وقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩]:
يُخبر تعالى عن كثيرٍ من أهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى - بأنهم يودُّون أن يُطيعهم المؤمنون في التحوُّل عن الإيمان إلى الكفر، والحاملُ لهم على ذلك الحسدُ، وأخصُّ الطائفتين بذلك اليهودُ كما وصفَهم اللهُ بذلك؛ في قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]، ولم يكن ذلك منهم لجهلٍ أو شبهةٍ، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. ثم أمرَ سبحانَه بالعفو والصفح عنهم، وذلك بالصبر على أذاهم حتى يأتيَ اللهُ بأمره؛ وهو النصرُ عليهم بإجلائهم أو قتلهم، وقد وقع ذلك في طوائفِ اليهود حولَ المدينة كما في سورة الحشر والأحزاب، وفي هذا بشارةٌ للمؤمنين ووعيدٌ للكافرين، وتأكيدًا لهذا الوعد والوعيد أخبرَ تعالى أنه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾.
والعفو: هو تركُ المؤاخذة على الذنب بترك العقوبة. والصفح: هو الإعراضُ وتركُ التثريبِ والعتابِ، فهو أبلغُ من العفو (^١).
﴿وَدَّ كَثِير مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب لَوْ﴾ مصدرية ﴿يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْد إيمَانكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا﴾ مفعول له، كائنًا ﴿مِنْ عِنْد أَنْفُسهمْ﴾ أي: حملتهم عليه أنفسُهم الخبيثةُ ﴿مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ في التوراة ﴿الْحَقّ﴾ في شأن النبي ﷺ ﴿فَاعْفُوا﴾ عنهم؛ أي: اتركوهم ﴿وَاصْفَحُوا﴾ أعرضوا فلا
_________________
(١) ينظر: «المفردات» للراغب (ص ٤٨٦)، و«التحرير والتنوير» (١/ ٦٧١).
[ ٢٣٧ ]
تجازوهم ﴿حَتَّى يَأْتِي اللَّه بِأَمْرِهِ﴾ فيهم من القتال ﴿نَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقولُ المؤلِّف: (مصدرية): يريد أنها من الحروف التي تُؤوَّل مع الفعل بعدها بمصدر، وتقدير ذلك هنا: ودَّ كثيرون من أهل الكتاب ردَّكم.
وقولُه: (مفعول له): يُبيِّنُ إعراب ﴿حسدًا﴾ بأنه مفعولٌ لأجله، فنصبه على المفعولية، فعلم بذلك أنَّ الحسدَ هو الحاملُ لهم على هذه المودَّة، وهذا الحسدُ متمكِّنٌ في نفوسهم وقلوبهم، وهذا هو معنى ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسهمْ﴾.
وقولُه: (كائنًا): صفةٌ لحسد، والجار والمجرور ﴿مِنْ عِنْدِ﴾ مُتعلقٌّ بـ «كائنًا».
وقولُه: (في شأن النبي ﷺ): يعني تبيَّن لهم الاعتقادُ الحقُّ في شأن النبي محمد ﷺ، وتبيَّن لهم ذلك بدلائلَ كثيرةٍ.
* * *
[ ٢٣٨ ]