القرآن كلام مستأنف ابتدئ بخطاب كافر، وأنه يلزمه أن يكون رمي أبي لهب هو الذي به جُعل أصحاب الفيل كعصف مأكول، وغير ذلك مما لا حاجة للإطالة به. ويعرف كثير منه مما تقدّم ومما سيأتي إن شاء الله تعالى. وكذا إذا جعل بدل أبي لهب شخص آخر كالعاص بن وائل أو الوليد بن المغيرة.
الوجه الرابع: أن التركيب على زعم الخطاب لا يجري على قانون العربية على ما يأتي قريبًا إن شاء الله.
[ص ٥٧] (٣) قوله: "وكلمة ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ حال من المجرور في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ "، وقوله: "فعسى أن يتوهم أن الحال ".
قال عبد الرحمن: الذي يُدرس في الهند من كتب النحو غالبًا: "كافية ابن الحاجب"، وابنُ الحاجب حَدَّ الحالَ بقوله: "الحال ما يبيّن هيئة الفاعل أو المفعول به لفظًا أو معنىً". والمجرور بالحرف مفعول به في المعنى، فهو داخل في الحدّ، فلا حاجة لما أطال به المعلِّم ﵀ من الشواهد. وفوق ذلك فإن أكثر النحاة يحدُّون الحال بغير هذا الحدّ، فقول المعلم: "إنما مراد النحويين فإذا وجدوا الحال عن غير الفاعل والمفعول فزعوا إلى تقديرات شتى" يحتمل أمرين: الأول أن يكون تساهل فأطلق "النحويين" ومراده بعضهم. الثاني أن يكون إنما راجع من كتب النحو كافية ابن الحاجب وظنّ أنّ الحدّ المذكور فيها متفق عليه بين النحويين. فليته سكت عن هذا، ونظر إلى الوجوه الأخرى التي تبطل الحالية هنا:
الوجه الأول: ما تقدم من إبطال الخطاب.
[ ٨ / ١٩٧ ]
[ص ٥٨] الوجه الثاني (^١): أن الحال لا بد أن تقارن عاملها في الزمان (^٢). وتقدم في فصل (هـ) من القسم الأول أنه لو كان إرسال الطير إنما هو لأكل جثث الهلكى لكان الظاهر أن يتأخر إرسالها عن رمي أهل مكة، على فرض وقوعه، فعلى فرض تأخره تنتفي المقارنة.
الوجه الثالث: أن ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ يلي ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾، والأصل والظاهر أنه لها حالًا منها أو نعتًا لها (^٣). فلا يجوز أن يكون حالًا من الهاء في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلّقًا بالخطاب في أول السورة، إذ لا قرينة على ذلك، بل القرائن القوية تؤيد رمي الطير، وقد تقدم بيان ذلك.
[ص ٥٩] الوجه الرابع: أنّ ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ لو كان خطابًا على أنه حال من الهاء في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ لكان جاريًا على غير من هو له، وإذن لوجب على قانون العربية أن يقال: "ترميهم أنت" (^٤).
الوجه الخامس: أنني أشكّ في صحة "مررنا بزيد تحدثه" أو "تحدثه أنت"، وإن صحّ فهو ضعيف. وهو نظير ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ حالًا من الهاء في
_________________
(١) كتب المؤلف أولًا: "الوجه الثاني: تقدم في الفائدة العاشرة أنّ الحال ". ثم حذف قوله: "تقدم في الفائدة العاشرة" من المتن وأثبته في الحاشية الآتية. ونحوه في الحواشي التالية.
(٢) انظر: الفائدة العاشرة من الفوائد الآتية في الذيل. [المؤلف]. انظر التعليق في (ص ١٨٩).
(٣) انظر: الفائدة الحادية عشرة من الذيل. [المؤلف]. سقطت هذه الفائدة من الأصل كما سبق.
(٤) انظر: الفائدة الثانية عشرة. [المؤلف]. ذهب الخرم بهذه الفائدة.
[ ٨ / ١٩٨ ]
﴿عَلَيْهِمْ﴾ (^١).
الوجه السادس: أنه لو كان المعنى: "ترميهم أنت" لكان جملة ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ مستقلة عما قبلها ومناسبة لها. وهذا من التوسط بين الكمالين، وهو من مواضع الوصل. فحقه أن يقال فيه: "وأنت ترميهم"، ويتأكد ذلك هنا بدفعه الإلباس (^٢). فلما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ تعيّن أن يكون المراد: ترميهم تلك الطير.
فإن قيل: قد ذكروا أن الحال قد تجيء مقدرة بأن تكون متأخرة عن عاملها، ومثّلوا له بقول الله ﷿: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. قالوا: التقدير: ادخلوها مقدَّرًا خلودكم.
قلت: حاصله أنّ قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ مجاز، لما كانوا مقطوعًا بخلودهم في المستقبل أطلق عليهم ﴿خَالِدِينَ﴾ في الحال من باب تنزيل ما عُلِم أنه سيقع، فإنما حاصل الخلود الاستمرار على الحال الحاصلة بالدخول. ولا يتأتى مثل هذا في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾.
أيضًا فقد يحتمل أن يكون قوله: ﴿فَادْخُلُوهَا﴾ ضمّن معنى "اسكنوها". وعلى هذا فالمقارنة أبين، لأن معنى الخلود فيها هو إنما هو دوام سكناها.
فإن قيل: فقد ذكروا من أمثلة الحال المقدر قول الله ﷿: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
_________________
(١) انظر: الفائدة الثالثة عشرة. [المؤلف].
(٢) انظر: الفائدة الرابعة عشرة. [المؤلف].
[ ٨ / ١٩٩ ]