عن أَبِي سعيد الخُدْرِيِّ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يقول اللَّه -﷿- يومَ القيامة: يا آدَمُ، قُمْ فابعَثْ بَعْثَ النارِ، فيقول: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والخَيْرُ في يَدَيْكَ، وما بَعْثُ النارِ؟ فيقول: مِنْ كلِّ ألفٍ تسعُمائةٍ وتسعةٌ وتسعون"، قال: "فحينئذٍ يَشِيبُ الولدُ، وتضَعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وَتَرَى النّاسَ سُكارَى وَما هُمْ بسُكارَى، وَلَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شدِيدٌ"، فقالوا: وأيُّنا ذلك الواحدُ؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "تسعُمائةٍ وتسعةٌ وتسعونَ من يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، ومنكم واحدٌ"،
_________________
(١) أبو عمرو بن العلاء بن عمار التميمي المازني البصري المقرئ، وقيل: اسمه زَبّانُ، وقيل: اسمه كنيته، أحد القراء السبعة، كان أعلم الناس بالقرآن والعربية وأيام العرب، توفِّي سنة (١٥٤ هـ). [إنباه الرواة ٤/ ١٣١: ١٣٩، غاية النهاية ١/ ٢٨٨: ٢٩٢، بغية الوعاة ٢/ ٢٣١، ٢٣٢، الأعلام ٣/ ٤١].
(٢) قرأ بالإمالة أيضًا: ابن ذكوان من طريق الصوري، وقرأ الأزرق وورش بين الإمالة والفتح، ينظر: السبعة ص ٤٣٤، النشر ٢/ ٣٢٦، الإتحاف ٢/ ٢٧٠، ٢٧١.
(٣) هو عثمان بن سعيد بن عدي أبو سعيد المصري، راوية نافع، لقب بوَرْشٍ لشدة بياضه، أصله من القيروان، ولد بمصر، وتوفي بها سنة (١٩٧ هـ)، كان ماهرًا بالعربية ثقة في الحروف، انتهت إليه رياسة الأقراء. [غاية النهاية ١/ ٥٠٢، ٥٠٣، سير أعلام النبلاء ٩/ ٢٩٥، ٢٩٦، الأعلام ٤/ ٢٠٥].
[ ١ / ٢٢٤ ]
فقال الناس: اللَّهُ أكبر، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "واللَّه، إنّي لأَرْجُو أن تكونوا رُبعَ أهلِ الجنة، واللَّه إنّي لَأرجو أن تكونوا ثلثَ أهلِ الجنة، واللَّه إنّي لَأرجو أن تكونوا نصفَ أهلِ الجنة"، قال: فَكَبَّرَ الناسُ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما أنتم يومَئذٍ في الناس إلّا كالشعرةِ البيضاءِ في الثَّور الأسود، أو كالشَّعرة السَّوداء في الثّور الأبيض". رواه البخاري عن عُمَرَ بن حَفْصٍ (^١) عن أبيه، ورواه مسلمٌ عن أبي بكر بن أَبِي شَيْبةَ (^٢) عن وَكِيعٍ (^٣)، كلاهما عن الأعمش (^٤).
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ محلُّ "أَنَّ" رفعٌ: اسمُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^٥)، والمعنى: قَضَى اللَّهُ أنه من أطاع إبليسَ ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ ولم يرشدْه
_________________
(١) عمر بن حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي، أبو حفص الكوفي، شيخ البخاري ومسلم ثقة صدوق، وتوفِّي سنة (٢٢٢ هـ). [سير أعلام النبلاء ١٥/ ٦٣٩، تهذيب التهذيب ٧/ ٣٨١].
(٢) عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، أبو بكر الكوفي، ثقة حافظ، روى عن عبد اللَّه بن المبارك وشعبة ابن عياش، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه، توفِّي سنة (٢٣٤ هـ)، من كتبه: المسند، المصنف في الأحاديث والآثار. [تهذيب التهذيب ٦/ ٣، ٤، طبقات الحفاظ ص ١٨٩، الأعلام ٤/ ١١٧، ١١٨].
(٣) وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان، حافظ ثبت فقيه، كان محدث العراق في عصره، أراد الرشيد أن يوليه القضاء فامتنع ورعًا، توفي سنة (١٩٧ هـ). من كتبه: تفسير القرآن، السنن، الزهد. [تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٦٢: ٤٨٤، الأعلام ٨/ ١١٧].
(٤) هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه ٤/ ١٠٩ كتاب أحاديث الأنبياء/ باب قصة يأجوج ومأجوج، ٥/ ٢٤١ كتاب تفسير القرآن/ سورة الحج، ٧/ ١٩٦ كتاب الرقاق/ باب قوله ﷿: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، ورواه مسلم في صحيحه ١/ ١٣٩ كتاب الإيمان/ باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة.
(٥) يعني أنه نائب عن الفاعل للفعل "كُتِبَ"، ينظر: إعراب القرآن ٣/ ٨٦، البيان للأنباري ٢/ ١٦٨.
[ ١ / ٢٢٥ ]
﴿وَيَهْدِيهِ﴾؛ أي: يصيِّرُه ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ ومعنى قوله: ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾؛ أي: فشأنه أنه يضلَّه، على جعل "مَنْ" للشرط، أو على جعله موصولًا، أو على أن الثانيَ تأكيدٌ (^١)، أو على معنى: فشأنه أنه يضلَّه (^٢)، والفاء كقولهم: زيدٌ فاعلَمْ في الدار، هكذا ذكره صاحبُ إنسانِ العَيْن (^٣).
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾؛ أي: في شكٍّ ﴿مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني: أباكم آدمَ الذي هو أصلُ النَّسل ووالد البشر ﴿ثُمَّ﴾ ذرِّيتَه ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ المَنِيُّ، وأصلها: الماءُ القليل، وجَمْعها: نِطافٌ ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ وهي الدَّم الغليظُ الجامد، وجمعها: عَلَق. ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ وهي: لَحْمةٌ قليلة قَدْرَ ما يُمْضَغُ ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ قَدْ بَدا فِيها الخَلْقُ (^٤) ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ لم تُصَوَّرْ بَعْدُ (^٥)، يعني: تامةً وغيرَ تامّة وأراد السِّقْطَ، ومخلَّقةٌ ومخلوقةٌ سواء، غير أن "مُخَلَّقة" فيها علامة التكثير، كما تقول: ضَرَب وضَرَّب: إذا كَثُرَ الفعلُ.
_________________
(١) هذه الأوجه الثلاثة في "مَنْ" قالها الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤١١، وقال النحاس: "مذهب سيبويه أن "أَنَّ" الثانية مكررة للتوكيد، وأن المعنى: كتب عليه أنه من تولاه يضله". إعراب القرآن ٣/ ٨٦، وينظر ردُّ الفارسي على الزجاج في إعرابه لهذه الآية في الأغفال ٢/ ٤٢٠ - ٤٢٥، وينظر: مشكل إعراب القرآن ٢/ ٩١، البحر المحيط ٦/ ٣٢٦.
(٢) في الأصل: "فلأنه يضله خبره".
(٣) كتاب إنسان العين لمحمد بن طيفور الغزنوي السَّجاوَنْدِيُّ، وهو اختصار لكتابه "عين المعاني في تفسير السبع المثاني"، وكتاب إنسان العين لم أعثر عليه فيما رجعت إليه من فهارس المخطوطات، ولذلك سأُخَرِّجُ أقوالَ السجاونديِّ من كتابه الأصلي "عين المعانِي"، قال السجاوندي: "وموضع ﴿أَنَّهُ﴾ مرفوع، و﴿فَأَنَّهُ﴾ تأكيد له، فالفاء على مذهب الجزاء، تقديره: كتب عليه إظهار متوليه وهدايته". عين المعاني ورقة ٨٥/ أ.
(٤) قاله ثعلب، ينظر: ياقوتة الصراط ص ٣٦٧، وينظر: تفسير غريب القرآن للسجستاني ص ١٥٧.
(٥) قاله ابن الأعرابي. ينظر: ياقوتة الصراط ص ٣٦٨، التهذيب ٧/ ٢٨، اللسان: خلق.
[ ١ / ٢٢٦ ]