١ ــ الهمزة موضوعة للاستفهام، وحقيقته عندهم طلب الفهم، ومتى جاءت ــ ولا طلب فهم ــ فمجاز بمعنى آخر، وقد يجتمع معنيان أو أكثر. فمن المعاني: التقرير أي الحمل على الإقرار، والتقرير بمعنى تثبيت الحكم وتحقيقه، والإنكار الإبطالي، والإنكار التوبيخي أو التعجبي، والوعد، والوعيد، والتهديد، والامتنان، وغير ذلك. أنهاها السيوطي في "الإتقان" (^١) إلى اثنين وثلاثين معنى، وفي تلخيص المفتاح وشروحه طائفة منها.
قال السعد التفتازاني: "والحاصل أن كلمة الاستفهام إذا امتنع حملها على الحقيقة تولد منه بمعونة القرائن ما يناسب المقام. ولا تنحصر المتولدات فيما ذكره المصنف، ولا ينحصر أيضًا شيء منها في أداة دون أداة، بل الحاكم في ذلك هو سلامة الذوق، وتتبع التراكيب. فلا ينبغي أن تقتصر في ذلك على معنى سمعته، أو مثال وجدته، من غير أن تتخطاه. بل عليك بالتصرف، واستعمال الروية، والله الهادي" (^٢).
_________________
(١) (٢/ ٧٩ ــ ٨٠). [المؤلف].
(٢) المطول المطبوع بمصر مع حواشي عبد الحكيم وتقرير الشربيني (٣/ ٢٧٩). [المؤلف].
[ ٨ / ١٢١ ]
[ص ٩٧] قال عبد الرحمن: يلوح لي أن الأصل في الاستفهام المجازي تنزيل المتكلم نفسه منزلة خالي الذهن عن الحكم الطالب للفهم، فيأتي بصورة الاستفهام، كما يأتي بها هذا؛ ليريك أنه لم يتحكم عليك، بل ترك الحكم إليك. فإن هذا أدعى لك إلى التدبر والتبصر، وليعلم من سمع الكلام وعرف حقيقة حال المتكلم أنه إنما أتى بهذا الأسلوب لوثوقه بأنك إذا تدبرت وتبصرت وافقته في الحكم، وأنه يرى أن الأمر بغاية الظهور إن احتاج إلى شيء فإلى التدبر والتبصر. وهذا هو التقرير بمعنى الحمل على الإقرار.
ثم إن كان الحكم عند المتكلم الإثبات، فالأغلب أن يؤتى عقب الهمزة بأداة نفي، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. وإن كان النفي فالغالب أن لا يؤتى بأداة نفي كقوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦١ و٦٣ و٦٤].
والسر في ذلك ــ والله أعلم ــ هو تأكيد المعنى المتقدم، لأن الاستفهام إذا جاء في الصورة عن الإثبات كان فيه إيهام أن المتكلم يريد حملك على الإثبات، كما أشار إليه الشُّمُنِّي قال: "لأن الحكمة اقتضت أن يذكر تقرير الإثبات بصورة النفي، قصدًا إلى الدلالة على أنَّ المُقِرَّ على يقين مما أقرَّ به، وأنه لم يتلقن ذلك من تقرير المتكلم (^١).
والتقرير الذي يعلم منه الإثبات نحو ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قد يطلق عليه أنه تقرير بمعنى آخر، وهو تقرير الحكم بمعنى تثبيته وتحقيقه.
والذي يقصد منه النفي يسمى إنكاريًّا إبطاليًّا، وقد يطلق على نحو ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ إنكار إبطالي على معنى أنه إنكار يبطل نفي الشرح.
_________________
(١) حواشي الشمني على مغني اللبيب (١/ ٣٨). [المؤلف].
[ ٨ / ١٢٢ ]
[ص ٩٨] وقد يتوصل بصورة تقرير يظهر منه الإثبات أو النفي إلى إفادة شدة بعد الانتفاء في الأول، والثبوت في الثاني، ليفاد بالاستبعاد قوة المقتضي في الأول، والمانع في الثاني.
ثم إن كان المقتضي أو المانع طبيعيًا
_________________
(١) ولا لوم فذاك الاستفهام التعجبي، كقول من يعتقد حياة الخضر: ألم يمت الخضر بعد؟ وقول الذي كلمه الذئب: أذئب يتكلم؟ وإن كان هناك لوم فهو الإنكار التوبيخي. فإن لم يمكن التدارك فهو لمجرد التقريع، كقولك لمن مات عنده إنسان جوعًا: ألم تطعمه حتى مات؟ وقول الله ﷿: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. وإن أمكن التدارك فهم منه الأمر أو النهي، فالأول: كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: ٢٠]، أي فأسلموا الآن، وما أخبر به سبحانه من قول إبراهيم لقومه: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أي فمن الآن لا تفعلوا. وكثيرًا ما يقترن التوبيخ بالتعجب، كما في هذا المثال، وكما أخبر الله ﷿ عن المشركين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]. واعلم أن من الوجوه التي مثل لها بما صورته استفهام عن النفي قد تأتي بصورة الإثبات، وعكسه، كقول معتقد حياة الخضر: آلخضر حي إلى الآن؟ وقولك لكافر: ألم تسلم؟
[ ٨ / ١٢٣ ]
واعلم أن التوبيخ أريد به ما يعم اللوم والعتاب، فلا تغفل!
[ص ٩٩] فأما الوعد، والوعيد والتهديد، والامتنان، فيلوح لي أنها إنما تفهم من فحوى الكلام. فمثال الوعد قول الله ﵎: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴾ الآيات [الضحى: ١ ــ ٦]. أي فسوابق العناية تدل على لواحقها.
وعليه قول الشاعر (^١):
اللهُ عوَّدك الجميـ ـلَ فقِسْ على ما قد مضى
وهذا هو الوعد، لكنه إنما أخذ من فحوى الكلام، لا من خصوص الاستفهام، ولو قيل: "وجدك ربك يتيمًا فآوى " بدون استفهام، لكان الوعد حاصلًا.
ومثاله مع الوعيد والتهديد قوله ﷿ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٥ ــ ١٨]، فأصل الاستفهام للتقرير، وفُهِمَ من الكلام: الوعد للنبي ﵌ والمؤمنين بإهلاك عدوهم، والوعيد والتهديد للمكذبين؛ فإن إهلاك الله تعالى للمكذبين من الأولين والآخرين ظاهر الدلالة على أن تلك سنته.
ومثال الامتنان قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ
_________________
(١) هو الصفيّ الحِلّي انظر: الكشكول ١/ ٢٧٣.
[ ٨ / ١٢٤ ]
النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
فقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا ﴾. الاستفهام للتقرير، والامتنان مفهوم من فحوى الكلام، وأوضحه بقوله: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾.
ولأقتصر في هذا الموضع على هذا القدر، فإنه كافٍ لتوضيح الاستفهام في سورة الفيل. والله أعلم.
[ص ١٠٠] فالاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ للتقرير. أما إن كان الخطاب للنبي ﵌ فواضحٌ، لأنه كان قد علم بقصة الفيل، والمراد بالرؤية في الآية العلم كما يأتي. وأما إن كان الخطاب عامًّا على ما يأتي توضيحه، كأنه قيل: ألم تر أيها الإنسان؟ فلأن مثل هذا إنما هو كناية عن شدة ظهور الواقعة واشتهارها. يقال: هذا أمر قد علمه القاصي والداني، فلا يفهم من هذا إلا الوصف بشدة الظهور والاشتهار، فلا تسمع أحدًا يناقش في مثل ذلك بأن من القاصين من لم يعلم. فكذلك هنا لا يقدح في القول بالتقرير بأن من الناس من لم يسمع بواقعة الفيل البتة.
فإن لم تقنع بهذا فاجعل الاستفهام يتنوع بتنوع المخاطبين. فمن بلغته الآية وقد علم، فالاستفهام في حقه للتقرير. ومن بلغته ولما يعلم وهو مقصر، فللتوبيخ، وإلا فللتعجب.
وعلى كل حال، فالوعد للنبي ﵌ والمؤمنين، والوعيد والتهديد للناس عامة، ولأهل مكة خاصة، والامتنان على أهل مكة، كل ذلك حاصل من فحوى الكلام، كما سبق.
[ ٨ / ١٢٥ ]