عن أبي هريرة -﵁- قال: قيل: يا رسولَ اللَّه: ادْعُ على
_________________
(١) = والمفسرين، أخذ التفسير عن ابن عباس، وتنقل في الأسفار، واستقر بالكوفة وبها توفِّي سنة (١٠٤ هـ). [سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٩: ٤٥٧، الأعلام ٥/ ٢٧٨].
(٢) عامر بن شراحيل، أو عبد اللَّه بن عبد ذي كبار الشعبي الحميري أبو عمرو، تابعي محدث راوية فقيه شاعر، ولد ونشأ بالكوفة، واتصل بعبد الملك بن مروان، واستقضاه عمر بن عبد العزيز، توفِّي فجأة بالكوفة سنة (١٠٣ هـ)، من كتبه: الكفاية في العبادة والطاعة. [سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٩٤ - ٣١٩، الأعلام ٣/ ٢٥١].
(٣) قال قطرب: "ومنه [يعني من الأضداد] أيضًا "بَعْدُ" في معنى "قَبْلُ"، قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾، الأضداد لقطرب ص ١٠٠، وينظر: إعراب القرآن ٢/ ٤٦٨، إعراب القراءات السبع ٢/ ٦٩، الكشف والبيان ٦/ ٣١٣.
(٤) الكهف ٧٩.
(٥) النازعات ٣٠.
[ ١ / ٢١٨ ]
المشركين، قال: "إِنِّي لم أُبْعَثْ لَعّانًا، وَإنَّما بُعِثْتُ رَحْمةً" (^١).
قوله -﷿-: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: افْصِلْ بيني وبين مَنْ كَذَّبَنِي بالحق، واللَّه لا يَحكم إلّا بالحقّ، وفيه وجهانِ من التأويل، قال أهلُ التفسير: الحقُّ هاهنا بمعنى: العذاب، كأنه استَعجل العذابَ لقومه، فعذِّبوا يومَ بدر، نظيرُه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ (^٢)، وقال قَتادة (^٣): كان النبيُّ -ﷺ- إذا شهد قتالًا قال: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾، وقال أهل المعاني (^٤): معناه: ربِّ احكُمْ بحُكمك الحقِّ، فحُذِفَ الحكم وأُقِيمَ الحقُّ مقامَه.
واختلف القُرّاء في هذه الآية (^٥)، فقَرأَ حفص: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بالألف على الخبر، وقرأ الباقون: ﴿قُلْ﴾ على الأمر، وقرأ أبو جعفرٍ: ﴿رَبُّ احْكُمْ﴾ برفع الباء على نداءِ المفرَد (^٦)، وقَرأ الضحّاك ويعقوبُ في بعض رواياته: ﴿رَبِّي
_________________
(١) رواه البخاري في الأدب المفرد ص ٧٦، ورواه مسلم في صحيحه ٨/ ٢٤/ كتاب البر والصلة والآداب/ باب من لعنه النبيُّ -ﷺ- أو سَبَّهُ، وينظر: المعجم الكبير ١٩/ ١٨٩، الدر المنثور ٤/ ٣٤٢.
(٢) الأعراف ٨٩.
(٣) قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز أبو الخطاب السدوسي البصري، تابعي مفسر حافظ ضريرٌ، صاحبُ أنس بن مالك، كان أحفظ أهل البصرة رأسًا في العربية واللغة وأيام العرب والنسب، كان يرى القدر، وقد يدلس في الحديث، توفِّي بواسطٍ سنة (١١٨ هـ). [سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٩ - ٢٨٣، الأعلام ٥/ ١٨٩].
(٤) قاله ابن خالويه في إعراب القراءات السبع ٢/ ٦٩، وينظر: الكشف والبيان ٦/ ٣١٤.
(٥) ينظر في هذه القراءات: السبعة ص ٤٣١، ٤٣٢، مختصر ابن خالويه ص ٩٥، ٩٦، المحتسب ٢/ ٦٩، تفسير القرطبي ١١/ ٣٥١، البحر المحيط ٦/ ٣١٩، الإتحاف ٢/ ٢٦٨.
(٦) قال النحاس: "وهذا عند النحويين لحن، لا يجوز عندهم: رَجُلُ أَقْبِلْ، حتى تقول: يا رَجُلُ"، إعراب القرآن ٣/ ٨٤، ووجه ضعفه أن فيه حذف حرف النداء من المنادى المفرد، =
[ ١ / ٢١٩ ]
أَحْكَمُ﴾ بإثبات الياء على وجه الخبر بأنّ اللَّه سبحانه أحكمُ بالحقِّ من كلِّ حاكم، وهذه قراءةٌ غير مَرْضيّة لمخالفة المصحَف والقُرّاء، وقرأ الباقون: ﴿رَبِّ احْكُمْ﴾ على وجهِ الدعاء.
من قرأ: ﴿رَبِّ احْكُمْ﴾ جَزَمَهُ على الأمر، ومن قَرأَ: ﴿رَبِّي احْكُمْ﴾ فمحل ﴿رَبِّي﴾ رفعٌ بالابتداء، و﴿احْكُمُ﴾: خبرُه، و﴿رَّبُنا﴾: ابتداءٌ و﴿الرَّحْمَنُ﴾: خبره و﴿الْمُسْتَعَانُ﴾: خبرٌ ثانٍ، وقيل: نعتُه ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ من الكذب والباطل، واللَّه أعلم، وباللَّه التوفيق.
* * *
_________________
(١) = وينظر: المحتسب ٢/ ٦٩، ٧٠، البحر المحيط ٦/ ٣١٩. ويمكن أن يقال: هذا ليس من نداء المفرد كما زعم الجبلي، بل هو من نداء المضاف إلى ياء المتكلم، واكتفي من الإضافة بِنِيَّتِها، وضُمَّ كما تُضَمُّ المفرداتُ، وهذه لغة حكاها سيبويه، ينظر: الكتاب ٢/ ٢٠٩.
[ ١ / ٢٢٠ ]