رَوَى عامرٌ عن علقمةَ (^١) عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: إنّ النُّطفةَ إذا استقرَّت في الرَّحِم أخَذَها مَلَكٌ بكفِّه، فقال: أيْ ربِّ: مُخَلَّقةٌ أو غيرُ مُخَلَّقةٍ؟ فإن قيل: غيرُ مخَلَّقة قَذَفَتْها الأرحامُ دَمًا ولم تكن نسمةً، وإن قيل: مُخَلَّقةٌ، قال: رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ ما الأَجَلُ؟ وما الأَثَرُ؟ وبِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ؟، فيقال: اذهَبْ إلى أُمِّ الكتابِ فإنك تجدُ فيها صفةَ هذه النطفةِ، فيَذْهَبُ فيجدُها في أُمِّ الكتاب، فتُخْلَقُ فتعيشُ في أَجَلِها، وتأكلُ رزقَها، وتَطَأُ أَثَرَها، حتى إذا جاء أجلها ماتت فدُفِنَتْ في المكان الذي كُتِبَ لها، ثم تلا عامر:
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ [إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ] فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ﴾ (^٢).
وقوله: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ يعني: كمالَ قُدرتنا وحِكمتنا في تصريفِنا أطوارَ الخلق ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ رَوَى المفضَّلُ (^٣) عن عاصم انه قَرأَ (^٤):
_________________
(١) هو علقمة بن قيس بن عبد اللَّه بن مالك النخعي الهمداني، أبو شبل، تابعي كان يشبه ابن مسعود في هديه وسَمْتِهِ وفضله، كان فقيه العراق، ولد في حياة النبي -ﷺ-، وروى عن الصحابة، شهد صفين، وغزا خراسان، وأقام بالكوفة، وتوفِّي بها سنة (٦٢ هـ). [سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٣: ٦١، الأعلام ٤/ ٢٤٨].
(٢) رواه الطبري في جامع البيان ١٧/ ١٥٤، وينظر: الكشف والبيان ٧/ ٨، الوسيط ٣/ ٢٥٩، تفسير القرطبي ٦/ ٣٨٧، ٣٨٨، فتح الباري ١/ ٣٥٥، ٤٢١، الدر المنثور ٤/ ٣٤٥.
(٣) المفضل بن محمد بن يعلى الضبي، أبو العباس، راوية عالِمٌ بالشعر والأدب، مقرئ ثقة، في أهل الكوفة، وهو صاحب عاصم وراويته، كان يكتب المصاحف ويقفها في المساجد، توفِّي سنة (١٦٨ هـ)، من كتبه: المفضليات، الأمثال، معاني الشعر. [إنباه الرواة ٣/ ٢٩٨ - ٣٠٥، بغية الوعاة ٢/ ٢٩٧، الأعلام ٧/ ٢٨٠].
(٤) وهي قراءة يعقوب أيضًا، ينظر: تفسير القرطبي ١٢/ ١١، البحر المحيط ٦/ ٣٢٧، قال =
[ ١ / ٢٢٧ ]
﴿وَنُقِرَّ﴾ بفتح الراء على النَّسَق، وقَرأَ غيره بالرَّفع على معنى: ونحن نقرُّ في الأرحام ما نشاء، فلا نَمَجُّهُ ولا نُسقطُه. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني: وقت خروجها من الرَّحِم تامةَ الخلق والمدة ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ﴾ من بطون أُمّهاتكم ﴿طِفْلًا﴾ يعني: صغارًا، ولم يقل: أطفالًا؛ لأن العربَ تسمي الجمعَ باسم الواحد (^١)، قال الشاعر:
١١ - إِنَّ العَواذِلَ لَيْسَ لِي بِأَمِيرِ (^٢)
ولم يقل: بأُمَراءَ، وقيل (^٣): هو مُشَبَّهٌ باسم المصدر، مثل: عَدْلٍ وَزَوْرِ، وقيل (^٤): هو مشبَّه بالخَصْمِ والضَّيْفِ، قال الزَّجّاجُ (^٥): ﴿طِفْلًا﴾ بمعنى: أطفال، ودَلَّ عليه ذِكْرُ الجماعة. وهو منصوبٌ على الحال.
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ يعني: مَيْتةً يابسةً لا نبات فيها،
_________________
(١) = العكبري: "الجمهور على الضم على الاستئناف، إذ ليس المعنى: خلقناكم لنقرَّ، وقرئ بالنصب على أن يكون معطوفًا في اللفظ والمعنى مختلف؛ لأن اللام في ﴿لِنُبَيِّنَ﴾ للتعليل، واللام المقدرة مع ﴿نُقِرُّ﴾ للصيرورة"، التبيان ص ٩٣٣.
(٢) قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٤٤، وينظر: تهذيب اللغة ١٣/ ٣٤٨، الكشف والبيان ٧/ ٨.
(٣) هذا عجز بيت من الكامل، لم أقف على قائله، وسيأتي كاملًا ص ١/ ٤٠٠، وصدره: * يا عاذِلَاتِي لَا تُرِدْنَ مَلَامَتِي * والشاهد فيه قوله: "بأمير" فإنه أراد: "ليس لِي بأُمَراءَ"، فاستغنى بالمفرد عن الجمع. التخريج: مجاز القرآن ٢/ ٤٥، ٢٦١، معاني القرآن للأخفش ص ٤٢٣، الخصائص ٣/ ١٧٤، عين المعاني ٨٥/ أ، ٩٣/ ب، تفسير القرطبي ١٢/ ١١، ١٣/ ٨٣، مغني اللبيب ص ٢٧٩، شرح شواهد المغني ص ٥٦١.
(٤) قاله المبرد والطبري، ينظر: جامع البيان ١٧/ ١٥٦، البحر المحيط ٦/ ٣٢٧، ٣٢٨، الدر المصون ٥/ ١٢٦.
(٥) يعني: أنه اسم جنس، ينظر: البحر المحيط ٦/ ٣٢٨، الدر المصون ٥/ ١٢٦.
(٦) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤١٢.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وقيل: متغيِّرة. وأصل الهَمْدِ: الدُّرُوسُ، والهامد: الساكن الدارس، ونصب ﴿هَامِدَةً﴾ على الحال؛ لأنها من رؤية العين. وقوله: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾؛ أي: تحركت بالنبات ﴿وَرَبَتْ﴾؛ أي: ارتفعت وزادت، وقال المبرّد (^١): أراد: اهتزَّ ورَبا نباتُها، فحذف المضافَ، والاهتزازُ في النبات أظهَر، يقال: اهتزَّ النبات: إذا طال ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ يعني: من كلِّ صنفٍ حَسَن، والبهجة: حُسْنُ الشيءِ ونضارته، والبهيج: الحَسَنُ، وقد بَهُجَ بَهْجةً، ومنه قوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ (^٢)؛ أي: ذاتَ منظرٍ حسن.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾؛ أي: في دين اللَّه ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى﴾ ليس معه من ربِّه رشادٌ ولا بيان ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾. نزلت هذه الآيةُ في النَّضر بن الحارث، كان كثيرَ الجدل، وهذا قول أكثر المفسِّرين، وقيل: نزلت في الوليد بن المُغيرة وعُتبةَ بن ربيعةَ، وهو قول ابن عبّاس ﵁، والمعنى: أنه يجادلُ في قدرة اللَّه.
قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ (٩)﴾ يعني: النَّضرَ بن الحارث، يعني: مستكبِرًا نَفْسَهُ، تقول العرب: جاء فلانٌ ثانِيَ عِطْفِهِ؛ أي: متبخترًا لتَكَبُّرِهِ وعِزِّهِ (^٣). والعِطْفُ: الجانب، وجَمْعه: أعطافٌ. ويقال (^٤): ثنى عِطْفَهُ، ونَأَى بجانبه: إذا تَكَبَّرَ. وقيل: شامِخًا بأنفه، وقيل: لاويًا عنُقَه، وقيل: مُعْرِضًا عما يُدْعَى إليه من الكِبْرِ، وقيل: هو أن يُعرِض عن الحق، نظيرُها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا. . .﴾ الآية (^٥)، وقولُه - تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ
_________________
(١) ينظر قول المبرد في الوسيط للواحدي ٣/ ٢٦٠.
(٢) النمل ٦٠.
(٣) قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٤٥.
(٤) قاله أبو عمر الزاهد في ياقوتة الصراط ص ٣٦٨.
(٥) لقمان ٧.
[ ١ / ٢٢٩ ]
رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ (^١)، قال الزَّجّاج (^٢): وهذا يوصَفُ به المتكبرُ، والمعنى: ومنَ الناس من يجادلُ في اللَّه متكبرًا. وهو منصوبٌ على الحال.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الآيةَ، يعني: على شكٍّ، وأصلُه: من حرفِ الشيء، وهو طَرَفُه، نحوَ حَرْفِ الجبل والحائط الذي القائمُ عليه غيرُ مستقرٍّ، فالذي يَعبُد اللَّه على حرفٍ كالذي هو على حرفِ جبل أو نحوه يضطربُ اضطرابًا، ويَضْعُفُ قيامُهُ خوفًا من السقوط (^٣).
وقوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾؛ أي: إن أصابه رخاءٌ وعافيةٌ وخِصْبٌ وكثرةُ مالٍ ﴿اطْمَأَنَّ﴾ على عبادة اللَّه بذلك الخير، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾؛ أي: اختبارٌ بِجَدْبٍ وقلةِ مالٍ ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾؛ أي: رَجَع عن دينه إلى الكفر وعبادة الأوثان، وقولُه: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ يعني: هذا الشاكُّ خسرَ دنياه، حيث لم يظفَرْ بما طلب من المال، وخسر آخِرته بارتداده عن الدين، ﴿ذَلِكَ﴾ يعني: الذي فَعَل ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ يعني: الضَّرَر الظاهر.
قوله: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: هذا المرتدُّ ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ إن لم يعبُدْه ﴿وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ إن أطاعَه، ﴿ذَلِكَ﴾ الذي فَعَل ﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾ يريد: عن الحقِّ والرُّشد.
قولُه: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ قيل (^٤): اللام: صِلةٌ، مجازُها:
_________________
(١) المنافقون ٥، وينظر في هذه الأقوال التي ذكرها المؤلف: جامع البيان ١٧/ ١٥٩، ١٦٠، الكشف والبيان ٧/ ٩، عين المعاني ورقة ٨٥/ أ، البحر المحيط ٦/ ٣٢٩.
(٢) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤١٤.
(٣) قاله الواحدي في الوسيط ٣/ ٢٦١.
(٤) قاله الفراء في المعانِي ٢/ ٢١٧، وينظر: الكشف والبيان ٧/ ١٠، البحر المحيط ٦/ ٣٣٢، مغني اللبيب ص ٣٠٨.
[ ١ / ٢٣٠ ]
"يدعو من ضُرُّه أقربُ من نفعه"، وهكذا قَرأَها ابنُ مسعود (^١)، وقال طاهرُ بن أحمد (^٢): من قال: اللام هاهنا زائدةٌ ففاسدٌ؛ لأنّها لا تقَعُ أولًا في أقوى مراتبها وتكون زائدةً، وإنّما زيدت وسطًا في قول بعضهم:
١٢ - أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ
تَرْضَى مِنَ الَّلحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ (^٣). . . (^٤)
_________________
(١) ينظر: مختصر ابن خالويه ص ٩٦، تفسير القرطبي ١٢/ ٢٠، البحر المحيط ٦/ ٣٣٢.
(٢) طاهر بن أحمد بن بابشاذ، أبو الحسن المصري الجوهري، إمام عصره في النحو، كان تاجرًا في الجوهر، تعلم بالعراق وتولى إصلاح ما يصدر عن ديوان الإنشاء بمصر، ثم لزم بيته حتى توفِّي سنة (٤٦٩ هـ)، من كتبه: شرح جمل الزجاجي، شرح الأصول. [إنباه الرواة ٢/ ٩٧ - ٩٥، بغية الوعاة ٢/ ١٧، الأعلام ٣/ ٢٢٠].
(٣) البيتان من الرجز المشطور لرؤبة بن العجاج، ونُسِبا لعنترة بن عروس، وليزيد بن ضبة. اللغة: الحليس: تصغير حِلْسٍ، وهو كساء رقيق يوضع تحت البرذعة، وهذه الكنية في الأصل للأتان، الشهربة والشهبرة: العجوز الكبيرة. والشاهد فيه قوله: "أم الحليس لعجوز"، حيث دخلت لام الابتداء على الخبر المؤخر، وخرج على أن اللام زائدة، أو أن "عجوز" خبر ابتداء محذوف وهذه اللام كانت داخلة عليه، والتقدير: لَهِيَ عَجُوزٌ. التخريج: ملحقات ديوان رؤبة ص ١٧٠، مجاز القرآن ١/ ٢٢٣، ٢/ ٢٢، ١١٧، معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٦٣، إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٦، مشكل إعراب القرآن ٢/ ٤٦٦، البيان للأنباري ٢/ ١٤٥، شرح المفصل ٣/ ١٣٠، ٧/ ٥٧، ٨/ ٢٣، شرح الكافية للرضي ٤/ ٣٧٤، ٣٨٢، رصف المباني ص ٣٣٦، الجنى الداني ص ١٢٨، اللسان: شهرب، ارتشاف الضرب ص ١٢٦٩، ٢٣٩٧، ٢٣٩٨، مغني اللبيب ص ٣٠٤، ٣٠٧، المقاصد النحوية ١/ ٥٣٥، ٢/ ٢٥١، خزانة الأدب ١٠/ ٣٢٢ - ٣٢٦.
(٤) انتهى كلام طاهر بن أحمد، وقد ذكره في معرض حديثه عن إجراء القول مجرى الظن، وأن "يَدْعُو" في الآية بمعنى "يَقُولُ"، فقال: "وقد أُجْرِيَتْ أفعالٌ مُجْرَى القول، من ذلك قراءة بعضهم: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾؛ لأن الدعاء قول في المعنى، ومن ذلك قوله سبحانه في أحد الوجوه: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾؛ أي: يقول، فأما قوله من قال: إن اللام زائدة في قوله: ﴿لَمَنْ﴾ ففاسد؛ لأنها لا تقع. . . إلخ"، شرح جمل الزجاجي لطاهر بن أحمد ١/ ١٣٦.
[ ١ / ٢٣١ ]
وقال بعضهم (^١): هذا على التأكيد، معناه: يدعو لَمن ضُرُّه أقربُ من نفعِه يدعو، ثم حذف "يَدْعُو" الأخيرةُ اكتفاءً بالأولى، ولو قلت: يَضْرِبُ لَمَنْ خَيْرُهُ أَكْثَرُ مِنْ شَرِّهِ يَضْرِبُ، ثم حذفتَ الأخيرةَ: جاز، وحُكِيَ عن العرب سماعًا: أَعْطَيْتُكَ لَما غَيْرُهُ خَيْرٌ منه (^٢).
وقيل (^٣): "يَدْعُو" تَكرارٌ للأول، و﴿لَمَنْ﴾ لام الابتداء، و"بِئْسَ": خبرُه، واللام فيه جوابُ قسم محذوفٍ تقديره: يدعو لَلَّذِي ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ، واللَّهِ لَبِئْسَ المَوْلَى وَلَبِئْسَ العَشِيرُ، و"مَنْ": منصوبُ المحلِّ في الأقاويل كلها.
وقيل (^٤): "ذلك": منصوبٌ بـ ﴿يَدْعُو﴾ بمعنى "الَّذِي"، ﴿وَلَبِئْسَ
_________________
(١) قاله أبو حاتم، ينظر: عين المعاني ورقة ٨٥/ أ.
(٢) قوله: "وحُكِيَ عن العرب سماعًا. . . إلخ" حكايةٌ حكاها الفراء مستشهدًا بها على رأيه هو والكسائيِّ، وخلاصته أن هذه اللام مقدمة عن موضعها وأن المعنى: مَنْ لَضَرُّهُ، قال الفراء: "وَذُكِرَ عن العرب أنهم قالوا: عندي لَما غَيْرُهُ خَيْرٌ منه، فحالوا باللام دون الرافع، وموقع اللام كان ينبغي أن يكون في ﴿ضَرُّهُ﴾ "، معاني القرآن ٢/ ٢١٧. وينظر رد النحاس والفارسي على الفراء ومَنْ تابَعَهُ في إعراب القرآن ٣/ ٨٩، الإغفال ٢/ ٤٣١ - ٤٣٧، شرح الجمل لطاهر بن أحمد ٢/ ١٣٧، أمالي ابن الحاجب ١/ ١٢٠.
(٣) قاله ابن جني، وهو بنصه تقريبًا في سر صناعة الإعراب ص ٤٠١، ٤٠٢، وحكاه السجاوندي عن الفارسي في عين المعاني ٨٥/ أ، ومعناه أنه توكيد لفظي، وقد رَدَّهُ ابنُ الحاجب بقوله: "وليس بشيء، فإن التأكيد اللفظي لا يُفصل بينه وبين مُؤَكَّدِهِ بالجُمَلِ". أمالي ابن الحاجب ١/ ١١٩.
(٤) هذا قول الزجاج وأبي علي الفارسي، وهو موافق لمذهب الكوفيين في أن أسماء الإشارة يجوز أن تكون موصولة، قال الزجاج: "ذلك: في موضع نصب بوقوع ﴿يَدْعُو﴾ عليه، ويكون في تأويل "الذي"، ويكون المعنى: الذي هو الضلال البعيد يدعو، ويكون ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ مستأنفًا، وهذا مثل قوله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ على معنى: وما التي بيمينك يا موسى؟، ومثله قول الشاعر: عَدَسْ، ما لِعَبّادٍ عَلَيْكِ إِمارةٌ أَمِنْتِ وَهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ". معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤١٦، ٤١٧، وأما قول الفارسي فقد حكاه ابن جني في سر =
[ ١ / ٢٣٢ ]
الْعَشِيرُ (١٣)﴾؛ أي: الصاحب والمُخالِط، يعني: الصَّنم يخالطُ العابدَ له ولصاحبُه.
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: أن لن ينصرَ اللَّهُ محمدًا -ﷺ- حتى يُظهرَه على الدِّين كلِّه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾؛ أي: فَلْيَشْدُدْ حَبْلًا في سقفه ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾؛ أي: لِيَمُدَّ الحَبْلَ حتى ينقطع فيموتَ مختنقًا، والمعنى: فلْيختنِقْ غيظًا حتى يموتَ، فإنّ اللَّه مُظْهِرُهُ ولا يَنْفَعُهُ غيظُهُ، وذلك قوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)﴾.
قرأ أبو عَمْرٍو وابنُ عامر ووَرْش: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾، ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ بكسرِ اللام فيهما، وتابَعَهُمْ قُنْبُلٌ (^١) على كسر اللام في ﴿لْيَقْضُوا﴾ فقط، وقَرأَ الباقون بالإسكان فيهما (^٢)، وقوله: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ يعني: صَنِيعُهُ وحِيلَتُهُ ﴿مَا يَغِيظُ﴾، قيل (^٣): "ما": بمعنى "الَّذِي"، مجازه: هل يُذهِبَنَّ كيدُه الذي يَغِيظُه؟ فحذف الهاءَ
_________________
(١) = الصناعة ص ٤٠٣، وينظر: التبيان ص ٩٣٥، أمالي ابن الحاجب ١/ ٢٠، عين المعاني ٨٥/ أ، البحر المحيط ٦/ ٣٣١، الدر المصون ٥/ ١٣٠.
(٢) هو: محمد بن عبد الرحمن بن محمد أبو عمر المكي المخزومي بالولاء، كان إمامًا متقنًا انتهت إليه مشيخة الإقراء بالحجاز في عصره، ورحل الناس إليه، ووَلِيَ شرطة مكة، وكان لا يَييها إلا أهلُ العلم والفضل، وبها توفي سنة ٢٩١ هـ. [غاية النهاية ٢/ ١٦٥، ١٦٦، سير أعلام النبلاء ١٤/ ٨٤، الأعلام ٦/ ١٩٠].
(٣) قرأ: ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ و﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا﴾ بكسر اللام فيهما ابنُ كثير في رواية القواس عنه، وأبو عمرو وابن عامر، ونافعٌ في رواية وَرْشٍ وابنِ أبي أويس عنه، وهي أيضًا قراءة رُوَيْسٍ واليزيديِّ، وقرأ قنبلٌ بكسر اللام في ﴿لِيَقْضُوا﴾ فقط، ووافقه ابن محيصن ورَوْحٌ في رواية مهران عنه، وأبو جعفر في رواية ابن جماز عنه، ينظر: السبعة ص ٤٣٤، حجة القراءات ص ٤٧٣، التيسير ص ١٥٦، النشر ٢/ ٣٢٦، الإتحاف ٢/ ٢٧٢.
(٤) قاله الأخفش في معاني القرآن ص ٤١٤، وينظر: البحر المحيط ٦/ ٣٣٣، الدر المصون ٥/ ١٣١، ١٣٢.
[ ١ / ٢٣٣ ]
ليكون أخفَّ، وقيل (^١): إنها بمعنى المصدر، تقديره: هل يُذهِبَنَّ كيدُه غيظَه؟
قولُه: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ، ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾؛ أي: في دينه وأمره، والخَصْمُ: اسمٌ شبيهٌ بوصف المصدر، والمصدر لا يُثنَّى ولا يُجمَع، يقال: رَجُلٌ خَصْمٌ، ورَجُلَانِ خَصْمٌ، ورِجالٌ خَصْمٌ، وامرأةٌ خَصْمٌ، ونساءٌ خَصْمٌ، يستوي فيه الواحدُ والتثنية والجَمْع والمذكَّر والمؤنَّث؛ لأنه وَصْفٌ بالمصدر، والمصدر لا يُثَنَّى ولا يُجمَع، فأمّا قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ فمعناه: فريقان، فلذلك قال: ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، نظيرها قولُه تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ (^٢)، ومثله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (^٣)، وقرأ ابنُ كثيرٍ بتشديد النون (^٤).
واختلفوا في هذَيْنِ الخصمَيْنِ، من هما؟ فقيل: نزلت هذه الآيةُ في ستةٍ من قريش تبارَزوا يومَ بدر، وهم: عليٌّ وحمزةُ وعُبيدةُ بن الحارث وعُتبةُ وشَيْبة ابنا ربيعةَ والوليدُ بن عُتبة، وقيل (^٥): هم أهل الكتاب والمؤمنون، وقيل (^٦): هم المؤمنون والكافرون كُلُّهُم من أَيِّ مِلّةٍ كانوا، وقيل (^٧): هما الجنّة والنار اختصمتا
_________________
(١) هذا ما ذهب إليه الفراء والزجاج كما هو واضح من تأويلهما للآية، معاني القرآن للفراء ٢/ ٢١٨، معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤١٧، وينظر: جامع البيان ١٧/ ١٦٩، البحر المحيط ٦/ ٣٣٣، الدر المصون ٥/ ١٣٢.
(٢) ص ٢١.
(٣) الحجرات ٩، وينظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٢٠.
(٤) بتشديد النون مع المد الطويل، ينظر: السبعة ص ٤٣٥، النشر ٢/ ٢٤٨، الإتحاف ٢/ ٢٧٢.
(٥) قاله ابن عباس وقتادة، انظر: الكشف والبيان ٧/ ١٣، عين المعاني ورقة ٨٥/ أ.
(٦) قاله مجاهد وعطاء وعاصم بن أبي النجود والكلبي، انظر: الكشف والبيان ٧/ ١٣.
(٧) قاله عكرمة، انظر: الكشف والبيان ٧/ ١٤، زاد المسير ٥/ ٤١٧، عين المعانِي ورقة ٨٥/ أ، الدر المنثور ٤/ ٣٤٩.
[ ١ / ٢٣٤ ]
فقالت النار: خَلَقَني اللَّه تعالى لعقوبتِه، وقالت الجنّة: خَلَقَني اللَّه تعالى لرحمته.
والصَّحيح هو القولُ الأول، وأنّ الآيةَ نزلت في الستّة الذين تقدَّم ذكرُهم، رُوِيَ ذلك عن أبي ذرٍّ، أنه أقسم باللَّه لقد نَزَلت فيهم، رواه البخاري ومسلم (^١).
قولُه: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ قال الأزهَريّ (^٢): سُوِّيَتْ وجُعِلَتْ لَبُوسًا لهم (^٣) ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾ وهو الماءُ الحارّ ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾؛ أي: يذابُ بالحميم ﴿مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ من الشُّحوم ﴿وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ فتُشْوَى جُلُودُهم منه، فتَتَساقَطُ مِنْ حَرِّها، يقال: صَهَرْتُ الأَلْيةَ والشَّحْمَ بالنار: إذا أَذَبْتَهُما صَهْرًا (^٤)، وقال الشاعر:
١٣ - فَظَلَّ مُرْتَبِئًا لِلشَّمْسِ تَصْهَرُهُ حَتَّى إِذا الشَّمْسُ مالَتْ جانِبًا عَدَلا (^٥)
و"ما" في موضع رَفْع بفعلِ ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، والجلودُ: عطفٌ على "ما".
_________________
(١) صحيح البخاري ٥/ ٦، ٧ كتاب المغازي/ باب غزوة بدر، صحيح مسلم ٨/ ٢٤٥، ٢٤٦ كتاب التفسير/ سورة الحج.
(٢) هو: محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة، أبو منصور الأزهري الهروي الشافعي، ارتحل في طلب العلم، وكان رأسًا في اللغة والفقه ثبتًا دَيِّنًا ثقة، توفِّي ببلده هَراةَ سنة (٣٧٠ هـ)، من كتبه: تهذيب اللغة، علل القراءات، تفسير إصلاح المنطق. [إنباه الرواة ٤/ ١٧٧ - ١٨١ بغية الوعاة ١/ ١٩، ٢٠، الأعلام ٥/ ٣١١].
(٣) تهذيب اللغة ١/ ١٨٨.
(٤) قاله الليث والأصمعي، ينظر: تهذيب اللغة ٦/ ١٠٩، وينظر: اللسان: صهر. وأَلْيةُ الشّاةِ: ما رَكِبَ ظَهْرَها من الشحم واللحم.
(٥) البيت من البسيط، للأخطل يصف الحرباء الذي يرقب الشمس، والضمير في قوله: "فظل" للحرباء، ورواية ديوانه: "يَظَلُّ مُرْتَبِيًا. . إِذا رَأَى الشُّمْسَ مالَتْ"، وينسب لذي الرمة، وهو في ملحقات ديوانه. اللغة: رَبَأَ للقوم: كان لهم رَبِيئةً أي: عَيْنا يَرْقُبُ لهم، قال الزمخشري: ومن المجاز: ارتبأ =
[ ١ / ٢٣٥ ]