و﴿تَبْغُونَهَا﴾ و﴿تَظَاهَرُونَ﴾.
وقال ﷾: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]. [ص ٢٢] وقال ﷿: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٤٢].
قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حال من ضمير الخطاب، وكذا قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾. فينبغي النظر في الفرق بين الموضعين، ومتى ينبغي أن يقال: "تفعل"، ومتى ينبغي أن يقال: "وأنت تفعل"، وكلٌّ منهما حال من ضمير الخطاب؟
قال الشيخ عبد القاهر ﵀: " فاعلم أنَّ كلَّ جملة وقعت حالًا ثم امتنعت من الواو، فذاك لأجل أنَّك عمدتَ إلى الفعل الواقع في صدرها فضممتَه إلى الفعل الأول في إثبات واحد. وكلُّ جملة جاءت حالًا ثم اقتضت الواو، فذاك لأنك مستأنف بها خبرًا " (^١).
ثم شرح الفرق بين "جاءني زيد يسرع" و"جاءني زيد وهو يسرع". وحاصله بإيضاح: أنَّ المثال الأول موضعه حيث تكون الفائدة إنما تحصل من مجموع الفعلين، كأن يكون مجيء زيد إليك معلومًا للمخاطب، أو أمرًا عاديًّا، لا تحصل بالإخبار به وحده فائدة تُذكر، أو يكون إسراع زيد غير مستغرب فلا تكون لذكره وحده فائدة تُذكر، أو غير ذلك.
وموضع المثال الثاني: حيث يكون لكل من الفعلين فائدة لها وقع، بحيث لو علم المخاطب أحدهما لم يستغن عن أن يخبر بالثاني.
_________________
(١) دلائل الإعجاز (٢١٣).
[ ٨ / ١٦٠ ]
فالحال في المثال الأول شبيهة بالنعت، وفي المثال [ص ٢٣] الثاني قريبة من العطف. وكأنك تقول في الأول: حصل من زيد مجيء إليَّ فيه إسراع. وقد أشار الشيخ إلى هذا بقوله: "تثبت مجيئًا فيه إسراع". وكأنك في الثاني تقول: "جاءني زيد"، ثم بعد علم المخاطب بذلك تقول: "جاءني زيد يسرع"، ولكنك لمَّا أردت أن تجمع الخبرين استغنيت عن "جاءني" الثانية بالأولى، وجعلت بدل "زيد" ضميره "هو"، ولم يمكنك إسقاط الضمير لئلا يلتبس بالضرب الأول، فربطتَ الجملتين بالواو.
قال الشيخ: "وتسميتُنا لها واو حال لا يخرجها عن أن تكون مجتَلَبةً لضمِّ جملة إلى جملة. ونظيرها في هذا: الفاء في جواب الشرط، نحو: إن تأتني فأنت مكرم، فإنَّها وإن لم تكن عاطفة، فإنَّ ذلك لا يخرجها من أن تكون بمنزلة العاطفة وذلك أن إعادتك ذكر زيد لايكون حتى تقصد استئنافَ الخبر بأنه يسرع " (^١).
فارجع إلى الآيات السالف ذكرها. فقوله ﷿: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ المنُّ كما قال ابن عباس وغيره: الإعطاء. ولا ريب أن الآية لا تنهى عن الإعطاء، وإنما تنهى عن إعطاءٍ يُقصد به الاستكثار. وهذا شبيه بقولك في النعت: "لا تلبس ثوبًا نجسًا"، فظهر أن الفائدة إنما تحصل من مجموع الفعلين.
وكذلك قوله سبحانه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ فإنها لا تنهى عن البناء، وإنما تنهى عن بناء لا فائدة فيه، وذلك معنى العبث.
_________________
(١) راجع "دلائل الإعجاز" (ص ١١٥) فما بعد. [المؤلف]. طبعة محمود شاكر (٢١٤ - ٢١٦).
[ ٨ / ١٦١ ]