[ ٢٨ ]
عندنا مسألتان الاستعاذة والبسملة، والبحث فيهما طويل جدًا، طويل الذيول، والمطولات من كتب التفسير بسطوا القول فيهما، فممن بسطه القرطبي في تفسيره، والحافظ ابن كثير، والرازي، وأيضًا الطبري، لكن كلامهم كأنه أنظم وأرتب، كلام القرطبي والرازي أنظم من ابن كثير؛ لأن ابن كثير قدم وأخر وأشياء، وأما الطبري فعلى طريقة المتقدمين في عدم الدقة في الترتيب، ما يعتنون في كون الترتيب يوافق ترتيب المناطقة في تقديم بعض الأشياء، وتأخير بعض الأمور، المقصود أن التفاسير الأربعة كفيلة وحافلة بهذه المباحث، في الاستعاذة جاء قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [(٩٨) سورة النحل] وجاء قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [(٢٠٠) سورة الأعراف] وجاء أيضًا قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ [(٩٧ - ٩٨) سورة المؤمنون] وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [(٣٦) سورة فصلت] معنى الاستعاذة: الالتجاء إلى الله -﷾-، والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر، والعياذة إنما تكون لدفع الشر، كما أن اللياذة لطلب الخير، العياذ والعياذة: إنما تكون لدفع الشر، بخلاف اللياذ الذي يكون لجلب الخير وطلبه.
[ ٢٩ ]
فمعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أستجير به وألتجئ إليه من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله -﷾-، والشيطان مشتق، فعلان مشتق: إما من شطن إذا بعد، أو من شاط إذا احترق، فالشيطان بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير، منهم من قال: إنه مشتق من شاط إذا احترق؛ لأنه مخلوق من نار، لكن الأول أصح، لماذا؟ لأن الشيطان يطلق على الإنسي أيضًا، فإذا قلنا: أن الشيطان مشتق من شاط إذا احترق؛ لأنه مخلوق من نار يدخل في هذا الإنسي؟ ما يدخل فيه الإنسي؛ لأنه يطلق على الإنسي وليس من نار، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [(١١٢) سورة الأنعام] في المسند من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يا أبا ذر تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجن» فقلت: أو للإنس شياطين؟ قال: «نعم».
والرجيم: فعيل بمعنى مفعول أي مرجوم، فهو مطرود عن الخير كله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾ [(٥) سورة الملك] وقيل: فعيل رجيم، فعيل بمعنى فاعل، فهو راجم، كونه مرجوم ظاهر، لكنه كونه راجم؛ لأنه يرجم الناس بالوساوس؛ لأنه يرجم الناس ويرميهم بالوساوس، لكن الأول أشهر.