الحمدُ للَّه ربِّ العالَمين، والصّلاة والسّلام على أفصحِ من نَطَق بالضاد، وسيِّد الخَلْق أجمعين، سيِّدنا محمدٍ النبيِّ الأُميِّ الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمّا بعدُ،
فإنّ اللَّهَ -﷿- شَرَّفَ اللّغة العربيّةَ بأن جعلها لغةَ القرآن الكريم، ومن هنا كانت عنايةُ العلماء منذ العصور الإسلاميّة الأُولى بهذه اللّغة، فتناولوها بالجَمْع والدِّراسة والاستنباط، وهَمُّهُم في ذلك كلِّه خدمةُ القرآن الكريم بصةٍ خاصة، والإسلامِ بصةٍ عامة.
وكان لعلماءِ النَّحو -خاصةً- مكانةٌ متميِّزةٌ بين علماءِ اللّغة، فكانت دراساتُهم مُنصَبّةً على القرآن الكريم، كما دَفَعهم إلى ذلك خوفُهم على اللسان العربيِّ من انتشار اللَّحن بسبب اختلاط العرب بغيرهم من الأُمم الأخرى التي دخلت في الإسلام.
ومن أهمِّ الميادين التي اهتمَّ بها النُّحاةُ: ميدانُ إعرابِ القرآن، فقد كان اهتمامهم به واضحًا منذ البدايات الأولى، فألَّفوا فيه مؤلَّفاتٍ مستقلّةً، وكانت هذه الكتب تطبيقًا للقواعد النَّحويّة على القرآن الكريم، ويأتي في طليعة هذه الكتب: "معاني القرآن" للفَرّاء، و"معاني القرآن" للأخفَش، و"مجازُ القرآن" لأبي عُبَيدةَ، وما تلاها من كتبٍ سَلَكت السَّبيل نفسَها في إعراب القرآن.
[ ١ / ٥ ]
كما اهتمُّ النّحاة بشيءٍ أَدَقُّ في هذا المَجالِ، وهو إعرابُ مشكِلات القرآن، وألَّفُوا فيه كتبًا مستقِلّةً، ويأتي في مقدّمتها: مشكِلُ إعراب القرآن لِمَكِّيِّ بن أبي طالبٍ القَيْسي.
وقد كان اهتمامي بإعرابِ القرآن كبيرًا، وأحمَد اللَّهَ أنْ وفَّقني إلى تحقيق كتاب في هذا المجال، وهو:
لأبي العباس أحمَدَ بن أبي بكرٍ بن عُمرَ بن أبي الخَيْر بن أبي الهَيْثم الجِبْلِيِّ المعروف بالأحنَف أو ابنِ الأحنَف اليمَنيِّ
المتوفَّى سنةَ (٧١٧ هـ).