يُلاحَظ على الجِبْليِّ عدةُ أمورٍ في استشهاده بالشعر، ومن هذه الأمور:
١ - تَكرار بعض الشواهد: بعضُ الشواهد كرَّره الجِبْلي في موضعَيْنِ، وبعضها كرَّره في ثلاثة مواضعَ، وبعضُها كرَّره في أربعة مواضع.
- فمن الشواهد التي تكرَّرت مرتَيْنِ، واستشهَد به على الوَجْه نفسِه، قولُ الراجز:
جاؤُوا بِصَيْدٍ عَجَبٍ منَ العَجَبْ
أُزَيْرِقِ العَيْنَيْنِ طُوّالِ الذَّنَبْ
_________________
(١) الكافرون ٦.
(٢) البستان ٥/ ٩٨.
(٣) فصلت ٤٠.
[ ١ / ٦٢ ]
استشهَد به الجِبْلي على قراءة أبِي عبد الرحمن السُّلَمي وعيسى بن عُمر: ﴿عُجّابٌ﴾ (^١) بالتشديد، ثم استشهَد بالبيت الثانِي على الوجه نفسِه في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ (^٢).
- قولُ الشاعر:
إذا قَصُرَتْ أَسيافُنا كان طُولُها خُطانا إلى أَعْدائِنا فنُضارِبِ
استشهَد به الجِبْلي مرتَيْنِ على وجهٍ واحد، وهو أن الجَزْم بـ "إذا" إنّما يجوز في الشِّعر للضرورة (^٣).
- قولُ الراجز:
نَحنُ بَنُو جَعْدةَ أربابُ الفَلَجْ
نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونرجُو بِالفَرَجْ
استشهَد به الجِبْليُّ مرتَيْنِ على وجهٍ واحد، وهو زيادةُ الباء (^٤).
- قولُ ذي الرُّمّة:
بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحى وصُورتِها، أو أنتِ في العَيْنِ أَمْلَحُ
استشهَد به الجِبْلي مرتَيْنِ على مجيء "أو" بمعنى: "بل" (^٥).
_________________
(١) ص ٥، وينظر: البستان ٢/ ٣٠١.
(٢) نوح ٢٢، وينظر: البستان ٤/ ٩٠.
(٣) ينظر: البستان ٢/ ١٥١.
(٤) ينظر: البستان ٤/ ١٢.
(٥) ينظر: البستان ٢/ ٢٨٤، ٤٧٦.
[ ١ / ٦٣ ]
- قولُ ذي الرُّمّة:
حَتَّى إذا ما أَضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ ومحصُودُ
استشهَد به الجِبْلي مرتَيْن، الأولى: في قوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ (^١)، والثانية: في قوله تعالى: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (^٢)، فقد قال (^٣): "وزعم الفَرّاء (^٤) أنه يجوز: ﴿مُحَلِّقُونَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرُونَ﴾ يعني: بعضُكُم كذا وبعضُكُم كذا".
وأَنْشَدَ البيتَ السابقَ على أنّ التقدير: منه مَلْويٌّ ومنه محصودٌ.
- قولُ كُثَيِّرِ عَزّةَ:
لِمَيّةَ مُوحِشًا طَلَلُ يَلُوحُ كأَنَّهُ خِلَلُ
استشهَد به الجِبْلي مرتَيْنِ على وجهٍ واحد، وهو أنّ نعتَ النُّكرة إذا تقدَّم عليها أُغْرِبَ حالًا (^٥).
- ومما استشهَد به مرتَيْنِ، ولكنْ على وجهَيْنِ مختلفَيْن قولُ النابغة:
يا دارَ مَيّةَ بِالعَلياءِ فالسَّنَدِ أَقْوَتْ وطالَ عَليها سالِفُ الأَبَدِ
فقد استشهَد به على الالتفاتِ من الخطاب إلى الغَيْبة في قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ
_________________
(١) ص ٥٧، ينظر: البستان ٢/ ٣٢٦.
(٢) الفتح ٢٧.
(٣) البستان ٣/ ١٠٥.
(٤) معاني القرآن ٣/ ٦٨.
(٥) ينظر: البستان ٥/ ١٣٤.
[ ١ / ٦٤ ]
إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (^١)، والثانية في قوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ (^٢) على أن "المُقْوِينَ" بمعنى: المسافرين.
- وقولُ الشاعر:
أستَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لستُ مُحْصِيَهُ رَبَّ العِبادِ إليهِ الوَجْهُ والعَمَلُ
فقد استشهَد به مرتَيْنِ، الأولى: على أنّ الوجهَ في قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (^٣) معناه: العَمَلُ، والثانية: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (^٤) على أنه ممّا حُذِفَ منه حَرْفُ الجرِّ، وتعَدَّى إليه الفعلُ بنفسه.
- قولُ حَسّانَ بن ثابت:
هَجَوْتُكَ فاخْتَضَعْتَ لها بِذُلٍّ بِقافِيةٍ تَأَجَّجُ كالشُّواظِ
رواه الجِبْلي بهذه الرواية شاهدًا على أنّ الشُّواظَ هو اللَّهَبُ الذي لا دُخانَ فيه (^٥)، ثم استشهَد به مرةً أخرى بروايةٍ مختلفة قليلًا على معنى الهَمْزِ (^٦)، وهذه الرواية هي:
هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نَفْسٍ بقافِيةٍ تَأَجَّجُ كالشُّواظِ
- وأمّا ما تكرَّر ثلاثَ مرات: فهو قول علقمةَ بن عَبَدةَ:
فإنْ تَسألوني بالنِّساءِ فإنَّني بَصِيرٌ بِأَدواءِ النِّساءِ طَبيبُ
_________________
(١) الحجرات ٧، وينظر: البستان ٣/ ١١٨.
(٢) الواقعة ٧٣، وينظر: البستان ٣/ ٣١٣.
(٣) القصص ٦٨، وينظر: البستان ١/ ٥١٧.
(٤) سورة المطففين ٣، ينظر: البستان ٤/ ٣٣٥.
(٥) البستان ٣/ ٢٦٧.
(٦) البستان ٥/ ٥٨.
[ ١ / ٦٥ ]
استشهَد به الجِبْليُّ ثلاثَ مراتٍ على شاهدٍ واحد، وهو مَجِيءُ "الباء" بمعنى "عن" (^١).
- وأمّا ما تكرَّر أربعَ مرات: فهو قولُ الشاعر:
أَمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ فقَد تَرَكتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ
فقد استشهَد به الجِبْليُّ أربعَ مراتٍ على حذف الباءِ من "الخير"، وتَعَدِّي الفعلِ إليه بنفسه (^٢).
٢ - اهتمامه بإيراد الرِّوايات المختلفة للشواهد الشِّعرية: كان الجِبْلي يهتمُّ أحيانًا بذكر الرِّوايات المختلفة للشاهد الشِّعري الذي يُنشده، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أ - قال الجِبْلي (^٣): "والجزم بـ "إِذا" -وإن جاء في الشعر ضرورةً- لا يُحْمَلُ عليه القرآنُ، ورواية الجزم في الشِّعر كما قال:
إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان طُولُها خُطانا إلى أعدائِنا فنُضارِبِ
وخَطَّأَهُ المغرِبيُّ؛ لأنّ القصيدةَ مرفوعةُ القوافي، وفيها:
وقدْ عِشْتُ دَهْرًا والغُواةُ صَحابَتِي أُولَئِكَ خُلْصانِي الَّذِينَ أُصاحِبُ
وفيها:
فلِلْمالِ عِنْدِي اليَوْمَ راعٍ وكاسِبُ"
_________________
(١) ينظر: البستان ١/ ٣٨٧.
(٢) ينظر: البستان ١/ ٢٢.
(٣) البستان ٢/ ١٥١.
[ ١ / ٦٦ ]
ب - في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ (^١)، قال الجِبْلي (^٢): "فإنْ قيل: "بَيْنَ" لا يقعُ إلّا لاثنَيْن فصاعدًا، فكيف جاء "بَيْنَهُ"؟ فالجوابُ: أنّ "بَيْنَهُ" هاهنا لجماعة السَّحاب، كما تقول: الشجر حَسَنٌ وقد جلستُ بينَه. وفيه جوابٌ آخَر، وهو: أن يكونَ السّحابُ واحدًا، فجاز أن يقال: "بَيْنَهُ"؛ لأنه مشتملٌ على قِطَعٍ كثيرة، كما قال الشاعر:
بَيْنَ الدَّخُولِ فحَوْمَلِ
فأوقع "بَيْنًا" على الدَّخُولِ -وهو واحدٌ- لاشتماله على مواضعَ، هذا قولُ النَّحْويِّين إلّا الأصمعيَّ، فإنه زَعَم أن هذا لا يجوز، وكان يرويه:
. . . . . . . بَيْنَ الدَّخُولِ وحَوْمَلِ
جـ - وفي قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ (^٣)، قال الجِبْلي (^٤): "قرأ أهل المدينة والشّام وأيوبُ بفتح الفاء؛ أي: مُنَفَّرةٌ مذعُورةٌ، وقرأ الآخَرون بالكسر؛ أي: نافِرةٌ، يقال: نَفَرَتْ واسْتَنْفَرَتْ بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنشد الفَرّاءُ:
أَمْسِكْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفَرٌ فِي إِثْرِ أَحْمِرةٍ عَمَدْنَ لِقُرَّبِ
والقَرَبُ: طَلَبُ الماءِ، والقارِبُ: هو الطّالِبُ، ويروى:
فِي إِثْرِ أَحْمِرةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبِ
_________________
(١) النور ٤٣.
(٢) البستان ١/ ٣٤٥.
(٣) المدثر ٥٠.
(٤) البستان ٤/ ١٦٠.
[ ١ / ٦٧ ]
و"غُرَّبٌ": اسم جَبَلٍ، ذكره صاحب ديوان الأدب" (^١).
٣ - معانِي الأبيات: اهتم الجِبْلي في بعض المواضع بتوضيح معانِي ألفاظ الشاهد الذي ينشده، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أ - أنشد الجِبْليُّ قولَ الشاعر (^٢):
وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ضَرَبْناهُ تَحْتَ الأُنْثَيَيْنِ على الكَرْدِ
ثم قال (^٣): "أي: العُنق، والأُنثَيان: الأُذُنان".
ب - أنشد الجِبْلي قول خِداش بن زُهير (^٤):
ونَرْكَبُ خَيْلًا لا هَوادةَ بَيْنَها وتَشْقَى الرِّماحُ بِالضَّياطِرةِ الحُمْرِ
ثم قال (^٥): "الضَّياطِرة: جمع ضَيْطَرٍ، وهو الرجلُ الضَّخم اللئيم، ومثلُه: الضَّوْطَر، ويقال: ضَيْطار أيضًا بالألف، على فَيْعالٍ، ذكره صاحب الضِّياء" (^٦).
جـ - أنشد الجِبْلي قول ابن مُقبِل:
باتَتْ حَواطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْنَ لها جَزْلَ الْجِذا غَيرَ خَوّارٍ ولا دَعِرِ
ثم قال (^٧): "الخَوّار: الذي يَتَقَصَّفُ، والدَّعِرُ: الذي فيه ثُقب".
_________________
(١) ١/ ٣٢٣.
(٢) البستان ١/ ٦١.
(٣) البستان ١/ ٦١.
(٤) البستان ١/ ٥١١.
(٥) البستان ١/ ٥١١.
(٦) يعني: صاحب ضياء الحلوم، ينظر: شمس العلوم ٦/ ٣٩٦٧.
(٧) البستان ١/ ٤٩٠.
[ ١ / ٦٨ ]