[ ١٨ ]
أقول: هذا التفسير المختصر جدًا اشترك في تأليفه شخصان: أحدهما: جلال الدين المحلي، والثاني: جلال الدين السيوطي، ومن لقبيهما أُخذ اسم التفسير، جلال الدين، إيش تثنيت جلال؟ نعم فقيل: تفسير الجلالين، أولهما: جلال الدين المحلي، نترجم له باختصار، نقول: هو محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم المحلي الشافعي، ولد بمصر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، واشتغل وبرع في الفنون، وكان -﵀- آيةً في الذكاء والفهم، حتى قال بعض أهل عصره: إن ذهنه يثقب الماس، لكنه مع قوة هذا الفهم والذكاء قال عن نفسه: إنه لم يك يقدر على الحفظ، تعب أراد أن يحفظ كراسة من كتاب تعِب تعَبًا شديدًا، وأصيب بحرارة فترك الحفظ، نعم يوجد من الناس من يحفظ، لكن فهمه أقل، ويوجد العكس من يفهم، يكون فهمه دقيق، لكن حفظه أقل، ومن الناس من جمع الله له بين النعمتين، يحفظ ويفهم، ومنهم من حرمه الله من النعمتين، فالقسمة رباعية، وكان -﵀- على درجةٍ من الصلاح والورع، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، لا تأخذه في الحق لومةُ لائم، وقد ألّف كتبًا كثيرة غاية في التحرير والاختصار والتنقيح، وسلامة العبارة، وحسن المزج منها: شرح جمع الجوامع، شرح الورقات، شرح المنهاج للنووي، القسم الثاني من هذا التفسير، توفي في أول يوم من سنة أربعٍ وستين وثمانمائة، مترجم في كتب الشافعية المتأخرة، وأيضًا مترجم في طبقات المفسرين للداودي، وشذرات الذهب لابن العماد.
الثاني: السيوطي، وهو عبد الرحمن بن أبي بكر محمد خضيري السيوطي الشافعي، ولد سنة تسع وأربعين وثمانمائة، ونشأ يتيمًا، قد مات والده وعمره خمس سنوات، وأخذ عن جمعٍ غفير من أهل العلم، كان آية في سرعة الفهم والتأليف، وأخبر عن نفسه أنه كان يحفظ مائتي ألف حديث، حتى قال: لو وجدت أكثر من هذا لحفظته، هذا عنده فهم وحفظ، وادعى لنفسه أشياء، منها أنه مجدد المائة التاسعة، وبينه وبين السخاوي ردود ومناقشات واتهامات، والله المستعان، كل منهما برز في شيء، فالسيوطي برز في كثرة المصنفات في جميع العلوم، فيما يخطر على بال، وما لا يخطر، ألف في كل شيء، زادت مصنفاته على الستمائة، منها ما هو في مجلدات، ومنها ما هو في ورقة.
[ ١٩ ]
طالب:. . . . . . . . . يتهم السيوطي يا شيخ بالسرقة و. . . . . . . . .
سرقة الكتب؟
طالب: إيه يقول واحد: يا شيخ القراءات يا شيخ، الشيخ قال له: ما في أحد عنده يسوي لك شاي فأعطاه شرح الشاطبية يقرؤه أخذ وراح و. . . . . . . . .
أما السرقة، السرقة يأخذ كتاب ليس لغيره بجرمه وهيئته ويدعه! هذا لا، أما كونه يختصر كتب وينسبها إلى نفسه هذا واقع، وهذا هو مراد السخاوي، المقصود أن كلًا منهما أفضى إلى ما قدم، وكل منهما نفع الله به ومن مؤلفاته، وكل منهما لا يسلم أيضًا من انتقاد وملاحظة، والله المستعان.
طالب: طلبة العلم في هذا الوقت يتكلمون على السيوطي بكلمات لاذعة، حتى في غير باب العقيدة، يقول لك: هذا مغرور، هذا لا يؤخذ منه، هذا
أما ما يؤخذ منه فالعلم يؤخذ ممن جاء به، ومن اطلع على ترجمته لنفسه في حسن المحاضرة ادعى لنفسه أشياء الله يعفو عنا وعنه.
طالب: من أجمع من ترجم له؟
هو ترجم لنفسه، ترجمةً طويلة.
طالب: وغيره؟
ترجم له السخاوي ترجمةً مظلمة، ورد عليه السيوطي بكلامٍ، والله المستعان، الله يعفو.
لما بلغ الأربعين السيوطي، نقفل الباب هذا، ما لنا داعي نخوض فيه.
طالب:. . . . . . . . .
عنده شيء من التصوف، ويصحح بالكشف، وإن ثبت له كتاب الرحمة فالأمر ليس بهين.
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا، المسألة يعني ..، لكن ما يهمنا تفسيره بالدرجة الأولى.
[ ٢٠ ]
لما بلغ الأربعين سنة أخذ في التجرد للعبادة والانقطاع إلى الله، والاشتغال به، والإعراض عن الدنيا وأهلها، حتى كأنه لم يكن يعرف أحدًا، وشرع في تحرير مؤلفاته، وترك الإفتاء والتدريس، واعتذر عن ذلك في مؤلفٍ سماه: التنفيس، اعتذر صار ما يفتي ولا يدرس، ولا يجلس إلى الناس، انقطع إلى العبادة والتأليف، خلف مصنفاتٍ كثيرة، ذوات فنون متعددة، فمن أشهرها: الدر المنثور، تفسير بالمأثور، له تفسير يُذكر أنه مطول جدًا، لكن ليس عنه خبر، له أيضًا الإتقان في علوم القرآن، وأيضًا له نصيب من هذا التفسير، ومقداره النصف، وله الجامع الكبير والصغير في الحديث، حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، مات ليلة الجمعة التاسع عشر جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وتسعمائة، مترجم في حسن المحاضرة له، وفي شذرات الذهب وغيرها.
اشترك الجلالان
طالب:. . . . . . . . .
يعني من كثر ما يسمع الجلالين؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٢١ ]
فإذا قيل: اشترك الجلالان نبت عن الأسماع، نعم، في تأليف هذا الكتاب رغم اختصاره، فقد ابتدأ الجلال المحلي في النصف الأخير من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الناس، ثم ابتدأ بتفسير الفاتحة، وبعد أن أتمها اخترمته المنية فلم يفسر ما بعدها، بدأ من الكهف إلى نهاية الفاتحة، ثم وقف، ثم جاء السيوطي فكمل فابتدأ التفسير من أول تفسير سورة البقرة إلى آخر سورة الإسراء، أما لماذا بدأ المحلي بالكهف ولم يبدأ من الفاتحة، هذا أمر لم يبين، لكن في الغالب أنه يكون عنده تفسير لطلابه، أو لشبههم، يبدأ به في الأول لا يكتب ثم يكتب في الأخير، ثم يعود على بقيه بالكتابة في الغالب، كما بدء تفسير ابن كثير -﵀- بسورة الأنعام، تفسير ابن كثير بدء بسورة الأنعام؛ لأنه كان يلقيه على الطلبة من غير تحرير ولا كتابة، ثم لما أتمّه رجع إلى الأول، وعاد إليه، وهم صاحب كشف الظنون حيث قال: تفسير الجلالين من أوله إلى آخر سورة الإسراء للعلامة المحلي، ولما مات أكمله جلال الدين السيوطي، هذا لا شك أنه وهم، قلب للحقيقة، وسببه، سبب هذا الوهم أن المحلي متقدم على السيوطي، وفي الغالب أن المتقدم يأخذ النصف الأول، وخطؤه ووهمه ظاهر لا يحتاج إلى برهان، يقول السيوطي في مقدمة التفسير، مقدمة تفسيره الذي يبدأ من أين؟ من سورة البقرة، يقول: "هذا ما اشتدت إليه حاجات الراغبين في تكملة تفسير القرآن الكريم الذي ألفه الإمام العلامة المحقق جلال الدين المحلي، وتتميم ما فاته من أول سورة البقرة إلى آخر سورة الإسراء بتتمةٍ على نمطه من ذكر ما يفهم به كلام الله تعالى، والاعتماد على أرجح الأقوال، وإعراب ما يحتاج إليه، وتنبيهٍ على القراءات المختلفة المشهورة على وجهٍ لطيف، وتعبيرٍ وجيز، وتركٍ للتطويل، بذكرٍ أقوالٍ غير مرضية، وأعاريب محلها كتب العربية" ونعرف بهذا منهج السيوطي، أنه احتذى أو حذا حذو المحلي في الاختصار الشديد، واقتصر على ما يفهم به كلام الله -﷾-، واعتماد على أرجح الأقوال، وإعراب ما يحتاج إليه، يحتاج إليه في معاني الكلمات، معاني الآيات، إعراب ما يحتاج إليه فقط، وترك ما لا يحتاج إليه، وأحال على كتب العربية، ويقول: وتنبيهٍ على
[ ٢٢ ]
القراءات المختلفة، فأعرب ما يحتاج إليه، ونبه على القراءات المختلفة المشهورة على وجهٍ لطيف، يعني باختصار، وتعبيرٍ وجيز، وترك للتطويل بذكر أقوال غير مرضية وأعاريب محلها كتب العربية، هذا وقد أتم السيوطي تكملته في مدةٍ وجيزة قدرها أربعون يومًا، على قدر ميعاد الكليم كما ذكر ذلك في خاتمة تكملته، في أربعين يومًا، وادعى صاحب كشف الظنون أيضًا أن المحلي لم يفسر الفاتحة، وإنما الذي فسرها هو السيوطي، وهي دعوى غير صحيحة، فقد قال الجمل في حاشيته على الجلالين: "وأما الفاتحة ففسرها المحلي، فجعلها السيوطي في آخر تفسير المحلي لتكون منضمةً لتفسيره، وابتدأ هو من أول سورة البقرة، وقال في خاتمة حاشيته عند نهاية ما كتبه على تفسير سورة الفاتحة: إنه أي الجلال المحلي -كلام الجمل- أنه أي جلال المحلي كان قد شرع في تفسير النصف الأول، وأنه ابتدأ بالفاتحة وأنه اخترمته المنية بعد الفراغ منها، وقبل الشروع في البقرة وما بعدها.
العناية بتفسير الجلالين ظاهرة، عني بها أهل العلم فكتبوا عليه الحواشي، لكن بالمقارنة إلى تفسير البيضاوي العناية به أقل بكثير، يعني كتب على تفسير البيضاوي ما يزيد على مائة حاشية
طالب:. . . . . . . . .
إيه تفسير متوسط، تفسير متوسط فيه فوائد ونكات، ذكرت على سبيل الاختصار، يعني صالح للتدريس في المساجد، لكن معروف أنه على طريقة الأشاعرة في العقيدة، وهو معتنىً به في الأقطار الإسلامية كلها، وله حواشي مطولة وكبيرة ومختصرة وتامة وناقصة، المقصود أن عليه أكثر من مائة حاشية، وما لم يذكر في كتب التراجم الشيء الكثير، يعني يأتي نسخ من تفسير البيضاوي من تركيا عليها حواشي قلمية بالقلم شيء لا يعد ولا يحصى، يعني كل نسخة تأتي من تركيا عليها حاشية، الحواشي أيضًا حاشية القونوي عليها حاشية، قلمية يعني ما هي بمطبوعة، مطولة، وحاشية زاد عليها حاشية، حاشية الشهاب أيضًا كتب عليها الشيء الكثير، من النسخ التي، النسخ الفردية التي تأتي من العلماء في تلك الأقطار، المقصود أن عناية الأمة بتفسير البيضاوي لا نظير لها لأي تفسيرٍ من التفاسير المختصرة التي تقاربه وتساويه في حجمه.
[ ٢٣ ]
أما تفسير الجلالين فعليه حواشي من أهمها وأجودها حاشية الشيخ سليمان الجمل الشافعي المتوفى سنة أربع ومائتين وألف، وحاشية الصاوي أحمد الصاوي المالكي وهي مختصرة من حاشية الجمل كما نص على ذلك الصاوي في المقدمة، وزادها فوائد وزوائد وطرائف، لكن حاشية الجمل تغني عنها، لا سيما وأنه حشاها بأقوال هذه الزوائد كثير منها من الاصطلاحات الصوفية، والألفاظ البدعية، وفيه أيضًا كلام حول التقليد ينفر منه طالب العلم، يعني في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ [(٢٣ - ٢٤) سورة الكهف] ولا أدري ما المناسبة؟ يقول: "ولا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة" يقول الصاوي: "ولا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة، ولو خالف الكتاب والسنة وقول الصحابي؛ لأن الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر" كلام كلام ..، إضافةً إلى أنه تكلم على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ووصفه بالخروج وغير ذلك.
فالحاشية لطالب العلم أن يستغني عنها بما ..، بأصلها التي هي حاشية الجمل، فهي حاشية نفيسة ومفيدة، فهاتان الحاشيتان مطبوعتان متداولتان، ذكر صاحب كشف الظنون أيضًا أن عليه حاشية لشمس الدين العلقمي سماها: قبس النيرين، فرغ من تأليفها سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة، وللشيخ أيضًا علي بن سلطان القاري الملا، المعروف بالملا قاري حاشية سماها: بالجمالين، وطبع الجلالين بالهند وعليه حاشية اسمها: الكمالين على الجلالين، للشيخ المحدث الفاضل الشيخ سلام الله الدهلوي، لشيخنا الشيخ عبد الرازق العفيفي -﵀- تعليقات على مقرر المعاهد العلمية من تفسير الجلالين، نبه فيها على ما وقع في الكتاب من أخطاء عقدية، وله أيضًا تنبيهات لطيفة، وهي مختصرة جدًا، على طريقة الشيخ -﵀- فيه كونه لا يرى كثرة التأليف، وكثرة الكلام فرحمه الله رحمةً واسعة، وليته أتم الكتاب، لكن قدر الله، وما شاء فعل، والله المستعان. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.