وقوله سبحانه: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص ٢٤] مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ بغيُ السبيل عوجًا لازمٌ للصدِّ عنها، فهو بمنزلة النعت الذي يؤتى به للذمِّ، نحو أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وكذلك التظاهر مع الإخراج في الآية الرابعة.
وهذا ما يتعلق بالضرب الأول.
فأما الثاني: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فذنب العالم ــ كما قيل ــ ذنبان، فكأنه تعالى وبَّخهم على الذنب من حيث هو، ثم وبَّخهم عليه من حيث إنهم يعلمون أي: ليسوا من الجهال.
ونحو ذلك يقال في الآية الثانية. والله أعلم (^١).
[ص ٢٥] تقرير المجاز في استعمال ما هو للحال فيما هو ماضٍ أو مستقبل (^٢)
اعلم أنَّ للأمر الواقع في الحال خواصَّ بملاحظتها يكون التجوُّز:
منها: الاستمرار من الحال إلى الاستقبال. أعني تلك اللحظات الثلاث التي تقدَّم بيانها في الفائدة الخامسة والسادسة. وكأنه بملاحظتها كان التجوُّز في استعمال المضارع للاستمرار من الماضي البعيد إلى المستقبل البعيد، كما مرَّ في الفائدة السابعة. ويمكن تقريره بوجوه لا تخفى على المتأمل.
ومنها: الملابسة للحال، فإنَّ الواقع في الحال ملابس له بالظرفية، فيشبَّه
_________________
(١) ترك بعده بقية الصفحة بيضاء.
(٢) كتب أولًا قبل هذا العنوان رقم (١١)، ثم غيَّره إلى (١٤).
[ ٨ / ١٦٢ ]
به ما وقع في الماضي القريب، أو يقع في المستقبل القريب، لملابستهما الحال بالمجاورة. وهذا في الزمان شبيه بما يقع من التجوُّز في المكان نحو قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. شبه الإلصاق بالجذوع بالإدخال فيها.
ويوضِّحه أنَّ كلمة "الآن" موضوعة لزمن التكلم، ثم تجدها تُستعمل في الماضي القريب، كقول زياد الأعجم يرثي المغيرة بن المهلب:
الآن لمَّا كنتَ أكرمَ مَن مشَى وافترَّ نابُكَ عن شباة القارح (^١)
أي الآن تموت؟ مع أنه إنما رثاه بعد موته. ويستعجلك صاحبك فتقول: الآن أخرج إليك، تريد: عن قرب.
وقد حمل عليه قوله ﷿: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله سبحانه حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]، لأنَّ مَن الشرطية تُخلص المضارع للمستقبل، وفي هذا بحث.
وقد تطلق كلمة "الآن" على ما يحيط بزمن التكلم متسعًا، كقولك: كنت قبل سنة مهاجرًا لزيد، أما الآن فإننا نتزاور. وانظر هذا مع المضارع الاستمراري.
[ص ٢٧] (^٢) ومنها: التحقق، فإنَّ من شأن الواقع في الحال أن يكون
_________________
(١) ستأتي الحوالة. [المؤلف].
(٢) الصفحة (٢٦) كتب فيها سطرًا، ثم ضرب عليه، فهي فارغة.
[ ٨ / ١٦٣ ]
مُدْرَكًا بالحسِّ مشاهَدًا بالعين، وكفى بذلك تحقُّقًا. وإنما يكثر عند إرادة تحقيق المستقبل تشبيُهه بالماضي، لأنه إذا شُبِّه بالحال كان التعبير بالمضارع، والمضارع يُستعمل في المستقبل حقيقةً أو مجازًا شائعًا ذائعًا، فلا تظهر إرادة المجاز، وإذا لم تظهر لم يُتنبَّه لِما قُصِد من التحقق، مع أنه قد جاء منه مواضع كما يأتي.
فبالنظر إلى هذه الصفة يشبَّه ما تحقَّق أنه وقع في الماضي أو أنه سيقع في المستقبل بما هو واقع في الحال بجامع التحقق.
وقد يقع التشبيه بهاتين الصفتين معًا، والتشبيه الصريح يقع غالبًا على سبيل الكناية كقولهم "كأنك بالشتاء مقبل، وكأنك بالفرج آتٍ".
الصواب أنَّ قوله "مقبل" خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو مقبل، ومثله قوله "آت"؛ وأن الباء بعد (كأنك) كالباء في قوله ﵌ في قصة أم إسماعيل: "فإذا هي بالمَلَك" (^١)، وفي حديث آخر: "فإذا أنا بموسى آخذٌ" (^٢)، وفي حديث الإسراء: "فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين فإذا هو بنهر آخر" (^٣). وفيه: "فإذا أنا بآدم فإذا أنا بابني الخالة فإذا أنا بيوسف فإذا أنا بإدريس فإذا أنا بهارون فإذا أنا
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [المؤلف]. من حديث ابن عباس [٣٣٦٤].
(٢) أيضًا باب قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى﴾ [المؤلف]. من حديث أبي سعيد [٣٣٩٨].
(٣) أيضًا كتاب التوحيد، باب ما جاء في قوله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [المؤلف]. من حديث أنس [٧٥١٧].
[ ٨ / ١٦٤ ]
بموسى فإذا أنا بإبراهيم" (^١).
[ص ٢٨] فأصل التشبيه في هذين أنه شبَّه حلولَ الشتاء في المستقبل القريب بحلولٍ له في الحال، بجامع ملابسة الحال. وشبَّه وقوعَ الفرج في المستقبل القريب بوقوع منه في الحال، بجامع ملابسة الحال والتحقق. ولكنه عدل عن هذا إلى لازمه، وهو تلبُّس المخاطب بهما في الحال، فإنه إنما يتلبَّس في الحال بما هو واقع فيه.
ومنه: قوله ﵌ في شأن الكعبة: "كأنِّي به أسودَ أفحَجَ يقلعها حجرًا حجرًا" (^٢).
شبَّه هدمَ ذلك الحبشي في المستقبل بهدمٍ يقع منه في الحال بجامع التحقُّق، وعدل إلى الكناية فقال: "كأنِّي به" أي: كأني ملتبِّس به أي: أُبصِره، لأنه إنما يُبصره يَهدِم في الحال إذا كان الهدم واقعًا في الحال.
ومنه قوله ﵌ ــ وقد مرَّ بوادي الأزرق ــ: "كأني أنظر إلى موسى - ﷺ - ــ فذكر من لونه وشعره ــ واضعًا إصبعيه في أذنيه، له جُؤارٌ إلى الله بالتلبية، مارًّا بهذا الوادي ". ثم قال عندما مرَّ بثنيَّة هَرْشَى (^٣): "كأنِّي أنظر إلى يونس على ناقة حمراء، عليه جبة صوف، خطامُ ناقته لِيفٌ خُلْبَةٌ مارًّا بهذا الوادي ملبِّيًا" (^٤).
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء. [المؤلف]. من حديث أنس [٢٥٩].
(٢) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب هدم الكعبة. [المؤلف]. من حديث ابن عباس [١٥٩٥].
(٣) رسمها في الأصل: "هرشا".
(٤) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء. [المؤلف]. من حديث ابن عباس [٢٦٩].
[ ٨ / ١٦٥ ]
شبَّه مرور موسى ويونس ﵉ بذلك الوادي في الماضي، بمرور يقع منهما في الحال بجامع التحقُّق، وكنى عن ذلك بقوله: "كأني أنظر "، لأنه إنما ينظر في الحال إليهما مارَّين، إذا كان مرورهما واقعًا في الحال.
فأما ما يُروى فيمن قال: "أصبحت مؤمنًا حقًّا، فقيل له: ما حقيقة إيمانك؟ فقال: كأني أنظر إلى عرش ربِّي بارزًا" (^١) يُريد: يوم القيامة؛ فليس فيه كناية، [ص ٢٩] وإنما شبَّه حاله في تصديقه بأمور القيامة بحاله على فرض أنه ينظر إليها. فأمور القيامة ثابتة عند السائل، وإنما مقصود المسؤول إثبات إيمانه بها.
وأما مرور موسى ويونس ﵉ حاجَّين، فلم يكن ثابتًا عند المخاطبين، فمقصود النبي ﵌ تثبيت المرور، لا تثبيت تصديقه بالمرور. فلهذا كان ما يظهر من الكلام من إثبات التصديق بالمرور كناية، على ما سمعت، والله أعلم.
فأما العبارة المشهورة: "كأنك بالدنيا لم تكن"، ففيها تشبيه مع الكناية ومجاز.
والأصل تشبيه ما يتوقع من زوال الدنيا بزوال واقع في الحال بجامع القرب والتحقُّق، وتشبيهها عند زوالها بها لو لم تُوجد أصلًا، بجامع عدم النفع. أما الأول فظاهر. وأما الثاني فإنَّ الرجل إذا عاش مدة، ثم مات، ولم يبق بعد موته نفعٌ يتسبَّب عن حياته= قيل كأنه لم يُخْلَق، لأنه لما خُلِق، وعاش
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الكبير" (٣٣٦٧) من حديث الحارث بن مالك الأنصاري. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٢١): "وفيه ابن لهيعة، وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه".
[ ٨ / ١٦٦ ]
مدَّةً ولم يتسبَّب عن حياته نفعٌ= كان من هذه الجهة كأنه لم يُخْلَق، فإنه لو لم يُخْلَق يكون الحال كذلك، أي أنه لا يوجد نفعٌ يُنسَب إلى خلقه وعيشه.
فحلُّ العبارة هكذا: كأنَّ الدنيا زائلة، أي: الآن، وكأنها إذا زالت لم تكن. ثم طُوي التشبيه الثاني، واستعيرت الصفة للدنيا، فقيل: "لم تكن" وجُعل هذا اللفظ بدل حقيقته في التشبيه الأول، فصار: "كأن الدنيا لم تكن" ــ أي: الآن، ثم كُني عنه على ما سمعت أولًا. وقس عليه بقية العبارة، وهي "وبالآخرة لم تَزُل".
واعلم أنك إذا قلت ــ وزيد غائب ــ: "كأنك بزيد قادم". فقد تمَّ الكلام بقولك: كأنك بزيد، لأن التقدير: كأنك متلبِّس بزيد في الحال، فقولك: "قادم" خبر لمبتدأ محذوف.
وإذا قلت ــ وزيد حاضر ــ: "كأنك بزيد مسافرًا" فلا يتم الكلام إلا بقولك: مسافرًا، فـ"مسافرًا" حال، فتدبَّرْ.
هذا تحقيق هذا التركيب، وقد أطالوا فيه بما في بعضه تخليط (^١).
وتردد التقي السبكي في صحته قال: " [وقد استعملتُ في كلامي هذا: "وكأني بك" لأن الناس يستعملونه، ولا أدري هل جاء في كلام العرب أم لا، إلا أن في الحديث: "كأنِّي به"، فإنْ صحَّ فهو دليل الجواز. وفي كلام بعض النحاة ما يقتضي منعه "] (^٢).
_________________
(١) راجع "المغني مع حواشي الدسوقي" (١/ [٢٨٠])، و"الأشباه والنظائر النحوية" للسيوطي (٤ /). [المؤلف] طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق (٤/ ٢٠ - ٣١).
(٢) بيَّض المؤلف هنا نحو أربعة أسطر لنقل كلام السبكي ووضع في أولها علامة التنصيص، فأوردناه من "الأشباه والنظائر" للسيوطي (٤/ ١٨٨ - ١٨٩).
[ ٨ / ١٦٧ ]
[ص ٣٠] هذا، والغالب في تشبيه غير الواقع في الحال بالواقع فيه طيُّ التشبيه واختيارُ المجاز على سبيل الاستعارة. والغالب أنه ينضاف إلى التقريب والتحقيق أو أحدهما فائدة أخرى قد تكون هي المقصود بالذات، وهي حملُ السامع على إنعام النظر في الواقعة، ورسمُ صورتها في ذهنه، لأن صورة الكلام تُصوِّرها له كأنها حاضرة تجري أمام عينيه، فيدعوه إلى أن يتصوَّرها بحسب ذلك، وكأنه يتخيلها تجري أمام عينيه، فيكون ذلك أوقع لها عنده، وأبلغ في تربية الأثر المقصود من حكايتها في نفسه.
وهذا هو المعروف عند أهل العلم بحكاية الحال.
قال الرضي: - "قال جار الله ــ ونعم ما قال ــ: معنى حكاية الحال أن يُقَدَّر أنَّ ذلك الفعل الماضي واقع في حال التكلم كما في قوله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١]، وإنَّما يُفعل هذا في الفعل الماضي المستغرب، كأنك تُحضِره للمخاطب وتُصوِّره له ليتعجب منه. تقول: رأيت الأسد، فآخذُ السيفَ، فأقتلُه" (^١).
وقال السكاكي بعد ذكر أمثلة: "كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ﴾ [فاطر: ٩] إذ قال: "فتثير" استحضارًا لتلك الصورة البديعة الدَّالة على القدرة الربانية، من إثارة السحاب مسخَّرًا بين السماء والأرض، متكوِّنًا في المرأى تارةً عن قزع وكأنها قطعُ قطن مندوف، ثم تتضامُّ متقلِّبةً بين أطوار حتى يَعُدْن ركامًا. وإنّه طريق للبلغاء وأمثال هذه
_________________
(١) شرح الكافية (٢/ ٢٠). [المؤلف] طبعة جامعة الإمام (٢/ ٧٢٨).
[ ٨ / ١٦٨ ]
اللطائف لا تتغلغل فيها إلا أذهان الرَّاضَة من علماء المعاني" (^١).
وقال ابن هشام "القاعدة السادسة: "أنهم يُعبِّرون عن الماضي والآتي كما يعبِّرون عن الشيء الحاضر قصدًا لإحضاره في الذهن، حتى كأنه مُشاهَد حالةَ الإخبار " (^٢).
[ص ٣١] فمن أمثلتهم المشهورة في هذا قول تأبط شرًّا:
فإنّي قد لقيتُ الغُولَ تهوي بسَهْبٍ كالصحيفةِ صَحْصَحانِ
فأضربُها بلا دَهَشٍ فخرَّتْ صريعًا لِليدين وللجِران
فتقرير الاستعارة ــ على ما حققه السيد الشريف (^٣) وغيره ــ أن يقال: شبّه الضرب منه للغول في الماضي بضرب يقع منه لها في الحال بجامع التحقّق في كلّ في نفسه، ثم استعار اللفظ الدالّ على المشبّه به للمشبّه، واشتقّ منه "أضرب".
ونظيره ــ والواقعة مستقبلة ــ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النحل: ١٢٦]. قال في "المغني": "لأن لام الابتداء للحال" (^٤). فتقدير الاستعارة أن يقال: شبّه الحكم الذي سيقع يوم القيامة بحكم يقع في الحال بجامع التحقق إلخ.
_________________
(١) مفتاح العلوم (ص ١٠٧ ــ ١٠٨). [المؤلف].
(٢) تمت القطعة المضافة.
(٣) تقرير الشريفين على هوامش عبد الحكيم على المطول (٤/ ١٧١). [المؤلف].
(٤) المغني مع حواشي الأمير (٢/ ١٩٦). [المؤلف].
[ ٨ / ١٦٩ ]
وكثيرًا ما تبنى الاستعارة على التشبيه مع الكناية، فتكون الاستعارة بالكناية. فمنه
_________________
(١) والواقعة ماضية قوله ﷿ في قصة أصحاب الكهف: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الكهف: ١٧]. شبه التزاور الواقع في الماضي بتزاور يقع في الحال، واستعير اللفظ الدّال على المشبّه للمشبّه به، وطوي ذلك، ورمز إليه بأن أثبت للمشبه شيء من لوازمه وهو رؤية واقعة في الحال، فإنه يلزم من رؤيته في الحال أن يكون واقعًا في الحال. [ص ٣٢] وإثبات الرؤية في الحال تخييل، كما يقوله البيانيون في بحث الاستعارة بالكناية. ومنه والواقعة مستقبلة قوله تعالى في صفة يوم القيامة: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]. شبّه حفوف الملائكة بالعرش يوم القيامة بحفوف واقع منهم في الحال، واستعير لفظ المشبه به للمشبه في النفس، ورمز إليه بأن أثبت للمشبه شيء من لوازمه، وهي الرؤية في الحال، وإثبات الرؤية في الحال تخييل. ومنه والواقعة متكررة في الماضي والمستقبل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣]. وقال ﷿: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ
[ ٨ / ١٧٠ ]
سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [الروم: ٤٨].
الأفعال في هاتين الآيتين إما للاستمرار وإما للحال، والأولى في قوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ أنه للحال، شبه خروج الودق من خلال السحاب فيما يتكرر في الماضي والمستقبل بخروج منه يقع في الحال إلخ، وإثبات الرؤية في الحال تخييل.
[ص ٣٣] وفي القرآن أسلوب آخر قريب من هذا، وهو التعبير بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾، كقوله ﷿: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الآيات [سبأ: ٣١].
قد يتراءى أن هذا الأسلوب دون الأول في البلاغة، ولكنه عوّض بأن حذف جواب لو، وذلك يعطي أن الجواب يُفهَم مما ذكر في سياق الشرط، وهذا يحمل السامع على أن يكرر النظر والتدبر فيما ذكر حرصًا على أن يفهم الجواب. وبهذا يحصل المقصود، فتدبَّرْ.
وهناك فائدة أخرى للتعبير بما هو للحال عما ليس في الحال، وهو إيهام المتكلم أن يعتقد الحصول في الحال، وأكثر ما يقع ذلك في المراثي. وتوجيهه أن المحبّ لشدّة حرصه على بقاء حبيبه، وإشفاقه من موته، يبادر إلى ردِّ خبر الموت، كما وقع لعمر ﵁ عند وفاة النبي ﵌ (^١). فإذا تحقق الخبر بقي عنده شبه تردُّد قد يغلبه بعض
_________________
(١) كما في حديث عائشة، أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، باب قول النبي - ﷺ -: "لو كنت متخذًا خليلًا" (٣٦٦٧).
[ ٨ / ١٧١ ]
الأوقات حتى يتخيل أن حبيبه لا يزال حيًّا، وربما يتخيّله معه. وقد يسلك هذا المجاز في كلمة، ويصرّح بالموت في أخرى، لإيهام أنه لشدة جزعه كأنه قد خولط في عقله. قالت الخنساء في تكذيب الخبر بقتل أخيها:
كذَّبتُ بالحقِّ وقد راعني حتى عَلَتْ أبياتَنا الواعيَهْ (^١)
وقال أعشى باهلة يرثي المنتشر الباهلي (^٢) [ص ٣٤]:
إنّي أتتْني لسانٌ ما أُسَرُّ بها مِنْ عَلْوَ لا عَجَبٌ فيها ولا سَخَرُ
جاءت مُرَجَّمةً قد كنتُ أحذرها لو كان ينفعني الإشفاق والحذَرُ
تأتي على الناس لا تَلْوي على أحدٍ حتى أتتنا وكانت دوننا مُضَرُ
إذا يُعادُ لها ذِكرٌ أكذّبُه حتى أتتني بها الأنباءُ والخَبَرُ
وشرحه المتنبي، فقال (^٣):
طوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ فزعتُ فيه بآمالي إلى الكذِبِ
حتى إذا لم يَدَعْ لي صدقُه أملًا شرِقتُ بالدمع حتى كاد يشرَقُ بي
ولذلك تراهم في مراثيهم يكثرون من مخاطبة الميّت، ويقولون له: "لا تبعد". وآخر مرثية أعشى باهلة السابق ذكرها:
_________________
(١) ديوان الخنساء (٤٠٢). وفيه: "وقد رابني".
(٢) القصيدة في جمهرة أشعار العرب ص ٢٧٠ وما بعدها. [المؤلف]. طبعة الهاشمي (٧١٤). وانظر: الأصمعيات (٨٨)، والكامل (١٤٣١)، والخزانة (١/ ١٩١).
(٣) ديوانه مع شرح العكبري (١/ ٥٨). [المؤلف]. الشرح المذكور لزكي الدين الأنصاري المتوفى سنة ٦٣٩، انظر بحث عبد الرحمن بن إبراهيم الهليل في مجلة الدراسات اللغوية (٣: ٢) عدد ربيع الآخر ١٤٢٢.
[ ٨ / ١٧٢ ]
فإن سلكتَ سبيلًا كنتَ سالكها فاذهَبْ فلا يُبْعِدَنْكَ اللهُ منتشرُ
وفي قصيدة مالك بن الريب (^١) التي يرثي بها نفسه، وهو يجود بها، يذكر ما يقال بعده، ويتعجب من قولهم: "لا تبعد":
يقولون لا تبعَدْ وهم يدفنوني وأين مكانُ البعد إلّا مكانيا
وفي مرثية أعشى باهلة مما استعمل فيه ما يدل على الحال لما مضى وانقضى:
إنّ الذي جئتَ من تثليثَ تندُبُه منه السَّماحُ ومنه الجودُ والغِيَرُ
تنعى امرًا لا تُغِبُّ الحيَّ جفنتُه إذا الكواكبُ خوَّى نوءَها المطرُ
وفيها:
لا تأمنُ البازلُ الكوماءُ ضربتَه بالمشْرَفيِّ إذا ما اخروَّطَ السَفَرُ
قد تكظِمُ البُزْلُ منه حين يَفْجؤُها حتى تقطَّعَ في أعناقها الجِرَرُ
[ص ٣٥] أخو رغائبَ يُعطِيها ويُسْألُها يأبَى الظُّلامةَ منه النَّوفَلُ الزُّفَرُ
ومنها:
يَمشي ببَيْداءَ لا يمشي بها أحدٌ ولا يُحَسُّ خلا الخافي بها أثَرُ
ومنها:
أخو حُروبٍ ومِكسابٌ إذا عَدِموا وفي المخافةِ منه الجِدُّ والحذَرُ
_________________
(١) القصيدة في الجمهرة ص ٢٨٥، وما بعدها، وخزانة الأدب (١/ ٣١٧ -). [المؤلف]. انظر: الجمهرة طبعة الهاشمي (٧٥٩ - ٧٦٧) والخزانة طبعة هارون (٢/ ٢٠٣).
[ ٨ / ١٧٣ ]
مِرْدى حُروبٍ شهابٌ يُستضاءُ به كما أضاءَ سوادَ الطِّخيةِ القمرُ
مُهَفْهَفٌ أهضَمُ الكَشْحَينِ مُنْخرِقٌ عنه القميصُ لسير الليل محتقِرُ
ضخمُ الدَّسيعةِ مِتْلافٌ أخو ثقةٍ حامي الحقيقةِ منه الجودُ والفخَرُ
طاوي المصيرِ على العَزَّاءِ منجردٌ بالقوم ليلةَ لاماءٌ ولا شجَرُ
لا يتأرّى لِما في القِدْر يرقُبُه ولا يعَضُّ على شُرْسُوفِه الصَّفَرُ
تكفيه فِلْذَةُ لحمٍ إنْ ألَمَّ بها من الشِّواء ويُروي شُرْبَه الغُمَرُ
وأفعال الاستمرار داخلة في المجاز، كأنه شبَّه ما كان فيما مضى مستمرًّا من الماضي إلى المستقبل بما هو مستمرّ في الحال بجامع ملابسة الحال والتحقق، وانضمَّ إلى ذلك حكاية الحال والإيهام، وقِسْ على ذلك.
وهكذا الصفات في هذه الأبيات، فإنّ حقّها أن تطلَق للحال كما تقدم في الفائدة التاسعة، ووقوعها مرفوعةً يردّ ما قد توهم أن الأفعال على تقدير كان، فتدبَّرْ.
ومن مراثيهم التي كثُر فيها التجوّز المذكور مرثية زياد الأعجم للمغيرة بن المهلَّب (^١):
قل للقوافل والغُزاة إذا غزَوا لِلباكرِينَ ولِلمُجِدِّ الرائحِ
[ص ٣٦] إن الشجاعةَ والمروءةَ ضُمِّنا قبرًا بمروَ على الطريقِ الواضحِ
_________________
(١) القصيدة في ذيل الأمالي للقالي ص ٨ - ١١. وبعضها في تاريخ ابن خلكان (٢/ ١٤٧) في ترجمة المهلّب [طبعة إحسان عباس (٥/ ٣٥٤ - ٣٥٥)]، وفي أمالي الشريف المرتضى (٤/ ١٠٧ - ١٠٨) [طبعة أبي الفضل (٢/ ١٩٩)]، والأغاني (١٤/ ٩٩)، وخزانة الأدب (٤/ ١٥٢) [طبعة هارون (١٠/ ٤)]. وفي بعض الأبيات اختلاف بين الروايات. [المؤلف].
[ ٨ / ١٧٤ ]
فإذا مررتَ بقبرِه فاعقِرْ به كُومَ الجِلادِ وكلَّ طِرْف سابحِ فلقد يكون أخا دَمٍ وذبَائحِ
وانْضَحْ جوانب قبرِه بدمائها
ومنها:
لله درُّ منيَّةٍ فاتَتْ به فلقد أراه يرُدُّ غربَ الجامِحِ
ولقد أراه مُجَفِّفًا أفراسَه يغشى الأسنَّةَ فوقَ نَهْدٍ قارح
ومنها:
ولقد أراه مقدِّمًا أفراسَه يُدْني مَرَاجِحَ في الوغى لِمَراجح
ويقرب من المراثي ما يقع في تحسّر الشيوخ على ماضي أعمارهم. فمنه قول الأعشى (^١):
ولقد أسْتَبي الفتاةَ فتعصي كلَّ واشٍ يريدُ صَرْمَ حبالي
لم تكن قبلَ ذاك تلهو بغيري لا ولا لهوُها حديثُ الرّجالِ
ثم أذهلتُ عقلَها ربّما يذ هل عقلُ الفتاة شبهِ الهلالِ
ولقد أغتدي إذا صقع الدّيـ ـكُ بمُهْرٍ مشذَّبٍ جَوّال
ثم نعت المهر إلى أن قال:
فعَدَونا بمُهْرنا إذ غَدَونا قارِنِيه ببازلٍ ذَيّال
_________________
(١) القصيدة عدّها صاحب جمهرة أشعار العرب في المعلّقات (١٢٢) فما بعدها. [المؤلف]. طبعة الهاشمي (٣٢١ - ٣٤٤). وصاحب الجمهرة لم يسمّها "معلقات" وإنّما سمّاها "سموطًا". هذا، والأبيات المذكورة مما ألحق بقصيدة الأعشى وليست له، كما سبق في تعليقنا في (ص ١٥٢). ولم ترد الأبيات في ديوان الأعشى.
[ ٨ / ١٧٥ ]
وفي آخرها:
ذاك عيشٌ شهدتُه ثم ولَّى كلُّ عيشٍ مصيرُه لِلزَّوال
وقال النَّمِر بن تَوْلَب (^١):
لَعمري لقد أنكرتُ نفسي ورابني مع الشَّيبِ أبدالي التي أتبدّلُ
[ص ٣٧] فضولٌ أراها في أديميَ بعد ما يكون كفافَ اللَّحم أو هو أفضلُ (^٢)
الشاهد في قوله: "يكون".
وقال هُبَل بن عبد الله بن كنانة يذكر نفرًا قعدوا يضحكون منه بعد ما هرِمَ (^٣):
ربَّ يومٍ قد يُرى فيه هُبَلْ ذا سَوامٍ ونَوَالٍ وجَذَلْ
لا يُناجيه ولا يخلو بِهِلْ عبدُ ودٍّ وجبيلٌ وحَجَلْ
وقال عبّاد بن شدّاد اليربوعي لما هرم (^٤):
يا بؤسَ للشيخ عبّاد بن شدّادِ أضحى رهينةَ بيتٍ بينَ عُوّادِ
وتهزأ العِرْسُ منّي أن رأت جسدي أحدبَ لم يبق منه غيرُ أجلادِ
فإن تراني ضعيفًا قاصرًا عنقي فقد أُكعكِعُ منه عَدوةَ العادي
_________________
(١) من قصيدة في الجمهرة ص ٢١٦ فما بعدها. [المؤلف]. طبعة الهاشمي (٥٣١ - ٥٤٢).
(٢) قوله: "أو هو أفضل" أي أو اللحم أفضل من الجلد. والبيت في المعمّرين للسجستاني (٥٥). وفيه "أو هو أجمل".
(٣) المعمرين (٢٦). وفيه قول أبي حاتم: "بهل" يريد: به، واللام زائدة.
(٤) المعمرين (٥٥).
[ ٨ / ١٧٦ ]
وقد أفيء بأثواب الرئيس وقد أغدو على سَلْهَبٍ للوحش صيّاد
ويقع نحوه لمن فارق ما يهواه وإن لم ييأس من عوده. وقد يكون منه قول النابغة في معلقته (^١):
عُوجُوا فَحَيُّوا لِنُعْمٍ دمنةَ الدارِ ماذا تحيُّون من نُؤْيٍ وأحجار
يقول فيها:
وقد أراني ونُعْمًا لاهيَين بِها والدهرُ والعيشُ لم يَهْمُمْ بإمرار
وقد يُعطف على المضارع الاستمراري فعل ماضٍ بالفاء أو ثمّ، فيحتمل وجهين: الأول أن يكون المعنى على استمرار ماضٍ منقطع، وأطلق المضارع بدون تقييد بالماضي حكاية للحال. الثاني: أن يكون الاستمرار مطلقًا، والفعل الماضي أصله مضارع استمراري مطلق عبّر عنه [ص ٣٨] تفنّنًا في إفادة التحقق.
فمن ذلك: البيت الذي أنشده سيبويه كما تقدم في الفائدة السابعة:
ولقد أمُرُّ على اللئيم يسُبُّني فمضيتُ ثمّتَ قلتُ لا يعنيني
قال البغدادي: "وعبّر بالمضارع حكايةً للحال الماضية كما في الخصائص لابن جنّي، أو للاستمرار التجدّدي. و"مضيتُ" معطوف على
_________________
(١) انظر: جمهرة أشعار العرب (٣٠٤) فهذه القصيدة فيها من "السموط". ولكن النحاس والتبريزي أثبتا مكانها قصيدة أخرى للنابغة، وهي التي مطلعها: يا دارَ ميّةَ بالعَلْياءِ فالسَّنَدِ أقوتْ وطال عليها سالفُ الأبدِ وانظر: ديوان النابغة (٢٠٢).
[ ٨ / ١٧٧ ]
"أمرُّ" بمعنى "أمضي"، وعبّر به للدلالة على تحقّق إعراضه عنه" (^١).
وقوله: "حكاية للحال الماضية كما في الخصائص لابن جنّي" هو الوجه الأول على أن ذلك استمرار قد انقطع. وقوله: "أو للاستمرار " هو الوجه الثاني على أن الاستمرار باقٍ، وما عطف عليه من المضي والقولِ مثله في بقاء الاستمرار، وإنما عدل إلى الماضي لأن الاستمرار يتناول المستقبل وهو محتاج إلى التحقيق، فحققه بالتعبير بالفعل الماضي، فتدبّر.
هذا، والصواب في هذا البيت هو الوجه الثاني، لأن انقطاع الاستمرار مع بقاء القائل حيًّا إنما يكون بتبدّل خلقه من الحلم إلى ضدّه، وهذا ينافي غرضه.
وقال امرؤ القيس في معلقته (^٢):
وقد أغتدي والطيرُ في وُكناتها بمنجردٍ قيدِ الأوابدِ هيكل
ثم أفاض في نعت الفرس إلى أن قال:
فعَنَّ لنا سِرْبٌ كأنّ نِعاجَه عذارى دُوارٍ في مُلاءٍ مذيَّل
وقال قَطَريّ بن الفجاءة (^٣):
_________________
(١) خزانة الأدب (١/ ١٧٣). [المؤلف]. طبعة هارون (١/ ٣٥٨)، وانظر قول ابن جنّي في الخصائص (٣/ ٣٣٢).
(٢) من معلقته في الجمهرة ص ٨٧ فما بعدها، وهي أشهر من ذلك. [المؤلف].
(٣) القطعة في حماسة أبي تمام بشرح التبريزي. [المؤلف]. (٦٨)، وشرح المرزوقي (١/ ١٣٦ - ١٣٨).
[ ٨ / ١٧٨ ]