وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾ [البقرة: ١١٣]:
يُخبر تعالى عن اختلاف اليهود والنصارى، وأنَّ كلًّا من الطائفتين تذمُّ الأخرى وأنها ليست على شيءٍ من الحق، مع أنهم يقرؤون كتبَ الله - التوراة والإنجيل -.
كذلك يُخبر تعالى عن الذين لا يعلمون - وهم المشركون الذين لا عِلم عندهم لأنهم لا كتاب لهم - أنهم قالوا في كلِّ مَنْ خالفهم من اليهود والنصارى وغيرهم: ليسوا على شيءٍ، مثل قول اليهود والنصارى بعضهم لبعض.
ثم أخبر تعالى أنه يحكم بين جميع المختلفين يوم القيامة فيُبيِّنُ المحقَّ منهم من المُبطل؛ كما قال تعالى في حكمة البعث: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾ [النحل: ٣٩].
﴿وَقَالَتْ الْيَهُود لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْء﴾ مُعْتَدٍّ به وكفرت بعيسى ﴿وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُود عَلَى شَيْء﴾ مُعْتَدٍّ به وكفرت بموسى ﴿وَهُمْ﴾ أي: الفريقان ﴿يَتْلُونَ الْكِتَاب﴾ المنزلَ عليهم، وفي كتاب اليهود تصديقُ عيسى، وفي كتاب النصارى تصديقُ موسى، والجملةُ حال ﴿كَذَلِكَ﴾ كما قال هؤلاء ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي المشركون من العرب وغيرهم ﴿مِثْل قَوْلهمْ﴾ بيانٌ لمعنى ذلك. أي: قالوا لكلِّ ذي دينٍ: ليسوا على شيءٍ ﴿فَاَللَّه يَحْكُم بَيْنهمْ يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أمرِ الدِّين، فيدخل المحقُّ الجنةَ، والمبطلُ النارَ.
[ ٢٤٤ ]
وقولُ المؤلِّف: (مُعْتَدٍّ به …) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ مرادَ اليهود بهذا القول نفيُ أن يكون مع النصارى شيءٌ من الحقِّ يُعتدُّ به لهم، ولا إيمان مَنْ آمن منهم بعيسى، فتضمَّن قولُ اليهود كفرهم بعيسى ﵇.
وقولُه: (معتد به …) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ قول النصارى في اليهود من جنس قولِ اليهود في النصارى، كلٌّ منهما يتضمَّنُ جحد ما عند الطائفة الأخرى من الحقِّ والكفرَ بنبيِّها.
وقولُه: (المنزل عليهم): معناه أنَّ المراد بالكتاب التوراة والإنجيل، وفي كلِّ كتابٍ دلالةٌ على الحقِّ الذي عند الطائفة الأخرى، فكانوا بهذا التَّجاحُدِ كافرين بالكتاب الذي نزل عليهم؛ لأنَّ كتابهم يُكذبهم فيما قالوه في الطائفة الأخرى.
وقولُه: (وفي كتاب اليهود …) إلى آخره: هو معنى ما تقدَّم أنَّ كلًّا من الكتابين يدلُّ على الحقِّ الذي مع الطائفة الأخرى.
وقولُه: (والجملة حال): يعني قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾، فالمعنى: قالوا ما قالوا وهم يتلون الكتاب الذي يُكذِّبُهم؛ لأنه يدلُّ على نقيض قولهم، وبعد: فقولُ اليهود في النصارى هو لازمٌ لقولهم: «لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا»، ومضمونُ قول النصارى في اليهود هو لازمُ قول النصارى: «لن يدخلَ الجنةَ إلا من كانوا نصارى»، فمضمون كلٍّ من الآيتين رقم: «١١١» و«١١٣» لازمٌ لمضمون الآية الأخرى.
وقولُه: (كما قال هؤلاء): أي مثل قول اليهود في النصارى وقول النصارى في اليهود قال الذين لا يعلمون؛ فالمعنى: قال الذين لا يعلمون وهم المشركون في اليهود والنصارى ليسوا على شيءٍ.
[ ٢٤٥ ]
وقولُه: (أي المشركون من العرب وغيرهم): هذا أصحُّ ما قيل في بيان المراد بالذين لا يعلمون (^١)، وأخطأ خطأً بيِّنًا مَنْ قال: المرادُ بهم اليهود أو النصارى، ويؤيد أنَّ المرادَ بهم المشركون قوله تعالى فيما سيأتي: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٨]، والراجحُ في هذه الآية أنَّ المرادَ بالذين لا يعلمون كفارُ العرب، كما ذكره ابنُ كثير ورجَّحه (^٢)، وهو قول الجمهور؛ قاله ابن عطية (^٣) والقرطبي (^٤).
وقولُه: (بيان لمعنى ذلك …) إلى آخره: يريدُ أنَّ قوله تعالى: ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: بيانٌ لمعنى اسم الإشارة في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾، فالمعنى أنَّ الذين لا يعلمون قالوا لكلِّ مَنْ خالفهم في الدينِ: ليسوا على شيء؛ كقول اليهود للنصارى، وقول النصارى لليهود.
وقولُه: (فيدخل المحقُّ الجنةَ والمبطلُ النارَ): هذا تفسيرٌ للحكم في الآية بالحكم الجزائي الفعلي، والآية تشمل هذا، وتشمل الحكمَ البياني القولي المذكور في قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [النحل: ٣٩]، فإنه تعالى يُبيِّنُ لهم المحقَّ من المبطل، ثم يدخل المحقُّ الجنةَ والمبطلُ النارَ كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٤ - ١٦].
* * *
_________________
(١) وهو قول السدي ومقاتل، واختاره الجمهور. ينظر: «تفسير الطبري» (٢/ ٤٣٩)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (١/ ٢٠٩، رقم ١١٠٧)، و«زاد المسير» (١/ ١٠٢).
(٢) ينظر: «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٩٩).
(٣) «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٥).
(٤) «تفسير القرطبي» (٢/ ٧٦).
[ ٢٤٦ ]