فالقُبُلانِ وما حَوالَيْهِما كُلُّهُ فَرْجٌ، والمراد بالفَرْجِ هاهنا فُرُوجُ الرجال خاصةً، قال الكلبيُّ: يعني: يَعَفُّونَ عما لا يَحِلُّ لهم".
- ما وَرَد في الآية الأولى من سُورة النور، فقد شَرَحَها إلى أنْ وصل فيها إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (^١)، ثم قال (^٢): "أي: لكي تتَّعظوا وتعمَلوا بما أمَرَكم اللَّه به، وتنتهوا عمّا نهاكم اللَّه عنه، وما بعدَه ظاهرُ الإعراب إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (^٣) ".
والأمثلة على هذا كثيرةٌ، وربما كان ذلك راجغا إلى أنّ هذا الكتابَ مُختصَرٌ وليس مُفَصَّلًا، وهذا ما ذكره الجِبْلي في أكثرَ من موضع من كتابه، ومنها:
- في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ (^٤)، ذَكَر الجِبلي عدةَ آراءٍ، ثم قال (^٥): "فيه اختلافٌ بين العلماءِ يطول شرحه هاهنا".
- وفي قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (^٦)، ذَكَر الجِبْلي عدةَ آراءٍ ثم قال (^٧): "وفيه تفاسيرُ واختلافٌ بين العلماء يطول شرحُها هاهنا، فاكتفَيْنا بحديث المصطفى وتفسيره -ﷺ-".
٧ - تأثُّرُه بِلُغةِ الفقهاءِ والمتكلِّمين: الجِبْلِيُّ كان فقيهًا، وقد بدا تأثُّرُه في كتابه
_________________
(١) النور ١.
(٢) البستان ١/ ٣١٠.
(٣) النور ٦.
(٤) القصص ٧٦.
(٥) البستان ١/ ٥٠٩.
(٦) لقمان ٢٠.
(٧) البستان ٢/ ٦٥.
[ ١ / ١٢٣ ]
"البستان" بلغة الفقهاء واضحًا جَلِيًّا، كما تأثَّر أيضًا بلغة علماءِ الكلام والتوحيد، وهذا واضحٌ في غير موضع من كتابه.
فمن المواضع التي تأثَّر فيها بلُغة الفقهاء:
- في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (^١)، قال (^٢): "والمعنى: زوِّجوا أيُّها المؤمنونَ مَن لا زَوْجَ له من أحرارِ رجالكم ونسائكم، وهو أمرُ نَدْبٍ واستحباب، وهو الصحيح المشهور والذي عليه الجمهور، وفسَّر بعض الفقهاء الآيةَ على الحَتْم والإيجاب، فأَوْجب النكاحَ على من استطاعه". اهـ، ثم عَقَدَ فصلًا ذكر فيه أقوالَ الفقهاء في هذه الآية (^٣).
- وفي قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٤)، قال (^٥): "فَصْلٌ: عن عبد اللَّه بن عُمر، قال: طَلَّقْتُ امرأتِي على عهد رسول اللَّه -ﷺ- وهي حائضٌ، فذَكَرَ ذلك عُمَرُ لرسول اللَّه -ﷺ -، فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "مُرْهُ فلْيُراجِعْها، ثُمْ يُمْسِكْها حتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عندَه حَيضةً أُخرى، ثُمَّ يُمْهِلها حتَّى تَطْهُرَ مِن حَيْضتِها، فإذا طَهُرَت فلْيُطَلِّقْها -إن شاء- قبلَ أن يُجامِعَها أو يُمْسِكْها، فتلك العِدّةُ التِي أَمَرَ اللَّهُ أن تُطَلَّقَ لها النساءُ"، رواه البخاريُّ ومسلمٌ عن قُتَيبة عن الليث، وهذا هو طلاقُ السُّنة، وأمّا طلاق البِدعة فهو أن يقعَ في حال الحَيْض أو في طُهرٍ جامَعَها فيه، فهو واقعٌ وصاحبُه آثِمٌ".
_________________
(١) النور ٣٢.
(٢) البستان ١/ ٣٢٦.
(٣) ينظر: البستان ١/ ٣٢٦.
(٤) الطلاق ١.
(٥) البستان ٣/ ٤٤١.
[ ١ / ١٢٤ ]
ومن المواضع التي تأثَّر فيها بلغة المتكلِّمين:
- في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ (^١)، قال (^٢): "وهذه الآيةُ حُجّةٌ على القَدَرِيّةِ (^٣)؛ لأنه نَفَى خالِقًا غَيْرَهُ وهم يثبتون معه خالِقِينَ".
- وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (^٤)، قال (^٥): "وفي قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾ حُجّةٌ على القَدَرِيّةِ؛ لأن اللَّه تعالى صَرَفَ الجِنَّ إلى نَبِيِّهِ -ﷺ- بالإرادة، ولمْ يأمرهم بذلك؛ لأنّ اللَّه تعالى قد يريد ما لا يَأمُر به فيكون، ويَأمُر بما لا يريد فلا يكون".
٨ - اهتمامُه بإيراد الرّواياتِ المختلفة للشِّعر: كان الجِبْلي يهتمُّ بذكر الرّوايات المختلفة للشاهد الشِّعري الذي يُنشده، ومن أمثلته ما يلي:
- قال الجِبْلي (^٦): "والجزم بـ "إِذا" -وإن جاء في الشِّعر ضرورةً- لا يُحْمَلُ عليه القرآنُ، ورواية الجَزْم في الشعر كما قال:
إِذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان طُولُها خُطانا إلى أَعْدائِنا فنُضارِبِ
وخَطَّأَهُ المغربي؛ لأنّ القصيدةَ مرفوعةُ القوافي، وفيها:
وقدْ عِشْتُ دَهْرًا والغُواةُ صَحابَتِي أُولَئِكَ خُلْصانِي الَّذِينَ أُصاحِبُ
_________________
(١) فاطر ٣.
(٢) البستان ٢/ ١٩١.
(٣) يعني بالقدرية هنا المعتزلة.
(٤) الأحقاف ٢٩.
(٥) البستان ٣/ ٥٩.
(٦) البستان ٢/ ١٥١.
[ ١ / ١٢٥ ]