وسيأتي في فصل (هـ) رواية أخرى عن ابن عباس، قال الحافظ: إن سندها حسن.
(ج)
قال ابن إسحاق: "فلما نزل أبرهة المغمّس بعث رجلًا من الحبشة يقال له: الأسود بن مفصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل تهامة فهمّت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك وبعث أبرهةُ حُناطةَ الحميري إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفها، ثم قل له: إن الملك يقول لك: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك منه طاقة (^١). هذا بيت الله الحرام فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرُّز في شَعَف الجبال والشعاب؛ تخوفًا عليهم من معرة الجيش وانطلق هو ومن معه إلى شَعَف الجبال، فتحرزوا فيها " (^٢).
[ص ٧] اشتد نكير المعلِّم رحمه الله تعالى على هذه القصة، وردّها بأمور:
الأول: أنها لم تثبت من جهة الرواية.
الثاني: أن ابن إسحاق كان يأخذ عن كل أحد.
الثالث: "ورود خلاف ذلك بروايات أخرى".
الرابع: ما عرف عن العرب من النجدة والحمية.
_________________
(١) "منه طاقة" كذا في أصول السيرة، وفي تاريخ الطبري (٢/ ١٣٣): "من طاقة". نبه عليه في حاشية طبعة السقا (١/ ٤٨).
(٢) سيرة ابن هشام بهامش الروض. [المؤلف]. ط السقا (١/ ٤٨ - ٥٢).
[ ٨ / ١٣ ]
الخامس (^١): أن العلم بأن البيت بيت الله يقتضي الدفاع عنه، لا إسلامه.
السادس: أن أهل السير يروون أن القبائل قاتلت أبرهة في طريقه، فكيف جبنت قريش ومن معها، وهم أهل البيت وشرفه.
السابع: أن أهل السير يذكرون أن قدوم أبرهة كان في موسم الحج. وأيده المعلِّم بقول قائلهم، وقد ذكره ابن إسحاق في هذه القصة:
اللهمَّ أخْزِ الأسودَ بن مقصود الآخذَ الهجمةِ فيها التقليدْ
يعني: فقوله: "فيها التقليد" يصرح بأن الإبل كانت مقلَّدة، وإنما تُقلَّد إذا كانت هديًا، وإنما يُساق الهدي في موسم الحج.
وأيده أيضًا بأن القرآن ذكر كيد أصحاب الفيل، والكيد: هو المكر، والتدبير الخفي. وإنما يتحقق ذلك بقدومهم في الأشهر الحرم رجاءَ أن لا يقاتلهم العرب، لأنهم كانوا يحرمون القتال في الأشهر الحرم؛ وبعزمهم على دخول مكة حين يخليها أهلها مشتغلين بالحج، وعلى أن يكون هجومهم أيام التشريق، والعربُ حينئذٍ إما واقفون بمنى، أو مسرعون إلى أوطانهم. فإذا ثبت أن قدوم أبرهة كان في الموسم، فالعرب حينئذٍ مجتمعون للحج، فكيف يقاتل بعض قبائلهم في الطريق، ولا يقاتل جميعهم عند البيت؟
الثامن: "أنهم عابوا [ص ٨] ثقيفًا لفرارهم عن حماية الكعبة، كما قال ضِرار بن خطّاب:
وفرّت ثقيفُ إلى لاتها بمنقلَب الخائبِ الخاسر
_________________
(١) في الأصل: "الرابع" كرّره سهوًا، ومشى عليه في الترقيم بعده، فأصلحناه.
[ ٨ / ١٤ ]