فالصواب هو المشهور: أنها سميت جمارًا باسم الحصى، فإن الحصى يقال لها: جمار، وقيل غير ذلك من وجوه الاشتقاق، والمقصود بيان أن ما ذكره المعلِّم لا وجه له.
وأما الأمارة الرابعة: فقد اختلف في أبي رِغال، كما تراه في "معجم البلدان" (^١). وقد أخرج الحاكم في "المستدرك" من طريق عاصم بن عمر بن قتادة عن قيس بن سعد بن عبادة فذكر الحديث، وفيه: "فقال له رسول الله ﵌ ولا تكن كأبي رغال. فقال سعد: وما أبو رغال؟ قال: مصدق بعثه صالح " فذكر القصة، وفيها قتل أبي رغال.
قال: "فأتى صاحب الغنم صالحًا النبي ﵌، فأخبره، فقال صالح: اللهم العن أبا رغال ".
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. فتعقبه الذهبي قال: عاصم لم يدرك قيسًا (^٢).
قال عبد الرحمن: هذا التعقب مبني على قول خليفة بن خياط وغيره: إن قيسًا توفي آخر خلافة معاوية. وليس بمتفق عليه، فقد قال ابن حبان: إنه بقي إلى خلافة عبد الملك، وعلى هذا فسماع عاصم منه ممكن، لكن صحح الحافظ في "الإصابة" القول الأول (^٣). والله أعلم.
[ص ٧٧] وعلى كل حال فهذا الحديث أحسن ما في الباب. وأكثر
_________________
(١) (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤). [المؤلف].
(٢) المستدرك (١/ ٣٩٨). [المؤلف]. (١٤٥٠).
(٣) راجع الإصابة رقم (٧١٧٧). [المؤلف].
[ ٨ / ٩٥ ]
الحكايات في شأن أبي رِغال تدلُّ أنه قديم، وأشعارهم تدلّ على ذلك، وبعضها في "المعجم".
وعلى هذا، فلم يُرجَم قبرُه لأنه حُصِبَ في حياته، وإنما رُجِمَ إشارةً إلى لعنه، فإن اللعن ــ كما قال الراغب ــ هو: "الطرد والإبعاد على سبيل السخط" (^١). ويكنى عن اللعن بالرجم، كأنه مأخوذ من طرد الكلب، فإنه يكون في الغالب برجمه.
قال الراغب: "والشيطان الرجيم: المطرود عن الخيرات، وعن منازل الملأ الأعلى" (^٢). فرجم القبر إشارة إلى لعن صاحبه. إذ كأنه رجم له، ولهذا حسن قول جرير:
إذا مات الفرزدق فارجموه كما ترمون قبر أبي رغال (^٣)
لم يرد بقوله: "فارجموه" ارجموا جسده، كما لا يخفى، وإنما أصل المعنى: فارجموا قبره، لكن حسن المجاز هنا، لما كان رجم القبر إنما هو إشارة إلى لعن صاحبه.
فتطبيق الجمار على هذا أن يقال: إنه هلك في مواضعها، أو رئي عندها من يستحق اللعن والسخط. والأول قد رده المعلِّم ﵀ بحق، إذ قال: "إن الإسلام ترفع عن رجم القبور"، فتعين الثاني. ولا يمكن أن يكون من
_________________
(١) مفردات الراغب (ل ع ن). [المؤلف].
(٢) أيضًا (رج م). [المؤلف].
(٣) سيرة ابن هشام. [المؤلف]. لم يرد في سيرة ابن هشام، وهو في معجم البلدان ط بيروت (٣/ ٥٣). وانظر ديوانه: (٥٤٧).
[ ٨ / ٩٦ ]