أي بما قد كنتَ ترى".
(١) قال عبد الرحمن: قوله: "ظنوا فلم يمكنهم " يعطي أن أهل العلم يرون أنّ هناك مانعًا قويًّا من رمي الطير، ولكنهم اضطرّوا إلى قبوله إذ لم يجدوا مساغًا للتأويل. والمعلِّم ﵀ يرى أن هذا حسن ظنّ بأهل العلم، ولو فكّر لَعلِم أنه سوء ظنّ بهم؛ فإننا قد أسلفنا إبطال ما ذكره المعلِّم رحمه الله تعالى من الشبهة، وبيّنّا أنه لا مانع إلّا أن يستبعد رجل رمي الطير من جهة مخالفته للعادة، وإنما يقع هذا لمن ضاق صدره من سخرية الملحدين بالخوارق، وانتفخ سحره من تهاويلهم، ولم يفزع إلى ما يعلمه من قدرة الله ﷿ وما قصّه في كتابه من الخوارق، وما تواتر عن رسول الله ﵌ منها؟ ولا حقّق النظر في المعقول والعلوم الكونية، فينكشف له أنه ليس فيها شبهة قوية تنفي الخوارق، بل فيها ما يقضي بصحتها ووقوعها.
[ص ٤٦] (٢) وقوله: "ولكنّا بينّا في الفصل الأول أن الخطاب ههنا إلى أفراد أهل مكة" فيه أمران:
الأول: أنا قد أسلفنا أنه ﵀ قال أولًا: "اعلم أن الخطاب ههنا متوجه إلى جميع من رأى هذه الواقعة أو أيقن بها من طريق تواتر الحكاية"، وقال في موضع آخر: "فإنه لا يخاطب به إلا فيما لا يخفى على أحد، كأنه رآه كل من يخاطب به وإن لم يره بعينه".
ووافقته في الجملة على هذا، وأوضحت أن السورة خطاب لكل من يصلح للخطاب إلى يوم القيامة، وأن لا وجه لتخصيص الخطاب بأهل
[ ٨ / ١٨٥ ]
مكة. وعلى هذا فلو كان ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ خطابًا مبنيًّا على الخطاب في أول السورة كان معناه نسبة الرمي إلى كل أحد إلى يوم القيامة، وهذا واضح البطلان. فإن نسبة العلم بتلك الواقعة الشهيرة إلى كل أحد حسن مقبول، على ما تقدم بيانه، فأما نسبة الرمي إلى كل أحد فلا وجه له.
الأمر الثاني: أنه على فرض صحة ما رجع إليه المعلِّم ﵀ من أن الخطاب في أول السورة لكل أحد من أهل مكة عند نزول السورة، فبناء الخطاب في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ على هذا لا يستقيم أيضًا؛ إذ على فرض وقوع الرمي من أهل مكة، فليس كل أحد ممن يصلح للخطاب عند نزول السورة ممن رَمَى، بل لعله لم يبق ممن كان صالحًا للرمي عند الواقعة إلا أفراد قليل أدركوا نزول السورة. [ص ٤٧] فإن الذي يصلح للرمي في القتال لابدّ أن يكون سنّه على الأقل نحو خمس عشرة سنة، فمن بقي من هؤلاء إلى نزول السورة يكون سنه حينئذ بين ستين سنة إلى تسعين سنة. وذلك بالنظر إلى الاختلاف في عام الواقعة، فالمشهور أنها كانت في عام المولد، وقيل: "إنها كانت قبلُ بعشر سنين، أو بخمس عشرة سنة، أو بثلاث وعشرين سنة، أو بثلاثين سنة، أو بأربعين سنة، أو بسبعين سنة، الأقوال المذكورة في كتب السير" (^١).
والقولان الأخيران ظاهرا البطلان، وما قبلهما محتمل، فقد ذكر المؤرخون أنه بعد هلاك أبرهة تملّك على اليمن ابنه يكسوم، ثم ابنه الآخر مسروق، ثم كانت حملة الفرس على اليمن مع ابن ذي يزن. فمنهم من لم
_________________
(١) روح المعاني (٩/ ٤٥٥). [المؤلف].
[ ٨ / ١٨٦ ]
يبيّن مدة ملك يكسوم ومسروق كابن إسحاق (^١)، ومنهم من بيّنها، ففي "الأغاني" (^٢) أنها إحدى وثلاثون سنة، وفي "مروج الذهب" (^٣) أنها ثلاث وعشرون.
ولم أر عن أحد إنكار ملكهما أو زعم أنه إنما كان بضعة أسابيع أو أشهر أو سنة أو سنتين. وإنما يرى القائلون بالمشهور أن ملكهما امتدّ تلك المدّة بعد المولد النبوي حتى كانت حملة الفرس مع ابن ذي يزن بعد المولد بتلك المدة: بثلاثين أو ثلاث وعشرين سنة.
ويخالفه ما أخرجه "البيهقي وأبو نعيم وابن عساكر من طريق عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن عن أبي أبيه قال: لما ظهر سيف بن ذي يزن على الحبشة، وذلك بعد مولد النبي ﵌ بسنتين، أتاه وفود العرب لتهنئته، وأتاه وفد قريش فيهم عبد المطلب وأخرج أبو نعيم والخرائطي وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله سواء" (^٤).
وقضية هذا أن تكون حملة الحبشة (^٥) على اليمن عام المولد أو بعده بقليل، فإن فيه أن وفود العرب [ص ٤٨] للتهنئة كان بعد المولد بسنتين، وإنما
_________________
(١) سيرة ابن هشام بهامش الروض الأنف (١/ ٥٤). [المؤلف].
(٢) (١٦/ ٧٢). [المؤلف].
(٣) (٢/ ٨٠ - ٨٢).
(٤) الخصائص الكبرى للسيوطي (١/ ٨٢). [المؤلف].
(٥) كذا في الأصل، وهو سبق قلم، والمراد: حملة الفرس.
[ ٨ / ١٨٧ ]
يكون ذلك بعد تمام الغلبة على الحبشة واستقامة الأمر. فيؤخذ منه تقدم الحملة قبل ذلك بسنة أو سنتين. وقضية هذا، مع القول بأن يكسوم ومسروقًا ملكا مدّةً لها قدر، أن تكون واقعة الفيل قبل المولد بمدة لها قدر.
وفي "دائرة المعارف الإسلامية" من مقالة لبعض كتاب الإفرنج: "وعام هذا الحادث الذي يعرف بعام الفيل هو عام (٥٧٠ م)، كما تقول المصادر المتأخرة. ويعتبر هذا العام في العادة عام مولد النبي (﵌) إلا أن نُلدِكه قد اعترض بحقٍّ على ما تقدّم؛ لأننا إذا قبلنا ذلك لما كانت هناك بين حملة أبرهة على مكة وغزو الفرس للبلاد العرب الجنوبية (اليمن) عام ٥٧٠ م فسحة من الوقت يحكم فيها أبرهة وأولاده" (^١).
والمقصود هنا أن الذين أدركوا الواقعة وكانوا بحيث يقع منهم في العادة أن يقاتلوا برمي ونحوه لم يبق منهم عند نزول السورة إلا قليل في حال الشيخوخة. وغالب الموجودين عند نزول السورة ممن لم يدرك الواقعة، أو أدركها صغيرًا، فكيف يصح خطاب كل واحد من الموجودين بنسبة الرمي إليه؟
[ص ٤٩] فإن قيل: يمكن أن يحمل قوله: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ على معنى: يرميهم قومك، فقد خاطب الله تعالى اليهود بعد بعثة محمد ﵌ بقوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ
_________________
(١) دائرة المعارف الإسلامية (١/ ٦٢). [المؤلف].
[ ٨ / ١٨٨ ]
فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [ص ٥٠] ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ الآيات [البقرة: ٤٧ ــ ٥١]. ومثل هذا كثير في الكلام.
قلت: الجواب عن هذا من أوجه:
الأول: أن هذا الاستعمال مجاز، إنما يحمل الكلام عليه حيث ظهرت قرينته كما في الآيات (^١). وليست في قوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ قرينة ما، بل الظاهر الواضح ــ إن لم نقل المتيقن ــ أنه ليس بخطاب، بل المعنى: ترميهم تلك الطير.
فإن قيل: كانت القرينة قائمة عند المخاطبين بالسورة، وهم الذين كانوا من قريش في عهد النبي ﵌، فإنهم كانوا يعلمون أن آباءهم رموا، وأنّ الطير لم ترمِ.
قلت: هذه دعوى فارغة، فقد تقدم في فصل (هـ) من القسم الأول الروايات عن الصحابة والتابعين بإثبات رمي الطير وأنه لم يكن من أهل مكة قتالٌ ما. وتقدم قول المعلم: "قصارى أمره أن يكون إما ممن رأى نزول الحجارة من السماء وظنّ من بعيد أنها كانت من الطير " وقوله: "ويمكن أيضًا أن بعض المشاهدين أنفسهم لم يفهموا إلا أن الطير رمتهم فأيقنوا الرمي من السماء، ولم يروا في السماء إلا طيرًا أبابيل، فنسبوا هذا الرمي إليهن".
_________________
(١) انظر الفائدة الـ من الذيل. [المؤلف]. كذا في الأصل دون رقم الفائدة، وانظر ما سبق في (ص ١٥٨). وقال: "من الذيل" لأنه بدا له فيما بعد أن يؤخر الفوائد السابقة إلى آخر الرسالة.
[ ٨ / ١٨٩ ]
وذكرت هناك قول نفيل وكان مع الحبشة:
حمدتُ الله إذ عاينتُ طيرًا وخفتُ حجارةً تُلقَى علينا
وقوله بعد ذكر الطير:
يرميننا مقبلاتٍ ثم مدبرةً بحاصبٍ من سَواء الأفقِ كالمطر
وأنه إن كان هناك اشتباه، فقد اشتبه الأمر على نفيل ــ مع أنه ليس ببعيد، بل هو مع الحبشة حتى خاف أن تقع عليه الحجارة التي يرى أن الطير تلقيها كما مرّ ــ والتابعين وكذلك على الصحابة. فلو كان اشتباه لكان عامًّا ولكان ينبغي أن يكشفه القرآن، لا أن يزيد الناس جهلًا إلى جهلهم.
والمقصود هنا أنّ ما ادعى من علم أهل مكة في [ص ٥١] (^١) وقت نزول السورة بأن الطير لم ترم، ليس بصحيح. وإذا كان الأمر كذلك، فاستعمال المجاز بدون قرينة ظاهرة ضرب من الكذب يتنزه القرآن عنه.
فإن قيل: هناك قرينة أخرى، وهي استحالة أو بعد أن يقع رمي الطير.
قلت: الاستحالة العقلية لا يمكن ادعاؤها، والعادية إنما تصرف عن الحقيقة في مواضع ليس هذا منها. وذلك كأن يكون المتكلم لا يجوّز خرق العادة، أو يكون المخاطب كذلك والمقصود خطابه بما يعترف به، أو تكون القصة عادية محضة لا تناسب الخرق كما قصّه الله ﷿ من قول إخوة يوسف: ﴿يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا
_________________
(١) بين ص ٥٠ و٥١ صفحتان لم يرقمهما المؤلف ﵀ لكونهما غير متعلقتين بالسابق واللاحق.
[ ٨ / ١٩٠ ]
لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨١ ــ ٨٢]. فإنه لا داعي ههنا إلى أن يحمل قولهم على سؤال عرصة القرية وجدرانها، لأن سؤال الناس يكفي، بل لو قالوا: سل العرصة والجدران، لقد يكون ذلك موهمًا أنهم لا يثقون بأن يشهد لهم أهل القرية، ولكان هذا مما يريب في صدقهم، وذلك خلاف مقصودهم.
وليس الأمر في سورة الفيل كذلك، فإن القرآن يثبت لله ﷿ القدرة على كل شيء، ويقصّ كثيرًا من الخوارق، كقلب العصا حيَّةً (^١)، وفلق البحر حتى كان كل فرق منه كالطود العظيم (^٢)، وإنباع اثنتي عشرة عينًا من حجر يضربه عصا (^٣)، وحمل المرأة وولادتها بدون أن يمسّها بشر (^٤)، وإحياء الموتى (^٥)، وأمثال ذلك. والعرب كانوا يؤمنون بقدرة الله ﷿ وبالخوارق، ويرون الواقعة منها كما تقدم في أشعارهم.
[ص ٥٢] والواقعة تناسب الخارقة، فإنّ جبّارًا ساق جيشًا عظيمًا ليهدم أعظم بيت لله ﷿ في أرضه، وكان جيشه أكثر من أنصار ذلك البيت بأضعاف مضاعفة في العَدد والعُدد. وأراد الله ﷿ آية تزجره فلم ينزجر،
_________________
(١) سورة طه (٢٠/ ٢٠). [المؤلف].
(٢) سورة الشعراء (٢٦/ ٦٣). [المؤلف].
(٣) سورة البقرة (٢/ ٦٠). [المؤلف].
(٤) سورة مريم (١٩/ ١٦ - ٣٣). وفيها الكلام في المهد وغيره من الآيات. [المؤلف].
(٥) سورة البقرة (٥٥ - ٥٦ و٧٢ - ٧٣ و٢٤٢ و٢٥٩ - ٢٦٠). سورة آل عمران (٣/ ٤٩). سورة المائدة (٥/ ١١٠). وفيها خلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الآيات. [المؤلف].
[ ٨ / ١٩١ ]
وهي حبس الفيل، كما سلف بيان ذلك كله، وتباشير الكلام وبوارقه تؤذن بالخارقة كما تقدم في تفسير السورة.
وبالجملة، فليس ههنا قرينة ما تصرف الكلام عن رمي الطير، فتحمل على تكلف الخطاب المجازي، بل القرائن الحالية والقالية كلها تؤيد رمي الطير بعضها بالخصوص، وبعضها بالدلالة على الخارقة. والمعلِّم
_________________
(١) عفا الله تعالى عنّا وعنه اطّرح الأول، وحاول التخلص من الثاني بافتراض خارقة أخرى، هي الرمي من السماء. والسورة والواقعة تستغيثان: دع لنا خارقتنا، وخلاك ذمّ: عذيريَ ممّن قام عنّي محاميًا أقرَّ بداري وادّعى غيرَها ليا ألا ليس لي في غير داريَ حاجةٌ فحَسْبيَ نَصْرًا منك تركي وداريا الوجه الثاني: أن المعروف استعمال المجاز المذكور في الخطاب بلفظ الجمع، كما في الآيات، ولم أره بلفظ الواحد. وهو أن النسبة إلى كل فرد في نحو "ولو ترى" أظهر في العموم منها في نحو "فعلتم". والعموم في نحو "فعلتم" يضعف إذا كان الخطاب لقبيلة وقوم، لكثرة ما يأتي بمعنى "فعل بعضكم"، أو "فعل أسلافكم". فإن قلت: قد أسلفت أن معنى قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: "قد علمت"، وأنه لكل من يصلح للخطاب، وأنه لا يقدح فيه أن مِن الأفراد مَن لم يعلم. قلتُ: ذاك لأن في الكلام [ص ٥٣] هناك مبالغة، وهو كناية عن ظهور الواقعة واشتهارها، كما تقدم، ولا يتأتى مثل ذلك في "ترمي" على زعم أنه خطاب.
[ ٨ / ١٩٢ ]
الوجه الثالث: أن نسبة ما وقع للآباء إلى الأبناء إنما يحسن فيما تتوارث نتيجته، فيكون بوقوعه للآباء كأنه وقع لأبنائهم، كأن يكون فيه فخر أو عار أو استحقاق شكر أو نحو ذلك. تقول لشيباني: "أنتم حُماةُ الذِّمار يومَ ذي قار". ويقول من ينتسب إلى الأنصار لمن ينتسب إلى المهاجرين: "آويناكم وواسيناكم" ونحو ذلك.
وذلك أن يوم ذي قار (^١) فخر لكل شيباني إلى يوم القيامة، وإذا ثبت الفخر لمن لم يشهده منهم، فكأنه شهده. وهكذا شكر الأنصاري حق على المهاجري إلى يوم القيامة. وقس على ذلك. وأنت إذا تدبرت آيات البقرة في خطاب بني إسرائيل التي تقدّم التمثيل به (^٢) لهذا الأسلوب، وجدتها مطابقة لهذا المعنى.
ولو قيل لرومي أو فارسي: أنتم الذين كتب إليكم النبي ﵌ يدعوكم إلى الإسلام، لرأيت كلامًا يمجُّه السمع وينفر عنه الطبع، حتى يقال للرومي: فأكرمتم رسوله، وحفظتم كتابه؛ وللفارسي فمزَّقتم كتابه؛ فإذا بالكلام قد نفخت فيه الروح، وعادت الأسماع تعطف عليه، والطباع تعتذر إليه! ما ذاك إلا لأن حفظ الكتاب وإكرامه مكرمة يبقى فخارها، وتمزيقه مسبّة يتوارث عارها.
وإذا عرفت هذا، فانظر في رمي أهل مكة لأصحاب الفيل [ص ٥٤] بالحجارة على فرض وقوعه، لا تجد فيه ما يسوّغ نسبة الرمي إلى أبنائهم. أما
_________________
(١) انظر حديث يوم ذي قار في نقائض جرير والفرزدق (٦٣٨ - ٦٤٨).
(٢) كذا في الأصل، والمقصود: بها.
[ ٨ / ١٩٣ ]
الفخر فإن العرب لا ترى رمي العدوّ بالحجارة فخرًا، بل قال الأعشى (^١):
ولا نُقاتل بالعِصِيـ يِ ولا نُرامي بالحجاره
مع أن المقام ليس مقام مدح ولا ذم.
فإن قلتَ: قد يقال إن الخطاب في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ جاء تبعًا للخطاب في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، فيقبل هذا بشفاعة ذاك.
قلتُ: إنما يسوغ هذا لو كان الخطاب في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ من هذا الأسلوب، وهو أن ينسب إلى الأبناء ما وقع من الآباء، وليس كذلك، فإن ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بمعنى "قد علمت"، والعلم ثابت للمتأخر نفسه.
فإن قيل: فاجعل الرؤية بصرية على ظاهرها، فيكون المعنى: "قد أبصرت"، كما في قوله في آيات البقرة التي تقدم التمثيل بها: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠].
قلتُ: هذا إنما يقوم على دعوى أن يكون قوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ من هذا الأسلوب، أعني أن ينسب إلى الأبناء ما وقع للآباء، فيرِد عليه الوجهان السابقان، وثالث وهو مخالفته لظاهر ارتباط السورة بما قبلها ببنائها على الوعيد والتهديد.
[ص ٥٥] واعلم أنّ المعلِّم ﵀ إنما اعتنى بتطبيق ما قاله من الخطاب في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ على الخطاب في ﴿أَلَمْ﴾ لأن السورة كلام واحد،
_________________
(١) الخزانة (١/ ٨٣). [المؤلف]. طبعة هارون (١/ ١٧٣)، وانظر: ديوان الأعشى (٢٠٩).
[ ٨ / ١٩٤ ]
وما بعد الآية الأخرى تفسير لها. والكلام الواحد إذا كان في أوله خطاب، ثم تلاه خطاب آخر، فلا يكون الثاني إلا للمخاطب بالأول، إلّا أن يكون الثاني أعمّ من الأول، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، أي إذا طلقت أنت أو أحد من أمتك.
ومثلها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨ ــ ٩]. والنبي ﵌ مكلّف بالإيمان بأنه رسول الله. والتعزير هنا: النصر، كما روي عن جابر مرفوعًا (^١). والتوقير: التعظيم، كما روي عن قتادة وغيره (^٢). والضميران عائدان إلى الله ﷿، كما هو الحال في قوله: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾.
وفي الآية وجوه أخرى تنفي ما توهمه بعضهم من مخالفة القاعدة المذكورة (^٣).
فأما قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣ ــ ١٤]، فالخطاب في قوله: ﴿فَأْتُوا﴾ وما بعده كله للكفار، والمعنى كما هو ظاهر:
_________________
(١) أخرجه ابن عدي، وابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر في تاريخه. قاله السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥١٦) ط دار الفكر.
(٢) المرجع السابق، وتفسير الطبري (٢١/ ٢٥١) ط دار هجر.
(٣) راجع: روح المعاني (٨/ ١٤٣).
[ ٨ / ١٩٥ ]
"فإن لم يستجِب لكم الذين تدعونهم من دون الله". ومن زعم أن الخطاب في قوله: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ للمسلمين على معنى: "فإن لم يستجب لكم الكفار"، فقد غفل غفلةً شديدةً. وانظر القاعدة في طراز المجالس للخفاجي (^١).
والمقصود أن المعلِّم ﵀ موافق على القاعدة المذكورة، ولذلك اعتنى بتطبيق الخطاب في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ على الخطاب في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، واعتذر عمن تقدمه القائلين بأن المعنى: "ترميهم تلك الطير" بأنهم رأوا أن الخطاب في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ للنبي ﵌، فلم يمكنهم أن يحملوا ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ على الخطاب. فإذا تقرر هذا، وظهر ما تقدم أنه لا يمكن انطباق الخطاب المزعوم في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ على الخطاب في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، ثبت بذلك بطلان الخطاب المزعوم في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾.
[ص ٥٦] وإنما يمكن التطابق بوجهين: الأول: زعم أن المعنى في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: "ألم تر آباؤكم"، وفي ﴿تَرْمِيهِمْ﴾: "يرميهم آباؤكم". وقد مرّ إبطاله.
الثاني: زعم أن المعنى: "ألم تر يا أبا لهب ترميهم يا أبا لهب" وهذا لم يقل به أحد، ولم يقل به المعلم، وإن أشار إليه، وسبق في مقدمة القسم الثاني ردّه من كلامه. ويردّه أيضًا إخلالُه بارتباط السورة بما قبلها، ومنافاته للظاهر الذي هو (^٢) قطعًا لا يخرج عنها إلا بحجة واضحة؛ وأنه ليس في
_________________
(١) ص ١٦ - ٢٠. [المؤلف].
(٢) هنا كلمة في طرف الورقة ذهب بها البلى.
[ ٨ / ١٩٦ ]