مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، فإن التحليق والتقصير متأخر عن الدخول. ولا يتأتى فيه ما ذكرته في ﴿خَالِدِينَ﴾.
قلت: قد يكون النبي ﷺ رأى نفسه وأصحابه داخلين المسجد الحرام محلقين ومقصرين، أي مع المقارنة الحقيقية. ويكون تأويل هذه الرؤيا بإحدى دخلاتهم المسجد الحرام بعد إتمامهم عمرة القضاء، فإنهم أتمّوا العمرة فحلقوا وقصروا، ثم كانوا يدخلون المسجد بعد ذلك (^١).
على كل حال، فالأصل في الحال هو المقارنة الواضحة، وإنما يحمل على خلاف ذلك عند تعذر الأصل. ولم يتعذر الأصل في قوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾، والله الموفق.
[ص ٦٠] قوله: "وعلى الاستئناف يكون: كنت ترميهم"، وقوله: "عسى أن يتوهم أن مقتضى المعنى أن يؤتى بالماضي و﴿تَرْمِيهِمْ﴾ مضارع" إلى آخر ما تقدم.
قال عبد الرحمن: إن أراد بالاستئناف: الاستئناف البياني، وهو ما يكون جوابًا لسؤال ينشأ من الجملة السابقة، فلا يصلح هنا على جعل ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ خطابًا. فإن السامع إذا سمع قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ ولم يكن يعلم القضية، إنما يقع في نفسه السؤال عما فعلت بهم الطير. فإنه يفهم من أول السورة إنزال الله تعالى بالقوم عذابًا شديدًا، ويفهم من إرسال
_________________
(١) انظر ما سبق في (ص ١٥٨).
[ ٨ / ٢٠٠ ]
المعدّى بـ (على) العذاب، وقد تقدم بيان ذلك (^١)، فيفهم أن الطير أرسلت لعذابهم، فيقع في نفسه السؤال عما فعلت بهم الطير. فكيف يسأل عما فعلت بهم الطير، فيجاب بقوله: "رميتهم أنت" أو "كنت ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول"؟ ليس الشمس رابعة النهار أنه لو كان هنا استئناف بياني لوجب أن يكون المعنى: "ترميهم تلك الطير" ليكون جوابًا للسؤال المذكور؟ وإن كان ذلك ضعيفًا من وجه آخر، كما تقدّم في تفسير السورة.
فإن قيل: المعلِّم ﵀ يرى أن إرسال الطير كان لأكل جثث الهلكى، ويرى أن قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ يُشعر بذلك على ما جرت به العادة من تحليق الطير على رؤوس الجيش. وإذا فهم السامع ذلك أوشك أن يسأل: "وكيف هلكوا؟ "، فيجاب بقوله: "كنت ترميهم ".
قلت: قد تقدم إبطال إشعار الآية بأكل الطير للجثث. وحسبك في إبطاله أنه لم يشعر بذلك أحد من الناس منذ نزلت. [ص ٦١] ولو شئت لحلفت بين الركن والمقام أن المعلِّم ﵀ لم يشعر بذلك منها، وإنما كسعها به لاستبعاده رمي الطير، وقد تقدّم ما فيه. والاستئناف إنما يصلح حيث كان السؤال مما يشعر به كل سامع متفهم.
وعلى فرض توقع السؤال المذكور فممّن؟ أمن الذين رموا؟ كلّا، أم من غيرهم؟ فكيف يصح أن يجاب بقوله: "كنت ترميهم".
_________________
(١) انظر (ص ١٣٣).
[ ٨ / ٢٠١ ]
فإن قيل: قد يحمل قوله: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ على معنى "يرميهم قومك"، على ما تقدم في الخطاب، وعليه فقد يمكن السؤال المذكور من كثير من أهل مكة الموجودين عند نزول السورة، لأنهم لم يدركوا الواقعة.
قلت: قد تقدم ردّ هذا التأويل في الكلام على الخطاب. ومع ذلك فهو يقتضي أن أهل مكة لم يكونوا يعرفون كيف هلك القوم. فإنهم كانوا يرون أنهم هلكوا برمي الطير كما تقدم غير مرّة. ولو كان من آبائهم رمي وكان هلاك القوم به في الظاهر لما خفي عليهم، مع ما جرت به عادتهم من حفظ وقائعهم.
والضربة القاضية على هذا أنّ أول السورة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، ومعناه كما يعترف به المؤلف: "قد علمت كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل علمًا مساويًا لعلم المشاهد". فإن لم يكن أهل مكة عند نزول السورة عالمين بكيفية الواقعة، فليت شعري مَنْ عسى أن يكون عالمًا بها حتى يخاطَب بما ذكر، فتدبَّرْ.
فإن قيل: إنّك جوَّزت الاستئناف على معنى "ترميهم الطير"، وهذا الوجه يرد عليه أيضًا.
قلتُ: إنّما جوَّزتُه على أن يكون السؤال ممن لم يعلم بالواقعة كأهل البلدان البعيدة عن مكة وأهل العصور المتأخرة. وقد مرّ الجواب [ص ٦٢] عن دخولهم في الخطاب بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ مع جهلهم، فلا تغفل، على أني بينت أنه مع ذلك ضعيف.
[ ٨ / ٢٠٢ ]