الشيخ / عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
قال القرطبي -رحمه الله تعالى-:
قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [(٣٠) سورة النور].
فيه سبع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ وصل تعالى بذكر الستر ما يتعلق به من أمر النظر، يقال: غض بصره يغضه غضًا، قال الشاعر:
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
وقال عنترة:
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
ولم يذكر الله تعالى ما يغض البصر عنه، ويحفظ الفرج غير أن ذلك معلوم بالعادة، وأن المراد منه المُحرم دون المحلل ..
يعني كل ما يحرم النظر إليه يغض منه البصر، ويستوي في ذلك بالنسبة للرجال النظر إلى النساء على حقيقتهن، أو في صورهن الثابتة والمتحركة، كل هذا يغض عنه البصر، يجب غض البصر عنه.
وفي البخاري: وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن، قال: اصرف بصرك، يقول الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [(٣٠) سورة النور].
[ ٨ / ١ ]
نعم، هذا يطالب به المكلف، وليس معنى هذا أن يقرّ أولئك النسوة اللاتي يكشفهن عن رؤوسهن وصدروهن، لكن لكلٍ ما يخصه من الخطاب، فالرجل عليه أن يغض البصر، والمرأة عليها أن تستتر، وولي الأمر أن يأطر الناس على الحق، لا يترك النساء يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ثم إذا تكلم أحد من الغيورين، قيل له: غض بصرك، هو مطالب بهذا بلا شك، لكن المرأة مطالبة بالستر، ولا يجوز لها أن تتبرج، وإذا تبرجت جاز لعنها على الجملة، فالأمر ليس مطالب به جهة واحدة، فلكلٍ من الجهات ما يخصه من الخطاب، الرجل عليه أن يغض البصر ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [(٣٠) سورة النور]، والمرأة عليها أن تستر، وتغض البصر عن الرجال، ولا تكن سببًا ومثارًا لفتنتهم، وولي الأمر ومن يملك الإنكار باليد عليه أن ينكر باليد، والذي يملك الإنكار باللسان يملكه باللسان، والذي لا يستطيع لا هذا ولا هذا ففي قلبه، ولا يترك الأمر هكذا، يترك النساء يلعبن بعقول الرجال بالتبرج المشين الفاضح المستورد الذي لا يليق بالمسلمات بحال، ثم بعد ذلك يطالب الرجال بالغض، نعم هم مطالبون بالغض، ولا أحد ينكر هذا، وهذا نص القرآن، لكن مع ذلك التبعة عليهن أكثر.
﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [(٣٠) سورة النور] وقال قتادة: عما لا يحل لهم، ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] خائنة الأعين من النظر إلى ما نهي عنه.
الثانية: قوله تعالى: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [(٣٠) سورة النور].
هذه عادة البخاري -رحمه الله تعالى- أنه يفسر ما يتعلق بالمقام، وما له أدنى مناسبة بالحديث أو الأثر، فلما ذكر خبر سعيد بن أبي الحسن وقتادة قال: خائنة الأعين لأن لها تعلق بالموضوع، لها تعلق بالموضوع، لأن الإنسان قد يدعي أنه غض بصره، وهو يسارق النظر لما حرم الله عليه، فالله -جل وعلا- يعلم خائنة الأعين، التي تنظر إلى ما نهي عنه، ولو خفي ذلك على الناس، فإن الله -جل وعلا- لا تخفى عليه.
[ ٨ / ٢ ]
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (من) زائدة، كقوله: ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [(٤٧) سورة الحاقة]
وقيل: (من) للتبعيض، لأن من النظر ما يباح، وقيل: الغض: النقصان، يقال: غض فلان من فلان، أي وضع منه، فالبصر إذا لم يمكن من عمله فهو موضوع منه ومنقوص، فـ (من) صلة الغض، وليست للتبعيض ولا للزيادة.
وإذا قلنا: إن الغض هو إلغاء النظر في الكلية فقلنا: (من) للتبعيض؛ لأن المطلوب غض بعض البصر، لا جميع البصر؛ لأنه ليس المسلم مطالب بأن يمشي وقد أغمض عينيه بالكلية، فيقع في حفرة، أو في شيءٍ يضره، ليس مطالبًا بهذا، وإنما مطالب أن يغض بصره بما يكفيه شر هذه المرأة المتبرجة التي ينظر إليها.
الثالثة: البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله، وقد قال -ﷺ-: «إياكم والجلوس على الطرقات» فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بدّ نتحدث فيها، فقال: «فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه» قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر» رواه أبو سعيد الخدري، خرجه البخاري ومسلم، وقال -ﷺ- لعلي: «لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الثانية» وروى الأوزاعي قال: حدثني هارون بن رئاب أن غزوان وأبا موسى الأشعري كانا في بعض مغازيهم، فكشفت جارية فنظر إليها غزوان، فرفع يده فلطم عينه حتى نفرت، فقال: إنك للحاظة إلى ما يضرك ولا ينفعك، فلقي أبا موسى فسأله، فقال: ظلمت عينك، فاستغفر الله وتب، فإن لها أول نظرة، وعليها ما كان بعد ذلك.
حتى أول نظرة له ذلك إذا لم تكن فجأة من غير قصد، له ذلك، أما إذا كانت عن قصد، قاصدًا النظرة الأولى وأدامها، فإن هذه لا شك أنه يؤاخذ عليها، لأنه نظر إلى عمل محرم بقصده، أما إذا كان فجأة من غير قصد، ثم صرف بصره عنها، فهذا هو المذكور في الحديث.
[ ٨ / ٣ ]
قال الأوزاعي: وكان غزوان ملك نفسه فلم يضحك حتى مات -﵁- وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله -ﷺ- عن نظرة الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري، وهذا يقوي قول من يقول: إن (من) للتبعيض؛ لأن النظرة الأولى لا تملك، فلا تدخل تحت خطاب تكليف، إذ وقوعها لا يتأتى أن يكون مقصودًا، فلا تكون مكتسبة، فلا يكون مكلفًا بها، فوجب التبعيض لذلك، ولم يقل ذلك في الفرج؛ لأنها تملك، ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته، وزمانه خير من زماننا هذا، وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرمة نظر شهوة يرددها ..
ولو كانت بنته أو أخته أو من محارمه، لا يجوز له النظر إليها بشهوة، فهي داخلة في عموم الآية.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [(٣٠) سورة النور] أي يستروها عن أن يراها من لا يحل، وقيل: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [(٣٠) سورة النور] أي عن الزنا، وعلى هذا القول لو قال: من فروجهم لجاز، والصحيح أن الجميع مراد، واللفظ عام، وروى بهز بن حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه عن جده، قال: قلت: يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك» قال: الرجل يكون مع الرجل؟ قال: «إن استطعت ألا يراها فافعل» قلت: فالرجل يكون خاليًا؟ فقال: «الله أحق أن يستحيا منه من الناس» وقد ذكرت عائشة -﵂- رسول الله -ﷺ- وحالها معه، فقالت: ما رأيت ذلك منه، ولا أرى ذلك مني.
مخرج؟
الطالب: رواه الطبراني في الصغير وأبو نعيم والخطيب عن عائشة، وفيه بركة بن محمد الحلبي كذاب، وعده الحافظ في اللسان من أباطيله، وله شواهد واهية.
الخامسة: بهذه الآية حرم العلماء نصًا دخول الحمام بغير مئزر، وقد روي عن ابن عمر أنه قال: أطيب ما أنفق الرجل درهم يعطيه للحمام في خلوة ..
يعني في الوقت الذي لا يكثر فيه الرواد من المغتسلين.
[ ٨ / ٤ ]
وصح عن ابن عباس أنه دخل الحمام وهو محرم بالجحفة، فدخوله جائز للرجال بالمآزر، وكذلك النساء للضرورة، كغسلهن من الحيض أو النفاس، أو مرض يلحقهن، والأولى بهن والأفضل لهن غسلهن إن أمكن ذلك في بيوتهن ..
كان الأمر غير متيسر عند من تقدم لأن البيوت صغيرة، وتوافر المياه ليس على الطريقة التي نعيشها، فكانوا يخرجون للوضوء، ويخرجون لقضاء الحاجة، ويخرجون للاغتسال، لكن -الحمد لله- الآن كل شيء متيسر، الإنسان بكل راحة، وبكل بساطة يغتسل فيه بيته، ولا يراه أحد البتة، ولا من أولاده، إذا كان المغتسل في داخل غرفة النوم، أو ما أشبه ذلك، هذه من النعم، كم كان آباؤنا وآباؤهم، ومن قبلهم يعانون من نقل المياه في أوقات الحر الشديد والبرد الشديد، ويعانون من الاستتار في الاغتسال؟ والله المستعان.
فقد روى أحمد بن منيع قال: حدثنا الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا زبان عن سهل بن معاذ عن أبيه عن أم الدرداء أنه سمعها تقول: لقيني رسول الله -ﷺ- وقد خرجت من الحمام فقال: «من أين يا أم الدرداء؟» فقالت: من الحمام فقال: «والذي نفسي بيده ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت أحد من أمهاتها إلا وهي هاتكة كل ستر بينها وبين الرحمن -﷿-» وخرج أبو بكر البزار عن طاووس عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «احذروا بيتًا يقال له: الحمام» فقالوا: يا رسول الله ينقي الوسخ، قال: «فاستتروا» قال أبو محمد عبد الحق: هذا أصح إسناد حديث في هذا الباب، على أن الناس يرسلونه عن طاووس، وأما ما خرجه أبو داود في هذا من الحظر والإباحة، فلا يصح منه شيء لضعف الأسانيد، وكذلك ما خرجه الترمذي.
المدينة لا يوجد فيها حمامات والحجاز عمومًا في زمنه -﵊-، وهي موجودة في مصر والشام والآفاق، أما في بلاد الحجاز فلا يوجد فيها حمامات، ولذا يحكم كثير من أهل العلم على أن جميع ما ورد في الحمام مرفوعًا أنه ضعيف، نعم الصحابة رأوا الحمامات لما فتحت البلدان ودخلوها، المقصود أن مثل هذه الأحاديث لا تخلو من ضعف.
ماذا يقول عندك؟
[ ٨ / ٥ ]
طالب: الحديث الأول: قال: ضعيف أخرجه أحمد وابن الجوزي في الواهيات من حديث أبي الدرداء. . . . . . . . . وابن لهيعة وابن زبان قال عنه أحمد أحاديثه مناكير، وقال ابن الجوزي وهذا الحديث باطل. . . . . . . . . والحديث مرفوع صححه الألباني في الترغيب.
طالب: الآخر قال: أخرجه الحاكم والبزار كما في المجمع من حديث ابن عباس، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي وقال فيه. . . . . . . . . البزار غير صحيح، إلا أن البزار قال رواه الناس عن طاووس مرسلًا.
طالب: حديث عائشة. . . . . . . . .
المقصود أن ابن القيم وغيره الذين ضعفوا هذه الأحاديث احتجوا أنه لم يكن بالمدينة حمامات، لكن لا يمنع أن يكون من دلائل نبوته -﵊- وعلاماتها أن يتحدث بشيءٍ يحدث بعده ويرونه بعده، ويدخلونه بعده –﵊-.
قلت: أما دخول الحمام في هذه الأزمان فحرام على أهل الفضل والدين؛ لغلبة الجهل على الناس واستسهالهم إذا توسطوا الحمام، رموا مآزرهم حتى يرى الرجل البهي ذو الشيبة قائمًا منتصبًا، وسط الحمام وخارجه، باديًا عن عورته، ضامًا بين فخذيه، ولا أحد يغير عليه هذا أمر بين الرجال، فكيف من النساء؟! لا سيما بالديار المصرية إذ حماماتهم خالية عن المطاهر، التي هي عن أعين الناس سواتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..
يعني يذكر بعض الناس لا سيما النساء في حمامات المواقيت، أنه يحصل شيء من التساهل كثير، والتجاوز بحيث يُرى بعض النسوة، وإن لم يكن كثيرًا، لكنه يوجد بعض النسوة من تمشي بين الحمامات بدون شيء، ففي هـ تساهل كثير مثل هذا، وعورة المرأة عند المرأة معروفة، حرام عليها أن تبدي لها أكثر مما تبدي لمحارمها.
السادسة: قال العلماء: فإن استتر فليدخل بعشرة شروط:
الأول: ألا يدخل إلا بنية التداوي، أو بنية التطهير عن الرحضاء.
يعني التنظيف بعد العرق، والرحضاء: العرق، بنية التداوي إذا كان مريض يستشفي بالماء الحار، يوصف علاج لبعض الأمراض لا مانع.
[ ٨ / ٦ ]
الثاني: أن يعتمد أوقات الخلوة، أو قلة الناس. الثالث: أن يستر عورته بإزار صفيق. الرابع: أن يكون نظره إلى الأرض، أو يستقبل الحائط، لئلا يقع بصره على محظور. الخامس: أن يغير ما يرى من منكر برفق، يقول: استتر سترك الله ..
مثل هذا الأسلوب يمكن أن يقال: إذا رأى الإنسان امرأة متبرجة، قال لها: استتري سترك الله.
السادس: إن دلَّكه أحد لا يمكنه من عورته من سرته إلى ركبته إلا امرأته أو جاريته، وقد اختلف في الفخذين هل هما عورة أم لا؟
في الحديث، حديث جرهد: «غطِ فخذك، فإن الفخذ عورة» وجاء في حديث أنس في الصحيح حسر النبي -﵊- عن فخذه، فمنهم من يقول: أن الأصل التغطية، وأنه يجب ستر الفخذ، وأما كونه حسر فلأمرٍ من الأمور، أو شيءٍ غير مقصود أو شيءٍ يسير، فهذا يتساهلون فيه.
السابع: أن يدخله بأجرة معلومة بشرط أو بعادة الناس.
لئلا يؤدي ذلك إلى النزاع والشقاق، عند الفراغ من الحمام يقول صاحب الحمام: أريد عشرة وهو يقول: لا: خمسة، فمثل هذا لا بد من معرفة الأجرة، أما إذا جرت العادة بالأجرة المعلومة فلا يحتاج لمثل هذا.
الثامن: أن يصب الماء على قدر الحاجة. التاسع: إن لم يقدر على دخوله وحده اتفق مع قوم يحفظون أديانهم على كرائه. العاشر: أن يتذكر به جهنم، فإن لم يمكنه ذلك كله ..
ما معنى هذا؟ إن لم يقدر على دخوله وحده؟ إن لم يقدر على دخوله وحده اتفق مع قومٍ يحفظون أديانهم على كرائه؟
طالب: استأجره بالكامل.
يعني: إذا كان لا يؤجر إلا بالكامل؟ فيتفق مع أناس يستطيعون دفع الكراء كاملًا، وأيضًا يحتاجونه بحيث لا يكون أكثر من قدر الحاجة؛ لأن الاستئجار بأكثر من قدر الحاجة أو لأكثر من ذوي الحاجة لا شك أنه تضييع للمال.
العاشر: أن يتذكر به جهنم، فإن لم يمكنه ذلك كله فليستتر، وليجتهد في غض البصر.
منها ما هو شرط، ومنها ما هو واجب، ومنها ما هو أدب.
[ ٨ / ٧ ]
ذكر الترمذي -أبو عبد الله- في نوادر الأصول من حديث طاووسٍ عن عبد الله بن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اتقوا بيتًا يقال له: الحمام» قيل: يا رسول الله إنه يذهب به الوسخ، ويُذكّر النار، فقال: «إن كنتم لا بد فاعلين فادخلوه مستترين» وخرج من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: «نعم البيت يدخله الرجل المسلم بيت الحمام، وذلك لأنه إذا دخله سأل الله الجنة، واستعاذ به من النار، وبئس البيت يدخله الرجل بيت العروس، وذلك لأنه يرغبه في الدنيا، وينسيه الآخرة» قال أبو عبد الله: فهذا لأهل الغفلة صير الله هذه الدنيا بما فيها سببًا للذكر لأهل الغفلة ليذكروا بها آخرتهم فأما أهل اليقين فقد صارت الآخرة نصب أعينهم فلا بيت حمام يزعجه، ولا بيت عروس يستفزه، لقد دقت الدنيا بما فيها من الصنفين والضربين في جنب الآخرة، حتى أن جميع نعيم الدنيا في أعينهم كنثارة الطعام من مائدة عظيمة، وجميع شدائد الدنيا في أعينهم كتفلة عوقب بها مجرم أو مسيء، قد كان استوجب بها القتل أو الصلب من جميع عقوبات أهل الدنيا.
الأحاديث الأولى؟ حديث حكيم الترمذي معروف إذا تفرد بحديث فهو ضعيف.
طالب: كتفلة أو كقتلة؟
الظاهر أن هذه أقرب؟ كتفلة، نعم.
قتلة عظيمة، لا، كأنها أظهر، تفلة، لأنه يريد أن يقلل من شأنها.
طالب: كسب صاحب الحمام؟
كسبه إذا احتاط ورأى مزاحمة أهل الفسوق الذين يقيمون الحمامات بلا شروط، وأراد مزاحمة وتقليل الشر وتخفيفه، واحتاط لذلك ووضع القيود اللازمة، يؤجر على هذا الشيء -إن شاء الله- كغيرها من الصنائع والمهن.
طالب: حديث: «اتقوا بيتًا يقال له: الحمام» قال: ضعيف أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف لضعف يحي ابن عثمان. . . . . . . . .، ولكن الألباني -﵀- قال: أخرجه الطبراني في الكبير والضياء في المختار وغيرهما وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وفيه رد على من قال: لا يصح في الحمام حديث وقد صححه. . . . . . . . .
الشيخ: غيره، الثاني.
[ ٨ / ٨ ]
طالب: الحديث الثاني قال: باطل وهو في نوادر للأصول ولم أقف على إسناده وهو حديث باطل بلا ريب وأمارات الوضع لائحة عليه قال الألباني: أنا أرى أن هذا الحديث موضوع.
السابعة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [(٣٠) سورة النور] أي غض البصر، وحفظ الفرج أطهر في الدين، وأبعد من دنس الآثام ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ﴾ أي عالم ﴿بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ تهديد ووعيد.
قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] إلى قوله: ﴿مِن زِينَتِهِنَّ﴾.
فيه ثلاث وعشرون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ﴾ [(٣١) سورة النور] خص الله ﷾ الإناث هنا بالخطاب على طريق التأكيد، فإن قوله: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ يكفي؛ لأنه قول عام يتناول الذكر والأنثى من المؤمنين حسب كل خطاب عامٍ في القرآن ..
نعم، كل خطاب للرجال يدخل فيه النساء، إلا ما دل الدليل على استثنائهن، وإذا كان الخطاب بلفظ المذكر فهو خاص بامرأة، كقوله -جل وعلا-: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [(١٢) سورة التحريم] هي مفردة، الأصل أن يقال: من القانتات، لكن لمراعاة رؤوس الآي، ولأن الخطاب يتجه إلى المرأة كاتجاهه إلى خطاب الرجل جاز ذلك.
وظهر التضعيف في ﴿يَغْضُضْنَ﴾ ولم يظهر في ﴿يَغُضُّوا﴾ [(٣٠) سورة النور﴾] لأن لام الفعل من الثاني ساكنة، ومن الأول متحركة ..
يعني: لماذا فك الإدغام هنا (يغضضن) وأدغم الضاد في الضاد في (يغضوا)؟ ولا شك أنه إذا أمكن الإدغام فهو أولى من الفك، لكن جاء بالإدغام والفك في كلمةٍ واحد (يرتد) و(يرتدد)، نعم.
وهما في موضع جزم جوابًا، وبدأ بالغض قبل الفرج؛ لأن البصر رائد للقلب، كما أن الحمى رائد الموت، وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
ألم تر أن العين للقلب رائد **** فما تألف العينان فالقلب آلفُ
وفي الخبر: «النظر سهم من سهام إبليس مسموم، فمن غض بصره أورثه الله الحلاوة في قلبه».
[ ٨ / ٩ ]
نعم، ومن أرسل البصر تشتت عليه أمره، وزادت حسرته، وأثم مع ذلك لمخالفته للنهي، بخلاف من غض بصره، فإنه لا شك أنه يجتمع عليه قلبه ويتجه إلى ما هو بصدده، ولا يتشتت، ثم بعد ذلك يورث هذه الحلاوة، وهذا أمر مجرب، الذين جربوه ذكروه.
وقال مجاهد: إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها، فزينها لمن ينظر، فإذا أدبرت جلس على عجزها، فزينها لمن ينظر، وعن خالد بن أبي عمران قال: لا تتبعن النظرة النظرة، فربما نظر العبد نظرة نغل منها قلبه، كما ينغل الأديم، فلا ينتفع به ..
نعم، يتأثر تأثر كبير، يتأثر بها، يتأثر بهذه النظرة –نسأل الله العافية-، كثير من الناس لا يحس بهذا الأثر، لأنه اعتاده.
فأمر الله -﷾- المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار عما لا يحل، فلا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة، ولا المرأة إلى الرجل، فإن علاقتها به كعلاقته بها، وقصدها منه كقصده منها، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فالعينان تزنيان وزناهما النظر» الحديث وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء: لا يصلح النظر إلى شيء منهن ..
يعني الصغيرة غير المكلفة.
ممن يشتهى النظر إليهن، وإن كانت صغيرة ..
وعلى هذا يخطئ من يقول ويفتي في القنوات والوسائل بأن البنت إذا كانت غير مكلفة لا مانع من تصويرها، ولا مانع من إخراجها في هذه القنوات، فهذا خطأ كبير، وخطأ فاشٍ، يضر بالناس، لا شك أن البنت إذا كانت غير مكلفة قد يكون حجمها وجرمها بقدر المكلفة، الناس إذا نظروا إلى المرأة لا يطلبون دفتر العائلة، نشوف كم عمرها على شأن ننظر أو لا ننظر؟ ثم ينظرون إلى جسدٍ يثيرهم، سواءً كانت كبيرة أو صغيرة، فكل ما يثير الرجال لا يجوز أن يُخرج لا في قنوات ولا في غيرها، بل لا بد من حجبها عن أعين الناس، هذا عند من يتجاوز ويقول: بجواز التصوير لهذه القنوات، وجواز المشاركة في هذه القنوات، وإلا أهل التحري -إن شاء الله- ما يقولون بهذا، نعم.
[ ٨ / ١٠ ]
وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري، وفي الصحيحين عنه -﵇- أنه صرف وجه الفضل عن الخثعمية حين سألته، وطفق الفضل ينظر إليها، وقال -﵇-: «الغيرة من الإيمان، والمذاء من النفاق» والمذاء: هو أن يجمع الرجل بين النساء والرجال، ثم يخليهم يماذي بعضهم بعضًا ..
المقصود أنه يخرج هذا المذي، بسبب نظر النساء إلى الرجال، والعكس.
ماذا قال عنه؟ مخرج؟
طالب: قال: أخرجه البزار والديلمي من حديث أبي سعيد، وأشار البزار إلى تفرد أبي مرحوم الأرطباني به، وقال الهتمي في المجمع وثقه النسائي وغيره، وضعفه ابن معين، وبقية رجاله رجال الصحيح وفي الميزان عبد الرحيم بن خلدون، هو شيخ ليس بواه ولا هو مجهول الحال ولا هو بالثبت، ثم ذكر الذهبي له هذا الحديث، وقال الخبر غير قوي، والحديث ضعفه الألباني -﵀-.
وقيل: مأخوذ من المذي، وقيل: هو إرسال الرجال إلى النساء من قولهم: مذيت الفرس إذا أرسلتها ترعى، وكل ذكر يمذي، وكل أنثى تقذي، فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تبدي زينتها إلا لمن تحل له، أو لمن هي محرمة عليه على التأبيد ..
يعني زوجها أو محرمها.
فهو آمن أن يتحرك طبعه إليها، لوقوع اليأس له منها.
مع أنه في هذه الأزمان التي كثرت فيها الشرور، وانتشرت فيها وسائل الإثارة، ينبغي أن يحتاط حتى من المحارم.
[ ٨ / ١١ ]
الثانية: روى الترمذي عن نبهان مولى أم سلمة أن النبي -ﷺ- قال لها ولميمونة، وقد دخل عليها ابن أم مكتوم: «احتجبا» فقالتا: إنه أعمى، قال: «أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟» فإن قيل: هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل؛ لأن راويه عن أم سلمة نبهان مولاها، وهو ممن لا يحتج بحديثه، وعلى تقدير صحته فإن ذلك منه -﵇- تغليظ على أزواجه لحرمتهن، كما غلظ عليهن أمر الحجاب، كما أشار إليه أبو داود وغيره من الأئمة، ويبقى معنى الحديث الصحيح الثابت وهو أن النبي -ﷺ- أمر فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: «تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، ولا يراك» قلنا: قد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن المرأة ..
دلالة الحديث الأول: «احتجبا» «أفعمياوان؟» هذا بالنسبة إلى نظر المرأة إلى الرجل، سواءً كان مبصرًا أو أعمى، فتمنع من النظر إليه، من تكرار النظر إليه بشهوة تمنع منه، سواءً كان مبصرًا أو أعمى، ولو لم يثبت الحديث، لعموم ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ﴾ [(٣١) سورة النور] سواء كان أعمى أو مبصر، بالنسبة للعكس نظر الرجل للمرأة، التي في حديث فاطمة هذا لا شك أنه بالنسبة إلى الأعمى أقل ضررًا من المبصر؛ لأنه لا يرى، والوسيلة التي موصلة إلى الفاحشة بالنسبة إلى الأعمى مأمونة، التي هي النظر إلى المرأة، فلا تعارض بين الخبرين؛ لأن الحديث الأول، حديث ميمونة هذا بالنسبة إلى نظر المرأة إلى الرجل، هذا ممنوع سواءً كان الرجل مبصرًا أو أعمى.
وأما بالنسبة للحديث الثاني، حديث فاطمة بنت قيس، وهو في الصحيحين وغيرهما، مثل هذا لا شك أن ضرر الرجل الأعمى عند الاحتياج إلى أن تعتد عنده، ليس معنى هذا أنه يخلو بها، أبدًا، لكن إذا خرج من محل إلى محل في داخل بيته فإنه يكون الخطر منه أقل، تضعين ثيابك ولا يراك.
[ ٨ / ١٢ ]
قلنا: قد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن المرأة يجوز لها أن تطلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع من المرأة، كالرأس ومعلق القرط، وأما العورة فلا، فعلى هذا يكون مخصصًا لعموم قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] وتكون (من) للتبعيض كما هي في الآية قبلها، قال ابن العربي: وإنما أمرها بالانتقال من بيت أم شريك إلى بيت ابن أم مكتوم؛ لأن ذلك أولى بها من بقائها في بيت أم شريك، إذ كانت أم شريك مؤثرة بكثرة الداخل إليها، فيكثر الرائي لها، وفي بيت ابن أم مكتوم لا يراها أحد، فكان إمساك بصرها عنه أقرب من ذلك وأولى، فرخص لها في ذلك، والله أعلم.
طالب: يمكن أن يقال: في الحديث مفهوم والآية منطوق عام؟
لا، هو دلالته تختلف عن دلالة الآية، الآن الأعمى، امرأة اضطرت إلى أن تسكن عند أسرة، مات ولي أمرها، مات محرمها في بلدٍ لا يوجد لها محرم، هل الأفضل أن تسكن عند أسرة الرجل عندهم أعمى أو رجل مبصر؟ أيهما أفضل؟ أعمى؛ لأنه انقطع نصف المحظور، الآن انتهينا من نصف المحظور، لكن إذا كانت هي تنظر إلى الرجل سواءً كان أعمى أو مبصر لا فرق؛ لأن التبعة عليها، والحديث الثاني التبعة على الرجل، والحديث الأول موضوعه نظر المرأة إلى الرجال، والثاني نظر الرجال إلى النساء.
طالب: مدرس أعمى للبنات؟
موجود؟! عميان عند البنات، فهذا خطأ، كونها تنظر إليه، لكن يؤمرن بغض البصر، وإن كان من وراء حجاب فلا مانع -إن شاء الله تعالى-.
[ ٨ / ١٣ ]
الثالثة: أمر الله ﷾ النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية، حذرًا من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، واختلف الناس في قدر ذلك، فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب، وزاد ابن جبير الوجه، وقال سعيد بن جبير أيضًا وعطاء والأوزاعي: الوجه والكفان والثياب، وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة: هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس، وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثًا عن النبي -ﷺ- وذكر آخر عن عائشة -﵂- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هاهنا».
عركت يعني: حاضت.
وقبض على نصف الذراع، قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية: أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن، ونحو ذلك ..
يعني: إذا خرج هذا من غير قصد، وحديث عائشة يمكن توجيهه على الأولياء المذكورين في الآية، وأنها لا تخرج لهم إلا ما يظهر غالبًا.
فـ ﴿مَا ظَهَرَ﴾ على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه، قلت: هذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة، وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما ..
[ ٨ / ١٤ ]
لكن لا يصلح أن يكون الاستثناء راجحًا لوجود الأدلة المعارضة، والأدلة على وجوب تغطية الوجه والكفين أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، حديث عائشة -﵂- في قصة الإفك، فاستيقظت باسترجاعه، فخمرت وجهها، وقالت: إنه كان يعرفها قبل الحجاب، ولو كان كشف الوجه جائزًا لما احتاجت إلى مثل هذا؛ لأنه يعرفها باستمرار، وأيضًا المرأة إذا خطبت يُنظر إليها «انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» ولو كانت تكشف وجهها ما احتاج إلى أن يقال مثل هذا، وقد كان جابر -﵁- يتخبأ لها لينظر إليها، فلو كانت ممن يكشف الوجه، وكشف الوجه سائغ في وقتهم لما احتاجوا إلى مثل هذا.
يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة -﵂- أن أسماء بنت أبي بكر -﵄- دخلت على رسول الله -ﷺ- وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله -ﷺ- وقال لها: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا -وأشار إلى وجهه وكفيه-».
والحديث مضعف عند أهل العلم.
فهذا أقوى في جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد الناس، فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها ..
وعلى كل الحالين إن أظهرت وجهها فلتظهر كل شيء؛ لأن الوجه هو محل المحاسن.
والله الموفق لا رب سواه، وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوزًا أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها ..
ولو كانت عجوزًا أو مقبحًا ما لم تكن من القواعد اللاتي استثنين، فلا يجوز لها أن تكشف شيئًا من وجهها، لأن لكل ساقطةٍ لاقطة، هذه العجوز تجد من يشتهيها، وهذه المقبحة تجد من يميل إليها، وعلى كل حال كل ما كان مثار فتنة الرجال وجب على المرأة ستره، وإذا كان الزمان زمان فتنة، فالستر محل إجماع بين أهل العلم.
[ ٨ / ١٥ ]
الرابعة: الزينة على قسمين: خلقية ومكتسبة، فالخلقية وجهها، فإنه أصل الزينة، وجمال الخلقة، ومعنى الحيوانية لما فيه من المنافع، وطرق العلوم، وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خلقتها، كالثياب والحلي والكحل والخضاب، ومنه قوله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾ [(٣١) سورة الأعراف] وقال الشاعر:
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى وإذا عطلن فهن خير عواطل
(عطلن) يعني: من الزينة، يعني ما استعملن الزينة فهن خير عواطل، يعني خير النساء اللاتي لا يتزين، لأنهن لسن بحاجة إلى التزين.
طالب: يا شيخ يستدلون ببيت:
قل للمليحة بالخمار الأسودِ ماذا فعلت بناسك متعبدِ؟
فما وجه الاستدلال للذي يقول: أن الوجه ليس بعورة؟
الشيخ: وجه الاستدلال أنها تفعل فعلها بالرجل، ولو كانت مغطيةً وجهها؛ لأن النظر إلى المرأة عمومًا يفتن الرجال «ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودين أسلب للب الرجل الحازم منكن» فهي تسلب الرجل بصوتها، بهيئتها، بحجمها، بكلامها.
الخامسة: من الزينة ظاهر وباطن، فما ظهر فمباح أبدًا لكل الناس من المحارم والأجانب، وقد ذكرنا ما للعلماء فيه، وأما ما بطن فلا يحل إبداؤه إلا لمن سماهم الله تعالى في هذه الآية، أو حل محلهم، واختلف في السوار، فقالت عائشة: هو من الزينة الظاهرة، لأنه في اليدين، وقال مجاهد: هو من الزينة الباطنة، لأنه خارج عن الكفين، وإنما يكون في الذراع، قال ابن العربي: وأما الخضاب فهو من الزينة الباطنة، إذا كان في القدمين.
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ قرأ الجمهور بسكون اللام التي هي للأمر، وقرأ أبو عمرو في رواية ابن عباس بكسرها على الأصل؛ لأن الأصل في لام الأمر الكسر، وحذفت الكسرة لثقلها، وإنما تسكينها لتسكين عضدٍ وفخذ.
كتسكين، كتسكين.
الطالب: كتسكين؟
نعم الذي يظهر كتسكين.
وإنما تسكينها كتسكين عضدٍ وفخذ و﴿يضربن﴾ في موضع جزم بالأمر، إلا أنه بني على حالة واحدة إتباعًا للماضي عند سيبويه، وسبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر، قال النقاش: كما يصنع النبَط ..
[ ٨ / ١٦ ]
النبَط والأنباط هم الواردون من بلاد الروم، سموا بذلك لأن لهم خبرة في استنباط الماء.
فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك، فأمر الله تعالى بلي الخمار على الجيوب وهيئة ذلك: أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها لتستر صدرها، روى البخاري عن عائشة أنها قالت: رحم الله نساء المهاجرات الأول، لما نزل: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن أزرهن فاختمرن بها.
ودخلت على عائشة حفصة بنت أخيها عبد الرحمن -﵃- وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها وما هنالك، فشقته عليها، وقالت: إنما يضرب بالكثيف الذي يستر ..
نعم، نساء الأنصار لما نزلت آية الحجاب خرجن ممتثلات كالغربان، يعني: لا يخرج منهن شيء، والله المستعان.
السابعة: الخمر: جمع الخمار، وهو ما تغطي به رأسها، ومنه اختمرت المرأة، وتخمرت وهي حسنة الخمرة.
والجيوب: جمع الجيب، وهو موضع القطع من الدرع والقميص، وهو من الجوب، وهو القطع، ومشهور القراءة ضم الجيم من ﴿جُيُوبِهِنَّ﴾.
الجيب: هو موضع القطع ممن يدخل معه الرأس.
وقرأ بعض الكوفيين بكسرها بسبب الياء، كقراءتهم ذلك في: بيوت وشيوخ، والنحويون القدماء لا يجيزون هذه القراءة، ويقولون: بيت وبيوت كفَلس وفلوس، وقال الزجاج: يجوز على أن تبدل من الضمة كسرة، فأما ما روي عن حمزة من الجمع بين الضم والكسر، فمحال لا يقدر أحد أن ينطق به إلا على الإيماء إلى ما لا يجوز، وقال مقاتل: ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ أي على صدورهن، يعني على مواضع جيوبهن.
[ ٨ / ١٧ ]
الثامنة: في هذه الآية دليل على أن الجيب إنما يكون في الثوب موضع الصدر، وكذلك كانت الجيوب في ثياب السلف -رضوان الله عليهم- على ما يصنعه النساء عندنا بالأندلس، وأهل الديار المصرية من الرجال والصبيان وغيرهم، وقد ترجم البخاري -رحمة الله تعالى عليه- (باب جيب القميص من عند الصدر وغيره) وساق حديث أبي هريرة قال: ضرب رسول الله -ﷺ- مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما، الحديث وقد تقدم بكماله، وفيه: قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول الله -ﷺ- يقول: بأصبعيه هكذا في جيبه، فلو رأيته يوسعها ولا تتوسع، فهذا يبين لك أن جيبه -﵇- كان في صدره؛ لأنه لو كان في منكبه لم تكن يداه مضطرة إلى ثدييه وتراقيه.
يعني الفتحة، فتحة القميص تكون على الصدر، لا على المنكب ولا من الخلف، هذا الأصل فيها.
طالب. . . . . . . . .
هذا عملهم، هو يشرح عملهم، أما بالنسبة الحكم الشرعي شيء آخر.
وهذا استدلال حسن.
التاسعة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] البعل هو الزوج والسيد في كلام العرب، ومنه قول النبي -ﷺ- في حديث جبريل: «إذا ولدت الأمة بعلها» يعني سيدها، إشارةً إلى كثرة السراري بكثرة الفتوحات، فيأتي الأولاد من الإماء فتعتق كل أم بولدها، وكأنه سيدها الذي منَّ عليها بالعتق إذ كان العتق حاصلًا لها من سببه، قاله ابن العربي.
[ ٨ / ١٨ ]
وهذا موجود في عصر النبي -﵊-، فلا يكون من علامات الساعة، أمهات الأولاد موجودات في عصره -﵊- وبعده كثرن، في صدر الإسلام مع كثرة الفتوحات، وجدوا أمهات الأولاد، فلا يتجه مثل هذا التأويل، أما إذا كان في آخر الزمان يكثرن كثرةً بحيث تلد الأمة من السيد، ثم تعتق به، ثم بعد ذلك -كما قال أهل العلم- من الكثرة بحيث يكون هذا الولد يتزوج هذه المرأة، كما نص على ذلك الشراح، أما كونها مجرد أنها تعتق بولدها فهذا موجود في عصر النبي -﵊-، يقول: «إذا ولدت الأمة بعلها» يعني: سيدها إشارةً إلى كثرة السراري، وكثرة الفتوحات، فيأتي الأولاد من الإماء فتعتق كل أمٍ بولدها، وكأنه سيدها الذي منّ عليها بالعتق .. السيادة هنا ولدت الأمة بعلها، يعني زوجها الذي سيكون زوجًا لها فيما بعد، لكثرة هؤلاء النسوة من السراري اللاتي أعتقهن أولادهن ثم مع هذه الكثرة يتزوج الإنسان من ولدته وهو لا يشعر.
قلت: ومنه قوله -﵇- في مارية: «أعتقها ولدها» فنسب العتق إليه، وهذا من أحسن تأويلات هذا الحديث، والله أعلم.
مسألة: فالزوج والسيد يرى الزينة من المرأة، وأكثر من الزينة إذ كل محل من بدنها حلال له لذةً ونظرًا، ولهذا المعنى بدأ بالبعولة؛ لأن اطلاعهم يقع على أعظم من هذا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [(٢٩ - ٣٠) سورة المعارج].
العاشرة:
اترك العاشرة إلى الحادية عشرة، العاشرة كل إنسان يقرؤها لنفسه، العاشرة كل إنسان له أن يقرأها بنفسه؛ لأن فيها كلام فيه شيء من الإسفاف لا يليق بدرس التفسير ولا بالمسجد، وإن كانت المسألة أحكام شرعية، يعني الإنسان إذا سئل أن يجيب بحكم شرعي، لكن الإنسان يقرؤها لنفسه ويستفيد.
[ ٨ / ١٩ ]
الحادية عشرة: لما ذكر الله تعالى الأزواج وبدأ بهم ثنَّى بذوي المحارم، وسوى بينهم في إبداء الزينة، ولكن تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها، وتختلف مراتب ما يبدى لهم، فيبدى للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج، وقد ذكر القاضي إسماعيل عن الحسن والحسين -﵄- أنهما كانا لا يريان أمهات المؤمنين، وقال ابن عباس: إن رؤيتهما لهن تحل.
لأنهن زوجات أبيه، يحل لهم النظر إليهن.
قال إسماعيل: أحسب أن الحسن والحسين ذهبا في ذلك إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في الآية التي في أزواج النبي -ﷺ- وهي قول تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [(٥٥) سورة الأحزاب] وقال في سورة النور: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] الآية. فذهب ابن عباس إلى هذه الآية، وذهب الحسن والحسين إلى الآية الأخرى.
لكن عموم الآية يدخل فيها أزواج النبي -﵊-.
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ﴾ يريد ذكور أولاد الأزواج، ويدخل فيه أولاد الأولاد، وإن سفلوا من ذكران كانوا أو إناث، كبني البنين وبني البنات، وكذلك آباء البعولة والأجداد، وإن علوا من جهة الذكران لآباء الآباء وآباء الأمهات، وكذلك أبناؤهن، وإن سفلوا، وكذلك أبناء البنات، وإن سفلن، فيستوي فيه أولاد البنين وأولاد البنات، وكذلك أخواتهن، وهم من وَلَدَهُ الآباء والأمهات، أو أحد الصنفين ..
يعني: الآباء والأمهات في الأشقاء، أحد الصنفين من الأب أو من الأم.
وكذلك بنو الإخوة وبنو الأخوات ..
يعني من الجهات الثلاث.
[ ٨ / ٢٠ ]
وإن سفلوا من ذكران كانوا أو إناث كبني بني الأخوات وبني بنات الأخوات، وهذا كله في معنى ما حرم من المناكح، فإن ذلك على المعاني في الولادات، وهؤلاء محارم، وقد تقدم في النساء، والجمهور على أن العم والخال كسائر المحارم في جواز النظر لهما إلى ما يجوز لهم، وليس في الآية ذكر الرضاع، وهو كالنسب على ما تقدم، وعند الشعبي وعكرمة ليس العم والخال من المحارم، وقال عكرمة: لم يذكرهما في الآية لأنهما تَبَعَان لأبنائهما.
فأبناؤهما ليسا من المحارم، هم من المحارم أبناء العم وأبناء الخال؟
طالب: لا.
نعم ليسوا من المحارم.
فكيف يتبع الأب أباه؟ لكن هل المقصود تَبَعَان لأبنائهما أبناء العم والخال؟ هل هذا هو المقصود؟
هو قال عند الشعبي وعكرمة: ليس العم والخال من المحارم، وفي الحديث الصحيح: «عم الرجل صنو أبيه» يعني مثل أبيه، فهو من المحارم بلا شك، كذلك الخال بمنزلة الأم، الخالة.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ يعني المسلمات، ويدخل في هذا الإماء المؤمنات ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم، فلا يحل لامرأة مؤمنة أن تكشف شيئًا من بدنها بين يدي امرأة مشركة، إلا أن تكون أمةً لها ..
ولذا يوجد من الطبيبات من غير المسلمات في بلاد المسلمين وحينئذٍ لا يجوز للمرأة أن تكشف عندها، لأنها ليست من نسائها.
فذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ وكان ابن جريج وعبادة بن نُسي وهشام القارئ يكرهون أن تقبل النصرانية المسلمة، أو ترى عورتها، ويتأولون ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ وقال عبادة بن نُسَي: وكتب عمر -﵁- إلى أبي عبيدة بن الجراح: أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين، فامنع من ذلك، وحُل دونه، فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة، قال: فعند ذلك قام أبو عبيدة وابتهل، وقال: أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها، فسود الله وجهها يوم تبيض الوجوه. وقال ابن عباس -﵄-: لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية؛ لئلا تصفها لزوجها ..
هذه العلة حتى في المسلمة إذا خشيت المرأة من المسلمة أن تصفها لزوجها لا يجوز لها أن تراها.
[ ٨ / ٢١ ]
وفي هذه المسألة خلاف للفقهاء، فإن كانت الكافرة أمةً لمسلمةً جاز أن تنظر إلى سيدتها، وأما غيرها فلا؛ لانقطاع الولاية بين أهل الإسلام وأهل الكفر، ولما ذكرناه، والله أعلم.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ظاهر الآية يشمل العبيد والإماء المسلمات والكتابيات، وهو قول جماعة من أهل العمل، وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة -﵄- وقال ابن عباس: لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته، وقال أشهب: سئل مالك أتلقي المرأة خمارها بين يدي الخصي؟ فقال نعم: إذا كان مملوكًا لها أو لغيرها، وأما الحر فلا، وإن كان فحلًا كبيرًا، وغدًا تملكه لا هيئة له ولا منظر فلينظر إلى شعرها، قال أشهب: قال مالك: ليس بواسع أن تدخل جارية الولد أو الزوجة على الرجل المرحاض، قال الله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [(٣) سورة النساء].
ليس بواسع أن تدخل جارية الولد أو الزوجة على الرجل المرحاض، ما معنى المرحاض؟
طالب: المغتسل.
إيه أن تدخل المرحاض على الرجل، يعني محل الاغتسال، أو قضاء الحاجة، ليس بواسع أن تدخل جارية الولد أو الزوجة على الرجل، جارية الولد لا تدخل على أبيه المرحاض، ولا زوجة الولد؛ لأنها ليست من محارمه، ولذا قد يحتاج بعض الرجال أو بعض النساء إلى الخدمة لمرضٍ أو كبرٍ أو هرم، فكثير من الناس يتسامح، يتساهل في هذا الباب، فيجعل الولد نفسه يتولى خدمة أبيه، مع أن نظره إلى عورته لا يجوز، هذا الولد يريد أن يبرّ بأمه، ولا يريد أنها تتولى هذا الأمر، فيقوم مقامها، لا يجوز للرجل أن ينظر عورة الرجل، وقد يكلف زوجته بأن تخدم أباه هذه الخدمة التي لا يجوز أن يطلع عليها إلا الزوجة أو ما ملكت اليمين، وكل هذا تساهل غير مرضي.
فالحل في هذا أن تتولاه زوجته إن كانت تقدر على ذلك، وإلا بحث عن جارية تتولى سواء كانت أمة أو زوجة، والحلول موجودة -ولله الحمد-، لكن الناس يتساهلون.
[ ٨ / ٢٢ ]
قال الله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وقال أشهب عن مالك: ينظر الغلام الوغد إلى شعر سيدته، ولا أحبه لغلام الزوج، وقال سعيد بن المسيب: لا تغرنكم هذه الآية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ إنما عني بها الإماء، ولم يعن بها العبيد، وكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته، وهو قول مجاهد وعطاء، وروى أبو داود عن أنس أن رسول الله -ﷺ- أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها قال: وعلى فاطمة ثوب إذا غطت به رأسها لم يبلغ إلى رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ إلى رأسها، فلما رأى النبي -ﷺ- ما تلقى من ذلك قال: «إنه لا بأس عليك، أنما هو أبوكِ وغلامكِ».
طالب: قال: حسن أخرجه أبو داود من حديث أنس، وإسناده غير قوي وفيه سهل ابن دينار قال في التقريب: مقبول واعترضه الألباني في الإرواء فقال: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وابن دينار وثقه يحيى وغيره. وقال أحمد: أرجو ألا يكون به بأس، قال الألباني: فقول الحافظ في التقريب عنه: مجهول مما لا وجه له عندي، وقد تابعه سلام بن أبي الصهباء وهو وإن ضعف فلا يضره ذلك في المتابعات. أ. هـ.
والصواب قول ابن حجر، وقد جاء في الميزان سالم القزاز وثقه يحيى ولينه أبو زرعة، وقال أحمد: أرجو ألا يكون به بأس، وقال أبو داود: شيخ. أ. هـ. أي ضعيف، فالرجل غير قوي، وأما ما ذكره الألباني من متابعة غيره له، فالصواب أن الذي تابعه هو فقط سلام بن أبي الصهباء عند البيهقي، وقد قال عنه البخاري: منكر الحديث، ثم ساق له هذا الخبر مستنكرًا له، انظره في الميزان.
وقد قال البخاري: كل من قلت عنه: منكر الحديث فلا يحل الرواية عنه، وتصحيح الألباني له تساهل منه، والله أعلم.
[ ٨ / ٢٣ ]
الشيخ: على كل حال إذا قلنا في قوله -جل وعلا-: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُن﴾ فغلام المرأة مثل محارمها؛ لأنه نسق عليهم، عطف عليهم، فيجوز لها أن تظهر له ما يظهر لمحارمها، كما أنه يجوز لها أن تظهر للنساء ما تظهره لمحارمهن فقط، ما يظهر غالبًا، والتوسع في هذا غير مرضي، والغلام يشتهي كغيره إذا بلغ مبلغ الرجال كغيره، فعلى المرأة أن تحتاط له أكثر من غيره، الناس يتساهلون الآن مع الخدم سواء كن من النساء أو من الرجال، فتأتي الخادمة إلى مجتمع الرجال، الأولاد وغيرهم، وكذلك سائق السيارة يدخل البيت من غير إذن، ويطلع على ما لم يطلع غيره، وحكمه حكم غيره من الرجال الأجانب.
وأما التساهل بين الخدم بعضهم مع بعض من السائقين والخادمات هذا شيء كأنه تعارف عليه الناس، وكأنه ليس بمنكر، مع أنه لا يقرب بعضهم لبعض، لا قرابة بينهم، كل هذا يسهل أمر الفاحشة، ويسهل في إشاعتها وانتشارها.
طالب: نساء الكفار في المستشفيات؟
نساء الكفار لا يجوز لهن أن يطلعن على محارم المسلمين، لا مستشفيات ولا غيره.
طالب: و(نسائهن) للجنس؟
المقصود بنسائهن المسلمات.
الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ أي غير أولي الحاجة والإربة: الحاجة، يقال: أربت كذا آرب أربا، والإرب والإربة والمأربة والأرب: الحاجة والجمع مآرب، أي حوائج، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [(١٨) سورة طه] وقد تقدم ..
في عصا موسى -﵇-، ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [(١٨) سورة طه] قد تقدم هذا في سورة طه، له حاجات كثيرة، وذكر القرطبي كثير من فوائد العصا هناك.
وقال طرفة:
إذا المرء قال الجهل والحوب والخنا تقدم يومًا ثم ضاعت مآربه
[ ٨ / ٢٤ ]
واختلف الناس في معنى قوله: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ﴾ فقيل: هو الأحمق الذي لا حاجة به إلى النساء، وقيل: الأبله، وقيل: الرجل يتبع القوم فيأكل معهم، ويرتفق بهم، وهو ضعيف، لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن، وقيل: العنين، وقيل: الخصي، وقيل: المخنث، وقيل: الشيخ الكبير، والصبي الذي لم يدرك، وهذا الاختلاف كله متقارب المعنى، ويجتمع فيمن لا فهم له ولا همة ينتبه بها إلى أمر النساء، وبهذه الصفة كان هيت المخنث عند رسول الله -ﷺ- فلما سمع منه ما سمع من وصف محاسن المرأة: بادية بنت غيلان أمر بالاحتجاب منه، أخرج حديثه مسلم وأبو داود ومالك في الموطأ ..
لأنه أوصى بعض الناس أنه إذا فتح الله عليهم الطائف، فعليك بابنة غيلان، تقبل بأربع، وتدبر بثمان، يعني يصفها وصف دقيق، دال على أنه له نظر في النساء، المقصود: ﴿غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ﴾ الذين لا حاجة بهم إلى النساء، ولا يكفي في هذا أن يكون غير عاقل مع وجود الحاجة، بل الاحتجاب من غير العاقل كما قرر بعض أهل العلم أولى من الاحتجاب من العاقل؛ لأن غير العاقل الشهوة عنده والرغبة موجودة، ما الذي يردعه من تحقيق ما يريد؟ ما الذي يردعه إذا كان غير عاقل؟ غير عاقل لا يترتب عليه حد، ولا يترتب عليه شيء، ولا عقل له يردعه، ولا يستحي، فينبغي أن يحتاط له أكثر من غيره، يعني إذا كان له حاجة إلى النساء.
طالب: غير أولي الإربة يخلو بالمرأة؟
إذا تيقّنا أنه لا حاجة به إلى النساء مطلقًا فينظر إليها، وإذا خيفت الفتنة منه يمنع، وأما الخلوة فالأدلة الأخرى تدل على عدمه.
وغيرهم عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة، قال أبو عمر: ذكر عبد الملك بن حبيب عن حبيب كاتب مالك قال: قلت لمالك: إن سفيان زاد في حديث ابنة غيلان: أن مخنثًا يقال له: هيت، وليس في كتابك هيت؟ فقال مالك: صدق هو كذلك، وغربه النبي -ﷺ- إلى الحمى، وهو موضع من ذي الحليفة، ذات الشِّمال من مسجدها ..
يعني من جهة اليسار يقابلها اليمين، وأما الشَّمال يقابله الجنوب.
[ ٨ / ٢٥ ]
قال حبيب: وقلت لمالك: وقال سفيان في الحديث: إذا قعدت تبنّت، وإذا تكلمت تغنّت، قال مالك: صدق هو كذلك، قال أبو عمر: ما ذكره حبيب كاتب مالك عن سفيان أنه قال في الحديث يعني حديث هشام بن عروة أن مخنثًا يدعى هيتًا، فغير معروف عند أحد من رواته عن هشام لا ابن عيينة ولا غيره، ولم يقل في نسق الحديث إن مخنثًا يدعى هيتًا، وإنما ذكره عن ابن جريج بعد تمام الحديث، وكذلك قوله عن سفيان أنه يقول في الحديث: إذا قعدت تبنَّت، وإذا تكلمت تغنَّت، هذا ما لم يقله سفيان ولا غيره في حديث هشام بن عروة وهذا اللفظ لا يوجد إلا من رواية الواقدي ..
والواقدي ضعيف شديد الضعف.
والعجب أنه يحكيه عن سفيان، ويحكي عن مالك أنه كذلك، فصارت رواية عن مالك ولم يروه عن مالك غير حبيب ولا ذكره عن سفيان غيره أيضًا، والله أعلم.
وحبيب كاتب مالك متروك الحديث ضعيف عند جميعهم لا يكتب حديثه، ولا يلتفت إلى ما يجيء به ذكر الواقدي والكلبي أن هيتًا المخنث قال لعبد الله بن أمية المخزومي -وهو أخو أم سلمة لأبيها، وأمه عاتكة عمة رسول الله -ﷺ- قال له -وهو في بيت أخته أم سلمة ورسول الله -ﷺ- يسمع: إن فتح الله عليكم الطائف، فعليك ببادية بنت غيلان بن سلمة الثقفي، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، مع ثغر كالأقحوان، إن جلست تبنّت، وإن تكلمت تغنّت، بين رجليها كالإناء المكفوء، وهي كما قال قيس بن الخطيم:
تغترف الطرف وهي لاهية نما شف وجهها نزفُ
بين شكول النساء خلقتها قصد فلا جَبلة ولا قضفُ
تنام عن كبر شأنها فإذا قامت رويدًا تكاد تنقصفُ
فقال له النبي -ﷺ-: «لقد غلغلت النظر إليها يا عدو الله» ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى، قال: فلما افتتحت الطائف تزوجها عبد الرحمن بن عوف، فولدت له منه بريهة، في قول الكلبي، ولم يزل هيت بذلك المكان حتى قبض النبي -ﷺ- فلما ولي أبو بكر كلم فيه فأبى أن يرده، فلما ولي عمر كلم فيه فأبى، ثم كلم فيه عثمان بعد، وقيل: إنه قد كبر وضعف واحتاج، فأذن له أن يدخل كل جمعة، فيسأل ويرجع إلى مكانه ..
يعني: يسأل الناس، كان فقير.
[ ٨ / ٢٦ ]
قال: وكان هيت مولى لعبد الله بن أبي أمية المخزومي، وكان له طويس أيضًا، فمن ثم قبل الخنث، قال أبو عمر: يقال: (بادية) بالياء و(بادنة) بالنون، والصواب فيه عندهم بالياء، وهو قول أكثرهم، وكذلك ذكره الزبيري بالياء ..
ولا تعارض بين بادية وبادنة، لأن بادية اسمها، وبادنة وصفها، بدينة يعني سمينة، وأما بادنة فهو اسمها، الحديث الأخير خرج؟ «لقد غلغلت النظر إليها يا عدو الله».
طالب: قال: هذه الرواية عند الواقدي في المغازي وهو غير حجة كما تقدم آنفًا، ولذا ذكرت لك لفظ البخاري. قال: أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غدًا فعليك بابنة غيلان، فإن تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال النبي -ﷺ-: «لا يدخلن هؤلاء عليكم» هذا لفظ البخاري.
السادسة عشرة: وصف التابعين بغير، لأن التابعين غير مقصودين بأعيانهم، فصار اللفظ كالنكرة وغير لا يتمحض نكرة فجاز أن يجرى وصفًا على المعرفة، وإن شئت قلت: هو بدل، والقول فيها كالقول في ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ [(٧) سورة الفاتحة] وقرأ عاصم وابن عامر ﴿غيرَ﴾ بالنصب، فيكون استثناء ..
لأن غير متمحضة في النكرة، لا تقبل التعريف.
أن يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم، ويجوز أن يكون حالًا، أي والذي يتبعونهن ..
إلا إذا وقع بين متضادين، إذا وقع بين متضادين، النساء والرجال صح.
ويجوز أن يكون حالًا، أي والذي يتبعونهن عاجزين عنهن، قاله أبو حاتم، وذو الحال ما في التابعين من الذكر.
يعني: صاحب الحال ما ذكر في التابعين.
السابعة: عشرة: قوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ اسم جنس بمعنى الجمع، والدليل على ذلك نعته بـ (الذين)، وفي مصحف حفصة أو الأطفال على الجمع، ويقال: طفل ما لم يراهق الحلم ..
المقصود الجنس جنس الطفل.
[ ٨ / ٢٧ ]
و﴿يَظْهَرُوا﴾ معناه يطلعوا بالوطء، أي لم يكشفوا عن عوراتهن للجماع لصغرهن، وقيل: لم يبلغوا أن يطيقوا النساء، يقال: ظهرت على كذا أي علمته، وظهرت على كذا أي قهرته، والجمهور على سكون الواو من ﴿عَوْرَاتِ﴾ لاستثقال الحركة على الواو، وروي عن ابن عباس فتح الواو مثل جفنة وجفنات، وحكى الفراء أنها لغة قيس ﴿عورات﴾ بفتح الواو، قال النحاس: وهذا هو القياس؛ لأنه ليس بنعت كما تقول: جفنة وجفنات إلا أن التسكين أجود في ﴿عَوْرَاتِ﴾ وأشباهه؛ لأن الواو إذا تحركت وتحرك ما قبلها قبلت ألفًا، فلو قيل هذا لذهب المعنى.
تصير عارات.
الثامنة عشرة: اختلف العلماء في وجوب ستر ما سوى الوجه والكفين منه على قولين: أحدهما: لا يلزم، لأنه لا تكليف عليه، وهو الصحيح، والآخر: يلزمه، لأنه قد يشتهى وقد تشتهى أيضًا هي ..
الحوادث والوقائع تدل على أن من تغيرت فطرهم ومسخت لا يعفون عن شيء، لا عن صغير ولا عن صغيرة، ولا عن كبيرة ولا عن قبيحة، حتى أنه وجد من فتن بكبار السن من الرجال، الكبار، الكبار جدًا، وحصل منه وقائع ثم تخلص منه -ولله الحمد- بإقامة شرع الله عليه، قتل -ولله الحمد –نسأل الله العافية-.
فإن راهق فحكمه حكم البالغ في وجوب الستر، ومثله الشيخ الذي سقطت شهوته، واختلف فيه أيضًا على قولين كما في الصبي، والصحيح بقاء الحرمة، قاله ابن العربي.
التاسعة عشرة: أجمع المسلمون على أن السوءتين عورة من الرجل والمرأة، وأن المرأة كلها عورة إلا وجهها ويديها، فإنهم اختلفوا فيهما، وقال أكثر العلماء في الرجل: من سرته إلى ركبته عورة، لا يجوز أن تُرى، وقد مضى في الأعراف القول في هذا مستوفى.
الموفية عشرين: قال أصحاب الرأي: عورة المرأة مع عبدها من السرة إلى الركبة، قال ابن العربي: وكأنهم ظنوها رجلًا أو ظنوه امرأة، والله تعالى قد حرم المرأة على الإطلاق لنظر أو لذة، ثم استثنى اللذة للأزواج، وملك اليمين، ثم استثنى الزينة لاثني عشر شخصًا، العبد منهم فما لنا ولذلك! هذا نظر فاسد، واجتهاد عن السداد متباعد ..
[ ٨ / ٢٨ ]
يعني ما ذكر في الآية من المحارم حكمهم واحد، بما في ذلك النساء وما ملكت اليمين، ولم يستثنى من ذلك إلا الزوج بالأدلة الأخرى، فحكمهم واحد، إنما ينظرون إلى ما يظهر غالبًا.
وقد تأول بعض الناس قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ على الإماء دون العبيد، منهم سعيد بن المسيب، فكيف يحملون على العبيد، ثم يلحقون بالنساء؟ هذا بعيد جدًا! قال ابن العربي: وقد قيل: إن التقدير: أو ما ملكت أيمانهن من غير أولي الإربة، أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال، حكاه المهدوي.
ما ملكت الأيمان بالوصف اللاحق، فيكون الوصف ساري لما قبله والذي قبله.
الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ الآية .. أي لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت لتسمع صوت خلخالها، فإسماع صوت الزينة كإبداء الزينة وأشد ..
لأنه يترتب عليه من الفتنة ما يترتب على الإبداء.
والغرض التستر أسند الطبري عن المعتمر عن أبيه أنه قال: زعم حضرمي أن امرأة اتخذت برتين من فضة، واتخذت جزعًا، فجعلت في ساقها فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجزع فصوت، فنزلت هذه الآية، وسماع هذه الزينة أشد تحريكًا للشهوة من إبدائها، قاله الزجاج.
الثانية والعشرون: من فعل ذلك منهن فرحًا بحليهن فهو مكروه، ومن فعل ذلك منهن تبرجًا وتعرضًا للرجال فهو حرام مذموم، وكذلك من ضرب بنعله من الرجال، إن فعل ذلك تعجبًا حرم، فإن العجب كبيرة، وإن فعل ذلك تبرجًا لم يجز.
الثالثة والعشرون: قال مكي -رحمه الله تعالى-: ليس في كتاب الله تعالى آية أكثر ضمائر من هذه، جمعت خمسة وعشرين ضميرًا للمؤمنات من مخفوض ومرفوع، قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا﴾ أمر، ولا خلاف بين الأمة في وجوب التوبة ..
لأنه هو الأصل، الأصل في الأمر الوجوب.
وأنها فرض متعين، وقد مضى الكلام فيها في النساء، وغيرها فلا معنى لإعادة ذلك والمعنى: وتوبوا إلى الله، فإنكم لا تخلون من سهوٍ وتقصير في أداء حقوق الله تعالى، فلا تتركوا التوبة في كل حال.
[ ٨ / ٢٩ ]
الثانية: قرأ الجمهور ﴿أيها﴾ بفتح الهاء، وقرأ ابن عامر بضمها، ووجهه أن تجعل الهاء من نفس الكلمة، فيكون إعراب المنادى فيها، وضعف أبو علي ذلك جدًا، وقال: آخر الاسم هو الياء الثانية من أي، فالمضموم ينبغي أن يكون آخر الاسم، ولو جاز ضم الهاء هاهنا لاقترانها بالكلمة ..
لأن الياء المشدد عبارة عن حرفين، فالياء عبارة عن ياءين، والإعراب إنما هو على الياء الثانية، وأما الأولى فساكنة.
لجاز ضم الميم في ﴿اللهم﴾ لاقترانها بالكلمة في كلام طويل، والصحيح أنه إذا ثبت عن النبي -ﷺ- قراءة فليس إلا اعتقاد الصحة في اللغة، فإن القرآن هو الحجة وأنشد الفراء:
يا أيه القلب اللجوج النفس أفق عن البيض الحسان اللعس
اللعس: لون الشفة إذا كانت تضرب إلى السواد قليلًا، وذلك يستملح، يقال: شفة لعساء وفتية ونسوة لعس، وبعضهم يقف ﴿أيه﴾ وبعضهم يقف ﴿أيها﴾ بالألف؛ لأن علة حذفها في الوصل إنما هو سكونها، وسكون اللام، فإذا كان الوقف ذهبت العلة، فرجعت الألف كما ترجع الياء إذا وقفت على ﴿محلي﴾ من قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [(١) سورة المائدة] وهذا الاختلاف الذي ذكرناه هو في ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ﴾ [(٤٩) سورة الزخرف] و﴿أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [(٣١) سورة الرحمن].
اللهم صلي على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٨ / ٣٠ ]
تفسير سورة النور