سمى قتل أولاد من آمن كيدًا؛ لأنه تدبير محكم غريب، إذ من شأنه بحسب العادة أن يصدّ عن الإيمان، ويردّ إلى الكفر، ولم يكن قتل الأطفال معروفًا قبل.
[ص ١٤] وسمى الإلقاء في النار العظيمة كيدًا، لأنه تدبير محكم غريب، إذ من شأنه بحسب العادة أن يُهلك من يلقى في النار، ولم يكن مثل ذلك معروفًا قبل.
فيكفي في تقرير كيد أبرهة سَوقُه الفيلة، وقدومُه في المحرم. أما سوق الفيلة فهو تدبير محكم غريب، إذ من شأنه إدخال الرعب في قلوب العرب، إذ لم يكونوا يعرفون قتال الفيلة، وأكثرهم لم يرها قط. ولهذا طلب أبرهة من النجاشي فيله الأعظم
_________________
(١) كما سيأتي ليكون أبلغ في الإرهاب. وأما قدومه في المحرم، فلأن من شأن العرب أن يتأثموا من القتال في المحرم، ويكون قدومه بعد قفول من يحج تلك السنة، فلا يبقى بمكة إلا أهلها. ويكفي في تضليل الله تعالى لكيدهم حبسُه الفيل، فإن حبسه من شأنه أن يصدّهم عن التقدم؛ إذ يعلمون أن ذلك آية من آيات الله، فإن لم ينزجروا وقع الاختلاف والاختلال فيهم. وقد كان الأمر كذلك، فلما أصرّوا عذبهم الله ﷿. وسيأتي بسط الكلام في تفسير السورة، إن شاء الله تعالى. وأما ما ذكره من عيبهم ثقيفًا لفرارها عن حماية الكعبة، ورجمهم قبر رئيسها أبي رِغال، فلم يثبت عيب منهم لثقيف على ذلك. وإنما اغترّ المعلِّم ببيت ضِرار بن الخطّاب:
[ ٨ / ٢٢ ]
وفرّت ثقيفُ إلى لاتها بمنقلَب الخائب الخاسر
وسبب اغتراره ﵀ أن ابن هشام ساق القصة عن ابن إسحاق إلى أن ذكر وصول أبرهة إلى الطائف، وقول ثقيف له: "أيها الملك إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد. قال ابن إسحاق: [ص ١٥] يعنون اللات". ثم ذكر إرسالهم معه أبا رِغال يدلّه. ثم قال ابن إسحاق: "واللات: بيت لهم بالطائف، كانوا يعظّمونه نحو تعظيم الكعبة".
فكمل ابن هشام تفسير "اللات" فقال: قال ابن هشام: "وأنشدني أبو عبيدة النحوي لضِرار بن الخطّاب الفهري " فذكر البيت. ثم قال: "وهذا البيت في أبيات له. قال ابن إسحاق: فبعثوا معه أبا رِغال يدلّه على الطريق إلى مكة " (^١).
فمقصود ابن هشام إنما هو الاستشهاد على ما ذكره ابن إسحاق أن اللات كانت لثقيف، فظن المعلِّم أن البيت قيل في شأن ثقيف في قصة الفيل، وليس الأمر كذلك، وإنما هو في فرار ثقيف في حرب الفجار التي كانت بين قريش وسائر كنانة، وبين ثقيف وسائر قيس عيلان. وذلك بعد أن بلغ النبي ﵌ أربع عشرة أو خمس عشرة، أو عشرين سنة.
والقصة مذكورة في "السيرة" (^٢) مختصرة، وهي مبسوطة في "الأغاني" (^٣)،
_________________
(١) راجع سيرة ابن هشام بهامش الروض الأنف. [المؤلف]. ط السقا (١/ ٤٧).
(٢) أيضًا. [المؤلف]. ط السقا (١/ ١٨٤ - ١٨٧).
(٣) (١٩/ ٧٣ - ٨٢). [المؤلف]. ط الثقافة (٢٢/ ٧٥).
[ ٨ / ٢٣ ]
وفيها: عن أبي عبيدة قال: لما هزمت قيس لجأت إلى خباء سبيعة وقال ضِرار بن الخطّاب الفهري:
ألم تسأل الناس عن شأننا ولم يُثبتِ الأمرَ كالخابرِ
غداةَ عكاظَ إذ استكملت هوازنُ في كفّها الحاضر
إلى أن قال:
فلما التقينا أذقناهمُ طعانًا بسمر القَنا العائرِ
ففرّت سُلَيمٌ ولم يصبروا وطارت شَعاعًا بنو عامرِ
[ص ١٦] وفرّت ثقيفُ إلى لاتها بمنقلَب الخائبِ الخاسر
فأما أبو رِغال، فلم يكن رئيس ثقيف (^١)،
وإنما في القصة أنه كان رجلًا منهم. وإنما رجمت العرب قبره لأنه ــ كما يظهر من سياق القصة ــ خرج طائعًا، على أنه لم يثبت أنه كان دليل أصحاب الفيل. بل قد قيل: إنه كان قبل ذلك بزمان، حتى قيل: إنه كان في عهد صالح النبي ﵇. وقد بسط ذلك في "معجم البلدان" (^٢)، وسيأتي ترجيح ذلك، والدليل عليه في الكلام على رمي الجمار، فصل (ح).
_________________
(١) لعل المعلِّم ﵀ أخذه من قول أمية بن أبي الصلت: وهم قتلوا الرئيس أبا رغال بنخلة إذ يسوق بها الظعينا كذا في الحيوان (٦/ ١٥٦) ومروج الذهب (٢/ ٧٩). ولكن المقصود هنا أبو رِغال القديم الذي قتله قسيّ بن منبّه، وهو ثقيف جدّ قبيلة أميّة.
(٢) (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤). [المؤلف]. ط بيروت (٣/ ٥٣ - ٥٤). وقد رجح ياقوت قول ابن إسحاق، وفيه أن مسعود بن معتّب قال لأبرهة: " ونحن نبعث معك من يدلّك عليه، فتجاوز عنهم، وبعثوا معه بأبي رِغال رجل منهم يدلّه على مكة ". وانظر: (٥/ ١٦١).
[ ٨ / ٢٤ ]