وقيل: كعصف أكل حبه، فإن ورق الزرع ما دام على حبه لا يتفرق، ولا يهون على الناس.
والقول الثالث هو الظاهر. والثاني قوي، والنفس إليه أميل. والله أعلم.
[ص ١١٣] وقال المعلِّم ﵀ (ص ٣): "المأكول: ما من شأنه أن يؤكل، تسمية الشيء بما يؤول إليه. وهذا الأسلوب عام في الكلام، قال تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢، ٤٤] ".
قال عبد الرحمن: هذا التأويل يجعل الكلمة لغوًا، فإنه معلوم أن من شأن العصف أن يؤكل، فأي فائدة في وصفه بما لا يخفى، ولا ينكر، ولا مقتضى لتنزيله منزلة الخفي، أو المنكر.
فأما قوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، فالقضاء هنا بمعنى التنفيذ بالفعل، فيما يظهر. كان ذلك الأمر مفعولًا: مقدرًا في علم الله أنه سيفعل، فقضاه، أي نفذه ونجزه ذلك اليوم، أي يوم بدر.
لا يقال: إن كل ما قضاه الله تعالى بالفعل، فمعلوم أنه كان مقدرًا فعله في علمه، وهذا يشبه ما اعترضت به قول المعلِّم في "مأكول". لأني أقول: لا يستحضر كل إنسان ولا يصدق كل أحد بأن كل ما يقع فقد سبق في علم الله أنه واقع. فتدبر!
٤ ــ قال المعلِّم ﵀ (ص ٣): "إنما شبه أصحاب الفيل بالعصف المأكول لما أنهم هُزموا وكُسروا ومُزِّقوا كلَّ ممزَّق، وذهبت سلطنتهم بعيد ذلك. وهذا تشبيه معروف، قال عدي بن زيد في قصيدته المشهورة (^١):
_________________
(١) ديوان عدي (٩٠).
[ ٨ / ١٤٠ ]
ثم صاروا كأنهم ورقٌ جَفْـ ـفَ فألوَتْ به الصَّبا والدَّبورُ
وهكذا في القرآن ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ [ص ١١٤] نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥] أي: جعلهم كهباء منثور ثم زاد هذا التشبيه حسنا أن أصحاب الفيل تناثرت أعضاؤهم، وأكلتهم سباع الطير
_________________
(١) كما سيأتيك بيانه فصدق عليهم صورة ومعنى أنهم صاروا كعصف مأكول". قال عبد الرحمن: التشبيه يعطي ثلاثة أمور: الأول: الهلاك، وقد جاء نحوه في قصة ثمود، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]. الثاني: الهوان على الناس، فإن ما تُسْئِره الدواب من العصف أو تروثه لا يلتفت إليه أحد، ولاسيَّما إذا تفرق، وقد يأتي نحو هذا في ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾. الثالث: التفرق، وذلك من شأن العصف الملقى أن تذهب به الرياح شذر مذر. يظهر أن اختيار كلمة "عصف" يشير إلى ذلك، فإنها مأخوذة من عصفت الريح، كما مر. فإن قيل: فقد تقدم أن القوم لم يهلكوا جميعًا، بل نجا بعضهم. قلت: يكفي في صدق التشبيه هلاك أكثرهم، فإن من نجا منهم إنما نجا مصابًا، كالأعميين المقعدين اللذين أدركتهما عائشة بمكة، وذلك ضرب من الهلاك، قد يكون أشد من الموت. ومن لم يصب منهم إن كان فإنه رجع
[ ٨ / ١٤١ ]
خاسئًا ذليلًا، وذاك ضرب آخر من الهلاك.
على أن حكاية القصص والوقائع لا يجب أن تدقق فيها العبارة تدقيقها في العقائد والأحكام، فقد يطلق فيها العام مرادًا به الخاص، اكتفاءً بقرينة ليست بغاية القوة، كأن يكون اكتفى ههنا بمشاهدة العرب، ونقلهم [ص ١١٥] أن بعض أفراد ذلك الجيش نجوا، والله أعلم.
ويكفي في صحة الوجه الثالث
_________________
(١) وهو التفرق تفرق أفرادهم، كما في القصة أنهم ذهبوا يتساقطون عند كل منهل؛ إذ لا يلزم من تشبيه شيء بشيء مساواته به من كل وجه. كيف، ولو قلنا بتساقط أعضائهم، وأكل الطير لحومهم لبقيت عظامهم، فهل يلزم أن يدعى أن عظامهم تهشمت حتى صارت في قدر العصف؟ فأما ما جاء من تساقط أعضائهم بالداء الذي أصابهم، فلعله كان ذلك في بعضهم، فقد جاء أن أبرهة جرى له كذلك. ويمكن أن يكون أصاب عتاة أصحابه مثل ما أصابه. وأما أكل الطير فقد تقدم البحث فيه مستوفى في القسم الأول. والله أعلم. فانظر إلى هذا النظام البديع في هذه السورة: الآية الأولى: أجملت ما فعل الرب بأصحاب الفيل، وشوقت إلى معرفته. والآية الثانية: بيّنت أول ما فعله الربُّ بهم، وهو تضليله كيدهم. والثالثة: بينت مقدمة العذاب، والواسطة فيه. والرابعة: بينت صفة العذاب. والخامسة: بينت ما ختمت به الواقعة، وهو هلاك القوم.
[ ٨ / ١٤٢ ]