وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤]:
ينهى اللهُ المؤمنين في هذه الآية أن يقولوا للنبي ﷺ: ﴿رَاعِنَا﴾؛ لأنه لفظٌ يحتملُ حقًّا وباطلًا؛ لأنه إمَّا من المراعاة: وهي الرِّفقُ والتيسيرُ في المعاملة، أو الرعونة: وهي الحمقُ والصَّلفُ في القول (^١)؛ لذلك كان اليهودُ يُخاطبون بها النبيَّ ﷺ ويريدون المعنى القبيح، فنهى الله المؤمنين عن أن يقولوا ذلك في خطابهم للنبي ﷺ؛ حتى لا يتذرَّع اليهودُ بذلك إلى مقصودهم إذا سمعوا المؤمنين يقولونها، فنهى المؤمنون عن ذلك سدًّا للذريعة، ولذا عُدَّت هذه الآية من أدلة قاعدةِ سدِّ الذرائع (^٢).
وأمر اللهُ المؤمنين أن يقولوا: ﴿انْظُرْنَا﴾؛ يعني: انظر إلينا، فحُذِف حرف الجر، واتصل الضميرُ بالفعل، فهو من الحذف والإيصال. وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾: أي سماعَ قبولٍ واستجابةٍ وطاعةٍ لكلِّ ما أمركم اللهُ به ورسولُه، وفي هذا تأكيدٌ لِمَا سبقَ في الآية من النهي والأمر.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾: وعيدٌ لجميع الكافرين، وهو أخصُّ باليهود، والأليم: المؤلم الموجع.
﴿يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا﴾ للنبي ﴿رَاعِنَا﴾ أمر من «المراعاة»، وكانوا يقولون له ذلك، وهي بلغة اليهود سبٌّ من «الرعونة»، فسُرُّوا بذلك وخاطبوا بها النبيَّ، فنهي المؤمنون عنها ﴿وَقُولُوا﴾ بدلها: ﴿انْظُرْنَا﴾ أي: انظر إلينا ﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما تؤمرون به سماعَ قبول ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم هو النار.
_________________
(١) ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص ٦٠)، و«المفردات» للراغب (ص ٣٧٥ - ٣٥٨).
(٢) ينظر: «إعلام الموقعين» (٥/ ٦)، و«الموافقات» للشاطبي (٣/ ٧٦).
[ ٢٢٦ ]
وقولُ المؤلِّف: (للنبي): بيانٌ لمتعلق الحكم.
وقولُه: (أمر من المراعاة …) إلى آخره: فيه بيانُ سبب نزول الآية (^١).
وقولُه: (بدلها): أي قوله» ﴿انْظُرْنَا﴾ بدل عن قولهم: ﴿رَاعِنَا﴾، فما أمروا به بدلوا عمَّا نهوا عنه.
* * *
_________________
(١) ينظر: «أسباب النزول» (ص ٣٣ - ٣٤)، و«العجاب» لابن حجر (١/ ٣٤٣ - ٣٤٧).
[ ٢٢٧ ]