تفسير القرطبي
تفسير (سورتي النور والفرقان)
من آية (٦٢ – إلى آخر السورة) (ومن بداية سورة الفرقان إلى آية ١٦)
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
أسئلة وأجوبتها:
هذا شخص يقول: دخل المسجد ليؤدي صلاة الجمعة، فوجد الخطيب يلقي درسًا قبل الصلاة، فقال الخطيب أثناء دعاءه في آخر الدرس: وأسألك بجاه خير البرية، فخرج هذا الشخص من المسجد وصلاها ظهرًا، فهل فعله صحيح؟ وماذا يتوجب عليه إن كان مخطئًا؟
لا شك أن السؤال بالجاه بدعة لا تجوز، لكن هي بدعة لا تخرج صاحبها من الملة، والصلاة خلفه صحيحة، فمثل هذا إن كان يجد مسجدًا آخر يصلي فيه الجمعة ممن كان إمامه غير متلبس ببدعة فعمله صحيح، يخرج من هذا إلى شخص لا يرتكب بدعة، أما إذا ترك الجمعة من أجل هذا وصلاها ظهرًا فهو مخطئ حينئذٍ وعليه أن لا يعود، ثم يسعى في مثل هذا الإمام أن يغيّر بشخصٍ غير مبتدع.
ما حكم تشقير الحواجب؟
تشقير الحواجب بلون البشرة، بحيث إذا رأى الرائي قال إنها نامصة، ذكرنا مرارًا أن هذا لا يجوز، وأما بالألوان الأخرى غير السواد، وما لا مشابهة فيه للكفار والفساق لا بأس به -إن شاء الله تعالى-.
كيف أدرس البلاغة؟
تدرس البلاغة بالبداية بصغار المتون –متون البلاغة– ثم تترقّى فيها، فلو قرأ في التلخيص أو في الجوهر المكنون مع شروحهما ثم بعد ذلك يقرأ ما هو أكبر منها.
يقول: كيف نفهم التفسير على وجهه الصحيح في هذا العصر الذي غلبت عليه التطورات والأزمات حتى يقال: أنه فلان قد فهم النصوص بشكلٍ خطأ؟
التفسير يفهم كما فهمه السلف الصالح، القرآن نزل للأمة من بعثة محمد -﵊- إلى قيام الساعة فلا بد من أن يفهم القرآن على مقتضى فهم السلف الصالح، ويعنى بما ثبت عن النبي -﵊- في تفسير القرآن، ثم عن صحابته الكرام، ثم بعد ذلك من أقوال التابعين ولغة العرب، وسائر الفنون تعين وتفيد في فهم القرآن.
يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته -وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته- ما حكم من تزوج وله أربعة أشهر ولم يدفع المهر، ودخل على زوجته، وهل تأثم إذا رفضت أن تمكنه من نفسها علمًا بأنه لا ينفق عليها؟
[ ١٤ / ١ ]
لها أن تمتنع حتى يدفع المهر، لها أن تمتنع من تسليم نفسها وتمكينها نفسها لزوجها حتى يسلّم المهر، والنفقة عليه واجبة، المهر إذا كان حالًا وهو قادر على أدائه هذا مطل لا يجوز له أن يؤخره، وإن كان عاجزًا فليسعى بأن يسدده ويدفعه إلى زوجته في أقرب وقت ولو من الزكاة، وهي إن رضيت أن تنظره وإلا لها أن تفسخ.
يقول: ما حكم التعدد؟ هل هناك شروط للزواج بالثانية؟
أقول: التعدد جمع من أهل العلم يرون أنه الأصل لمن قدر عليه وأطاقه واستطاعه بشرطه وهو العدل؛ لأنه إن خاف ألا يعدل فواحدة، فإن استطاع –غلب على ظنه أنه يعدل بين الزوجات– وقادر على ذلك من الناحية المادية بمعنى أنه استطاع الباءة فليتزوج ثانية وثالثة .. الخ، لكن عليه أن يعدل.
شاب كان قبل أن يلتزم كثير الكذب، يكذب على الناس بالقذف وغيره -أسأل الله العافية- ولكنه التزم الآن والحمد لله، ولكن قال له بعض الناس: إن توبتك لن تقبل حتى تذهب للأشخاص الذين كذبت عليهم وتقول لهم: إنني قد كذبت عليكم فسامحوني، وحتى تذهب إلى من كنت تتحدث أمامهم وتقول لهم: إن ما قلته لكم عن فلان وفلان كذب مني، فهل هذا صحيح أم تكفيه التوبة بينه وبين الله؟
هذا إن تيسر أن يذهب إلى المظلوم ويستبيحه من مظلمته من غير مفسدة زائدة على الذنب الأصلي؛ لأن بعض الأمور يترتب عليها مفاسد أعظم منها، فإن كان هذا لا يترتب عليه المفسدة فهو الأصل؛ لأنه إذا أباحك وسامحك برئت من العهدة من حقه، وحقه مبني على المشاحاة، أما حق الله -جل وعلا- فهو مبني على المسامحة، وأيضًا المجالس التي كنت ترتادها وتغتاب الناس فيها وتقذفهم فيها، عليك أن تبين فيها بنفس المستوى الذي كنت تتحدث فيه، تبيّن أنك كاذب، وعلى كل حال إذا لم تتمكن من ذلك وتبت توبةً نصوحًا وصدقت الله -جل وعلا-، ودعوت لمن اغتبته أو قذفته فيرجى أن يعفى عنك.
مدرستنا أقامت نشاطًا بمناسبة المولد النبوي، يقول: ومن ضمن فعالياته محاضرة عن المولد النبوي؟
[ ١٤ / ٢ ]
هذا من بلدان متفرقة يعني منها من ليبيا ومن السعودية ومن مصر والمغرب والإمارات وليبيا والكويت والمغرب وفرنسا والكويت والجزائر والإمارات، المقصود أنه لا يظن به بلد معين، وإنما هو كثير من بلدان العالم الإسلامي يحتفلون بالمولد وهو معروف أنه بدعة، لم يكن على عهده -﵊- ولا عهد صحابته الكرام ولا التابعين ولا في عهد الأئمة، وإنما ابتدع في القرن الرابع.
يقول: مدرستنا أقامت نشاطًا بمناسبة المولد النبوي، ومن ضمن فعالياته: محاضرة عن المولد النبوي، وقد طلب مني أن أكون محاضرًا لها، فهل يجوز أن ألقي هذه المحاضرة علمًا بأنني سوف أركز على بدعية هذا الأمر المنكر من باب الإنكار؟
نعم، لك أن تشارك بل يندب لك أن تشارك إذا أردت الإنكار، وبيان الحكم الشرعي في المسألة.
هذا يريد أن يرحل ويطلب العلم لكنه -هو من المغرب- يمنعه من ذلك المرض بسبب مسٍ لا يستطيع أن يغادر الحي، وأعاني من مشاكل كبيرة في التنفس، هذا يسأل أن يدعى له بإلحاح على الله أن يشفيه؟
نسأل الله -جل وعلا- أن يشفيه، وأن يذهب ما به من ضر، وأن يكشف ما به من بلاء.
يقول: هل للسحر شفاء؟ هل من سحر يمكن أن يشفى ويعافى؟
ما من داء إلا وله دواء، والنبي -﵊- سحر وعوفي.
وما هو العلاج الناجح في ذلك؟
نقول: هو الرقية الشرعية على يد من ترجى إجابته؛ لأن الرقية في حكم الدعاء.
ما حكم من علم من سحره وذهب وآذاه؟
على كل حال، الساحر معروف حكمه في الشرع، ذهب إليه وآذاه؛ لأنه سحره فلا شك أنه ظالم له، عليه أن يرفع أمره إلى ولاة الأمر ليأخذ حكمه الشرعي.
إذا تاب الساحر يا شيخ؟
إذا تاب الساحر، من أهل العلم من يرى أنه لا توبة له؛ لأن أمره خفي فكيف يعلم بصدقه؟ لكن إذا تاب وظهرت عليه أمارات الصدق، وبدل عمله السيء بأعمالٍ صالحة، فحق الله -إن شاء الله- تهدمه التوبة، وأما حقوق العباد الذين ضرهم بسحره هؤلاء سوف يجتمعون عند حكمٍ عدلٍ معه.
يقول: أين بلغ الشيخ بالدرس بعد العشاء (التعليق على الموافقات) (قرة عيون الموحدين) و(زاد المعاد وسبل السلام)؟
[ ١٤ / ٣ ]
أما الموافقات فالمسألة الثانية عشرة في المجلد الثاني، وأما قرة عيون الموحدين فهي موقفة؛ لأن صاحبها معتذر عن هذا الفصل، وزاد المعاد أيضًا لا يلازم، لأنه يحضر يومًا ويغيب أيامًا، وسبل السلام في كتاب الطلاق، ونحن بصدد بحث عن وقتٍ أنسب من هذا الوقت؛ لأن عشاء الجمعة الأسفار فيه كثيرة، فلعل الله أن ييسر، ولو قسمنا هذه الكتب الأربعة على يومين يكون أنسب.
يقول: رجل تزوج مع امرأة؟ -كيف تزوج مع امرأة؟ - تزوج امرأة، ولهما أطفال صغار، علم بعد ذلك الرجل بأن زوجته تستعمل المخدرات -هذا في فرنسا- فما نصيحتكم للزوج والزوجة، وهل يجوز للرجل أن يطلق زوجته؟ هل يجوز للرجل أن يطلق زوجته؟!
على كل حال إن وعظها وامتثلت فبها ونعمت، وإن لم تمتثل فالطلاق لا شك أنه في مثل هذه الحالة التي يخشى منها الضرر عليه وعلى أولاده منها حلّ لهذه المشكلة، فيجوز له أن يطلق لا سيما إذا غلب على ظنه أنها لا تستجيب، مثل هذه المرأة لا خير فيها.
يقول: إنني كنت أشارك أخي في مركز كمبيوتر وانترنت، ولكن من شهر رمضان السابق لم أعد أستطيع أن أواصل في النت، ولذلك فصلت الصيانة والمبيعات عن الانترنت فكيف أستطيع أن أحصل على مالي في الأجهزة وشكرًا؟
لعله تأثم من عمله في هذه الآلة التي فيها من الشرور ما لا يخطر على البال، فعلى كل حال هذه الآلات فيها شر مستطير، وفيها خير، لكن على حسب الاستعمال، فإذا كان البائع يبيع على جميع الناس فهذا لا شك أنه آثم؛ لأن كثير من الناس يستعملها في غير النافع، وإذا كان يتوخى بيع هذه الآلات على من يغلب على ظنه أنه لا يستعملها إلا فيما ينفع، فالأمر -إن شاء الله- فيه سعة، علمًا بأن التورع عن مثل هذه الأمور التي شرها كثير لا شك أنه هو الأصل.
يقول: هل تنصحونني بقراءة كتاب التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي، تحقيق: عصام الدين الصبابطي؟
على كل حال التذكرة مطبوعة طبعات كثيرة، لكن من أنفسها ما طبعت في ثلاثة مجلدات، صدرت عن دار المنهاج، هذه طبعة طيبة ومتقنة.
[ ١٤ / ٤ ]
يقول: أنا متزوج وأعيش مع والدي وجميع أخوتي، مشكلتي تتمثل في وجود صراعٍ دائم بين أمي وزوجتي عكّر عليّ صفو حياتي، وسؤالي كالآتي: هل السكن لوحدي يعتبر عقوق وأنا أحرص على برّ والدي؟ أو البقاء مع والدي والصبر على ما يصدر منهما الخ؟
هذا فيه مشاكل بين زوجته وبين أمه، وعلى كل حال البيوت في مثل هذه المشاكل تعج لا سيما مع تخلف التقوى لله -جل وعلا- والمراقبة فتجد الأم تغار من زوجة الابن، ثم بعد ذلك تحصل الفرقة والشقة، ويحصل من الزوجة أيضًا أن تستأثر بالابن وتحرم والديه منه، فيحصل مثل هذا، وعلى كل حال على الزوجة أن تحترم الوالدة، وبرّها وطاعتها من طاعة الزوج، ثم بعد ذلك تستقيم الأمور، وعلى الأم أن تتقي الله -جل وعلا- في حسن المعاملة، وعلى كل حال إذا أعياك الأمر ولم تستطع أن توفق بين بر والديك وبين القضاء على هذه المشاكل واستأذنت والديك في الخروج في بيتٍ مستقل وأذنا لك فخروجك حل لهذه المشكلات على أن لا تنساهم.
يقول: أنا رجل من عامة المسلمين سمعت رجلًا يسب الله ورسوله سبًا صريحًا، وأنا متيقن أن موانع التكفير عنه منتفية، فهل يجوز لي الإقدام على تكفيره، والحال فيه هي ما سبق ذكره أو لا؟
على كل حال إذا كان يسب الله ورسوله هذا كافر بلا شك –نسأل الله السلامة والعافية-.
طالب: يعذر بالجهل يا شيخ؟
هو يحكم عليه، وإذا أبدى عذرًا وأنه لا يعرف هذا مع أنه لا يمكن أن يتصور أن يعيش في بلاد المسلمين ويتذرع بالجهل في مثل هذا.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [(٦٢) سورة النور].
فيه مسألتان:
[ ١٤ / ٥ ]
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ (إنما) في هذه الآية للحصر، المعنى: لا يتم ولا يكمل إيمان من آمن بالله ورسوله إلا بأن يكون من الرسول سامعًا غير معنت في أن يكون الرسول يريد إكمال أمر فيريد هو إفساده بزواله في وقت الجمع ونحو ذلك، وبيَن تعالى في أول السورة أنه أنزل آيات بينات، وإنما النزول على محمد -ﷺ- فختم السورة بتأكيد الأمر في متابعته -﵇-؛ ليعلم أن أوامره كأوامر القرآن.
الثانية: واختلف في الأمر الجامع ما هو؟.
الآن المحصور عليه في الحصر ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إن كان المحصور عليه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فالإيمان لا يتم إلا بذلك، ولا يصح إلا بذلك، وإذا ادعى أنه مؤمن ولم يؤمن بالله ولا رسوله هذه دعوة لا تصح، فليس بمؤمن إذا لم يؤمن بالله -جل وعلا- ويؤمن برسوله، وإذا كان الحصر من أجل قوله -جل وعلا-: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ فلا شك أن هذا لا يسلب تركه الإيمان بالكلية، وإن كان يخل بأصله.
الثانية: واختلف في الأمر الجامع ما هو؟ فقيل: المراد به ما للإمام من حاجة إلى جمع الناس فيه، لإذاعة مصلحة من إقامة سنة في الدين، أو لترهيب عدو باجتماعهم وللحروب، قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [(١٥٩) سورة آل عمران] فإذا كان أمر يشملهم نفعه وضره جمعهم للتشاور في ذلك، والإمام الذي يُترقب إذنه هو إمام الإمرة.
[ ١٤ / ٦ ]
يعني المقصود به الإمام الأعظم، ومن ينيبه الإمام في جمع الناس لأمرٍ من الأمور، فإذا اجتمعوا لأمرٍ من الأمور لا يجوز الخروج إلا بإذنه إلا إذا كان ثمّ منكر، فإنه حينئذٍ لا يحتاج إلى إذن إلا إذا استطاع أن ينكر فيتعيّن عليه الإنكار، إذا لم يستطع ينصرف، إذا ترتب على الانصراف مفسدة أعظم فينظر في المصالح والمفاسد، إذا كان لا يستطيع الإنكار وترتب على الانصراف مفسدة أعظم لا شك أن العزيمة أن ينصرف، ولو ترتب عليه ضرر في نفسه أو بدنه أو ماله هذا هي العزيمة، وإن خشي على نفسه وجلس حتى ينتهي الموضوع خوفًا على نفسه ففيه مندوحة وهو مكره على هذا، لكن لا يستدل بفعله على جواز هذا المنكر، يعني كثير من الناس يستدلون على جواز بعض المحرمات؛ لأن والله شفنا الشيخ فلان جالس، ما تدري ما ظرف الشيخ فلان في جلوسه هذا؟ هو يخشى مفسدة أعظم، أو يخشى على نفسه، والإنكار لا يستطيعه ولا يستطيع الخروج فتقرير هذا الشخص على هذا المنكر ليس فيه دليل على جوازه، ولا يمكن أن ينسب إليه القول بجوازه؛ لأنه جلس ولم يستطيع الخروج ولم يستطع الإنكار.
فالتقرير خاص بالنبي -ﷺ-، حتى الصحابة تقريرهم ليس بحجة، يعني لو جلس صحابي فتقريره ليس بحجة، لنفترض مثل ما فعل مروان حينما خطب جالس، كثير من الصحابة الحاضرين ما أنكروا عليه، أنكر عليه أبو سعيد، هل يقال: أن الصحابة –جمهور الصحابة- يرون أن مثل هذا المنكر لا ينكر أو هذا الفعل يجوز؟ لأنهم ما أنكروا؟ وكثير من المسلمين ما أنكر على الوليد في إدخاله القبر – الحجرة النبوية في المسجد- مع أنه وجد الإنكار من جمع من أهل العلم في وقته، هل نقول: أن جمهور الأمة يرون مثل هذا العمل؟ لا يمكن.
[ ١٤ / ٧ ]
فالإقرار كونه تشريع خاص بالنبي -﵊-، ونسمع كثيرًا مما يستدل على جواز بعض الأمور بأننا رأينا الشيخ الفلاني جالس، طيب وما يدريك عن الشيخ الفلاني؟ يمكن يخشى على نفسه، لا يستطيع الإنكار، يوازن بين المصالح والمفاسد يرى أن المصلحة في البقاء، فمثل هذا لا يستدل به على الجواز، فإذا جمعهم الإمام على أمرٍ فيه مصلحة فإنه حينئذٍ لا يجوز لأحدٍ أن ينصرف حتى يستأذن، وهل يدخل في ذلك كل جمع؟ بمعنى أنه في الصلاة مثلًا، أو في خطبة الجمعة، احتاج إلى الخروج، هل يستأذن الإمام؟ أو في الدرس هل يستأذن الشيخ؟ لا شك أن المستأذن هنا هو الإمام الأعظم أو من ينيبه، وهناك أمور لا تحتاج إلى إذن، وإن كان بعضهم يرى أنها تحتاج إذن، فمن انتقض وضوءه والإمام يخطب، هل يقول للإمام: أتأذن لي أن أتوضأ؟ هذا ما يحتاج إلى إذن، وإن قال بعض أهل العلم أنه لا بد منه.
وفي كل هذا مبالغة على الحفاظ، من أجل الحفاظ على الجماعة، والدين دين اجتماع وألفة ومودة، ولذا لا يجوز إقامة جماعة ثانية في مسجد في آنٍ واحد، ولو كبر المسجد، مع علم الجماعة الثانية بالأولى؛ لأن هذا يؤدي إلى شقاق ونزاع ويشحن النفوس، وأيضًا لو أدى صلاة جار المسجد في مسجدٍ آخر لو أدى ذلك إلى وجود شيء في نفس الإمام أو جماعة المسجد القريب عليه أن يلازم هذا المسجد كفًا للغيبة عن نفسه وحفاظًا على الألفة والمودة، وإذا كان هناك مبرر له وشرحه للجماعة ورضوا به وكذلك الإمام، لا شك أن مثل هذا لا مانع منه، لو قال: أنا أحتاج إلى المشي، أنا نصحني الطبيب أن أمشي، ولا في فرصة أن أمشي إلا إذا أذن أصلي بالمسجد الفلاني، فحينئذٍ لا مانع على أن يبين ويسلب ما في قلوبهم من أثر لهذه الفرقة، وإلا فالأصل أن الفرقة مذمومة.
والإمام الذي يُترقب إذنه هو إمام الإمرة فلا يذهب أحد لعذرٍ إلا بإذنه، فإذا ذهب بإذنه ارتفع عنه الظن السيء، وقال مكحول والزهري: الجمعة من الأمر الجامع، وإمام الصلاة ينبغي أن يستأذن إذا قدمه إمام الإمرة إذا كان يرى المستأذن.
[ ١٤ / ٨ ]
قال ابن سيرين: كانوا يستأذنون الإمام على المنبر فلما كثر ذلك قال زياد: من جعل يده على فيه فليخرج دون إذن، وقد كان هذا بالمدينة حتى أن سهل بن أبي صالح رعف يوم الجمعة فاستأذن الإمام، وظاهر الآية يقتضي أن يستأذن أمير الإمرة الذي هو في مقعد النبوة، فإنه ربما كان له رأي في حبس ذلك الرجل؛ لأمر من أمور الدين، فأما إمام الصلاة فقط فليس ذلك إليه؛ لأنه وكيل على جزء من أجزاء الدين للذي هو في مقعد النبوة.
إذا احتاج الإمام إلى جمع الناس في غير وقت الدوام مثلًا، قال: على الجهة الفلانية أن تحضر بعد صلاة العصر أو بعد صلاة المغرب أو بعد صلاة العشاء للتشاور في بعض الأمور التي تهم العمل، بعض أهل العلم يرى أنه تلزم الإجابة، ولو كانت خارج الوقت المؤجر عليه، ومنهم من يرى أنه إذا كانت المسألة مقايضة ووظيفة ويصرف لها مقابل أنه لا يلزم إلا في وقت العمل، وهذا يحتاج إليه في كثير من الدوائر الحكومية، يعني هناك جلسات في الجهات الرسمية، فهل إذا دعي إلى الجلسة في غير وقت الدوام يلزمه الحضور؟ وإذا لم يرضَ إلا بمقابل، هل يصرف له هذا المقابل أو لا يحتاجه وهو من صميم العمل، لا سيما إذا كان فائدته تعود على العمل؟ مثلًا: جلسات –مجالس الكليات والجامعات وغيرها من الدوائر الرسمية التي تحتاج إلى جلسات وفيها لجان تجتمع هذه اللجان أو مجالس في غير وقت الدوام- أما بالنسبة لوقت الدوام لا يجوز أن يتخلف أحد، لا يجوز أن يتخلف إذا كان من مصلحة العمل؛ لأنه استؤجر، في هذه المدة هو أجير لا يجوز له أن يتخلف، وإذا كان في غير وقت الدوام فالمسألة تحتاج إلى نظر.
طالب: لو علم بوجود منكرات وقت الدوام؟
إذا علم بوجود منكرات لا يجوز الإقدام، الآن يقولون في إجابة وليمة العرس والدعوة إليها واجبة عند أهل العلم ومع ذلك إذا كان ثمّ منكر لا يجوز الحضور، إلا إذا كان يحضر بنية الإنكار ويستطيع الإنكار، يستطيع التغيير؛ فإنه حينئذٍ يجيب.
طالب: إذا خشي من وجود منكر، توقع منكر؟
[ ١٤ / ٩ ]
إذا غلب على ظنه وجود منكر، نفترض مثلًا أنه لا يرى التصوير، ويقول: أنه بيجي المسؤول الفلاني احتمال قوي أن يكون التصوير موجود، ما يحضر في هذه الحالة، وإذا كان وجوده يمنع التصوير مثلًا، وقيل: إن الشيخ الفلاني بيحضر وهو ما يرى التصوير فلا تصوروا هذا لا شك أنه مصلحة ظاهرة، أو مثلًا سيدعى إلى مجلس ثم يدعى معه نساء مثلًا، كما يحصل في مثل هذه الأيام فلا يحضر، لا يحضر أبدًا، إذا وجد منكر، إن حضر للإنكار واستطاع ذلك فبها ونعمت، وإلا فلا يحضر.
وروي أن هذه الآية نزلت في حفر الخندق حين جاءت قريش وقائدها أبو سيفان وغطفان وقائدها عيينة بن حصن، فضرب النبي -ﷺ- الخندق على المدينة، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة، فكان المنافقون يتسللون لواذًا من العمل ويعتذرون بأعذار كاذبة، ونحوه روى أشهب وابن عبد الحكم عن مالك، وكذلك قال محمد بن إسحاق، وقال مقاتل: نزلت في عمر -﵁- استأذن النبي -ﷺ- في غزوة تبوك في الرجعة فأذن له، وقال: «انطلق فوالله ما أنت بمنافق» يريد بذلك أن يسمع المنافقين، وقال ابن عباس -﵄-: إنما استأذن عمر -﵁- في العمرة، فقال -﵇- لما أذن له: «يا أبا حفص لا تنسنا في صالح دعائك».
ومثل هذا طلب الدعاء من الرجل الصالح لا بأس به، ولا إشكال فيه، ولا يدخل في النهي عن السؤال، النبي -﵊- قال لعمر هذا الكلام، وقال لعمر: «إذا أتى وفد اليمن فاسأل عن فلان» أويس بن عامر- هذا في صحيح مسلم وسأل عنه، فطلب منه الدعاء، هذا لا إشكال فيه -إن شاء الله تعالى-.
هذه الآية فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ في الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ في معارضة وإلا ما في معارضة؟
طالب: لا.
لماذا؟
طالب: المقصود في الآية الأولى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ هم أصحاب النبي -﵊-.
[ ١٤ / ١٠ ]
في الآية التي معنا هذه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؟
المسألة لا تخلو من حالين: الأولى: أن يكون هناك عذر يمنع من البقاء، أو لا يكون هناك عذر، فإن كان هناك عذر فالاستئذان لا بد منه مع العذر، فنتصور اثنين كليهما معذورين في مثل هذا –كلاهما لديه عذر- واحد استأذن وواحد مشى بدون استئذان، الآية في حق من استأذن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لوجود عذر يمنعهم من مواصلة البقاء، هناك ليس فيه عذر وإنما فيه فرار عمّا أوجب الله عليهم، هناك ليس فيه عذر فيستأذن ويعتذر بعذر غير صحيح، فالذي يستأذن للتخلص مما أوجب الله عليه من جهادٍ ونحوه فمثل هذا تنطبق عليه الآية الأولى.
قلت: والصحيح الأول؛ لتناوله جميع الأقوال، واختار ابن العربي ما ذكره في نزول الآية عن مالك وابن إسحاق، وأن ذلك مخصوص في الحرب، قال: والذي يبين ذلك أمران:
أحدهما: قوله في الآية الأخرى ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ [(٦٣) سورة النور] وذلك أن المنافقين كانوا يتلوذون ويخرجون عن الجماعة، ويتركون رسول الله -ﷺ- فأمر الله جميعهم بألا يخرج أحد منهم؛ حتى يأذن له رسول الله -ﷺ- وبذلك يتبين إيمانه.
الطلاب في المدارس النظامية –في الكليات مثلًا– يحرص الطالب أنه يجلس إلى أن يؤخذ الحضور، ثم بعد ذلك يستغفل الشيخ ويتغافل ويخرج، أو يستأذن ولا عذر له، كل هذا لا يجوز؛ لأنه يأخذ في مقابل هذا أجرة محسوسة وأجرة معنوية؛ لأنه منتظم، وتعاقد مع الكلية على هذا الأمر، أنه منتظم والمنتظم عليه أن يحضر فلا يجوز له أن يخرج حتى يستأذن إذا كان له عذر، إذا كان له عذر يستأذن وإلا يبقى.
[ ١٤ / ١١ ]
قد يقول قائل: إن بعض الأساتذة وبعض المدرسين الفائدة منهم ليست كبيرة فأنا أخرج لأستفيد فائدة أكبر، أنت تعاقدت على أن تبقى في هذا المكان وفي شرح هذا الدرس المقرر عليك، وإلا لو افترضنا أنه يوجد في هذا المكان –في هذه الكلية– شخص هو أعلم الناس مثلًا، وأنت بين يدي شخص الفائدة منه قليلة وتقول: أنا أستأذن وأذهب إلى فلان –الذي هو العالم الحقيقي- وشيخ هذا الشيخ مثلًا، لا يجوز مثل هذا، العالم الفلاني له وقت آخر تذهب إليه، أما أنت في هذا الوقت وفي هذا الظرف عليك أن تلزم مكانك، وتلتزم بما تعاقدت عليه.
الثاني: قوله: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ وأي إذن ..
الأعذار، حينما يطلب عذر عن التخلف، كثير من الناس يتساهل فيها فيدلي بعذرٍ ليس بصحيح، وقد يكون لديه عذر ويبدي غيره؛ لأن الجهة لا تقبل إلا تقرير طبي، وهو مسافر –سفر حاجة- هو معذور في الحقيقة لكن الجهة لا تقبل هذا العذر، وإنما لا بد أن يكون بتقرير طبي ثم يزور تقرير طبي، هذا أيضًا لا يجوز، لا يجوز بحال، وبعضهم يتعاظم أن يفوته الامتحان ولا يعاد الامتحان والضرر كبير عليه، ثم يقول: هذه مفسدة يسيرة، نقول: لا يا أخي العلم المبني على هذه الأمور وعلى هذه المخالفات لا خير فيه.
وأي إذن في الحدث والإمام يخطب وليس للإمام خيار في منعه ولا إبقائه، وقد قال: ﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فبين بذلك أنه مخصوص في الحرب، قلت: القول بالعموم أولى وأرفع وأحسن وأعلى ﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فكان النبي -ﷺ- بالخيار إن شاء أن يأذن وإن شاء منع، وقال قتادة: قوله: ﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ منسوخة بقوله: ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [(٤٣) سورة التوبة].
يعني هذا في حال تعيّن الجهاد لا يجوز لمن تعين عليه أن يتخلف، كما أنه لا ينبغي للإمام أن يأذن له، وجاء عتاب النبي -﵊- في ذلك ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾.
[ ١٤ / ١٢ ]
﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ أي لخروجهم عن الجماعة إن علمت لهم عذرًا ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ يريد: يصيح من بعيد: يا أبا القاسم، بل عظموه كما قال في الحجرات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [(٣) سورة الحجرات] .. الآية، وقال سعيد بن جبير ومجاهد: المعنى قولوا: يا رسول الله في رفق ولين، ولا تقولوا: يا محمد بتجهّم، وقال قتادة: أمرهم أن يشرفوه ويفخموه، وقال ابن عباس: لا تتعرضوا لدعاء الرسول عليكم بإسخاطه فإن دعوته موجبة.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ التسلل والانسلال: الخروج، واللواذ من الملاوذة وهي أن تستتر بشيء مخافة من يراك، فكان المنافقون يتسللون عن صلاة الجمعة، ﴿لِوَاذًا﴾ مصدر في موضع الحال أي: متلاوذين، أي يلوذ بعضهم ببعض ينضم إليه استتارًا من رسول الله -ﷺ-؛ لأنه لم يكن على المنافقين أثقل من يوم الجمعة وحضور الخطبة، حكاه النقاش، وقد مضى القول فيه، وقيل: كانوا يتسللون في الجهاد رجوعًا عنه، يلوذ بعضهم ببعض، وقال الحسن: ﴿لِوَاذًا﴾ فرارًا من الجهاد، ومنه قول حسان:
وقريش تجول منا لواذًا لم تحافظ وخف منها الحلوم
وصحّت واوها لتحركها في لاوذ يقال: لاوذ يلاوذ ملاوذة ولواذًا، ولاذ يلوذ لوذًا ولياذًا انقلبت الواو ياءً؛ لانكسار ما قبلها اتباعًا للاذ في الاعتلال، فإذا كان مصدر: فاعَلَ لم يعل؛ لأن فاعَلَ لا يجوز أن يعل.
يعني لاوذ لا يجوز أن يعل، ولاذ يعل.
قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ بهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر على الوجوب.
[ ١٤ / ١٣ ]
لأنه رتب عليه عقوبة ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ما دام رتب عليه عقوبة فالمراد به الوجوب، ولو لم يرتب عليه عقوبة لكان للاستحباب، فالأمر هنا مطلق، مجرد عن قرائن وعن صوارف، إذًا هو للوجوب، كما في هذه الآية، وكما في الحديث: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم» دل على أن الأمر إذا أطلق ينصرف إلى الوجوب، أو دلالته على الوجوب، إلا إذا وجد صارف، ولو لم يكن كذلك لما رتّب عليه عقوبة، وأمر الاستحباب بالنسبة للسواك ثابت فلم يبق من الأمر المنفي إلا أمر الوجوب.
ووجهها أن الله -﵎- قد حذر من مخالفة أمره، وتوعد بالعقاب عليها بقوله: ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فتحرم مخالفته، فيجب امتثال أمره، والفتنة هنا القتل، قاله ابن عباس، وقال عطاء: الزلازل والأهوال، وقال جعفر بن محمد: سلطان جائر يسلط عليهم، وقيل: الطبع على القلوب بشؤم مخالفة الرسول.
ولا يمنع أن تجتمع هذه الأمور، بل غير هذه الأمور مما هو أشد منها.
والضمير في ﴿أَمْرِهِ﴾ قيل: هو عائد إلى أمر الله تعالى، قاله يحيى بن سلام، وقيل: إلى أمر رسوله -﵇- قاله قتادة، ومعنى ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي يعرضون عن أمره، وقال أبو عبيدة والأخفش: (عن) في هذا الموضع زائدة، وقال الخليل وسيبويه:
يعني في الأصل: فليحذر الذين يخالفون أمره، يرونها زائدة، لكن الصواب أنها ليست بزائدة، كما قال الخليل وسيبويه.
وقال الخليل وسيبويه: ليست بزائدة، والمعنى يخالفون بعد أمره، كما قال: لم تنتطق عن تفضل، ومنه قوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [(٥٠) سورة الكهف] أي بعد أمر ربه، و(أن) في موضع نصب بـ (يحذر) ولا يجوز عند أكثر النحويين حذر زيدًا، وهو في (أن) جائز؛ لأن حروف الخفض تحذف معها.
قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [(٦٤) سورة النور].
[ ١٤ / ١٤ ]
قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خلقًا وملكًا، ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ فهو يجازيكم به، و﴿يَعْلَمُ﴾ هنا بمعنى علم.
لأن دخول قد على المضارع الغالب فيه التقليل، قد يعلم، وهنا المراد بها التحقيق، فكأن المضارع هنا بمنزلة الماضي، إذا قيل: قد جاء زيد، يعني محقق، وإذا قيل: قد يجيء زيد، فهذا للتقليل، يعني ليغلب على الظن أنه ما يجيء، فهنا قالوا: إن يعلم بمنزلة التحقيق في الماضي.
﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ بعد ما كان في خطاب رجع في خبر، وهذا يقال له: خطاب التلوين، ﴿فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا﴾ أي يخبرهم بأعمالهم ويجازيهم بها، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ من أعمالهم وأحوالهم، ختمت السورة بما تضمنت من التفسير، والحمد لله على التيسير.
سورة الفرقان
مكية كلها في قول الجمهور، وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة، وهي: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [(٦٨) سورة الفرقان] إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [(٧٠) سورة الفرقان] وقال الضحاك: هي مدنية، وفيها آيات مكية، قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ .. الآيات، ومقصود هذه السورة. .
يعني عكس قول ابن عباس، قول ابن عباس أنها مكية إلا ثلاث آيات، قال الضحاك: هي مدنية إلا ثلاث آيات.
ذكر موضع عظم القرآن، وذكر مطاعن الكفار في النبوة، والرد على مقالاتهم وجهالاتهم، فمن جملتها قولهم: إن القرآن افتراه محمد، وإنه ليس من عند الله، قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [(١) سورة الفرقان] (تَبَارَكَ) اختلف في معناه، فقال الفراء: هو في العربية و(تقدس) واحد، وهما للعظمة، وقال الزجاج: تبارك تفاعل من البركة، قال: ومعنى البركة: الكثرة من كل ذي خير، وقيل: ﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى، وقيل: تعالى عطاؤه: أي زاد وكثر، وقيل: المعنى: دام وثبت إنعامه، قال النحاس: وهذا أولاها في اللغة والاشتقاق من برك الشيء إذا ثبت، ومنه برك الجمل والطير على الماء: أي دام وثبت.
[ ١٤ / ١٥ ]
فأما القول الأول فمخلط؛ لأن التقديس إنما هو من الطهارة وليس من ذا في شيء، قال الثعلبي: ويقال تبارك الله، ولا يقال متبارك ولا مبارك؛ لأنه يُنتهى في أسمائه وصفاته إلى حيث ورد التوقيف، وقال الطرماح:
تباركت لا معط لشيءٍ منعته وليس لما أعطيت يا رب مانعُ
وقال آخر: تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر.
قلت: قد ذكر بعض العلماء في أسمائه الحسنة (المبارك) وذكرناه أيضًا في كتابنا، فإن كان وقع اتفاق على أنه لا يقال فيسلم للإجماع، وإن كان وقع فيه اختلاف فكثير من الأسماء اختلف في عده كالدهر وغيره، وقد نبهنا على ذلك هنالك، والحمد لله.
أخذوا هذا الاسم من الفعل (تبارك) الذي مقتضاه الإخبار، علمًا بأن دائرة الأسماء أضيق من دائرة الأوصاف فضلًا عن الإخبار، فالاسم يؤخذ منه صفة ولا عكس، والإخبار أوسع لا يؤخذ منه صفة ولا اسم، هذا الإخبار، فكونهم يأخذون المبارِك أو المبارَك من قوله -جل وعلا-: ﴿تَبَارَكَ﴾ هذا ليس جاريًا على القواعد المعروفة عند أهل السنة، فيبقى الاسم توقيفي فإن جاء به نص ملزم قيل به وإلا فلا، و﴿تَبَارَكَ﴾ بهذه الصيغة تفاعل لا يطلق إلا على الله -جل وعلا-، لا يجوز إطلاقه على أحد، وإن كان يقال: فلان مبارك، وفلان رجل فيه بركة هذا لا إشكال فيه، لكن الإشكال في هذه الصيغة ﴿تَبَارَكَ﴾ لا تطلع إلى على الله -جل وعلا-؛ لأنه بلغ الغاية في هذا الشأن.
طالب: يقال: هذا الحلال عندي تبارك، وهذه الغنم تباركت يريد كثرتها؟
يعني إذا ظهرت فيه البركة بالكثرة أو النفع لا مانع -إن شاء الله-.
طالب: أو هذا المال تبارك؟
لا، تبارك لا.
طالب: المال؟
ولو كان، يعني حصل فيه بركة، أما تبارك لا.
طالب: الزيارة، تبارك المحل بدخولك، تبارك دخولك؟.
لا، يعني كونكم حضرتم حصلت البركة لا مانع -إن شاء الله تعالى-، لكن البركة تحصل بأدنى شيء، يعني لو لم يكن من بركة هذا الحاضر مثلًا إلا حصول الأجر المترتب على الزيارة، وحصول الأجر للمزور المرتب على الضيافة وهكذا، لكن التبارك الذي هو بلغ الغاية في هذا الأمر هذا خاص بالله -جل وعلا-.
طالب: هل يمكن أن نقول: تبارك البيت بقدومكم؟ هل ينكر على هذا القول؟
[ ١٤ / ١٦ ]
تبارك نعم، هذا اللفظ ممنوع على أي حال.
و﴿الْفُرْقَانَ﴾ القرآن، وقيل: إنه اسم لكل منزل، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [(٤٨) سورة الأنبياء] وفي تسميته فرقانًا وجهان: أحدهما: لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر، والثاني: لأن فيه بيان ما شرع من حلال وحرام، حكاه النقاش، ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ يريد محمدًا -ﷺ-، ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ اسم ﴿يَكُونَ﴾ فيها مضمر يعود على ﴿عَبْدِهِ﴾ وهو أولى؛ لأنه أقرب إليه، ويجوز أن يكون يعود على ﴿الْفُرْقَانَ﴾، وقرأ عبد الله بن الزبير: ﴿على عباده﴾ ويقال: أنذر إذا خوّف، وقد تقدم في أول البقرة، والنذير المحذر من الهلاك، قاله الجوهري، والنذير المنذر، والنذير الإنذار.
والمراد بـ ﴿الْعَالَمِينَ﴾ هنا الإنس والجن؛ لأن النبي -ﷺ- قد كان رسولًا إليهما ونذيرًا لهما، وأنه خاتم الأنبياء، ولم يكن غيره عام الرسالة إلا نوح، فإنه عم برسالته جميع الإنس بعد الطوفان؛ لأنه بدأ به الخلق.
العموم في رسالة نوح -﵇- عموم ضرورة أنه لا يوجد إلا هؤلاء الناس الذين أمر بدعوتهم؛ لأن من عداهم غرق بالطوفان وانتهوا، وأما عموم رسالته -﵊- فهو عموم مقصود لذاته، فهو بعث إلى الناس كافة، وهذا من خصائصه -﵊-.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ عظم تعالى نفسه، ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ نزه ﷾ نفسه عما قاله المشركون من أن الملائكة أولاد الله، يعني بنات الله ﷾، وعما قالت اليهود: عزير ابن الله -جل الله تعالى-، وعما قالت النصارى: المسيح ابن الله -تعالى الله عن ذلك-.
﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما قال عبدة الأوثان، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ لا كما قال المجوس والثنوية: إن الشيطان أو الظلمة يخلق بعض الأشياء، ولا كما يقول من قال: للمخلوق قدرة الإيجاد.
[ ١٤ / ١٧ ]
يعني: أنه يخلق فعل نفسه، وهذا قول القدرية المعتزلة، يقولون: أن الإنسان يخلق فعله، وفعل العبد ليس من مخلوق الله -جل وعلا- ولذلك سموا مجوس هذه الأمة؛ لمشابهتهم إياهم في إثبات خالق غير الله -جل وعلا-.
ولا كما يقول من قال: للمخلوق قدرة الإيجاد، فالآية رد على هؤلاء، ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي قدر كل شيء مما خلق بحكمته على ما أراد، لا عن سهوة وغفلة، بل جرت المقادير على ما خلق الله إلى يوم القيامة، وبعد القيامة فهو الخلق المقدر، فإياه فاعبدوه، قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ [(٣) سورة الفرقان] ذكر ما صنع المشركون على جهة التعجيب في اتخاذهم الآلهة مع ما أظهر من الدلالة على وحدانيته وقدرته.
﴿لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ يعني الآلهة، ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لمَّا اعتقد المشركون فيها أنها تضر وتنفع عبَّر عنها كما يعبر عما يعقل.
فقال: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ يعني عبر عنهم بضمير الجمع، وأثبت لهم النون التي في الأصل للعقلاء، عاملهم معاملة جمع المذكر السالم، ولا يجمع على هذه الصيغة إلا من يعقل، فهذا على سبيل التنزل لعابديهم الذين عاملوهم معاملة العقلاء.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي لا دفع ضر وجلب نفع، فحذف المضاف، وقيل: لا يقدرون أن يضروا أنفسهم أو ينفعوها بشيء ولا لمن يعبدهم؛ لأنها جمادات، ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ أي لا يميتون أحدًا ولا يحيونه، والنشور: الإحياء بعد الموت، أنشر الله الموتى فنشروا وقد تقدم، وقال الأعشى:
حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبًا للميت الناشر
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني مشركي قريش، وقال ابن عباس: القائل منهم ذلك النضر بن الحارث
ابن الحارث يعني يكتبونها بدون ألف.
القائل منهم ذلك النضر بن الحارث، وكذا كل ما في القرآن فيه ذكر الأساطير، قال محمد بن إسحاق: وكان مؤذيًا للنبي -ﷺ-، ﴿إِنْ هَذَا﴾ يعني القرآن، ﴿إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ أي كذب أختلقه، ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يعني اليهود، قاله مجاهد.
[ ١٤ / ١٨ ]
وقال ابن عباس: المراد بقوله: ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ أبو فكيهة مولى بني الحضرمي وعداس وجبر، وكان هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب، وقد مضى في النحل ذكرهم، ﴿فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا﴾ أي بظلم، وقيل: المعنى فقد أتوا ظلمًا، ﴿وَزُورًا وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة، مثل أحدوثة وأحاديث، وقال غيره: أساطير جمع أسطار، مثل أقوال وأقاويل، ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ يعني محمدًا، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ أي تلقى عليه وتقرأ، ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ حتى تحفظ، و﴿تُمْلَى﴾ أصله تملل، فأبدلت اللام الأخيرة ياءً من التضعيف: كقولهم: تقضى البازي وشبهه.
مع إمكان الفك، يعني حصل هذا الإبدال مع إمكان أن يؤتى بالأصل فليملل، يعني فك الإدغام، والبقاء على الحروف الأصلية ممكن.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [(٦) سورة الفرقان] أي قل يا محمد: أنزل هذا القرآن الذي يعلم السر فهو عالم الغيب فلا يحتاج إلى معلم، وذكر (السر) دون الجهر؛ لأنه من علم السر فهو في الجهر أعلم، ولو كان القرآن مأخوذًا من أهل الكتاب وغيرهم لما زاد عليها، وقد جاء بفنون تخرج عنها فليس مأخوذًا منها، وأيضًا ولو كان مأخوذًا من هؤلاء لتمكن المشركون منه أيضًا، كما تمكن محمد -ﷺ- فهلا عارضوه، فبطل اعتراضهم من كل وجه.
﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ يريد غفورًا لأوليائه، رحيمًا بهم، قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [(٧) سورة الفرقان] فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ ذكر شيئًا آخر من مطاعنهم، والضمير في ﴿قَالُوا﴾ لقريش، وذلك أنهم كان لهم مع رسول الله ..
يعني أولًا طعنوا في الكتاب قالوا: أساطير الأولين ثم طعنوا في النبي -﵊- الذي أنزل عليه الكتاب.
[ ١٤ / ١٩ ]
وذلك أنهم كان لهم مع رسول الله -ﷺ- مجلس مشهور، وقد تقدم في (سبحان) ذكره ابن إسحاق في السيرة وغيره مضمنه: أن سادتهم عتبة بن ربيعة وغيره اجتمعوا معه فقالوا: يا محمد، إن كانت تحب الرياسة وليناك علينا، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا، فلما أبى رسول الله -ﷺ- عن ذلك رجعوا في باب الاحتجاج معه فقالوا: ما بالك وأنت رسول الله تأكل الطعام، وتقف بالأسواق، فعيروه بأكل الطعام؛ لأنهم أرادوا أن يكون الرسول ملكًا، وعيروه بالمشي في الأسواق حين رأوا الأكاسرة والقياصرة والملوك الجبابرة يترفعون عن الأسواق، وكان -﵇- يخالطهم في أسواقهم ويأمرهم وينهاهم، فقالوا: هذا يطلب أن يتملك علينا فما له يخالف سيرة الملوك، فأجابهم الله بقوله وأنزل على نبيه: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [(٢٠) سورة الفرقان] فلا تغتم ولا تحزن، فإنها شكاة ظاهر عنك عارها.
يعني زائل، زائل عنك عارها كما في المثل، ولا شك أن أهل الترفع والكبر لا يمشون مع الناس، ولا يغشون مجالسهم، هذا خلق أهل الكبر، التعالي والترفع عن الناس، حتى وجد منهم من لا يصلي في المسجد، فكيف يصلي –على حد زعمه- بين حمّال وزبّال، بعضهم يخشى على ثيابه أن تتسخ بملامسة ثياب الآخرين، وبعضهم يأنف أن يصاف فقير، هذا ضروب من الكبر شنيعة.
نعم قد يوجد بعض الناس من فيه ما يكره من أجله، إما رائحة أو جروح أو قروح مثل هذا هناك مبرر أن الإنسان لا يصافه، لكن بعض الناس بدون مبرر، يتعالى ويترفع وقد عرف عن بعض الناس أنه لا يصلي مع الجماعة لهذا، هو موجود في القدم.
الثانية: دخول الأسواق مباح للتجارة وطلب المعاش، وكان -﵇- يدخلها لحاجته، ولتذكرة الخلق بأمر الله ودعوته، ويعرض نفسه فيها على القبائل؛ لعل الله أن يرجع بهم إلى الحق.
[ ١٤ / ٢٠ ]
دخول الأسواق لا شك أنها شر البقاع لكن إذا ترتب على ذلك مصلحة أعظم، إما قضاء حاجة له أو لغيره أو لمزاولة دعوة أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، كل هذه مصالح راجحة، وأسواق المسلمين لا يمكن أن تترك للعوام الذين يزاولون من العقود ما فيه بعض المخالفات، أو للمتسوقة من الرجال والنساء وما يحصل من بعضهم بعض المخالفات، مثل هؤلاء لا بد من غشيان الأسواق من أجل الإنكار عليهم.
وإلى وقتٍ قريب والوعاظ يأتون إلى الأسواق ويتكلمون، يصعدون على مكان مرتفع ويتكلمون ويعظون الناس، لكنه انقطع الآن، ما فيه إلا مسألة الإنكار، وعلى ضعفٍ شديد، والله المستعان.
طالب: دخول بعض الأسواق للصالحين متميزة تجد كثير من المنكرات
التي يكثر فيها المنكرات من أجل الإنكار؟
طالب: لا، ليس للحاجة؟
إذا لم يكن ثمّ حاجة بس لمجرد مشاهدة المنكر وعدم القدرة على إنكاره لا يجوز؛ مشاهدة المنكرات منكر مع عدم الإنكار، يعني يقيم الحجة على نفسه.
طالب: ترى الأسواق يا شيخ متميزة من. . . . . . . . . ..
ولو كان، ولو كان هذا ما يكفي، ما يكفي هذا، وإلا فتح الباب للسياحة ورؤية المنكرات واستمرائها وعدم إنكارها والذين جربوا هذا تساهلوا في كثيرٍ من الأمور، يعني بعد أن سافروا سياحة وفرجة ونزهة رجعوا بأفكارٍ متغيرة، تغيرت حياتهم بعد ذلك؛ لأن كثرة الإمساس تضعف الإحساس، أو تقلله وفي النهاية تقضي عليه، إذا كان الإنسان يرى هذا المنكر، هذا الشرك، ولا يستطيع إنكاره، يرى المتبرجة ولا يستطيع الإنكار عليها، ويرى الشاب يصنع ما يصنع، هذا لا بد من إنكاره أو هجره.
وفي البخاري في صفته -﵇-: «ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق» وقد تقدم في (الأعراف)، وذكر السوق مذكور في غير ما حديث، ذكره أهل الصحيح، وتجارة الصحابة فيها معروفة، وخاصة المهاجرين كما قال أبو هريرة: وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، خرجه البخاري، وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في هذه السورة -إن شاء الله-، قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: هلَّا ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ جواب الاستفهام.
يعني هذا عرض وتحضيض، لولا أنزل إليه ملك.
[ ١٤ / ٢١ ]
قوله تعالى: ﴿أَوْ يُلْقَى﴾ [(٨) سورة الفرقان] في موضع رفع، والمعنى: أو هلا يلقى ﴿إِلَيْهِ كَنزٌ﴾ أو هلا ﴿تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾.
يقترحون على الله -جل وعلا- أن يفعل هذا، كما اقترحوا أحد رجلين من القريتين عظيم، إما أبو جهل أو عروة بن مسعود الثقفي، فهم يقترحون وليس لهم خيرة، وليس لهم أمر، ولا مدخل لهم في هذا.
﴿يَأْكُلُ﴾ بالياء قرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم، وقرأ سائر الكوفيين بالنون، والقراءتان حسنتان تؤديان عن معنى، وإن كانت القراءة بالياء أبين؛ لأنه قد تقدم ذكر النبي -ﷺ- وحده فأن يعود الضمير عليه أبين ذكره النحاس.
﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [(٨) سورة الفرقان] تقدم في (سبحان) والقائل عبد الله بن الزَّبعرى فيما ذكره الماوردي.
قوله تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ [(٩) سورة الفرقان] أي ضربوا لك هذه الأمثال ليتوصلوا إلى تكذيبك ﴿فَضَلُّوا﴾ عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى تصحيح ما قالوه فيك.
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ﴾ [(١٠) سورة الفرقان] شرط ومجازاة، ولم يدغم ﴿جَعَلَ لَكَ﴾ لأن الكلمتين منفصلتان ويجوز الإدغام لاجتماع المثلين.
جعلك.
﴿وَيَجْعَل لَّكَ﴾ في موضع جزم عطفًا على موضع ﴿جَعَلَ﴾ ويجوز أن يكون في موضع رفع مقطوعًا من الأول، وكذلك قرأ أهل الشام، ويروى عن عاصم أيضًا: ﴿وَيَجْعَل لَّكَ﴾ بالرفع: أي سيجعل لك في الآخرة قصورًا، قال مجاهد: كانت قريش ترى البيت من حجارة قصرًا كائنًا ما كان، والقصر في اللغة: الحبس.
يعني ولو كان صغيرًا، بخلاف ما عليه عرف الناس من القصر لا يقال إلا للكبير.
[ ١٤ / ٢٢ ]
والقصر في اللغة: الحبس وسمي القصر قصرًا لأن من فيه مقصور عن أن يوصل إليه، وقيل: العرب تسمي بيوت الطين القصر، وما يتخذ من الصوف والشعر البيت، حكاه القشيري، وروى سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة قال: قيل للنبي -ﷺ-: إن شئت أن نعطيك خزائن الدنيا ومفاتيحها ولم يعط ذلك من قبلك ولا يعطاه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئًا، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة فقال: «يجمع ذلك لي في الآخرة» فأنزل الله -﷿-: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾ [(١٠) سورة الفرقان].
ويروى أن هذه الآية أنزلها رضوان خازن الجنان إلى النبي -ﷺ-، وفي الخبر: إن رضوان لما نزل سلم على النبي -ﷺ- ثم قال:
مخرج هذا؟
طالب: قال: ضعيف جدًا أخرجه الواحدي مطولًا عن ابن عباس، وفيه جويبر واهٍ بمرة والضحاك لم يلق ابن عباس والخبر شبه موضوع.
طيب ويروى أن هذه الآية أنزلها؟
طالب: علق عليه وقال: هذا باطل والراوي لا يعرف من هو؟ ولم ينزل بالقرآن من الملائكة إلا جبريل.
هذا المعروف.
وفي الخبر: إن رضوان لما نزل سلم على النبي -ﷺ- ثم قال: يا محمد! رب العزة يقرئك السلام وهذا سفط، فإذا سفط من نور يتلألأ يقول لك ربك: هذه مفاتيح خزائن الدنيا مع أنه لا ينقص مالك في الآخرة مثل جناح بعوضة فنظر النبي -ﷺ- إلى جبريل كالمستشير له، فضرب جبريل بيده الأرض يشير أن تواضع، فقال: «يا رضوان لا حاجة لي فيها الفقر أحب إلي، وأن أكون عبدا صابرًا شكورًا» فقال رضوان: أصبت! الله لك .. وذكر الحديث.
هذا أيضًا؟
طالب: قال: ضعيف جدًا أخرجه الواحدي
[ ١٤ / ٢٣ ]
قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ [(١١) سورة الفرقان] يريد يوم القيامة، ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ يريد جهنم تتلظى عليهم، ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [(١٢) سورة الفرقان] أي من مسيرة خمسمائة عام، ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ قيل: المعنى إذا رأيتهم جهنم سمعوا لها صوت التغيظ عليهم، وقيل: المعنى: إذا رأتهم خزانها سمعوا لهم تغيضًا وزفيرًا، حرصًا على عذابهم، والأول أصح ..
لأنه لا يوجد ما يمنع من حصول هذا من جهنم نفسها –نسأل الله السلامة والعافية-.
لما روي مرفوعًا أن رسول الله -ﷺ- قال: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدًا».
المحفوظ والمعروف: «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» وأما بهذا اللفظ ماذا قال عنه؟
طالب: قال: أخرجه الطبري مختصرًا، وابن أبي حاتم. . . . . . . . . عن تفسير ابن كثير عن خالد بن بريك قال: رجل من الصحابة وإسناده غير قوي، وإن صححه ابن العربي كما نقل عنه القرطبي -﵀-، فإن فيه إرسالًا، قال الذهبي في الميزان: خالد بن بريك روايته عن الصحابة مرسلة، وفيه أصبغ بن زيد وفيه كلام، وهو في الضعيفة، وحكم عليه الألباني بالضعف.
إيه ضعيف واضح.
قيل: يا رسول الله ولها عينان؟ قال: «أما سمعتم الله -﷿- يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ يخرج عنق من النار له عينان تبصران، ولسان ينطق، فيقول: وكّلت بكل من جعل مع الله إلهًا آخر، فله أبصر بهم من الطير بحبّ السمسم فيلتقطه»، وفي رواية: «فيخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حب السمسم» ذكره رزين في كتابه ..
المسمى (تجريد الأصول) رزين له كتاب اسمه: (تجريد الأصول) جمع فيه الأصول الستة، ومع ذلك هو غير موجود، ويذكر ابن الأثير شيئًا من زوائده في جامع الأصول.
[ ١٤ / ٢٤ ]
وصححه ابن العربي في قبسه، وقال: أي تفصلهم عن الخلق في المعرفة؛ كما يفصل الطائر حب السمسم من التربة، وخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكّلت بثلاث: بكل جبارٍ عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين»، وفي الباب عن أبي سعيدٍ قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح.
وقال الكلبي: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ كتغيظ بني آدم، وصوتًا كصوت الحمار، وقيل: فيه تقديم وتأخير: سمعوا لها زفيرًا، وعلموا لها تغيظًا، وقال قطرب: التغيظ لا يسمع ولكن يرى، والمعنى: رأوا لها تغيظًا، وسمعوا لها زفيرًا، كقول الشاعر:
ورأيت زوجك في الوغى متقلدًا سيفًا ورمحا
أي: وحاملًا رمحًا، وقيل: ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾ أي فيها، أي سمعوا فيها تغيظًا وزفيرًا للمعذبين، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [(١٠٦) سورة هود] و(في) و(اللام) يتقاربان، تقول: افعل هذا في الله ولله.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ [(١٣) سورة الفرقان] قال قتادة: ذكر لنا أن عبد الله كان يقول: إن جهنم لتضيق على الكافر كتضييق الزج على الرمح، ذكره ابن مبارك في رقائقه، وكذا قال ابن عباس ذكره الثعلبي والقشيري عنه، وحكاه الماوردي عن عبد الله بن عمرو، ومعنى ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مكتفين قاله أبو صالح، وقيل: مصفدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقيل: قرنوا مع الشياطين: أي قرن كل واحد منهم إلى شيطانه.
الذي هو قرينه، وهذا قريب جدًا، والقرن التقرين إنما يكون للجمع بين أكثر من شيء.
قاله يحيى بن سلام، وقد مضى هذا في (إبراهيم) وقال عمرو بن كلثوم:
فآبوا بالنهاب والسبايا وأبنا بالملوك مقرنينا
يقول: أنهم رجعوا بعد هذه المقتلة، هم رجعوا بسبايا من الأموال، ورجعنا بالملوك، قرناهم وصفدناهم.
[ ١٤ / ٢٥ ]
﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ أي هلاكًا، قاله الضحاك وقال ابن عباس: ويلًا، وروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: «أول من يقوله إبليس، وذلك أنه أول من يكسى حلة من النار، فتوضع على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريته من خلفه، وهو يقول: واثبوراه» وانتصب على المصدر: أي ثبرنا ثبورًا، قاله الزجاج، وقال غيره: هو مفعول به، قوله تعالى: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [(١٤) سورة الفرقان] فإن هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة، وقال: ثبورًا لأنه مصدر يقع للقليل والكثير، فلذلك لم يجمع، وهو كقولك: ضربته ضربًا كثيرًا، وقعد قعودًا طويلًا، ونزلت الآيات في ابن خطل وأصحابه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [(١٥) سورة الفرقان].
يعني لفظ الثبور الواحد مثل لفظ الثبور الكثير، ثبور واحد، يعني لفظه واحد، سواءً كان واحدًا أو كثيرًا؛ لأنه مصدر يقع على القليل والكثير.
إن قيل: كيف قال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ولا خير في النار؟ فالجواب أن سيبويه حكى عن العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم أن السعادة أحب إليه، وقيل: ليس هو من باب أفعل منك، وإنما هو كقولك: عنده خير ..
يعني ليس من باب أفعل التفضيل؛ لأن النار لا خير فيها، فأفعل هنا خير، أصلها أخير، لكن هنا ليست على بابها؛ لأن النار لا خير فيها ولا مقارنة بينها وبين الجنة بوجهٍ من الوجوه، والأصل في أفعل التفضيل أنه يكون بين شيئين يشتركان في وصف يفوق أحدهما الآخر في هذا الوصف.
[ ١٤ / ٢٦ ]
قال النحاس: وهذا قول حسن، كما قال: فشركما لخيركما الفداء، قيل: إنما قال ذلك لأن الجنة والنار قد دخلتا في باب المنازل، فقال ذلك لتفاوت ما بين المنزلين، وقيل: هو مردود علي قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ﴾ [(١٠) سورة الفرقان] .. الآية، وقيل: هو مردود على قوله: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [(٨) سورة الفرقان] وقيل: إنما قال ذلك على معنى علمكم واعتقادكم أيها الكفار، وذلك أنهم لما كانوا يعملون عمل أهل النار صاروا كأنهم يقولون إن في النار خيرًا.
يعني بلسان الحال وإن لم يكن بلسان المقال، فلما عملوا لها كأنهم زعموا أو ظنوا أن فيها خيرًا.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ﴾ [(١٦) سورة الفرقان] أي من النعيم، ﴿خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولًا﴾ [(١٦) سورة الفرقان] قال الكلبي: وعد الله المؤمنين الجنة جزاءً على أعمالهم فسألوه ذلك الوعد فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [(١٩٤) سورة آل عمران] وهو معنى قول ابن عباس وقيل: إن الملائكة تسأل لهم الجنة دليله قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم﴾ [(٨) سورة غافر] .. الآية، وهذا قول محمد بن كعب القرظي، وقيل معنى ﴿وَعْدًا مَسْؤُولًا﴾ أي واجبًا وإن لم يكن يسأل كالدين، حكي عن العرب: لأعطينك ألفًا، وقيل: ﴿وَعْدًا مَسْؤُولًا﴾ يعني أنه واجب لك فتسأله، وقال زيد بن أسلم: سألوا الله الجنة في الدنيا ورغبوا إليه بالدعاء فأجابهم في الآخرة إلى ما سألوا، وأعطاهم ما طلبوا، وهذا يرجع إلى القوم الأول.
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد، يكفي هذا.
طالب:. . . . . . . . .
على كل حال، لهم فيها ما يشاءون، وما يطلبون، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، الإنسان إذا دخلها ما عليه. . . . . . . . .
طالب: بعضهم يتوسع في بعض. . . . . . . . .
على كل حال التوسع، أقول: فضل الله أوسع.
اللهم صل على محمد وعلى آله.
[ ١٤ / ٢٧ ]