من آية: (١ - ١٣)
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
ثم قال بعد ذلك -رحمه الله تعالى-:
"سورة النجم" في بعض النسخ: "والنجم"، كما في بعض النسخ: "والطور، والذاريات"، "مكية، ثنتان وستون آية" وفي العد الآخر مع اعتبار البسملة: ثلاث وستون آية.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَالنَّجْمِ﴾ [(١) سورة النجم] النجم اختلف فيه، و(أل) هذه هل هي للجنس فيراد بالنجم جميع النجوم و(أل) هذه جنسية أو للعهد فيراد به النجم المعهود عند الإطلاق وهو الثريا؟ النجم إذا أطلق ينصرف إلى النجم المعهود وهو الثريا، ولذا فسره بما عهد وعرف، ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [(١) سورة النجم] "الثريا" ومنهم من يقول: (أل) هذه جنسية؛ لأنه لا يوجد ما يخصص الثريا، وليست لها مزية على غيرها، نعم الثريا علق بها أحكام، منها أحكام بيع التمر، حتى يغيب النجم الذي هو الثريا بحيث يأمن العاهة غالبًا؛ لأنه ما دام النجم طالع، فإنه حينئذٍ لا يأمن العاهة، يعني حتى ينضج، ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [(١) سورة النجم] قال: "الثريا" والقول الآخر: المراد به الجنس، جنس النجم المراد به جميع النجوم.
ومنهم من يقول: إن المراد بالنجم القرآن؛ لأنه نزل منجمًا في بضع أو في ثلاث وعشرين سنة، فنزل منجمًا، وعلى كل حال المتبادر إلى الذهن المراد به النجم المعروف، الذي هو زينة للسماء، ورجوم للشياطين، وعلامات يستدل بها المسافر.
﴿إِذَا هَوَى﴾ [(١) سورة النجم] إذا "غاب" إذا هوى: إذا غاب، ومنهم من يقول -من المفسرين-: إذا هوى: إذا نزل من السماء لرجم الشيطان المسترق للسمع.
﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [(٢) سورة النجم] هذا جواب القسم ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [(١) سورة النجم] وهذا الإقسام من الله -جل وعلا- بالنجم كغيره من المخلوقات التي لله -جل وعلا- أن يقسم بها دون خلقه، الخلق لا يجوز لهم أن يقسموا بغير الله -جل وعلا- كما تقدم في الطور.
[ ١٥ / ١ ]
جواب القسم "والنجم": ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [(٢) سورة النجم] "محمد -﵊- عن طريق الهداية"، ﴿وَمَا غَوَى﴾ [(٢) سورة النجم] "ما لابس الغي، وهو جهل من اعتقاد فاسد" ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [(٢) سورة النجم] والمراد به: "محمد -﵊- عن طريق الهداية"، ﴿وَمَا غَوَى﴾ [(٢) سورة النجم] "ما لابس الغي، وهو جهل من اعتقاد فاسد"، ضل عن الصراط المستقيم، ضل عن طريق الهادية ﴿وَمَا غَوَى﴾ [(٢) سورة النجم] بارتكاب عمل أو اعتقاد فاسد، ما ضل نفي يستدل به من يقول: إنه كان معصومًا قبل البعثة، أنه ما ضل مطلقًا، ويستدل بقول الله -جل وعلا-: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [(٧) سورة الضحى] أنه قبل البعثة غير معصوم، والمسألة خلافية بين أهل العلم، أما العصمة بعد البعثة هذه محل اتفاق.
[ ١٥ / ٢ ]
﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [(٢) سورة النجم] صاحبكم: الخطاب للمسلمين وإلا للكفار؟ صاحبكم: المخاطب الجميع، يعني كل من يتأتى منه أو يصلح الخطاب له يدخل في هذا، والصحبة بالنسبة للمسلمين واضحة، لكن بالنسبة للكفار الصحبة تطلق لأدنى مناسبة، تطلق لأدنى مناسبة، يعني لو جلس مجموعة متفرقون أوزاع من الناس وواحد منهم متكئ على عمود فقال الأب لولده: ادع لي .. -خرجوا من المسجد- فقال: ادع لي صاحب العمود، أسلوب صحيح، الصحبة تطلق لأدنى مناسبة، النبي -﵊- لما قالت له عائشة: إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قام في مقامك لا يكاد يسمع القرآن، قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» كررت عليه فقال -﵊-: «إنكن صواحب يوسف» يعني في إبداء خلاف ما في الباطن، عائشة -﵂- لما قالت هذا الكلام مرادها ألا يتشاءم الناس بأبيها، ألا يتشاءم الناس بأبيها؛ لأن الذي يأتي بعد أفضل الناس لا بد أن يلحظ الفرق، وإذا لحظ الفرق حصل التنقص، حصل التنقص، فالذي يأتي بعد النبي -﵊- لا شك أن الناس تتخذ منه في النفس، يعني منها موقف، وهذا ملحوظ، يعني لو أن شخصًا تولى عمل فأبدع فيه، أبدع فيه إبداع لا مزيد عليه، ثم بعد ذلك حصل له ما حصل من موت أو عزل أو شبهه، ثم عين مكانه بدله ممن هو أقل منه تجد الناس لا يرتاحون، وينظرون إلى هذا الشخص وإن كان أقرب إلى الكمال من غيره، يعني أولى الناس بهذا المنصب هو، لكنه بعد الأول تجد الناس ما يرتاحون؛ لأن أمور الدنيا كلها نسبية، كلها نسبية، يعني لو أن مدرسة فيها عشرون مدرسًا، وكلهم متميزون، واحد منهم أقل مرتبة، تجد جميع المدرسة من طلاب وغيرهم يزدرون هذا المدرس، وإن كان بالنسبة لغيره من المدرسين في المدارس الأخرى يمكن يكون متميز، يمكن يكون متميز، فالنظرات نظرات البشر نسبية، فعائشة أرادت ألا يتشاءم الناس بأبيها، يقف بعد الرسول -﵊-، لا شك أن النفوس تتخذ منه موقف، وإن كان هذا أمر لا بد منه، يعني أمر شرعي، ولذا يقول القائل: "لقد أتعبت من بعدك يا عمر" إما أن يتعب تعبًا شديدًا وإلا فلن يصل إلى ما وصلت إليه، فإذا لم يصل إلى ما وصلت إليه
[ ١٥ / ٣ ]
فإن الناس لا بد أن يتخذوا منه موقف.
﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [(٢) سورة النجم] "محمد -﵊- عن طريق الهداية"، ﴿وَمَا غَوَى﴾ [(٢) سورة النجم] "ما لابس الغي .. " ما فعل ما يحكم له من أجله بالغواية "وهو جهل من اعتقاد فاسد" ما غوى قبل النبوة، فضلًا عما بعدها.
﴿وَمَا يَنطِقُ﴾ [(٣) سورة النجم] "بما يأتيكم به" ﴿عَنِ الْهَوَى﴾ [(٣) سورة النجم] "هوى نفسه"، ﴿وَمَا يَنطِقُ﴾ [(٣) سورة النجم] "بما يأتيكم به" من الوحي سواءً كان الوحي المتلو الذي هو القرآن أو السنة، ما يأتيكم به عن الهوى هوى نفسه؛ لأن هواه تبع لما يرضي الله -جل وعلا-، فهو إنما ينطق بما يأتيه عن الله -جل وعلا-.
[ ١٥ / ٤ ]
﴿إِنْ هُوَ﴾ [(٤) سورة النجم] يعني "ما" هو (إن) هذه نافية، (إلا) بدليل الاستثناء بعدها، ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [(١٥٩) سورة النساء] إن هذه نافية، بدليل الاستثناء، يعني ما هو ﴿إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ "إليه" يعني لو نظرنا في أحاديثه -﵊-: «إنما الأعمال بالنيات» نقول: هذه وحي؛ لأن الرسول -﵊- لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ومن الوحي ما هو متعبد بلفظه وبتلاوته، ولا يجوز تغييره عن لفظه، ومنه ما يجوز روايته ونقله بمعناه والأمر فيه أوسع وهو السنة، ويستدل بهذه الآية من يقول: إن النبي -﵊- لا يجتهد، لا يجتهد، إن جميع أحكامه توقيفية، فكثيرًا ما يسأل عن الشيء ثم يسكت، لماذا؟ ينتظر الوحي، ينتظر الوحي، فليس له أن يجتهد؛ لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وكثير من أهل العلم يرون أنه يجتهد، واجتهد واجتهاده المقر من قبل الله -جل وعلا- وحي؛ لأن الشيء يكتسب الشرعية بالإقرار، يعني إذا نظرنا إلى حديث: بدأ الأذان، حديث عبد الله بن زيد رؤيا: "طاف بي وأنا نائم رجل بيده ناقوس، قلت له: أتبيع الناقوس؟ قال: ماذا تريد به؟ قال: لنعلن به في الصلاة، قال: ألا أدلك على خير منه، قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر .. " إلى آخره، الرؤيا معروف في الشرع أنها لا يثبت بها حكم شرعي، اكتسبت الشرعية من إقرار النبي -﵊-، فصارت هذه الرؤيا من الشرع بإقرار النبي -﵊-، صارت من السنة؛ لأن من السنة الإقرار، والحديث ما يروى عن النبي -﵊- من قوله أو فعل أو تقرير، فإذا أقر الله -جل وعلا- اجتهاد نبيه -﵊- صار وحي بالإقرار، أما إذا عوتب في اجتهاده فإنه حينئذٍ لا يكتسب الشرعية؛ لأن النبي -﵊- قد يفعل خلاف الأولى، كما صنع في قصة أسرى بدر، عوتب على ذلك، وافقه أبا بكر وخالفهما عمر، فعوتب النبي -﵊- في ذلك، هذا يدل على أنه يجتهد؛ لأنه لو كان لا يجتهد -﵊- لما اجتهد في هذه المسألة، ولو كانت وحي لما عوتب
[ ١٥ / ٥ ]
عليها، إذًا له أن يجتهد، والمسألة خلافية بين أهل العلم.
﴿وَمَا يَنطِقُ﴾ [(٣) سورة النجم] "بما يأتيكم به" ﴿عَنِ الْهَوَى﴾ [(٣) سورة النجم] "هوى نفسه" وقد يقول قائل: إن هذه الآية لا تمنع الاجتهاد إنما تمنع ما يتكلم به وما يحكم به من تلقاء نفسه مما هو تبعًا لهواه، إنما النبي -﵊- لا يحكم بالهوى، وإذا عرفنا أنه معصوم من ذلك قلنا: إن جميع ما يحكم به هو من عند الله -جل وعلا-، سواءً كان بالوحي المنطوق الذي هو القرآن، أو الذي يوحى به إليه من غير القرآن.
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [(٥) سورة النجم] علمه إياه شديد القوى، من الذي علم النبي -﵊- القرآن؟ شديد القوى، علمه إياه ملك شديد القوى وهو جبريل -﵇-، من الذي علمه جبريل؟ الله -جل وعلا-، الله -جل وعلا- تكلم به لجبريل، وجبريل نقله إلى النبي -﵊-، علمه إياه ملك شديد القوى، وجبريل -﵇- في جناح واحد رفع قرى قوم لوط إلى قريب من السماء حتى سمع الملائكة صياح ديكتهم.
يقول: بعضهم يستدل على جواز سماع الجرس بحديث عائشة في الوحي: «يأتيه مثل صلصلة الجرس»؟
[ ١٥ / ٦ ]
أورد العلماء هذا الإشكال، وقالوا: إن الوحي محمود والجرس مذموم فكيف يشبه المحمود بالمذموم؟ وأجابوا عن ذلك: بأن الجرس له أكثر من جهة، ولا يلزم مطابقة المشبه للمشبه به من كل وجه، الجرس له صوت متدارك متتابع، وله طنين مطرب، فمن حيث تتابعه وتداركه يشبه به الوحي، ومن حيث طنينه وإطرابه يمنع، والتشبيه لا يقتضي من كل وجه كما في أول زمرة تدخل الجنة على صورة البدر، صورة القمر ليلة البدر هل هذا التشبيه مطابق؟ البدر له عينان وله فم وله أنف وله ..؟ لا، ليس له شيء، فالتشبيه من وجه دون وجه، ومثل هذا قلنا في تشبيه السجود على اليدين ببروك البعير، يعني أنه مشبه له من وجه دون وجه، فهو من حيث النزول بقوة بحيث يثير الغبار، ويفرق الحصا يشبه بروك البعير، وأما مجرد تقديم اليدين ليس فيه شبه من وجه آخر من الوجه المحذور؛ لأن المحذور في الصلاة أن ينزل الإنسان بقوة، يعني لو نزل على ركبتيه بقوة؛ لأن بعض الناس ينزل على ركبتيه، يقول: أنا متبع، ولا أبرك بروك البعير، أنا أنزل على ركبتي، فتجد بعض الناس يتخلخل البلاط من ركبتيه، نقول: أنت نزلت نزول الحمار، أشد من البعير؛ لأن المحظور في المسألة النزول بقوة، الصلاة بطمأنينة ورفق، فمجرد وضع اليدين على الأرض هذا ليس هو بروك البعير، كما أن وضع الركبتين مجرد وضع على الأرض ليس بروك الحمار، وفي الحديث الصحيح في البخاري وغيره: "فبرك عمر بين يدي النبي -﵊- على ركبتيه" هل نقول: إن البروك هذا بروك بعير؟ نعم مشبه لبروك البعير لأنه نزل بقوة، لكن هذا ليس في الصلاة؛ لشدة الأمر الذي يريد أن يعرضه على النبي -﵊-، فلا شك أنه التشبيه لا يقتضي المشابهة من كل وجه.
[ ١٥ / ٧ ]
﴿عَلَّمَهُ﴾ [(٥) سورة النجم] إياه ملك ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾، ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [(٦) سورة النجم] ذو مرة: "قوة وشدة" وهذا من باب التأكيد، شديد القوى ذو مرة أي: "قوة وشدة"، والوصف قد يتعدد باعتبار تعدد اللفظ، وإن كان المعنى واحد، ويؤتى به حينئذٍ للتأكيد، والصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي، يعني قوة وشدة يستطيع أن يكتسب سوي ليس فيه عاهة تمنعه من التكسب، قوة وشدة ومن المفسرين من يقول: إن معنى المرة هنا الطول والجمال وحسن الهيئة، ولا تنافي بين هذا وهذا، قال: "أو منظر حسن والمراد جبريل -﵇-"، علمه النبي -﵊-، وقد تلقاه عن الله -جل وعلا-، ﴿فَاسْتَوَى﴾ [(٦) سورة النجم] "استقر"، ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [(٧) سورة النجم] " أفق الشمس عند مطلعها على صورته التي خلق عليها، فرآه النبي -ﷺ- وكان بحراء قد سد الأفق إلى المغرب، فخر مغشيًا عليه، وكان قد سأله أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فوعده بحراء، فنزل جبريل له في صورة الآدميين".
جبريل: خلق عظيم من خلق الله -جل وعلا-، شديد القوى له ستمائة جناح، الواحد منها يسد الأفق، وبجناح منها رفع قرى قوم لوط، طلب منه النبي -﵊- أن يراه على خلقته، فاتفق معه على أن يخرج إلى حراء، ولذا يقول: ﴿فَاسْتَوَى﴾ [(٦) سورة النجم] أي "استقر"، ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [(٧) سورة النجم] "أفق الشمس" استوى جبريل، وهو أي جبريل بالأفق الأعلى؛ لأن هناك تفسير يختاره الطبري لم يسبق إليه قال: "فاستوى جبريل وهو -يعني والنبي -﵊- استويا في الأفق الأعلى"، لكنه لم يوافق على هذا التفسير، والعطف على ضمير الرفع المتصل لا يجوز عند أهل العربية، أورد له شواهد، لكنه لا يجوز إلا في ضرورة الشعر.
وإن على ضمير رفع متصل عطفت فافصل بالضمير المنفصل
أو فاصل ما وبلا فصل يرد في النظم فاشيًا وضعفه اعتقد
أما في النثر لا يجوز، وهذا مما يضعف قول ابن جرير -﵀-.
[ ١٥ / ٨ ]
﴿فَاسْتَوَى﴾ [(٦) سورة النجم] جبريل يعني: "استقر"، ﴿وَهُوَ﴾ [(٧) سورة النجم] يعني: جبريل ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ "أفق الشمس" أي عند مطلعها على صورته التي خلق عليها، ستمائة جناح، سد الأفق بين المشرق والمغرب، التي خلق عليها فرآه النبي -﵊-، قالوا: إنه لم يره أحد على هذه الصورة إلا النبي -﵊- رآه مرتين كما سيأتي، هذه التي طلبها قال: "فرآه النبي -ﷺ- وكان بحراء قد سد الأفق إلى المغرب فخر مغشيًا عليه"، يعني أمر مهول، أمر عظيم، مغشي عليه، يعني أمر لا يمكن أن يثبت له مخلوق خلق بقدرته العادية، يعني الواحد من الناس لو يقابله فرس له ثلاثة رؤوس يمكن يغمى عليه، بعض الناس يمكن يغمى عليه، نعم لو يقابله وحش يمكن يغمى عليه، لو يقابله أدنى ما يقابله التركيب البشري ضعيف في الجملة، النبي -﵊- لما رأى هذا الخلق العظيم يقول: "فخر مغشيًا عليه"، ولعل هذا من تعظيم الخالق لا من تعظيم المخلوق، استحضار عظمة المخلوق إنما هي استحضار لعظمة الخالق، وهذا هو اللائق به -﵊-، إن صح الخبر أنه خر مغشيًا عليه، وإلا فالقرآن ينزل عليه وهو ثقيل، ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [(٥) سورة المزمل] ومع ذلك يثبت له -﵊-، مع أنه أعظم من يستشعر عظمة القرآن، يعني ثقل الوارد مع قوة المورود فيه تكافؤ لكن بعد ذلك ..، يعني الصحابة على طريقته -﵊- ما حصل لهم شيء لما سمعوا القرآن، جاء الجيل الذي بعدهم واستشعروا قوة الوارد من التابعين -﵏-، استشعروا قوة الوارد مع ضعف المورود، يعني النفوس بدأت تضعف، فصار يسمع أن فلانًا أغمي عليه، وفلان غشي عليه، وفلان صعق، وفلان مات، بعض الناس ينكر، يقول: لو كان هذا شيء فيه خير لكان أسبق الناس إليه النبي -﵊-، وما حصل له شيء من ذلك، يعني فيه تكافؤ بين قلبه -﵊- وما فيه، وما ركب فيه من قوة مع قوة الوارد، فلا يحصل أيضًا صحابته فيهم هذه القوة، لكن من دونهم من يستشعر قوة الوارد ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ
[ ١٥ / ٩ ]
لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا﴾ [(٢١) سورة الحشر] الذي يستشعر هذا لا بد أن يحصل له شيء، مع ضعف المورود، يحصل هذا الغشي وهذا الإماء وهذا أمر معروف، يعني لا يكاد ينكر، يعني قيل لمحمد بن سيرين: إن بعض الناس يصعق ويغمى عليه إذا قرئ عليه القرآن، قال: اجعلوه فوق جدار إن سقط فهو صادق، يعني وإلا فهو تمثيل، لكن هذا كثير في التابعين، يعني ننظر إلى التدرج، قد يقول قائل: الواحد منا ونحن أضعف من التابعين بكثير ما يحصل لنا شيء، لماذا؟ لأننا لا نستحضر قوة الوارد، قلوب ما فيه، أقسى من الحجارة، ما نستشعر شيء مما نسمع، ولو كنا نستشعر عظمة الوارد ما صارت حالنا هذه، عمر يسمع الآية ثم يجلس عشرين يوم يعاد مريض، هل يحصل هذا لأحد من المخلوقين اليوم؟ ما يحصل، يعني المسألة تدريجية قوة وارد مع قوة مورود ما يحصل شيء تكافؤ، يحصل استشعار وعظمة ومبادرة لامتثال، وتأثر وبكاء، وله أزيز كأزيز المرجل، صدره -﵊- وصحابته كذلك، ثم جاء بعدهم التابعون يستشعرون هذه القوة ويبكون، لكن القلب ضعف صار ما يتحمل، ما يتحمل، يعني مَن مِن الناس اليوم يصاب بمصيبة يحزن قلبه، وتذرف عينه الدمع، تدمع عينه، ومع ذلك لا يعترض على القدر بأي وجه من الوجوه، يعني لا يلتفت إلى هذا المصاب، يعني مضايق مضايق أنظار لا تستطيع التوفيق بينها، يعني إذا كنت صادق في فعلك، أما الكاذب الذي يمثل يستطيع أن يتلون بما شاء، يستطيع أن تدمع عينه وقلبه يضحك، أمر مفروغ منه.
[ ١٥ / ١٠ ]
الفضيل بن عياض -﵀- لم يستطع أن يوفق، فلما مات ولده ضحك بين الناس ليبرهن ويأطر نفسه على تمام الرضا بالقدر، ومع ذلك لم يستطع أن يقف في هذا الموقف موقف النبوة، والناس لا شك أنهم يتفاوتون، وكثر في التابعين من يتأثر بالقرآن ويصعق، وزرارة بن أوفى سمع الإمام يقرأ فإذا نقر في الناقور خر مغشيًا عليه ومات، وبعض الناس لا يدخل مزاجه مثل هذا الكلام، فتجده ينكره لأنه ما يجد في قلبه شيء، أدنى إحساس من هذا الأمر، شيخ الإسلام يثبت مثل هذا، وهو من أبعد الناس عن الخرافات، قد يقول قائل: إن هذا يكثر في العباد يكثر في كذا، لا يكثر في العلماء، نقول: المسألة مسألة توفيق، يعني من استشعر هذه العظمة لا بد أن يحصل منها، والعلماء هم أهل الخشية، هم أهل الخشية، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [(٢٨) سورة فاطر].
"فنزل جبريل له في صورة الآدميين" ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ [(٨) سورة النجم] "قرب منه"، دنا جبريل عند أكثر المفسرين، ﴿فَتَدَلَّى﴾ "زاد في القرب" إلى النبي -﵊- ﴿فَكَانَ﴾ [(٩) سورة النجم] "منه" فكان جبريل منه -﵊- ﴿قَابَ﴾ قدر ﴿قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ القوس معروف الذي ترمى به السهام، القوس الذي فيه الوتر، ومن خلاله ينطلق السهم إلى الرمية، "قاب" يعني: قدر قوسين، العرب تقيس بالقوس، تقيس بالرمح، إذا ارتفعت الشمس قد رمح، تقيس بالباع، وبالذراع، وبالشبر، وبالفتر، عندها أقيسة، هذه وإن كانت فيها شيء من التفاوت إلا أنها معمول بها عندهم، فشبر زيد ليس كشبر عمر، لكن هذا الشبر إنما يتفق عليه بعد الرؤية، ما يقول شخص غائب: أبيع عليك بشبري عشرة أشبار بكذا؛ لأنه ما يدرى كم شبره؟ لكن إذا نظرت إلى شبره وأنه كبير أو صغير إما توافق وإلا تخالف، المقصود أن هذه مقاييس عند العرب، ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [(٩) سورة النجم] يعني: قدر قوسين ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ "من ذلك حتى أفاق وسكن روعه".
[ ١٥ / ١١ ]
في القصة الأولى التي رأى النبي -﵊- جبريل على صورته فخر مغشيًا عليه، فنزل جبريل له في صورة الآدميين ليسكن روعه، ليسكن روعه؛ لأنه في صورته العادية، وكثيرًا ما يأتي جبريل بصورة دحية الكلبي، ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ [(٨) سورة النجم] "قرب منه"، ﴿فَتَدَلَّى﴾ "زاد في القرب" ﴿فَكَانَ﴾ [(٩) سورة النجم] "منه" ﴿قَابَ﴾ قدر ﴿قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ "من ذلك حتى أفاق وسكن روعه" لأن القرب لا شك أنه أقرب إلى الهدوء من الكلام الذي يسمع من بعد، أو الشبح الذي يرى من بعد.
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [(١٠) سورة النجم]، ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ﴾ [(٩ - ١٠) سورة النجم] الضمير عند أكثر المفسرين يعود إلى جبريل، ومنهم من يقول: الضمير يعود إلى الله -جل وعلا-، ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ [(٨) سورة النجم] "قرب"، ﴿فَتَدَلَّى﴾ "زاد في القرب" وهذا لا يمتنع في حقه -جل وعلا- باعتبار أن حديث النزول ..، يعني هذا فهم، قد يقول: هذا فهم واحتمال من الآية فلا دلالة فيه، لكن حديث النزول يدل على النزول دلالة قطعية، يعني الحديث متواتر: «ينزل ربنا» ولا ينكره إلا المبتدعة، و﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [(١٠) سورة النجم] مقتضى قولنا: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ﴾ [(٨ - ٩) سورة النجم] أن الضمير يعود إلى جبريل أن أوحى أيضًا يعود إلى جبريل؛ لتكون الضمائر متناسقة، فأوحى جبريل إلى عبده إلى عبد الله ورسوله محمد -﵊- لكن ضمير عبده يحتاج إلى عائد وهو الله -جل وعلا- ولا ذكر له، فهذا يقتضي أن الضمائر كلها في نسق واحد، وهذا يرجح قول من يقول: ثم دنا: يعني الرب -جل وعلا-، وتعالى عن مشابهة المخلوقين، تعالى الله عما يقول المشبهة علوًا كبيرًا قرب فتدلى زاد في القرب، فكان منه من النبي -﵊- قاب قدر قوسين أو أدنى من ذلك حتى أفاق وسكن روعه.
[ ١٥ / ١٢ ]
﴿فَأَوْحَى﴾ [(١٠) سورة النجم] الرب -جل وعلا- ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ جبريل ﴿مَا أَوْحَى﴾ "جبريل إلى النبي -﵊- ولم يذكر الموحى تفخيمًا لشأنه" يعني صرفت الضمائر بعضها عن بعض، يعني ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ﴾ [(٨ - ٩) سورة النجم] هذه لجبريل، ﴿فَأَوْحَى﴾ [(١٠) سورة النجم] من الذي أوحى؟ عند المفسر الله -جل وعلا-، ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ جبريل، ﴿مَا أَوْحَى﴾ "جبريل إلى النبي -ﷺ- ولم يذكر الموحى تفخيمًا لشأنه".
نعم قد يعود الضمير على غير مذكور، نعم قد يعود الضمير على غير مذكور للعلم به، ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [(٣٢) سورة ص] الشمس ما مر لها ذكر لكن للعلم به، ﴿فَأَوْحَى﴾ [(١٠) سورة النجم] الموحي هو الله -جل وعلا- ولو لم يسبق له ذكر في الضمائر السابقة للعلم به، وأنه هو الذي يوحي، وهو الذي يبدأ بالوحي، ﴿فَأَوْحَى﴾ [(١٠) سورة النجم] تعالى ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ جبريل ﴿مَا أَوْحَى﴾ "جبريل إلى النبي -﵊- ولم يذكر الموحى تفخيمًا لشأنه" ما ذكره يعني ما ذكر الشيء الذي أوحاه إلى جبريل، وأوحاه جبريل إلى النبي -﵊-، الله -جل وعلا- على عرشه بائن من خلقه، جبريل هو الذي دنا فتدنى فكان قاب قوسين أو أدنى ﴿فَأَوْحَى﴾ [(١٠) سورة النجم] الله ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ جبريل ﴿مَا أَوْحَى﴾ "جبريل إلى النبي -﵊- ولم يذكر الموحى تفخيمًا لشأنه" أو لعدم العلم به، ما نقل، ما نقل، وعلينا أن نؤمن بأن الله -جل وعلا- أوحى في هذا الظرف ما أوحاه إلى عبده وما تلقاه النبي -﵊- عن ربه بواسطة جبريل، علينا الإيمان وإن لم نعرف التفصيل، ومنهم من ذكر أشياء أن مما أوحاه الله إلى عبده: إن الله حرم الجنة على الأنبياء حتى تدخلها، وحرم الجنة على الأمم حتى تدخلها أمتك إلى غير ذلك مما قالوه لكن لا يدل عليه دليل.
[ ١٥ / ١٣ ]
﴿مَا كَذَبَ﴾ [(١١) سورة النجم] وما كذّب، "بالتخفيف والتشديد، أنكر" ﴿الْفُؤَادُ﴾ [(١١) سورة النجم] ما كذب، يعني ما أنكر الفؤاد "فؤاد النبي -ﷺ-" ﴿مَا رَأَى﴾ "ببصره من صورة جبريل"، ما كذب الفؤاد ما رآه، والمراد بالفؤاد القلب، قلب النبي -﵊- ما أنكر الشيء الذي رآه؛ لأن الإنسان قد يرى شيء يهوله فيقول: أبدًا هذا ليس بحقيقة؛ لأن الناس أعداء لما يجهلون، أعداء لما يجهلون، فتجد الشيء أمامك بين عينيك، تراه وتبصره ينكره قلبك؛ لأن هذا شيء ما اعتدته، وإذا كان الناس ينكرون بعض المخترعات، الساعة أول ما صنعت ألف فيها هل هي سحر أو صناعة؟ ثم بعد ذلك أخذ الناس عليها فعرفوا أنها صناعة، ولا يعني هذا أن المسألة مختلطة لا يفرق بين التخييل وبين السحر الذي له حقيقة وبين الأمور التي يفعلها البشر إما خوارق وإما كرامات وإما معجزات بالنسبة للأنبياء، أو خفة بالنسبة لبعض المحترفين، لكن مع ذلك إذا خرج عن مقدور البشر وطاقة البشر يجب أن يتثبت فيه؛ لئلا يختلط الحق بالباطل، وينظر إلى هذا الفاعل، وتقاس أفعاله بالشرع، فإن كان مقتفيًا مقتديًا فلا شك أن مثل هذه الأمور تكون كرامات يجريها الله على يديه وإلا فهي خوارق شيطانية يجريها الشياطين على يديه، وكتاب الفرقان لشيخ الإسلام وضح مثل هذه الأمور.
[ ١٥ / ١٤ ]
المقصود أن الإنسان إذا رأى شيئًا أول ما يراه ينكره فؤاده وينفر منه، النبي -﵊- ما أنكر ذلك فؤاده، ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [(١١) سورة النجم] ما كذّب الفؤاد، ما قال: يا جبريل هذا شيء ليس بمعقول، ونجد من يقول إذا سمع صبر العلماء على شدائد تحصيل العلم والعمل به قال: هذا ليس بمعقول، هذا لا يمكن، والإمام أحمد يصلي في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة، يقول: هذا ليس بصحيح، ليس بمعقول، لماذا؟ لأنه ما اعتاد هذا الأمر، نعم لو زاد الأمر كما ذكر ابن المطهر في منهاج الكرامة الرافضي المعروف، ذكر أن علي بن أبي طالب يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، قال شيخ الإسلام: الوقت لا يستوعب، يعني لو افترض كل ركعة بدقيقة الوقت ما يستوعب، والذي يقول: الوقت لا يستوعب فما هو بمعقول ثلاثمائة ركعة لأنه ما جرب، ما جرب، ولا تعرف على الله في أيام الرخاء، ليستغل أيام المضاعفات والشدة، في ما ينفعه وما يقربه إلى الله -جل وعلا-.
النبي -﵊- ما كذبه فؤاده ولا أنكر ما رأى، ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ [(١١) سورة النجم] فؤاد النبي -﵊- ﴿مَا رَأَى﴾ "ببصره من صورة جبريل" يعني هذا الأمر المهول، ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ [(١٢) سورة النجم] "تجادلونه وتغلبونه" المماراة هي المجادلة ومن ذلك: «من طلب العلم ليماري به العلماء» ليماري يعني: يجادل به، هذا على خطر عظيم، جاء الوعيد في حقه، ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ [(١٢) سورة النجم] وفي قراءة: "أفتُمرونه" وفي قراءة: "أفتَمرونه" يعني تجحدونه، والمماراة: هي المجادلة، تجادلونه وتغلبونه، والمجادلة في الغالب إنما تكون ممن يريد التثبت أو من جاحد، يريد أن يغلب من جاء بهذا المجحود بالحجة.
[ ١٥ / ١٥ ]
﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ [(١٢) سورة النجم] "تجادلونه وتغلبونه" ﴿عَلَى مَا يَرَى﴾ [(١٢) سورة النجم] "خطاب للمشركين المنكرين رؤية النبي -ﷺ- لجبريل" ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ [(١٢) سورة النجم] "تجادلونه وتغلبونه" ﴿عَلَى مَا يَرَى﴾ [(١٢) سورة النجم] "خطاب للمشركين المنكرين رؤية النبي -ﷺ- لجبريل، أنكروا الإسراء وقالوا: إلى بيت المقدس يحتاج إلى شهر ورجوع يحتاج إلى شهر، هذا مجرد مشي على الأرض فكيف بالعروج إلى السماء؟ فأنكروا ذلك، فأنزل الله -جل وعلا- فيهم ما أنزل، وصدقه أبو بكر، وبذلك سمي الصديق.
﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ [(١٣) سورة النجم] على صورته ﴿نَزْلَةً﴾ مرة ﴿أُخْرَى﴾ ﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [(١٤) سورة النجم]، ونقف على هذا، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٥ / ١٦ ]