عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ قال: سمعت رسولَ اللَّه -ﷺ- يقول: "ثلاثةٌ على كُثْبانٍ من مِسكٍ لا يَحزُنُهم الفَزَعُ الأكبر، ولا يكترثونَ للحساب: رجلٌ قَرأَ القرآنَ محتسِبًا ثم أَمَّ به قومًا محتسِبًا، ورجلٌ أَذَّنَ محتسِبًا، ومملوكٌ أَدَّى حَقَّ اللَّه -﷿- وحقَّ مواليه" (^٢).
قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قَرأَ أبو جعفرٍ (^٣): ﴿تُطْوَي﴾ بالتاء مضمومةً: على الفعل المَجهول، وقرأ الباقونَ بالنون والنصب، وقَرأَ أهلُ الكوفة إلّا أبا بكر: ﴿لِلْكُتُبِ﴾: على الجَمْع، وقرأ الباقون: "لِلْكِتابِ" (^٤): على الواحد.
_________________
(١) حكاه الأزهري عن الليث في التهذيب ٣/ ٤٠٨، وينظر: الوسيط ٣/ ٢٥٣.
(٢) حديث ضعيف، رواه العقيلي في الضعفاء الكبير ٢/ ١١٨، وينظر: مجمع البيان ٧/ ١١٦، تفسير القرطبي ١١/ ٣٤٦.
(٣) وهي أيضًا قراءة شيبة بن نِصاح والأعرج والزهري، ينظر: مختصر ابن خالويه ص ٩٥، تفسير القرطبي ١١/ ٣٤٦، البحر المحيط ٦/ ٣١٧، الإتحاف ٢/ ٢٦٨.
(٤) قرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه، ويعقوبُ وأبو جعفر: ﴿للكتاب﴾ بالإفراد، ينظر: التيسير ص ١٥٥، تفسير القرطبي ١١/ ٣٤٧، ٣٤٨، البحر المحيط ٦/ ٣١٧، الإتحاف ٢/ ٢٦٨.
[ ١ / ٢١٣ ]
والسِّجِلُّ: مَلَكٌ يَكتُب أعمالَ العباد، فإذا صَعِدَ بالاستغفار قال اللَّه -﷿-: "اكتُبْها نُورًا" (^١)، وقيل (^٢): السِّجِلُّ: هو الصحيفة، واللام في قوله: "لِلْكِتابِ" بمعنى "عَلَى"، تأويلها: كَطَيِّ الصحيفةِ على مكتوبها.
والمراد بالكتابِ والكتُب على القراءتَيْن: الصحائف، كما تقول: كطَيِّ زيدٍ الكُتُبَ، ويجوزُ أن تكون اللام زائدةً كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (^٣) أي: رَدِفَكُمْ.
وقيل (^٤): السِّجلُّ: كاتبٌ كان يَكتُب للنبيِّ -ﷺ-. وهو مشتقٌّ من السِّجالِ وهي المكاتبة، وأصلها من السَّجْلِ وهو الدَّلْوُ، تقول: ساجلتُ الرجلَ: إذا نَزَعْتَ دلوًا ونَزَعَ دلوًا، ثم استُعيرت فسُمِّيت المكاتَبةُ والمراجعةُ مساجلةً (^٥)، قال الشاعر:
١٠ - مَنْ يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا يَمْلأُ الدَّلْوَ إِلَى عَقْدِ الكَرَبْ (^٦)
_________________
(١) قاله ابن عمر، ينظر: جامع البيان ١٧/ ١٣١، الكشف والبيان ٦/ ٣١١، الوسيط ٣/ ٢٥٣، تفسير القرطبي ١١/ ٣٤٧.
(٢) قاله ابن عباس ومجاهد والطبري، ينظر: جامع البيان ١٧/ ١٣٢، ١٣٣، الكشف والبيان ٦/ ٣١١، تفسير القرطبي ١١/ ٣٤٧.
(٣) النمل ٧٢، وهذا ما قاله الفارسي في الحجة ٣/ ١٦٣، وينظر: الوسيط للواحدي ٣/ ٢٥٣، التبيان للعكبري ص ٩٢٩.
(٤) قاله ابن عباس، ينظر: جامع البيان ١٧/ ١٣١، ١٣٢، معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤٠٦، الكشف والبيان ٦/ ٣١١، غريب القرآن للسجستاني ص ١٠٦، تفسير القرطبي ١١/ ٣٤٧، عين المعاني ورقة ٨٤/ ب.
(٥) من أول قوله: "وهي المكاتبة" قاله الثعلبي في الكشف والبيان ٦/ ٣١١، وينظر: تفسير القرطبي ١١/ ٣٤٧.
(٦) البيت من الرمل لِلَّهَبِيِّ، واسمه الفضل بن العباس بن عتبة بن أَبِي لَهَبٍ. اللغة: ساجَلَ الرَّجُلَ: باراهُ، والمساجلة: المفاخرة، الكَرَبُ: الحَبْلُ الذي يُشَدُّ على الدلو بعد المَنِينِ وهو الحبل الأول، فإذا انقطع المَنِينُ بقي الكَرَبُ. =
[ ١ / ٢١٤ ]
والطيُّ في هذه الآية يحتمل معنيَيْن، أحدُهما: الدَّرْجُ الذي هو ضدُّ النشر، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (^١)، والثاني: الإخفاء والتعمية والمَحْو والطَّمس؛ لأنّ اللَّه تعالى يمحو رسومَها، ويُكدِّر نجومها، قال اللَّه تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ (^٢)، وتقول العرب: اطْوِ عن فلان هذا الحديثَ؛ أي: اسْتُرْهُ وأَخْفِهِ.
ثم ابتَدأَ واستأنف الكلامَ، فقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ يريد: كما بدَأْناهم في بطون أُمّهاتِهم حُفاةً عُراةً غُرْلًا، كذلك نُعيدهم يومَ القيامة، نظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (^٤)، وهذا قول أكثر العلماء (^٥).
وقيل: معناه: كما بدَأْناه من الماء نُعيدُه من التراب، وقال الزَّجّاج (^٦):
_________________
(١) = التخريج: مجاز القرآن ٢/ ٢٢٩، جمهرة اللغة ص ٤٧٥، معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٧١، تهذيب اللغة ١٠/ ٥٨٦، الكشف والبيان ٥/ ١٨٤، ٦/ ٣١٢، التذكرة الحمدونية ٣/ ٤٤٣، مجمع الأمثال ٢/ ٤٢٢، شمس العلوم ٥/ ٢٩٨٩، ٩/ ٥٧٩٩، عين المعاني ورقة ٨٤/ ب، تفسير القرطبي ٩/ ٨٢، ٣٤٧، اللسان: سجل، شرح شواهد الشافية ص ٦٥، التاج: كرب، خضر، سجل.
(٢) الزمر ٦٧.
(٣) التكوير ١، ٢، وهذان المعنيان ذكرهما الثعلبي في الكشف والبيان ٦/ ٣١٢، والقرطبي في تفسيره ١١/ ٣٤٧، ٣٤٨.
(٤) الأنعام ٩٤.
(٥) الكهف ٤٨.
(٦) ينظر: تفسير مجاهد ١/ ٤١٧، جامع البيان ١٧/ ١٣٣، ١٣٤، تفسير القرطبي ١١/ ٣٤٨.
(٧) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤٠٦.
[ ١ / ٢١٥ ]
المعنى: نبعَثُ الخلقَ كما بدأناه؛ أي: قُدرتُنا على الإعادة كقدرتنا على الابتداء، والخلق هاهنا: مصدرٌ، لا بمعنى المخلوق.
قوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ نصبٌ على المصدر؛ أي: وَعَدناكم ذلك وعدًا علينا (^١) ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ الإعادةَ والبعثَ.