢) وخَلَفٌ (^٣): ﴿الزَّبُورِ﴾ بضمِّ الزاي (^٤)، وقرأ الباقون بالنصب (^٥)، وهي بمعنى المَزْبور، كالحَلُوب والرَّكوب، يقال: زَبَرْتُ الكتابَ: إذا كَتَبْتَهُ (^٦).
واختلفوا في معنى الزَّبور والذِّكر، فقال سعيدُ بن جُبَير (^٧) ومجاهدٌ (^٨)
_________________
(١) المؤمنون ١١.
(٢) حمزة بن حبيب بن عمارة التيمي بالولاء، أبو عمارة الزيات، أحد القراء السبعة، كان يجلب الزيت إلى حلوان، والجوز والجبن إلى الكوفة، توفِّي سنة (١٥٦ هـ). [غاية النهاية ١/ ٢٦١ - ٢٦٣، الأعلام ٢/ ٢٧٧].
(٣) خلف بن هشام البَزّارُ، أبو محمد الأسديُّ، أحد القراء العشَرة، كان عالمًا عابدًا ثقة، اشتهر ببغداد، سمع مالك بن أنس وحماد بن زيد وتصدر للإقراء والرواية، توفي سنة (٢٢٩ هـ). [غاية النهاية ١/ ٢٧٢ - ٢٧٤، سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥٧٦ - ٥٨٠، الأعلام ٢/ ٣١١].
(٤) بضم الزاي، جمع: زِبْرٍ: كقِدْرٍ وقُدُورٍ، ينظر: السبعة ص ٤٣١، حجة القراءات ص ٤٧١، التيسير ص ٩٨، الإتحاف ١/ ٥٢٦، ٢/ ٢٦٨.
(٥) يعني: بفتح الزاي.
(٦) قال الأزهري: قال أبو عبيدة: زَبَرْتُ الكتابَ وذَبَرْتُهُ: إذا كتبتَهُ. قال: وقال الأصمعيُّ: زَبَرْتُ الكتابَ: كتبتُهُ، وذَبَرْتُهُ: قَرَأْتُهُ"، تهذيب اللغة: زبر ١٣/ ١٩٦، وينظر: الصحاح: زبر ١/ ٣٠٨.
(٧) سعيد بن جبير بن هشام الأسدي بالولاء، أبو عبد اللَّه الكوفي، كان أعلم التابعين، حبشي الأصل، أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر، قتله الحجاج بواسط سنة (٩٥ هـ)، قال ابن حنبل: قتل الحجاج سعيدًا وما على وجه الأرض أحد إلّا وهو مفتقر إلى علمه. [سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٢١ - ٣٤٣، الأعلام ٣/ ٩٣].
(٨) مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي المخزومي بالولاء، تابعي من أهل مكة، شيخ القراء =
[ ١ / ٢١٧ ]
وابنُ زيد: عنَى بالزَّبور: الكتُبَ المُنْزَلةَ، وبالذِّكر: أُمَّ الكتاب الذي عنده، وقال ابنُ عباس والضحّاك: الذِّكر: التَّوراة، والزَّبور: الكتُبُ المنزَلة من بعد التوراة، وقال الشَّعبي (^١): الزَّبور: كتابُ داود، والذِّكر: التَّوراة، وقال بعضهم: الزَّبور: زبورُ داود، والذِّكر: الفرقان.
و﴿بَعْدِ﴾ بمعنى "قبل" (^٢) كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ (^٣) أي: أمامَهم، وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (^٤)؛ أي: قبلَ ذلك.
قوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ يعني القرآنَ ﴿لَبَلَاغًا﴾؛ أي: لَكفايةً ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ للبَرِّ والفاجر، وهو نصَبٌ على المصدر أو الحال.