ومن ذلك الآيات التي يقع بها العذاب، فإنها ليست لإقامة حجة، فيناسبها الحجاب.
وقد تجتمع عدة أسباب كما في فلق البحر لموسى ﵇، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦١
_________________
(١) ٦٦]. فكان في فلق البحر تطييب لنفس موسى وهارون ومن معهما من المؤمنين، ونجاة لهم، وإقامة حجة على من كان في قوم موسى من المرتابين، وإقامة للحجة القاضية على فرعون وقومه وتهيئة عذاب لهم. [ص ٥٦] ولعل وراء ما ذكرت أسبابًا أخرى تقتضي أن لا يكون دون المعجزة حجاب. والله أعلم. ولننظر الآن في قصة الفيل: الرمي في واقعة الفيل لم يكن المقصود منه إقامة حجة، لا على أهل مكة، ولا على الحبشة. أما أهل مكة فإنهم لم يُقصدوا بها، وكانوا مصدّقين بقدرة الله ﷿، وحرمة البيت. وأما الحبشة فكانوا يعلمون قدرة الله تعالى، ويرى المعلِّم أنهم كانوا يعرفون حرمة البيت. ثم قد أقام الله ﵎ عليهم الحجة بحبسه الفيل، كما تقدم في رواية ابن عباس وغيره. قال ابن إسحاق: "فبرك الفيل، فضربوا رأسه
[ ٨ / ٦٩ ]
بالطَّبَرْزِين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقِّه، فبزغوه بها ليقوم فأبى. فوجهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يهرول. ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك. ووجهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك. ووجهوه إلى مكة، فبرك. فأرسل الله عليهم الطير " (^١).
وقد ذكر ذلك في أشعارهم، وذكرها المعلم (^٢). منها قول أبي قيس:
ومن صنعه يوم فيل الحبو ش إذ كلَّما بعثوه رَزَمْ
محاجنُهم تحت أقرابه وقد شرَّموا أنفَه فانخرَمْ
وقد جعلوا سوطَه مِغولًا إذا يمّموه قفاه كَلَمْ
فولى وأدبر أدراجه وقد باء بالظلم مَن كان ثَمْ
فأرسل من فوقهم حاصبًا فلفَّهم مثلَ لفِّ القَزَمْ
تحضُّ على الصبر أحبارُهم وقد ثأجوا كثُؤاج الغنمْ
[ص ٥٧] وقول أبي الصلت أو ابنه أمية:
إنَّ آياتِ ربِّنا ثاقباتٌ لا يماري فيهنَّ إلا الكفورُ
حَبَسَ الفيلَ بالمغمَّس حتى ظلَّ يحبو كأنه معقورُ
لازمًا حلقةَ الجِرانِ كما قُطْـ طِرَ من صخرِ كبكبٍ محدورُ (^٣)
_________________
(١) سيرة ابن هشام بهامش الروض الأنف (١/). [المؤلف]. ط السقا (١/ ٥٢ - ٥٣).
(٢) زدت البيت الرابع والخامس من القطعة الأولى من السيرة، واتبعت رواية السيرة، وانظر الأشعار وشرح غريبها في الروض الأنف (١/). [المؤلف].
(٣) في كتاب الحيوان ٧/ ١٩٨: "قطِّر صخرٌ من كبكبٍ محدورُ".
[ ٨ / ٧٠ ]
وقول المغيرة بن عبد الله المخزومي:
أنت حبستَ الفيل بالمغمَّسْ حبستَه كأنه مكردَسْ
محتَبسٌ تزهق فيه الأنفسْ (^١)
وأنشد المعلِّم لطفيل:
ترعى مذانبَ وسميٍّ أطاع له بالجِزع حيث عصى أصحابَه الفيلُ (^٢)
وفي "الصحيح" في قصة الحديبية: "وسار النبي ﵌ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فألحَّتْ، فقالوا: خَلَأت القَصْواء. فقال النبي ﵌: ما خلأت القَصْواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألونني خُطَّةً يعظِّمون فيها حرماتِ الله إلا أعطيتُهم إياها. ثم زجرها فوثبت " (^٣).
وفي "الصحيح" من حديث أبي هريرة: "أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلًا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية، فقام رسول الله ﵌ فقال: إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليهم رسوله
_________________
(١) رواية الأزرقي (١٥٦): "بمحبس".
(٢) في الأصل: "مذالف وسمي"، وكذا في تفسير سورة الفيل عن كتاب الحيوان طبعة الحميدية. وهو تحريف صوابه ما أثبتناه من ط هارون ٧/ ١٩٧ والأزرقي (١٥٥). وفي الديوان (٥٦): "منابت".
(٣) صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد إلخ. [المؤلف]. (٢٧٣١، ٢٧٣٢).
[ ٨ / ٧١ ]
والمؤمنين " (^١).
وقد تقدم في فصل (ج) ما روي عن وهب: "كانت الفيلة معهم فشجُع منها فيل فحُصِبَ". وهذا يقتضي أن الفيلة كلها امتنعت عن التقدم إلى مكة إلا واحدًا منها فحصب، وقد تقدم هناك أنها كانت ثلاثة عشر فيلًا. [ص ٥٨] فحبس الفيل على الصفة المذكورة آيةٌ، أقام الله تعالى بها الحجة على أبرهة، تؤكد له حرمة البيت ومكانه من ربه ﷿. فلو اعتبر بها ورجع بجيشه عن قصد البيت لما أصابهم العذاب، ولكن لما أصرّوا رمتهم الطير، كما بينته القصة والأشعار، من أن الرمي كان بعد حبس الفيل بمهلة. والسورة تدل على ذلك، كما يأتي في تفسيرها إن شاء الله تعالى.
فاتضح بما تقدم أن الرمي لم يكن لإقامة حجة، وإنما كان آية عذاب، ومثل ذلك لا يستدعي الحجاب، كما تقدم.
فإن قيل: فإن فيه إقامة حجة على من تبلغه القصة، وهو لا يصدق بقدرة الله تعالى، أو بحرمة البيت.
قلت: الحجاب في حق هؤلاء أنهم لم يشاهدوا الواقعة، فيمكنهم التكذيب، وإنكار التواتر، وأن يتأولوا، كما فعل الناس بفلق البحر وغيرها. وقد فعلوا ذلك بهذه الآية نفسها، كما ترى، ويأتي له مزيد.
ولم يكن المقصود مما فعل الله تعالى بأصحاب الفيل إغاثة أهل مكة حتى تستدعي الخارقة تسببًا منهم، وإنما المقصود من ذلك حفظ البيت عن
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين [٦٨٨٠]. صحيح مسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة [١٣٥٥]. [المؤلف].
[ ٨ / ٧٢ ]
أن يهان، وعقوبة الحبشة، والإرهاص للنبي ﵌. فإنه بُعث بتعظيم حرمات البيت والحرم، وتطهيره عما دنسه به المشركون من رجس الأوثان. وكان الله تعالى يرشّح عرب الحجاز للقيام بأعباء الإسلام، فاقتضت حكمته أن يبقَوا قَراحًا لم تطأهم ذِلّة، ولم تجأهم مَلَكة؛ لأن ذلك شرط عادي لقيامهم بالإسلام. ولهذا لما كان بنو إسرائيل على غير هذه الصفة لم يصلحوا لحمل الدين حتى حبسوا أربعين سنة في التِّيه، فنشأ منهم قرن صالح.
ولم يكن أهل مكة حين واقعة الفيل دون الحبشة في الكفر، فإن الحبشة نصارى أهل كتاب، وأهل مكة أهل شرك وأوثان.
ولم يكن ذلك الخارق معجزة ولا كرامة لأهل مكة، أو لواحد من أحيائهم حتى يحتاج إلى مباشرة منهم، كما في رمي النبي ﵌ يوم بدر، ورمي موسى بالرماد، ومدّ يده للجراد.
فرمي الحبشة خارق لا يستدعي رميًا من أهل مكة ألبتة، فاندفع ما حاوله المعلِّم ﵀.
ثم أسوق عبارته في تطبيق واقعة الفيل على الشواهد الثلاثة التي ذكرها، وقد تقدمت.
[ص ٥٩] طبقها على الشاهد الأول، وهو رمي النبي ﵌ في يوم بدر بقوله: "وكذلك في هذه السورة كانت قريش ترميهم بحجارة، ينفحونهم بها عن الكعبة، فجعلها الله حجابًا لما أرسل على أصحاب الفيل من الحجارة من السماء، وكما نسب الله تعالى الرمي في بدر
[ ٨ / ٧٣ ]
إلى نفسه في قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فهكذا ههنا نسب إلى نفسه أنه جعلهم كعصف مأكول. فلا شك أنها كانت من الآيات البينات، فإن منافحة قريش كانت أضعف من أن يفُلَّ هذا الجيش، فكيف يحطِّمهم حتى صاروا كعصفٍ مأكول؟ ".
قال عبد الرحمن: قد علمت أن فعل الله تعالى بأصحاب الفيل لا يحتاج إلى حجاب. وأزيدك ههنا أنه كان هناك مانع من الحجاب والتسبب والمباشرة، بل مانعان:
الأول: أنه لو قدر الله تعالى أن يكون منهم رمي، لكان ظاهر الأمر أنّ الله ﷿ نصرهم، وأعانهم، وأمدّهم بآية من آياته، وفي ذلك ما يُشعرهم بأنهم على حقٍّ يرضاه الله ﷿ ويحبّه. وإذًا لقالوا للنبي ﵌
_________________
(١) حين دعاهم إلى التوحيد، ونبذ الأوثان، وبيَّن لهم ما هم عليه وآباؤهم من الضلال والبهتان : إن الله ﵎ أيَّدنا ونصرنا وأعاننا إذ رمينا أصحاب الفيل شيئًا من الرمي، فكثَّره الله تعالى حتى هزم ذلك الجيش العظيم، وحطّمه وكنا حينئذٍ على ما نحن عليه الآن من عبادة الأوثان وغيرها، فلولا أنَّ ذلك مرضي عند الله سبحانه لما صنع بنا ذلك. فلما لم يقدر الله ﷿ رميًا منهم، بل قدر على ما جاء في الروايات تأمين أبرهة لهم، ونكولهم عن القتال [ص ٦٠] علموا أن الله ﷿ إنما فعل بأصحاب الفيل ما فعل حمايةً لبيته. وليس في ذلك ما يدل على رضا الله تعالى بشركهم، فلم يمكنهم أن يحتجوا على النبي ﵌. المانع الثاني: أن معيشة أهل مكة قائمة على تجارتهم إلى اليمن والحبشة والشام، كما هو مبين في تفسير سورة قريش، فلو وقع منهم رمي
[ ٨ / ٧٤ ]
وقتال لأبرهة لانقطعت تجارتهم من تلك الجهات، كما تقدم في فصل (ج). ولم يشأ الله ﷿ قطع متاجرهم؛ لأنه قد أجاب فيهم دعوة خليله إبراهيم ﵇، وهو يُعِدُّهم لبعثة محمد ﵌ فيهم، ويريد أن يمتنَّ عليهم بذلك، كما جاء في سورة قريش. لهذه العلاقة
_________________
(١) والله أعلم أعقب الله تعالى هذه السورة بسورة قريش. وأما قول المعلم: "وكما نسب الله تعالى الرمي إلى نفسه "، فهذه محاولة فاشلة. يخاطب الله تعالى رسوله بقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فيصرح له بأن الأثر لم يكن لرميه، مع أنه ﵌ والمؤمنون معه يعلمون أنه لا حول لهم ولا قوة إلا بالله، فكيف يعقل مع هذا أن يكون أهل مكة رموا الحبشة، فأمدّهم الله تعالى برمي من عنده، ثم يذكرهم بذلك بعد تكذيبهم لرسوله وكتابه، وفعلهم العظائم؛ فيذكر رميهم مثبتًا غير منفي، ويطوي ذكر رميه، فلا يصرح به؟ وهل هذا إلا عكس الحكمة؟ فإن الأمر الواضح الذي لا يخفى أن يقال: إذا اقتضت الحكمة التصريح بنفي رمي النبي ﵌، وإثبات رمي الله تعالى لإثبات أنه المؤثر في خطاب النبي صلى الله عليه وآله سلم، مع أنه والمؤمنون معه لا يرتاب في ذلك، فبالأولى والأحرى [ص ٦١] أنه إذا كان من أهل مكة رمي لأصحاب الفيل أن يصرح الله تعالى لهم بنفي رميهم، وإثبات رميه؛ فإنهم مشركون. فإن قيل: فقد أشار إلى فعله بقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾، كما ذكره المعلم.
[ ٨ / ٧٥ ]
قلت: فإنّ في كلامه ما يردّ هذا، وأنه يرى أن جعلهم كعصف مأكول إنما هو نتيجة لأكل الطير. قال في الشاهد الثالث: "فكذلك أكلت هذه الطيور جثث تلك الملحدين فكانوا كعصف أكلته جراد موسى".
فإن سلمنا أن هناك إشارةً ما، فهي إشارةٌ ضعيفةٌ؛ لاحتمال أن يكون المعنى: جعلهم كذلك برميكم إياهم، فإن المشركين كانوا مما يقولون نحو ذلك. تقاتل القبيلة عدوها فتغلبها، وتكثر فيها القتل، وتهزمها، ثم تقول الغالبة: قد قتل الله عدونا، وهزمهم، وأهلكهم. فمن ذلك قول بعض تيم الرباب لعبد يغوث، وقد قاتلوا قومه، فأثخنوا فيهم، وأسروه: جمعتَ أهل اليمن، وجئتَ لتصطلمنا، فكيف رأيتَ الله صنع بك؟ (^١).
ومع ذلك فقد تقدم أن التصريح بالنفي في رمي النبي ﵌، يبطل أن يكتفى في رمي المشركين ــ إن كان ــ بالإشارة.
وذكر المعلِّم في الشاهد الثاني أثر الرماد الذي ذرَّه موسى ﵇، وفيه: "فيصير على الناس وعلى البهائم دمامل طالعة ببثور". ثم طبق عليها قصة الفيل: "فهكذا كان الأثر من الحجارة على أصحاب الفيل، فروي عن عكرمة أنه من أصابته أصابه جدري. وهكذا قول ابن عباس وسعيد بن [ص ٦٢] جبير ولكن دمامل المصريين لم تكن مهلكة ".
قال عبد الرحمن: قد تقدم قول عكرمة، ومن وافقه في شأن الجدري، وقول ابن عباس في الحكّة، ولم أجد ذلك عن سعيد بن جبير. ثم لا يلزم من تشابه الآيتين من وجه أو وجهين تشابههما من جميع الوجوه. فكما اختلفت الآيتان في أن الذي نثره موسى رماد، والذي جعله الله تعالى على
_________________
(١) الأغاني (١٥/ ٧٢). [المؤلف]. ط الثقافة ١٦/ ٢٥٩.
[ ٨ / ٧٦ ]
أهل مصر غبار؛ وأثره فيهم دماميل غير مهلكة، والذي رمى به قريش
_________________
(١) على دعوى المعلِّم حجارة، والذي سلطه الله على أصحاب الفيل حجارة، وأثرها فيهم جدري مهلك = فما المانع من اختلافها في أنه كان من موسى ذرو للرماد، ولم يكن من أهل مكة فعل ما، وكان جعل الغبار بغير واسطة، ورمي أصحاب الفيل بواسطة الطير؟ وقد علمت أن حال موسى تناسب أن يكون منه فعل، ليعلم أن ما يكون عقب ذلك معجزة له، وللتسبب؛ وأن حال أهل مكة على خلاف ذلك. وذكر في الشاهد الثالث ما وقع في آية موسى من مدّ يده بعصاه، وخروج الجراد، وأكله ما تركه البرد من العشب والثمر، ثم دعاء موسى في دفع الجراد: "فردَّ الربُّ ريحًا غربيّة شديدة جدًّا، فحملت الجراد وطرحته إلى البحر الأحمر". ثم طبق المعلِّم آية الفيل عليها بقوله: "فهكذا جاءت الطير من جهة البحر، ولم ير مثلها وكما أكلت الجراد مما حطّمه البرد، فكذلك أكلت هذه الطيور جثث تلك الملحدين، فكانوا كعصف أكلته جراد موسى". قال عبد الرحمن: ليس من الواجب في آيات الله ﷿ أن تتشابه صورها، بل قد تتضاد، كأن تكون آية فيها إحياء ميت، وأخرى فيها إماتة حي. وقد تتشابه من وجهٍ، وتختلف من غيره، كما تقدم [ص ٦٣] في آية الرماد مع آية الفيل. فكذلك هنا لا يلزم من مدّ موسى ﵇ يده بعصاه في تلك أن يكون هنا فعل من أهل مكة. وقد علم مما تقدم أن الحكمة مختلفة، فهناك اقتضت الحكمة أن يكون من موسى ﵇ فعل، وهنا اقتضت أن لا يكون من أهل مكة فعل، على ما سلف.
[ ٨ / ٧٧ ]
وكذلك لا يلزم من أكل الجراد ما أبقاه البرد من عشب مصر وغيرها أن تأكل الطير جثث من أهلكه الله تعالى من أصحاب الفيل بالحجارة، ولا أن يكون ما شبّه به ما صار إليه حال أصحاب الفيل من عصف مأكول أريد به ما أكلته جراد موسى.
وبالجملة، فإن كان في كلام المعلِّم ﵀ في هذا الفصل استدلال، ففيما يتعلق بالحجاب، وما معه، وقد علمت الجواب. وأما ما بقي فإنما هي صناعة شعرية قد علمت حالها.
ويلحق بذلك ما ذكره المعلِّم رحمه الله تعالى مما وقع في مكاشفات يحيى، مما يراه المعلِّم ﵀ ــ بحقٍّ ــ بشارةً بمحمد ﵌، وفيه: "ثم رأيت السماء مفتوحة، وإذا فرس أشهب، والجالسُ عليه يُدعى أمينًا وصادقًا، وبالعدل يحكم ويحارب، وعيناه كلهب نار، وعلى رأسه تيجان كثيرة، وله اسم مكتوب ليس يعرفه إلا هو، وهو متسربل بثوب مغموس بدم وجنود السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض، لابسين بزًّا أبيض نقيًّا. ومن فمه يخرج سيفٌ ماضٍ، لكي يضرب به الأمم، وهو سيرعاهم بعصا من حديد ورأيت ملاكًا واحدًا واقفًا في الشمس، فصرخ بصوت عظيم قائلًا لجميع الطيور الطائرة في وسط السماء: هلمَّ اجتمعي إلى عشاء الله العظيم، لكي تأكلي لحوم ملوك، ولحوم قواد، ولحوم أقوياء، ولحوم خيل، [ص ٦٤] والجالسين عليها، ولحوم الكلّ، حرًّا وعبدًا، وصغيرًا وكبيرًا" (^١).
قال عبد الرحمن: الأنسب بسياق الكلام أن يكون ذلك العشاء مما
_________________
(١) تفسير سورةالفيل (٢٨ - ٢٩).
[ ٨ / ٧٨ ]
يقتله المبشَّر به في سبيل الله، وقد كان كذلك. فكم قتل المسلمون في محاربتهم فارس والروم والترك وغيرهم من ملوك وقواد، وخيل وفرسان، أكلتهم طيور السماء! وذلك أنسب بالعشاء العظيم، فإنهم أضعاف أضعاف من هلك من أصحاب الفيل، وأنسب بجميع طيور السماء، فإن الطير الأبابيل كانت من نوع خاص لم يعرفه العرب.
على أننا قد بينا أنه لا مانع أن يكون الله ﷿ أطعم الطير الأبابيل من لحوم صيدها، ولم يصرح بذلك في القرآن والروايات؛ لأنه في نفسه أمر عادي. فإن ثبت ذلك لم يكن فيه ما ينفي ما دل عليه الكتاب والرواية، واتفق عليه الناس من رمي الطير.
الأمر الثالث (^١) من البواعث على إنكار رمي الطير: أن بعض فلاسفة الإفرنج وكُتَّابهم وأذنابهم من الملحدين ينكرون الخوارق، ويسخرون منها، ويعدّون ذكرها في القرآن برهانًا على اشتماله على الكذب. وعلماءُ المسلمين شديدو الغيرة على القرآن، والحرص على تبرئته عن المطاعن، فقد يحمل بعضَهم ذلك على أن يتأول بعض النصوص القرآنية، ويحمله على معنى لا ينكره القوم.
ومتى لم يفحش التأويل فالخطأ فيه ــ إن شاء الله تعالى ــ مغفور، والباعث عليه أمرٌ محمودٌ؛ إلا أن الحقَّ أحقُّ أن يتبع، وأعزُّ من أن يُضطرَّ المنتصر له إلى ترك بعضه. فالواجب على أهل العلم أن يبحثوا عن مستند القوم في إنكار الخوارق، فيهدموه بالحجة والبرهان. [ص ٦٥] فأما ترضّيهم بتأويل بعض النصوص، فخطلٌ من الرأي.
_________________
(١) الأمر الثاني تقدّم في (ص ٦٠).
[ ٨ / ٧٩ ]
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]. ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].
لست أقول: إن المعلِّم رحمه الله تعالى ممن يمكن أن يختار تأويلًا يعلم ضعفه، ولكن قد لا يبعد أن تكون شدة غيرته على القرآن، وحرصه على دفع الطعن عنه، ممّا قرّب ذاك التأويل إلى فهمه.
ولذلك نظائر لا تنكر، فإننا نجد في علماء المذاهب الفقهية جماعة من الأكابر لا يُرتاب في علمهم ودينهم وورعهم، ومع ذلك ترى في انتصارهم لمذاهبهم العجب العجاب. فأما المتكلمون في العقائد فشأنهم أوضح.
فإن قلت: أما المعلِّم رحمه الله تعالى ففي كلامه ما يرد هذه التهمة، فإنه وإن أنكر رمي الطير، فقد أثبت ما هو أعظم، وهو الرمي من السماء.
قلت: أنا لم أجزم باتهامه ﵀، وإنما مقصودي تحذير أهل العلم من التساهل في هذا المعنى. على أنه قد يقال: يمكن أن يكون رأى إثبات الرمي من السماء أخفَّ من إثبات رمي الطير؛ لأنه إذا أثبت رمي الطير كان منصوصًا بالقرآن، فالمنكرون له يطعنون في القرآن. وأما الرمي من السماء فإنما [ص ٦٦] قاله المعلِّم ﵀ برأيه، وليس منصوصًا في القرآن؛ علمًا أن منكري الخوارق لا ينكرون أن تمطر السماء رملًا وحجارةً، وهو عندهم أمر عادي، ففي "دائرة المعارف" للبستاني تحت عنوان "الشهب الساقطة أي النيازك" ما لفظه:
[ ٨ / ٨٠ ]