(د)
لو اقتصر المعلِّم رحمه الله تعالى على دعوى أن أهل مكة كانوا مستعدين لقتال أبرهة إذا حاول دخول مكة، فكفاهم الله ﷿، لكان الأمر قريبًا، وأمكن أن يجاب عما تقدم، وأن يتأول ما جاء في الروايات بأنهم أظهروا أنهم لا يريدون قتالًا لأغراض دعت، وهم في نفس الأمر عازمون على القتال. ولكنه لم يقتصر، بل زعم أن أهل مكة قاتلوا أبرهة، وقتلوه في المعركة، واستدل على ذلك بأمور:
الأول: الوجوه التي تقدمت في الفصل السابق، وقد علمت حالها. ولو استحال عزمهم على عدم القتال لم يلزم من ذلك أنه وقع قتال، فإن الله ﷿ عذّب أصحاب الفيل قبل أن يصلوا إلى مكة.
الدليل الثاني: قول الله ﷿ في السورة: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ زاعمًا أن معناه: ترميهم أيها المكي، أو نحو ذلك. وهذه دعوى سيأتي ردّها في تفسير السورة، إن شاء الله تعالى.
[ص ١٧] الدليل الثالث: ما أبداه من المناسبة لرمي الجمار، وسيأتي تزييفها.
الرابع ــ وهو أشبه أدلته ــ قول ذي الرمة:
وأبرهةَ اصطادت صدورُ رماحنا جهارًا وعُثنونُ العَجاجةِ أكدرُ
تنحّى له عمروٌ فشكَّ ضلوعَه بنافذةٍ نجلاءَ والخيلُ تَضبِرُ
والبيتان في "ديوان ذي الرمة" المطبوع بأوربا (^١).
_________________
(١) بيت (٤٠ و٤١)، قصيدة (٣٠). [المؤلف]. ط مجمع دمشق (٦٣٧).
[ ٨ / ٢٥ ]
وعلى الديوان تفسير لبعض القدماء، وفيه: "أبرهة بن الصباح ملك من ملوك حمير".
وفي آخر الديوان صورة سند روايته، وفيه من طريق أبي يعقوب يوسف بن يعقوب بن خُرَّزاذ النَّجَيرَمي قال: "قرأته على أبي الحسين علي بن أحمد المهلّبي قال: قرأته على أبي العباس أحمد بن محمد بن ولّاد، [عن أبيه] (^١) عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، عن أبي نصر أحمد بن حاتم وقال أبو يعقوب: وقرأته أيضًا على أبي القاسم جعفر بن شاذان القُمّي، عن أبي عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد، عن أبي العباس ثعلب، عن أبي نصر وقرأت على ابن شاذان الشعر مجردًا عن التفسير".
قال عبد الرحمن: وهذه العبارة الأخيرة تدل أنه في الطريق الأولى سمع الشعر مع التفسير (^٢)، وذلك يدل أن التفسير متناقل، وفي أثناء التفسير ما يدل على ذلك، [ص ١٨] غاية الأمر أن المفسر الأخير جمع ما نقل عمن قبله، وزاد من عنده.
وأبو نصر أحمد بن حاتم هو صاحب الأصمعي وراوية كتبه، والمذكورون في السند كلهم من أئمة اللغة والأدب، توجد تراجمهم في "بغية الوعاة"، وغيره.
هذا، وقصة الفيل مشهورة، وديوان ذي الرمة مشهور، وعامة علماء الأخبار علماء بالشعر، فلولا أنهم علموا أن أبرهة ذي الرمة غير صاحب الفيل، لما سكتوا عن بيانه.
_________________
(١) زيادة لازمة من طبعة مجمع دمشق (٤). وانظر ص (١٦٥٨).
(٢) انظر تعليق محقق الديوان في مقدمته (٥٨) على العبارة الأخيرة. [المؤلف].
[ ٨ / ٢٦ ]
وقد كان جماعة من أئمة الأخبار يسمعون شعر ذي الرمة من فيه، وكانوا أحرص شيء على تلقف الأخبار، والاستشهاد عليها بما يتعلق بها من الشعر، كما مرّ في سيرة ابن هشام في واقعة الفيل. وكما ترى في "الأغاني" في قصة حرب يوم جبلة كما يأتي، وكذلك في قصة الحرب يوم الكلاب، وذكر أبياتًا لذي الرمة من هذه القصيدة نفسها تتعلق بيوم الكلاب (^١).
ولعل العلماء سألوا ذا الرمة عن أبرهة هذا، فأجابهم بأنه ملك من ملوك حمير، وحكى لهم إشاعة مجملة لم يجدوا لها أصلًا، ولا رأوا لنقلها فائدة. والله أعلم (^٢).
واعلم أن التسمي بأبرهة معروف في اليمن قديمًا، فقد عدوا في ملوكهم أبرهة ذا المنار ابن الرائش، وكان قبل بلقيس، فإنها بلقيس ابنة الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش (^٣).
وزعموا أن "أبرهة" كلمة حبشية، معناها: الأبيض (^٤). والأقرب أنها كلمة [ص ١٩] حميرية، فإنهم استعملوها قديمًا كما عرفت.
_________________
(١) راجع الأغاني (١٥/ ٦٩ - ٧٥). [المؤلف]. ط الثقافة (١٦/ ٢٦٢).
(٢) في معجم البكري (٤٦١): قال المخبل السعدي يفخر بنصرتهم أبرهة بن الصباح ملك اليمن، وكانت خندف حاشيته: ضربوا لأبرهة الأمور محلُّها حُلُبانُ فانطلقوا مع الأقوالِ ومحرّق والحارثان كلاهما شركاؤنا في الصهر والأموالِ
(٣) راجع مروج الذهب بهامش نفح الطيب (١/ ٥٧٣)، وفي غيره من الكتب ما يخالفه. [المؤلف].
(٤) انظر: التيجان (١٣٦)، والاشتقاق لابن دريد (٥٣٢). وفي المعجم الجعزي المقارن (١٠٣ - ١٠٤) أن معنى أبره: أنار، أضاء، وضّح.
[ ٨ / ٢٧ ]
والمادة مستعملة في العربية، وفي "القاموس": "وبَرِه كسمع بَرَهًا: ثاب جسمه بعد علة، وابيضّ جسمه، وهو أبره" (^١).
وقد تجيء في العربية أفعَلة بالتاء، قالوا: أرملة، وقالوا للحيّة: أسوَدة، ولعل لغة حمير كانت تتسع في ذلك.
فأما الأشرم أبو يكسوم فاسمه "أبراهام". وفي "دائرة المعارف الإسلامية" في ترجمة الأشرم: "أبرهة هو أبراهام باللغة الأثيوبية" (^٢). يعني الحبشية.
ولم يخف هذا عن العرب، فقد ذكر ابن عبدربه أبرهة بن الصباح رجلًا من حمير أدرك الإسلام، فقال: "أبرهة بن الصباح، كان ملك تهامة، وأمه ريحانة بنت إبراهيم الأشرم، ملك الحبشة" (^٣).
وقد ذكر أهل الأخبار في ملوك حمير: أبرهة بن الصباح. زاد بعضهم: "بن وليعة بن مرثد"، قيل: إنه ملك خمسًا وثلاثين سنة، وقيل: ثلاثًا وسبعين، وقيل: ثلاثًا وتسعين. ثم ملك بعده رجل اختلفوا في اسمه قيل: سبع عشرة سنة، وقيل: سبعًا وخمسين، وقيل: تسعًا وثمانين. ثم ملك لخيعة سبعًا وعشرين، وقيل: تسعًا وعشرين، أو ثلاثين، وقيل: أربعًا وثمانين، ثم ملك ذو نواس، قيل: ثمانيًا وستين، وقيل: ثمانين، وقيل: مائتين وستين، وانتهى ملكه باستيلاء الحبشة على اليمن، فملك فيهم أرياط، ثم أبرهة الأشرم أبو يكسوم (^٤).
_________________
(١) القاموس، مادة "ب ر هـ". [المؤلف]. والحبشية كالحميرية أخت العربية.
(٢) دائرة المعارف الإسلامية (١/ ٦١). [المؤلف].
(٣) العقد الفريد (٢/ ٧١). [المؤلف]. لم أجده في العقد.
(٤) راجع مروج الذهب (١/ ٥٧٥ - ٥٧٦ و٥٨٧)، والتيجان لابن هشام (ص ٣٠٠)، وصبح الأعشى (٥/ ٢٤)، والمعارف لابن قتيبة (ص ٢١٣)، وما بعدها، وغيرها. [المؤلف].
[ ٨ / ٢٨ ]
والذي يهمنا من هذا إنما هو القدر المشترك، وهو أن أبرهة بن الصباح [ص ٢٠] ملك من ملوك اليمن قبل استيلاء الحبشة بمدة.
وقد وجدت آخرين يقال لكل منهم: أبرهة بن الصباح. أحدهم جد أبرهة بن شرحبيل، ففي أسماء الصحابة: أبرهة بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح بن شرحبيل بن لهيعة بن مرثد الخير (^١).
ويحتمل أن يكون هو الأول.
والثاني: أبرهة بن الصباح، ذكره في الإصابة عقب أبرهة بن شرحبيل. قال: وما أدري هو جد الذي قبله، أو غيره. ثم ظهر لي أنه غيره، فقد ذكره ابن الكلبي فقال: إنه كان ملك تهامة، وأمه بنت أبرهة الأشرم الذي غزا الكعبة (^٢).
وقد خلط جماعة من المؤلفين كل واحد من هؤلاء بالآخر، بل خلط بعضهم، فسمى الأشرم: أبرهة بن الصباح، وزعم أنه حميري.
الثالث: كندي متأخر، كان من أصحاب أبي حمزة الخارجي، قتل معه بمكة سنة (١٣٠) (^٣).
والذي عناه ذو الرمة هو الأول المعدود في الملوك، أو جد أبرهة بن شرحبيل، إن كان غيره، أو آخر من أقيال اليمن، فإنهم كثير. وقد كانت
_________________
(١) الإصابة رقم (١٤). [المؤلف].
(٢) أيضًا رقم (١٥). [المؤلف]. وانظر: نسب معدّ واليمن الكبير (٥٤٢).
(٣) راجع الأغاني (٢٠/ ١٠٩). [المؤلف]. ط الثقافة (٢٣/ ١٤٣).
[ ٨ / ٢٩ ]