كان الجِبْلي أحيانًا يذكُر وجهًا إعرابيًّا في آية، ولكنه عندَ تأويله لَها يذكر تأويلًا مخالفًا للوجه الإعرابِيِّ الذي ذكره أَوَّلًا، ومن أمثلته في البستان ما يلي:
_________________
(١) الزخرف ٥.
(٢) البستان ٢/ ٤٥٥.
(٣) البقرة ٢٧٨.
(٤) النور ٣٣.
(٥) في الوسيط ٤/ ٦٤.
(٦) ينظر: معاني القرآن ٣/ ٢٧.
(٧) ينظر: الوسيط ٤/ ٦٤.
[ ١ / ١٥١ ]
١ - أنه في قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ (^١)، قال الجِبلي (^٢): "وفي محلِّ ﴿مَنْ﴾ من الإعراب ثلاثةُ أوجُه: الرَّفع على الابتداء، والنَّصب على الإضمار، تقديره: أَوَ مَنْ يُنَشَّأُ في الحِلْيةِ يَجْعَلُونَهُ رَبًّا أو بَناتِ اللَّهِ؟ والخَفْض رَدًّا على قوله: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾ وقولِهِ: ﴿بِمَا ضَرَبَ﴾.
فقوله: "والنَّصب على الإضمار. . . " كان ينبغي أن يكون التقدير مثلًا: أَجَعَلْتُمْ أو أَتَجْعَلُونَ مَن يُنَشَّأُ في الحِلْية رَبُّا أو بناتِ اللَّهِ؟ حتى يوافقَ ما ذكره أولًا، لا كما قدَّره: أو مَن يُنشَّأُ في الحِلْية تجعَلونه ربًّا. . . إلخ؛ لأن "مَنْ" -على هذا التأويل الذي ذكره-: مبتدأٌ، و﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ المقدَّر هو الخبر.
٢ - أنه قال (^٣): "قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ (^٤)؛ أي: ما كان للرحمن ولدٌ، و"إِنْ "هاهنا: نفيٌ وجحودٌ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ (^٥)؛ أي: ما أنت إلّا نذيرٌ، وقوله: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (^٦)؛ أي: ما نحن إلّا بشَرٌ مِثلُكم، والمعنى: قلْ لهم يا محمد: إن كان للرَّحمن ولَدٌ في قولكم وزَعْمِكم ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ يعني: المُوَحِّدِينَ".
وهذا تخليطٌ من المؤلِّف؛ لأنه ذكر أنّ "إِنْ" نافيةٌ بمعنى "ما"، ثم فَسَّرَ المعنى على وجهٍ آخَرَ في "إِنْ" وهو: أنها شَرْطيّةٌ على بابها، والفاء جوابُها.
_________________
(١) الزخرف ١٨.
(٢) البستان ١/ ١٥٢.
(٣) البستان ٢/ ٤٩٠.
(٤) الزخرف ٨١.
(٥) فاطر ٢٣.
(٦) إبراهيم ١١.
[ ١ / ١٥٢ ]
٣ - أنه في قوله تعالى: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ (^١)، قال الجِبليّ (^٢): ﴿طَاعَةٌ﴾، وهو رفعٌ على الحكاية، وقيل: هو ابتداءٌ محذوفُ الخبر تقديره: طاعةٌ وقولٌ معروفٌ أَمْثَلُ أو أَحْسَنُ، أو أَمْرُنا طاعةٌ".
فالمؤلِّف هنا ذكر أنّ ﴿طَاعَةٌ﴾ مبتدأٌ محذوفُ الخبر، ثم فَسَّرَ ذلك بقوله: "طاعةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أَمْثَلُ"، وهذا مطابقٌ للوجه الإعرابِي، ولكنّ قوله: "أو: أَمْرُنا طاعةٌ" معناه أنّ ﴿طَاعَةٌ﴾: خبرُ ابتداءٍ محذوف، على عكىس ما ذكره هو أَوَّلًا من أنه مبتدأٌ محذوفُ الخبر، وهذانِ الوجهان صحيحان، وقد قال بهما سيبوَيْه (^٣).
٤ - أنه في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (^٤)، قال الجِبْليُّ (^٥): "وقيل: "ما" بمعنى: "الَّذِي"، أي: كانوا قَلِيلًا من الليل الَّذِي يَهْجَعُونَ؛ أي: كانوا قَلِيلًا من الليل هُجُوعُهُم؛ لأن "ما" إذا اتصل به الفعل صار في تأويل المصدر، كقوله: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ أي: بِظُلْمِهِمْ".
فهذانِ وجهانِ خَلَط المؤلِّف بينَهما، فالأول: أن تكون "ما" موصولةً، وعليه يكون المعنى: كانوا قليلًا من الليل الوقتِ الذي يهجَعونَه، والوجهُ الثاني: أن تكون "ما": مصدَريّةً، وهي معَ ما بعدَها في تأويل مصدرٍ في محلِّ رفع بَدَل من الضَّمير في ﴿كَانُوا﴾، و﴿قَلِيلًا﴾ خبرُ "كان"، والمعنى على هذا: كانوا قليلًا من الليل هجوعُهم، ولكنّ المؤلِّف لفَّق بين هذَيْنِ الوجهَيْن، فذكر أنها موصولةٌ، ثم فسَّرها على أنها مصدَريّة.
_________________
(١) محمد ٢١.
(٢) البستان ٣/ ٨٠.
(٣) ينظر: الكتاب ١/ ١٤١.
(٤) الذاريات ١٧.
(٥) البستان ٣/ ١٦٧.
[ ١ / ١٥٣ ]
٥ - أنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (^١)، قال الجِبلي (^٢): "أي: الحَقُّ اليَقِينُ لا شَكَّ فيه، فأضافه إلى نفسه توكيدًا، وأصله: حَقُّ الشَّىْءِ أو: حَقُّ الأَمْرِ اليَقِينِ، كقولك: عَيْنُ اليَقِينِ ومَحْضُ اليَقِينِ".
فقول المؤلِّف: "فأضافه إلى نفسِه توكيدًا" مؤيِّدٌ لمذهب الكوفيِّين في جواز إضافةِ الشيءِ لنفسه، والموصوفِ لصفتِه، ولكنّه بما ذكره بعدَه من تأويله للمعنى بقوله: "وأصله: حَقُّ الشّيءِ اليقين أو حقُّ الأمرِ اليقين" ذاهِبٌ مَذْهَبَ البصريِّين في أنّ الموصوفَ لا يضاف لصفتِه، وهم يؤوِّلون مثلَ هذا على حَذْف موصوفٍ كما ذكر المؤلِّف هنا من أنّ أصله: حَقُّ الشَّيءِ أو حَقُّ الأَمْرِ اليَقِينِ.
٦ - أنه في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ﴾ (^٣)، قال الجِيْليُّ (^٤): "و﴿مِنْ﴾ هاهنا: صلةٌ معناه: يَغْفِرْ لكم ذُنُوبَكُمْ، ولم تدخُل لتبعيض الذنوب، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (^٥)؛ أي: اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الذي هو الأَوْثانُ".
هذا ما قاله الجِبْلي، ولكنْ كيف تكونُ "مِنْ" صلةً ولبيان الجِنس في آنٍ واحد؟!
٧ - أنه في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ (^٦) قال الجِبلي (^٧): "رفعٌ بالابتداءِ
_________________
(١) الواقعة ٩٥.
(٢) البستان ٣/ ٣٢٤.
(٣) نوح ٤.
(٤) البستان ٤/ ٨٣.
(٥) الحج ٣٠.
(٦) المرسلات ٨.
(٧) البستان ٤/ ٢٣١.
[ ١ / ١٥٤ ]
والخبر، وكذلك ما بعدَها". ثم قال بعد ذلك (^١): "وهي مرفوعةٌ بإضمار فعل مثلِ هذا؛ لأن "إِذا" هاهنا بمنزلة حرفِ المجازاة".