عن حُذَيفةَ بن اليمان، قال: إنّ جِبريلَ -﵇- صاحبُ الميزان يوم القيامة، يقول له ربُّه: زِنْ بينَهم، ورُدَّ من بعضهم على بعض -ولا ذَهَبٌ يومئذٍ ولا فِضّةٌ- فيَرُدُّ على المظلوم من الظالم ما وَجَدَ له من حسناتٍ، فإن لم تكن له حسنةٌ أَخَذَ من سيئاتِ المظلوم فيَرُدُّ على الظالم، فيرجع وعليه مثلُ الجبال (^٥).
_________________
(١) هذه قراءة نافع وأبِي جعفر وزيد بن عَلِيٍّ وشيبةَ، ينظر: السبعة ص ٤٢٩، تفسير القرطبي ١١/ ٢٩٤، البحر المحيط ٦/ ٢٩٤، إتحاف فضلاء البشر ٢/ ٢٦٤، ٢٦٥.
(٢) لأنها تامة، ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٩٤، البحر المحيط ٦/ ٢٩٤.
(٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [لقمان: ١٦]، فقد قرأ نافع وأبو جعفر والأعرج برفع المثقال، وقرأ الباقون بالنصب، ينظر: السبعة لابن مجاهد ص ٥١٣، البحر المحيط ٧/ ١٨٢، إتحاف فضلاء البشر ٢/ ٣٦٢. وانظر ما يأتي ص ٢/ ٥٨ من هذا الكتاب.
(٤) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٩٤، وقال أبو حيان: "والظاهر أن ﴿حَاسِبِينَ﴾: تَمييزٌ لِقَبُولِهِ: "مِنْ"، ويجوز أن يكون حالًا"، البحر المحيط ٦/ ٢٩٥.
(٥) رواه ابن الجوزي في زاد المسير ٣/ ١٧١، وينظر: القرطبي ٧/ ١٦٧، ١١/ ٢٩٣، فتح الباري ١١/ ٣٤٤، ١٣/ ٤٥٠، الدر المنثور ٣/ ٦٩.
[ ١ / ١٩٢ ]
قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ يعني: التَّوراةَ التي تفرِّق بين الحلال والحرام ﴿وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾ أي: ضياءً، والواو هاهنا زائدة (^١) لا موضعَ لها؛ لأنها دخلت حَشْوًا، ومنه قولُ امرئ القيس:
٧ - فَلَمّا أَجَزْنا ساحةَ الحَيِّ وانْتَحَى بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفافٍ عَقَنْقَلِ (^٢)
معناه: انتحى، فأُدخلت الواو حشوًا وإقحامًا، هكذا قاله الخليل (^٣).
_________________
(١) الأَوْلَى أن يقول: "والواو صِلةٌ" تأدُّبًا مع القرآن الكريم، وقد قرأ ابن عباس وعكرمة والضحاك: ﴿ضِيَاءً﴾ بغير واو، ينظر: المحتسب ٢/ ٦٤، عين المعاني ورقة ٨٤/ أ، تفسير القرطبي ١١/ ٢٩٥، البحر المحيط ٦/ ٢٩٥.
(٢) البيت من الطويل من معلقته، ورواية العَجُزِ في الديوان: بِنا بَطْنُ حِقْفٍ ذِي رُكامٍ عَقَنْقَلِ اللغة: أجزنا: سِرْنا وقطعنَا، انتحى له الشيء: اعترض، الخبت: ما اطمأن من الأرض واتسع، والخبت: صحراء بين المدينة والحجاز، القفاف: جمع قُفِّ وهو: ما غلظ من الأرض وارتفع، العقنقل: الكثيب العظيم المتداخل الرمل. والشاهد فيه: زيادة الواو في جواب "لَمّا" على مذهب الكوفيين، وأما البصريون فإنهم يقولون: الواو غير زائدة، وإنما هي عاطفة وجواب "لَمّا" محذوف تقديره مثلًا: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى. . . . خَلَوْنا وَنَعِمْنا. التخريج: ديوانه ص ١٥، معاني القرآن للفراء ٢/ ٥٠، ٢١١، أدب الكاتب ص ٢٧٣، إعراب القراءات السبع ٢/ ٢٥٨، الأزهية ص ٢٣٤، البيان للأنباري ٢/ ٣٥، الإنصاف ص ٤٥٧، ٤٦٠، عين المعاني ٨٤/ ب، ١١٢/ أ، رصف المباني ص ٤٢٥، شرح الكافية ٤/ ٤١٦، اللسان: جوز، خزانة الأدب ١١/ ٤٣ - ٤٥، ٤٧.
(٣) ينظر: ما حكاه المؤلف هنا عن الخليل في كتاب الجمل المنسوب له ص ٢٨٨، والمؤلف هنا وافق الكوفيين وبعض البصريين كالأخفش وابن بَرْهانَ الذين أجازوا زيادة الواو، وأما جمهور البصريين فإنهم لا يجيزون زيادتها ويقولون: إنها حرف جاء لمعنى فلا يجوز الحكم بزيادته، ينظر: معانِي القرآن للفراء ٢/ ٢٠٥، ٢١١، معانِي القرآن للأخفش ص ١٢٥، ١٤١، ٤٥٧، تأويل مشكل القرآن ص ٢٥٢ - ٢٥٤، معانِي القرآن وإعرابه ٣/ ٣٩٤، =
[ ١ / ١٩٣ ]
وهو نصبٌ على الحال (^١)، و﴿وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ عطفٌ عليه؛ أي: أنهم يذكرونه، ويعملون بما فيه، ويتَّعظون بمواعظه، وقيل (^٢): هو من صفة التوراة، مثلَ قوله: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (^٣)، والمعنى: أنهم استضاءُوا بها حتى اهتدَوْا في دينهم، وقيل (^٤): معناه: وجَعَلناها ضياءً، وأراد بالفُرقان: فَرْق البحر أو النَّصر أو اليد أو التوراة.
قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ الكيد: المكر، يقال: كادَهُ يَكِيدُهُ كَيْدًا ومَكِيدةً، والمكرُ هو: الاحتيال والخديعة، ونصب "مُدْبِرِينَ" على الحال.
قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ يعني: الأصنام ﴿جُذَاذًا﴾ الجَذُّ: القَطْعُ والكَسْرُ، والجُذاذُ: قِطَعُ ما كُسِّرَ، الواحدة: جُذاذةٌ، وهو مثل الحُطامِ والرُّفاتِ والدُّقاقِ، وقَرَأ الكِسائيُّ بكسر الجيم (^٥) على أنه جَمْعُ جَذِيذٍ، مثل: ثقيل وثِقالٍ، وخفيف
_________________
(١) = إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٧٢، ٧٣، الإنصاف ص ٤٥٦، شرح الكافية للرضي ٤/ ٤١٦، ٤١٧، خزانة الأدب ١١/ ٤٣ - ٤٥.
(٢) هذا على أن الواو زائدة، وأما على مذهب البصريين قالواو عاطفة، و﴿ضِيَاءً﴾ معطوف على ﴿الْفُرْقَانَ﴾ الذي هو مفعول ثانٍ لـ ﴿آتَيْنَا﴾، ينظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٠٥، البيان للأنباري ٢/ ١٦٣، الدر المصون ٥/ ٩١.
(٣) قاله الواحدي في الوسيط ٣/ ٢٤١، وهذا راجع إلى رأي البصريين في أن الواو عاطفة، ومعنى قوله: "هو من صفة التوراة" أنه من باب عطف الصفات، ينظر: معانِي القرآن وإعرابه ٣/ ٣٩٤، ٣٩٥، وقال السمين الحلبي: "يجوز أن يكون من باب عطف الصفات، فالمراد به شيء واحد، أي: آتيناه الجامع بين هذه الأشياء". الدر المصون ٥/ ٩١.
(٤) المائدة ٤٤.
(٥) أي: أن ﴿ضِيَاءً﴾ مفعول بفعل محذوف، وهذا أيضًا يتوجه على رأي البصريين.
(٦) وبها قرأ أيضًا الأعمشُ في روايةٍ عنه، وابنُ محيصن وابنُ مقسم وأبو حيوة وحميدٌ وابنُ =
[ ١ / ١٩٤ ]
وخِفافٍ (^١)، والجَذيذ بمعنى المجذوذ، وهو المكسور (^٢).
ثم استثنى كبيرَ الأصنام، فقال: ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ يعني: كَسَّرَ الأصنامَ إلا كبيرَها ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾ الهاء عائدةٌ على إبراهيم ﵇ (^٣) أي: يرجِعون إلى دينه، وإلى ما يدعوهم إليه من عبادة ربه، لوجوب الحُجّة عليهم في عبادة ما لا يَدفَع عن نفسه.
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ يعني: لإبراهيم ﵇ ﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ أي: زيادةً، والنافلة: ما كان زيادةً على الفرض، ويقال لولَد الولد: نافلةٌ لأنه زيادةٌ علي الولد؛ لأنّ إبراهيم ﵇ دعا بإسحاقَ فاستُجيب له وزِيدَ يعقوبَ ﵇، و﴿نَافِلَةً﴾ نصبٌ على المصدر (^٤).
قوله: ﴿وَكُلًّا﴾ يعني: إبراهيمَ ويعقوبَ ﴿جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢)﴾ يريد:
_________________
(١) = وثابٍ، ينظر: السبعة ص ٤٢٩، تفسير القرطبي ١١/ ٢٩٧، النشر ٢/ ٣٢٤، البحر المحيط ٦/ ٣٠١، الإتحاف ٢/ ٢٦٥.
(٢) ينظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٠٦، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٢٨٦، معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٩٥، ٣٩٦، تهذيب اللغة ١٠/ ٤٦٩، تفسير غريب القرآن للسجستاني ص ١٠٥، شمس العلوم ٢/ ٩٤٣.
(٣) ينظر: إعراب القراءات السبع ٢/ ٦٣، الوسيط ٣/ ٢٤٢، عين المعاني ورقة ٨٤/ أ.
(٤) يعني الهاء في ﴿إِلَيْهِ﴾ وهذا قول الزجاج، وقيل: هي عائدة على ﴿كَبِيرُهُمْ﴾، ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٩٦، زاد المسير ٥/ ٣٥٨، البحر المحيط ٦/ ٣٠١، عين المعاني ورقة ٨٤/ أ، الدر المصون ٥/ ٩٥.
(٥) الأرجح أن ﴿نَافِلَةً﴾ منصوب على الحال؛ لأنه بمعنى الزيادة وهي يعقوب، أما ما ذكره المؤلف من انتصابه على المصدر فيتجه على أن النافلة بمعنى العطية، فيكون مصدرًا من معنى العامل ﴿وَهَبْنَا﴾؛ لأن الهبة والعطية متقاربان، فهو مصدر كالعاقبة والعافية، ينظر: التبيان للعكبري ص ٩٢٢، البحر المحيط ٦/ ٣٠٥، الدر المصون ٥/ ٩٩.
[ ١ / ١٩٥ ]
أنبياءً عاملينَ بطاعة اللَّه ﷿، ونصب "كُلَّا" بـ "جعلنا" (^١).
قوله: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾؛ أي: وآتينا لوطًا، وقيل: هو منصوبٌ بإضمار فعل، تقديرُه: وأرسَلْنا لوطًا، وقيل: معناه: واذكر لوطًا (^٢) ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ يعني: النُّبوةَ، وقيل: الفصل بين الخصوم بالحق ﴿وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾؛ أي: من أهل القرية ﴿الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ وهي سَدُومُ، وكان أهلُها يأتُون الذُّكرانَ في أدبارهم، ويتضارَطون في أنديتِهم، معَ أشياءَ أُخَرَ كانوا يعملونها من المنكرات ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤)﴾ خارجين عن الطاعة مُصِرِّينَ على المعصية.
قولُه تعالى: ﴿وَنُوحًا﴾؛ أي: واذكُرْ نوحًا (^٣) ﴿إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: من قبلِ إبراهيمَ ولوطٍ؛ لأنه كان قبلَهما، دعا على قومه بالهلاك فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ أَنهَارًا. . .﴾ الآيةَ (^٤)، ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ وأتباعَه، يعني: من كان معه في سفينته ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ يعني: الغرقَ يومَ الطُّوفان، والكربُ: أشدُّ الغمّ.
قوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ
_________________
(١) ﴿كُلا﴾: مفعول أول لـ ﴿جَعَلنَا﴾ والمفعول الثاني ﴿صَالِحِينَ﴾، ينظر: التبيان للعكبري ص ٩٢٢، الدر المصون ٥/ ٩٩.
(٢) ينظر في هذه الأوجه: معانِي القرآن للفراء ٢/ ٢٠٧، ٢٠٨، معانِي القرآن وإعرابه ٣/ ٣٩٨، ٣٩٩، إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٧٥، البيان للأنباري ٢/ ١٦٣، عين المعاني ورقة ٨٤/ أ.
(٣) أي أنه منصوب بفعل مضمر، ينظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٠٨، معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٩٩، ويجوز أن يكون معطوفًا على ﴿لوطا﴾ في قوله: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ﴾، ينظر: إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٧٥، الدر المصون ٥/ ١٠٠.
(٤) نوح ٢٦.
[ ١ / ١٩٦ ]
أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ قيل: مَنَعْناهُ من القوم الذين كذَّبوا بآياتنا (^١)، وقيل: "مِن" هاهنا بمعنى "عَلَى" (^٢) أي: ونصرناه على القوم، نَصْب "أجمعين" لأنه توكيدٌ للمضمر، وهو الهاء والميم، وهما في موضع نصب.
قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾؛ أي: واذكُرْ يا محمدُ داودَ وسليمانَ ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ قيل: كان الحرث زرعًا، وقيل: كان كَرْمًا قد نَبَتَتْ عناقيدُهُ وتَدَلَّتْ ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾؛ أي: رَعَتْهُ ليلًا فأفسدته، والنَّفَشُ: بالليل، والهَمَلُ: بالنهار، وهما الرَّعْيُ بلا راعٍ.
"ولم ينصرفْ داودُ لأنه اسمٌ أعجميٌّ لا يَحسُن فيه الألف واللام، ولم ينصرف سُليمانُ لأنّ في آخِره ألفا ونونًا زائدتَيْن" (^٣).
قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ يعني: داودَ وسُليمانَ وأصحابَ الغنم وصاحبَ الكَرْم (^٤)، وقال الفراء (^٥): إنما جَمَع اثنَيْنِ فقال: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾
_________________
(١) هذا على رأي البصريين، وهو أن ﴿نَصَرْنَا﴾ ضُمِّنَ معنى "مَنَعْنا"، لأنهم لا يجيزون نيابة حروف الخفض بعضها عن بعض، ينظر: الكشاف ١/ ٥٧٩، التبيان للعكبري ص ٩٢٣، البحر المحيط ٦/ ٣٠٦، المساعد ٢/ ٢٤٨، الدر المصون ٥/ ١٠١.
(٢) هذا على رأي الكوفيين والأخفش وابن قتيبة وكثير من المتأخرين في أن حروف الخفض ينوب بعضها عن بعف، ينظر: معاني القرآن للأخفش ص ٤٦، تأويل مشكل القرآن ص ٥٧٧، تفسير القرطبي ١١/ ٣٠٧، البحر المحيط ٦/ ٣٠٦، المساعد ٢/ ٢٤٨، وقد قرأ أُبَيٌّ: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾، مفاتيح الغيب ٢٢/ ١٩٤.
(٣) من أول قوله: "وَلَمْ ينصرف داود" إلى هنا قاله النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٧٥.
(٤) أي: أن الضمير عائد إلى جمع، وهذا رأي الطبري والكرمانِي، ينظر: جامع البيان ١٧/ ٦٧، غرائب التفسير وعجائب التأويل للكرمانِي ١/ ٧٤٤، وينظر أيضًا: الكشاف ١/ ٥٧٩، زاد المسير ٥/ ٣٧١.
(٥) معاني القرآن ٢/ ٢٠٨.
[ ١ / ١٩٧ ]
وهو يريد داودَ وسُليمان؛ لأنّ الاثنَيْنِ جمع، وهو مثل قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ (^١) وهو يريد أخوَيْنِ.
وقوله: ﴿شَاهِدِينَ﴾؛ أي: لم يغب عنا من أمرهم شيء.
قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ يعني: الحكومة، كُنِّي عنها لأنه سَبَق ما يدلُّ عليها من ذكر الحُكم. ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا﴾ يعني: داودَ وسليمان ﴿حُكْمًا﴾ نبوةً ﴿وَعِلْمًا﴾ بأمور الدين، ونصب ﴿وَكُلًّا﴾ بـ ﴿آتَيْنَا﴾.
قوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ التقدير: وسخَّرنا الجبالَ يسبِّحن مع داود، وهو أنه كان إذا وَجَد فترةً أَمَرَ الجبالَ فسبَّحت حتى يشتاق هو فيسبح، وقال وَهْب (^٢): كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير.
قوله: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ معطوفٌ على الجبال، ويجوز أن يكون بمعنى: مع الطير، كما تقول: التقى الماءُ والخشبةَ (^٣)، قال الزَّجّاج (^٤): ويجوز: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ بالرفع بمعنى: يسبِّحن هن والطيرُ.
_________________
(١) النساء ١١.
(٢) وهب بن منبه بن كامل الأبناوي الصنعاني الذماري أبو عبد اللَّه، مؤرخ كثير الإخبار عن الكتب القديمة، ويُعَدُّ في التابعين، أصله من أبناء الفرس الذين بعث بهم كسرى إلى اليمن، ولد بصنعاء وَوَلَّاهُ عُمَرُ بن عبد العزيز قضاءها، وتوفِّي بها سنة (١١٤ هـ). [سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٥٧ - ٥٤٤، الأعلام ٨/ ١٢٥].
(٣) من أول قوله: "معطوف على الجبال. . . " قاله النحاس بنصه في إعراب القرآن ٣/ ٧٥، ٧٦.
(٤) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤٠٠، ومعنى كلام الزجاج أنه مرفوع بالعطف على الضمير المرفوع المستتر في ﴿يُسَبِّحْنَ﴾، وهذا يجوز على رأي الكوفيين، وأما البصريون فإنهم يجيزونه على قبح في ضرورة الشعر، ينظر: الإنصاف ص ٤٧٤ - ٤٧٨، وقد قرأ بعضهم: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ بالرَّفع، البحر المحيط ٦/ ٣٠٧، الدر المصون ٥/ ١٠٢.
[ ١ / ١٩٨ ]
ثم قال: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾؛ أي: نَقْدِرُ على ما نريد.
قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾؛ أي: وسخَّرنا لسليمان الريحَ ﴿عَاصِفَةً (٨١)﴾ يعني: شديدةَ الهبوب، قال ابن عباس: إنْ أَمَرَ الرِّيحَ أَنْ تَعْصِفَ عَصَفَتْ، فإذا أراد أن تُرْخِيَ أَرْخَتْ، وذلك قوله: ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (^١). ونَصْب ﴿عَاصِفَةً﴾: على الحال (^٢).
والرِّيح: هواءٌ مُحَرِّكٌ، وهو جسمٌ لطيفٌ ممتنع بلُطْفِهِ من القبض عليه، وتَظْهَرُ لِلْحِسِّ حَرَكتُهُ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ﴾؛ أي: واذكُرْ أيوب ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾؛ أي: دعا ربه ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾؛ أي: أصابني الجَهْد ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ أكثرهم رحمةً ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ يريد: الأوجاع ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ نَصْبٌ علي المصدر، وقيل (^٤): على المفعول من
_________________
(١) ص ٣٦.
(٢) والعامل فيها فعل مقدر، أي: سخرنا الريح حالط كونها عاصفةً، ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤٠٠، التبيان للعكبري ص ٩٢٤.
(٣) ينظر: المذكر والمؤنث للفراء ص ٨٧، المذكر والمؤنث للسجستاني ص ٤١، ١٦٩، المذكر والمؤنث لابن التستري ص ٥١، ٧٨، المذكر والمؤنث لابن الأنباري ١/ ٢٥٦، غير أن الفراء قال: "والرياح كلها إناث، قال: أنشدني بعض بني أسد: كَمْ مِنْ جِرابٍ عَظِيمٍ جِئْتَ تَحْمِلُهُ ودُهْنةٍ ريحُها يَغْطِي عَلَى التَّفَلِ قال: أنشدنيه عِدّةٌ من بني أسد كلهم يقول: "يَغْطِي" فَيُذَكِّرُونَهُ، وكأنهم اجترأوا على ذلك، إِذْ كانت الريح ليس فيها هاء، وربما ذُهِبَ بالريح إلى الأَرَجِ والنشر"، المذكر والمؤنث ص ٨٧، وقال ابن التستري: "فإن ذَكَّرَها شاعر للضرورة فإنما يذهب بها إلى النَّشْرِ، وهو فَغًا لا يجوز في تصاريف الكلام"، المذكر والمؤنث لابن التستري ص ٧٩، والفَغا: الرديء من كل شيء.
(٤) قاله الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٠٩، وينظر: التبيان للعكبري ص ٩٢٤، البحر المحيط ٦/ ٣١٠، الدر المصون ٥/ ١٠٤.
[ ١ / ١٩٩ ]
أجله، والمعنى: فعلنا ذلك به رحمةً من عندنا ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ يعني: موعظةً للمتقين.
واختلفوا في ذلك، فقال قومٌ: إنّما ردَّ اللَّه على أيوب ﵇ مثلَ أهلِه الذين هلَكوا، ولم يُرِدْهم بأعيانهم في الدنيا، وإنما وعده اللَّه تعالى أن يؤتيَه إياهم في الآخرة، وقال اَخرون: بل ردَّهم اللَّه عليه بأعيانهم، وأعطاه مثلَهم معهم. وهذا القول أشبهُ بظاهر الآية.