والروايات متفقة على موافقة ثقيف بأبرهة، ورجم قبر أبي رِغال الثقفي الذي صار دليلًا لجيشه. فلو فرّت العرب كلُّها مثل ثقيف لما عابوا ثقيفًا، ولا لعنوا رئيسها أبا رِغال، وظنّوا لعله كان قد أُكرِه".
هذا خلاصة ما ذكره المعلِّم في هذا المعنى (^١).
قال عبد الرحمن: لم ينفرد ابن إسحاق بذكر ما يدل على عزم قريش أن لا يقاتلوا، فقد وافقه الواقدي عن شيوخه (^٢)، وغيره، ودل حديث ابن عباس الذي تقدم عن "المستدرك" أنهم كانوا لا يرون فائدة للدفاع.
وأما ورود روايات أخرى مخالفة، فلم أقف على شيء منها، إلا ما في "السيرة الحلبية": "ويقال: إن عبد المطلب جمع قوّته وعقد راية، وعسكر بمنى ثم ركب عبد المطلب لما استبطأ مجيء القوم إلى مكة ينظر ما الخبر، فوجدهم قد هلكوا" (^٣).
وما أكثر ما في تلك السيرة من الأباطيل محكية بـ"يقال"، و"قيل"!
وأما نجدة العرب وحميتهم فحق، ولكن لكل شيء حد. كان أبرهة ملكًا مسلّطًا باليمن، [ص ٩] وقد تناول ملكه غير اليمن من بلاد العرب، فقد جاء أنه طلع نجدًا، وتناول أطراف العراق.
"قال أبو عمرو الشيباني: كان أبرهة حين طلع نجدًا أتاه زهير بن جناب، فأكرمه أبرهة، وفضّله على من أتاه من العرب، ثم أمّره على ابني وائل: تغلب
_________________
(١) ص (١٦ - ١٩). [المؤلف]
(٢) طبقات ابن سعد (١/ ١/٥٥ - ٥٦). [المؤلف]. ط صادر (١/ ٩٢).
(٣) السيرة الحلبية (١/ ٧٩ و٨٠). [المؤلف]
[ ٨ / ١٥ ]
وبكر، فوليهم " (^١).
وقال ابن قتيبة: "زهير بن جناب هو من كلب، جاهلي قديم، ولما قدمت الحبشة تريد هدم الكعبة بعثه ملكهم إلى أرض العراق، ليدعو من هناك إلى طاعته " (^٢).
وقال أبو حاتم السجستاني: "قال الشرقي بن قطامى قال: وقال المسيّب بن الرَّفِل الزهيري من ولد زهير بن جناب:
وأبرهةُ الذي كان اصطفانا وسوَّسَنا وتاجُ الملك عالي
وقاسَمَ نصفَ إمرته زهيرًا ولم يك دونه في الأمر والي
وأمّره على حيَّيْ معدٍّ وأمَّره على الحيّ المُعالي
على ابني وائل لهما مهينًا يردُّهما على رغم السِّبالِ
بحبسهما بدار الذلّ حتّى ألمّا يهلكان من الهزالِ (^٣)
وفي قصيدة للنَّمِر بن تَولَب:
أتى حصنَه ما أتى تُبّعًا وأبرهةَ الملِكَ الأعظما (^٤)
_________________
(١) الأغاني (٢١/ ٦٤). [المؤلف]. ط الثقافة (١٨/ ٣٠٣).
(٢) الشعر والشعراء (ص ٨٥). [المؤلف]. ط شاكر (٣٧٩) مع اختلاف يسير في اللفظ.
(٣) كتاب المعمرين (ص ٢٨ - ٢٩). [المؤلف]. وانظر: معجم الشعراء للمرزباني (٣٠٠).
(٤) شواهد المغني للسيوطي (ص ٦٦)، وفي الشرح (ص ٧٧): "أبرهة ملك الحبشة". [المؤلف]. وانظر: الاختيارين (٢٨٤)، وشرح أبيات المغني ١/ ٣٩١.
[ ٨ / ١٦ ]
وقال لبيد:
لو كان حيٌّ في الحياة مخلَّدًا في الدهر أدركه أبو يكسومِ
والحارثان كلاهما ومحرّقٌ أو تُبَّعٌ أو فارسُ اليحمومِ (^١)
وقد اكتُشِفَت أخيرًا نقوش على سدّ مأرب كُتبت بأمر أبرهة الأشرم، وفيها نعته بأنه: "ملك سبأ ورَيدان وحضرموت ويمنات وعرب النجاد وعرب السواحل" (^٢).
[ص ١٠] كان أبرهة بهذه المكانة، ومن ورائه الحبشة، وكان جيشه الذي ساقه إلى مكة ستين ألفًا على ما جاء في شعر ابن الزِّبَعْرَى:
ستون ألفًا لم يؤوبوا أرضَهم ولم يعِشْ بعد الإياب سقيمُها (^٣)
ولعل الفرسان منهم عشرة آلاف على الأقل. ومعهم الفيلة، وهي ثلاثة عشر فيلًا، على ما قيل (^٤).
وفي "الخصائص الكبرى" للسيوطي: "وأخرج أبو نعيم عن وهب قال: كانت الفيلة معهم، فشجع منها فيل، فحُصِب" (^٥).
وفي "دلائل النبوة" لأبي نعيم في قصة نسب فيها إلى عبد المطلب
_________________
(١) البيان والتبيين للجاحظ (١/ ٢٢٠). [المؤلف]. ط هارون (١/ ٢٦٧)، وانظر: ديوان لبيد (١٠٨).
(٢) دائرة المعارف الإسلامية (١/ ٦١).
(٣) سيرة ابن هشام بهامش الروض. [المؤلف] ط السقا (١/ ٥٨).
(٤) طبقات ابن سعد (١/ ١/٥٧). [المؤلف] ط صادر (١/ ٩٢).
(٥) الخصائص (١/ ٤٣). [المؤلف]
[ ٨ / ١٧ ]
شعرًا يحمد الله تعالى به، وفيه:
أنت منعتَ الجيش والأفيالا (^١)
ويرى كُتّاب الإفرنج كما في "دائرة المعارف الإسلامية" وغيرها: أن أبرهة كان مزمعًا في سيره ذلك غزو فارس مددًا للروم.
وعلى هذا، فلا بد أن يكون استعداده عظيمًا.
هذا، والعرب يومئذٍ متمزقون، والكثير منهم في طاعة أبرهة، حتى كان معه فريق منهم في جيشه، كما جاء في شعر أمية بن أبي الصلت أو أبيه يذكر الفيل:
حوله من ملوك كندة أبطا لٌ ملاويثُ في الحروب صقورُ (^٢)
وقد انخذلت ثقيف كما يأتي، والذين قاتلوا أبرهة في طريقه غُلبوا واستسلموا.
وعامة أهل الأخبار يذكرون أن قدوم أبرهة كان في نصف المحرم، فالذين حجّوا [ص ١١] من العرب قد عادوا إلى أوطانهم. وإن صح ما ادعاه المعلِّم أن قدوم أبرهة كان في أيام الحج، فلا بد أن يكون الحاجّ عامئذٍ قليلًا؛ لأنّ الكثير من العرب في طاعة أبرهة، ومن حجّ منهم فإنهم يحجّون على عادتهم في الأشهر الحرم، غير مستعدّين لقتال. وانضاف إلى ما تقدم تأثّم العرب من القتال في الأشهر الحرم.
_________________
(١) دلائل النبوة (ص ٤٤). [المؤلف]
(٢) سيرة ابن هشام (١/) [المؤلف]. ط السقا (١/ ٦٠).
[ ٨ / ١٨ ]