القراءاتُ الصّحيحة هي: قراءات القُرّاءِ السبعةِ، بالإضافة إلى القُرّاءِ الثلاثة بعدَهم (^١)، وقد ذكر ابن الجَزَري شروطَ القراءة الصَّحيحة،
_________________
(١) ينظر: التيسير للدانِي ص ٤: ٧، العنوان لإسماعيل بن خلف المقرئ ص ٤٠، الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ١/ ١٠٨، إتحاف فضلاء البشر للبنا الدمياطي ١/ ٧٢، ٧٥.
[ ١ / ٣٩ ]
فقال (^١): "كلُّ قراءةٍ وافَقَت العربيّة ولو بوَجْيهٍ، ووافَقَت المصاحفَ العثمانيّةَ ولو احتمالًا، وصحُّ سَنَدُها، فهي القراءةُ الصُّحيحة التي لا يجوزُ رَدُّها، ولا يَحِل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نَزَل بها القرآن، ووَجَب على الناس قَبولُها، سواءٌ كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشَرة أم عن غيرِهم من الأئمة المقبولين، ومتى اخْتَلَّ رُكْنٌ من هذه الأركان الثلاثةِ أُطْلِقَ عليها ضعيفةٌ أو شاذّةٌ أو باطلةٌ، سواءٌ كانت عن السبعة أم عَمَّن هو أكبرُ منهم".
ثم حَكَى ابنُ الجَزَري عن أبِي عَمْرٍو الدانِي، أنه قال (^٢): "وأئمةُ القُرّاءِ لا تَعمَل في شيءٍ من حروف القرآن على الأَفْشَى في اللغة، والأَقْيَسِ في العربيةِ، بل على الأثبتِ في الأثَر، والأصحِّ في النَّقل، والرِّوايةُ إذا ثَبتَت عنهم لم يَرُدَّها قِياسُ عَرَبِيّةٍ ولا فُشُوُّ لغةٍ؛ لأنّ القراءةَ سُنّةٌ متَّبَعةٌ يلزم قَبولُها والمصير إليها".
ولذلك كان كثيرٌ من النُّحْويِّين لا ينكرون قراءةً من القراءات التي وردت عن القُرّاءِ السبعة ولا يضعِّفونَها ولا يرُدُّونَها، فسيبويهِ يقول مثلًا (^٣): "وقد قرأ بعضهم: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (^٤) إلّا أنّ القراءةَ لا تُخالَفُ، لأنّ القراءةَ السُّنّةُ".
_________________
(١) النشر في القراءات العشر ١/ ٩، وينظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ١/ ٩٩، اللهجات العربية في القراءات القرآنية للدكتور/ عبده الراجحي ص ٧٤، في أصول النحو للأفغاني ص ٢٩، ٣٥، أثر القرآن والقراءات في النحو العربِي د/ محمد سمير نجيب اللبدي ص ٣١٩، ٣٢٠.
(٢) النشر في القراءات العشر ١/ ١٠، ١١، وينظر: الإتقان للسيوطي ١/ ١٠٠، اللهجات العربية في القراءات القرآنية د/ عبده الراجحي ص ٨٤، في أصول النحو للأفغاني ص ٣٠، البحث اللغوي عند العرب د/ أحمد مختار عمر ص ٢٩.
(٣) الكتاب ١/ ١٤٨.
(٤) بفتح ﴿ثَمُودُ﴾ [فصلت: ١٧].
[ ١ / ٤٠ ]
ولكنّ بعض النَّحْويِّين -كالفَرّاء والمبرّد وغيرهما- كانوا ينكرون بعض القراءات إذا خالفت القياس عندهم، ولو كانت عن السَّبعة (^١).
قال السُّيوطي (^٢): "كان قومُ من النُحاة المتقدِّمين يَعِيبون على عاصم وحمزةَ وابن عامر قراءاتٍ بعيدةً في العربية، وينسُبونهم إلى اللَّحن. وهم مخطئون في ذلك، فإنّ قراءاتِهم ثابتةٌ بالأسانيد المتواترة الصحيحة التي لا مطعَنَ فيها، وثبوت ذلك دليلٌ على جوازه في العربية، وقد رَدَّ المتأخِّرون -منهم ابنُ مالك- على من عاب عليهم ذلك بأبلغ رَدٍّ، واختار جوازَ ما وردت به قراءاتهم في العربية، وإن منعه الأكثرون مستدِلًّا به".
وإنما قدَّمتُ هذا التقديمَ لأنّ الجِبْليَّ كان له موقفانِ من القراءات الصحيحة، الأول: قَبْوله هذه القراءات وعدم ردِّها أو تضعيفها من ناحية العربية، والثانِي: تابَعَ الجِبْليُّ فيه بعضَ العلماء الذين كانوا يعترضون على بعض القراءات الصحيحة ويردُّونها، وهذا ما سوف أفصِّله فيما يلي: