يُمكن تدوينُ النظَرات التالية حول استشهاد الجِبْليِّ بالقراءات:
أولًا: أنه كان يَذكُر قراءةً صحيحةً دون أن يَذكُرَ أنها من السبعة، ودونَ أن يذكر مَن قَرأ بها، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
- في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (^٣)، قال الجِبْلي (^٤): "وقُرئ: ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ﴾ ".
ولم ينسُبْها رَغْم أنها قراءةُ حمزةَ والكِسائيِّ من السبعة، وقراءةُ خَلَف والأعمش أيضًا (^٥).
ثانيًا: أنه كان يقول في توجيهه لكلمةٍ ما: "يجوزُ الرَّفع" مثلًا، أو: "يجوز الخَفْض"، ونحوَ ذلك، ولكنه ينبِّه على أنّ هذا يجوزُ في غير القرآن، ومن أمثلةِ ذلك ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (^٦)، قال
_________________
(١) الطور ٢١.
(٢) البستان ٣/ ١٩٢.
(٣) المؤمنون ٩.
(٤) البستان ١/ ٢٦٩.
(٥) ينظر: السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٤، إتحاف فضلاء البشر للبنا الدمياطي ٢/ ٢٨٢.
(٦) القصص ٨٨.
[ ١ / ٥١ ]
الجِبْلي (^١): "ونصبُ الوَجْه: على الاستثناء، ويجوزُ في الكلام الرَّفعُ على معنى الصِّفة، كأنه قال: غيرُ وجهِه".
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ (^٢)، قال الجِبْلي (^٣): "ولو كان في غير القرآن لَجاز النَّصبُ على المصدر".
ثالثًا: أنه كان يقولُ في توجيهه لكلمةٍ ما: "ويجوز الرفع. . . " مثلًا، أو "يجوز الخَفْض. . . " ونحوَ ذلك، دون أن ينبِّه على أنّ هذا إنّما يجوزُ في غير القرآن، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (^٤)، قال الجِبْلي (^٥): "و﴿بَصَائِرَ﴾: منصوبٌ على الحال، و﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾: عطفٌ عليه، ويجوزُ الرَّفع بمعنى: وهو هُدًى -يعني: الكتابَ- ورحمةٌ لمن آمن به من العذاب".
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (^٦)، قال الجِبْلي (^٧): ﴿وَهُوَ﴾: نصبٌ على المصدر، قال الزَّجّاج (^٨): ويجوز: " ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالرفع، بمعنى: ذلك وعدُ اللَّه".
_________________
(١) البستان ١/ ٥١٧.
(٢) الصافات ١٨١.
(٣) البستان ٢/ ٢٨٩.
(٤) القصص ٤٣.
(٥) البستان ١/ ٤٩٦.
(٦) الروم ٦.
(٧) البستان ٢/ ٣٠.
(٨) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ١٧٧، ١٧٨.
[ ١ / ٥٢ ]
رابعًا: وقد يُجَوِّزُ وَجْهًا أو أكثرَ في كلمةٍ ما، بدون أن يَذكُر أنه قد قُرئ به في الشّواذِّ، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - أنه قال (^١): "قولُه: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (^٢) بالخَفْض: نعتٌ لـ ﴿ذِكْرٍ﴾، وأجاز الكِسائيُّ (^٣) والفَرّاء (^٤): "مُحْدَثًا" يعني: ما يأتيهم مُحدَثًا، وأجاز الفَرّاء (^٥) -أيضًا- رَفْعَ ﴿مُحْدَثٍ﴾ على تأويل: ﴿ذِكْرٌ﴾؛ لأنك لو حذفتَ ﴿مِنْ﴾ رفعتَ ذِكْرًا".
ولم يذكُر أنه قُرِئَ بالنَّصب والرَّفع، فقد قَرأ بالنَّصب زيدُ بنُ عليٍّ، وقرأ بالرَّفع إبراهيمُ بن أبِي عَبْلة (^٦).
٢ - في قوله تعالى: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ (^٧)، قال الجِبْلي (^٨): "ويجوز الرفعُ، بمعنى: قُلُوبُهُم لَاهِيةٌ، أو يكون خبرًا بعدَ خبر، أو على إضمارِ مبتدأٍ".
وقد قرأ بالرَّفع إبراهيمُ بن أبِي عَبْلة وعيسى بن عُمر وعِكرمةُ وسعيدُ بن جُبَير (^٩).
_________________
(١) البستان ١/ ١٧٨.
(٢) الأنبياء ٢.
(٣) ينظر رأي الكسائي في إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٦٣، مشكل إعراب القرآن ٢/ ٨١.
(٤) معاني القرآن ٢/ ١٩٧.
(٥) ينظر: معانِي القرآن ٢/ ١٩٧، ١٩٨.
(٦) الكشاف ٢/ ٥٦٢، البحر المحيط ٦/ ٢٧٥.
(٧) الأنبياء ٣.
(٨) البستان ١/ ١٨٠.
(٩) ينظر: زاد المسير ٥/ ٣٤٠، مفاتيح الغيب ٢٢/ ١٤١، البحر المحيط ٦/ ٢٧٥.
[ ١ / ٥٣ ]
٣ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ (^١)، قال الجِبْلي (^٢): "ونَصْبُ ﴿آخِذِينَ﴾ على الحال، ويجوز رفعُه في غير القرآن على خبر ﴿إِنَّ﴾ ".
وقد قرأ ابنُ أَبِي عَبْلةَ واليمانِيُّ بالرَّفع (^٣).
خامسًا: وقد يُجَوِّزُ وَجْهًا أو أكثَر في كلمةٍ ما، رَغْم أنه لم يُقرَأْ بهذا الوَجْه، ودون أن ينبِّه على أنّ هذا إنما يجوزُ في غير القرآن، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ (^٤)، قال الجِبْلي (^٥): "وهو خبرُ ﴿إِنَّ﴾، ويجوز النَّصبُ على الحال، ويكونُ الخبر: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ ".
وما أجازه الجِبْليُّ هنا لم يقرَأْ به أحدٌ، كما قد يُوهِمُ به كلامُه، وهو في هذا متابِعٌ للنَّحاسِ (^٦).
٢ - في قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (^٧)، قال الجبلي (^٨): "مبتدأٌ وخبرٌ، وأجاز أبو إسحاقَ (^٩) نصبَ ﴿الْحَقُّ﴾ بمعنى: أُحِقُّ الحقَّ، أو: أعنِي الحقَّ".
_________________
(١) الذاريات ١٥، ١٦.
(٢) البستان ٣/ ١٦٦.
(٣) ينظر: شواذ القراءة للكرمانِيِّ ورقة ٢٢٩، عين المعانِي للسجاوندي ورقة ١٢٦/ ب.
(٤) النور ١١.
(٥) البستان ١/ ٣١٣.
(٦) ينظر: إعراب القرآن ٣/ ١٣٠.
(٧) الفرقان ٢٦.
(٨) البستان ١/ ٣٧٥.
(٩) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٦٥.
[ ١ / ٥٤ ]
ولم يذكُر الجِبليُّ بقيّة كلام الزَّجّاج، فقد قال الزَّجّاج (^١): "ولم يُقْرَأْ بها، فلا تَقْرَأَنَّ بها".
٣ - في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ (^٢)، قال الجِبْلي (^٣): "و﴿يَوْمَ﴾: منصوبٌ على الظرف، وأجاز الفَرّاءُ رفعَه (^٤) ".
سادسًا: أنّ الجِبْليَّ ربما نَسَب قراءةً إلى غير مَن قَرأَ بها، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ (^٥)، قال الجِبْليُّ (^٦): "قرأ قَتادةُ ومجاهدٌ وابنُ سِيرِينَ وعَوْنٌ وابنُ مُحَيْصِنٍ وأبو جعفرٍ ونافعٌ والأعمشُ وحمزةُ وأيوبُ بإسكانِ الياء، على أنه: اسمٌ موصوفٌ بالفعل، تقول: عَلَاهُمْ مِنْ عالِيهِمْ".
وقد قرأ قَتادةُ ومجاهدٌ وابنُ سِيرِينَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ على أنه حرفُ جَرٍّ، لا كما ذكر المؤلِّف (^٧).
٢ - في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ (^٨)، قال الجِبْلي (^٩): "قرَأَه
_________________
(١) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٦٥.
(٢) السجدة ٢٩.
(٣) البستان ٢/ ٩٢.
(٤) ينظر: معانِي القرآن للفراء ٢/ ٣٣٣.
(٥) الإنسان ٢١.
(٦) البستان ٤/ ٢١٥.
(٧) ينظر: تفسير القرطبي ١٩/ ١٤٥، البحر المحيط ٨/ ٣٩١.
(٨) المعارج ٤٣.
(٩) البستان ٤/ ٧٨.
[ ١ / ٥٥ ]
العامّةُ: ﴿يَخْرُجُونَ﴾ بفتح الياء وضمِّ الراء، وقَرأَ عاصمٌ الجَحْدَرِيُّ بضمِّ الياء وفتح الراء".
وهذه ليست قراءةَ عاصمٍ الجَحْدَرِيِّ، وإنما هي قراءةُ عاصم بن أبي النَّجُود في رواية كلٍّ من الأعشى وأَبي بكرٍ عنه، وهي أيضًا قراءةُ عَلِيِّ بن أَبي طالبٍ والأعمش والسُّلَمِيِّ (^١).