١ - "ذكروا الطير، وحصب الحجارة معًا، لكنهم لم ينسبوا الحصب إليهم". كذا والمراد: إليها، أي إلى الطير.
ومن الأشعار التي ذكرها المعلِّم واستنبط منها هذه الأمور أبيات لأبي قيس بن الأسلت، وليس فيها تصريح بالطير، وإنما فيها الحاصب، وهو قوله:
فأرسل من فوقهم حاصبًا يلفُّهمُ مثلَ لفِّ القَزَمْ
هكذا في السيرة (^١)، وسياق الأبيات يشهد لذلك بالصحة، والضمير المستتر في "أرسل" يعود على الله ﷿.
وذكر المعلِّم هذا البيت بلفظ: "فأُرسل من ربهم حاصبٌ " (^٢) وذكر أبياتًا أخرى له، وليس فيها تصريح بالطير، وإنما فيها:
فلما أجازوا بطنَ نعمان ردَّهم جنودُ الإله بين سافٍ وحاصب
_________________
(١) سيرة ابن هشام بهامش الروض الأنف. [المؤلف]. ط السقا (١/ ٥٨).
(٢) كذا في كتاب الحيوان ط الحميدية التي اعتمد عليها المعلِّم ﵀.
[ ٨ / ٤٥ ]
وذكر أبيات نفيل، وفيها:
حمدتُ الله إذ عاينتُ طيرًا وحَصْبَ حجارةٍ تُلقَى علينا
وقد تقدم في الأمر الأول والثاني من أمور الفريق الثاني أن الذي في السيرة وأكثر الكتب: "وخفت حجارة".
٢ - "بل نسبوه إلى سافٍ وحاصبٍ".
إنما جاء في قول أبي قيس: "بين سافٍ وحاصب"، وقوله: "فأرسل من فوقهم حاصبًا"، وقد مرَّ.
فأما قول نفيل: "وحصب حجارة"، [ص ٣٣] فالرواية: "وخفت حجارة"، كما مرّ (^١).
قال: "والحاصب يستعمل للهواء والريح الشديدة التي ترمي بالحصباء وفي حديث علي ﵁ قال للخوارج: أصابكم حاصب. وقال أهل اللغة في تفسيره: أي عذاب من الله، وأصله: رُميتم بالحصباء من السماء".
قال عبد الرحمن: لا خلاف بين أهل اللغة أن لفظ: "حاصب" اسم فاعل من حصبه: أي رماه بالحصباء. فيحمل في بيتي أبي قيس على الطير، لأنها جند من جنود الله حصب أصحاب الفيل، فهو حاصب. ولا يمكن حمله على الريح، فإن قوله: "جنود الإله بين سافٍ وحاصب" ذكر فيها جندين: أحدهما سافٍ، وهو الريح، وآخر حاصب، فهو غير الريح؛ إذ لو
_________________
(١) انظر تعليقنا في (ص ٤٠).
[ ٨ / ٤٦ ]
كان إياها لكان السافي هو الحاصب، فهو جند واحد سافٍ حاصب، فلا معنى لجعله جندين، أو جنودًا.
والمعلِّم رحمه الله تعالى يحاول تفسير الحاصب برمي من الهواء بقدرة الله ﷿ بدون أن يكون هناك رامٍ محسوس. وهذا قد يحتمله اللفظ، ولكن قد تكاثرت الروايات برمي الطير، وهو ثابت بظاهر القرآن إن لم نقل بنصّه، واتفق عليه الناس قبل المعلم، فالحمل عليه هو المتعين.
وقد تقدم عن "المحبّر" (^١) في قصيدة نفيل بن حبيب الذي شهد الواقعة قوله:
حتى رأينا شعاعَ الشمس يستُره طيرٌ كرَجْلِ جَرادٍ طار منتشرِ
يرميننا مقبلاتٍ ثم مدبرةً بحاصبٍ من سواء الأفق كالمطر
٣ - "ثم إنهم نسبوه إلى سافٍ، ومحال أن يحمل هذا اللفظ على الطير ".
في هذا إشارة إلى صحة حمل الحاصب على الطير، وهو المتعين كما مر. فأما السافي فظاهر أنه الريح التي تسفي التراب. [ص ٣٤] ولا مانع من اجتماع رمي الطير وسفي الريح كما ذكر في بعض الروايات والأشعار.