وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة: ١٢٦]:
يُذكِّرُ تعالى نبيَّه والمؤمنين مخبرًا لهم بدعاء خليله إبراهيم للبلد الحرام بأن يجعله آمنًا ويرزق أهله المؤمنين بالله واليوم الآخر من كلِّ الثمرات، فأجاب اللهُ دعاءَه، وأخبر تعالى أنَّ رِزقَه لا يختصُّ بمَن آمن بالله واليوم الآخر من أهل الحرم؛ بل يرزق مَنْ كفر منهم متاعًا قليلًا ثم يصير بكفره إلى النار وبئس المصير؛ فمعنى الآية: واذكروا حين قال إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا﴾ أي: هذا البلد كما في سورة إبراهيم «٣٥»، فاسم الإشارة هو المفعول الأول لـ ﴿اجْعَلْ﴾، و﴿بَلَدًا﴾ هو المفعول الثاني، و﴿آمِنًا﴾ صفة؛ أي: يأمنُ مَنْ يحلُّ فيه مما يحصل لمن حولَه من نهبٍ وقتلٍ؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
وقوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: أي التي تُجلَبُ إليهم من البلدان ذات العيون والبساتين؛ لأنَّ مكة ليست ذات زرع وأشجار وثمار، وخصَّ ﵇ بهذا الدعاء مَنْ آمنَ بالله واليوم الآخر؛ لأنهم الذين يستعينون بنِعَمِه ورزقه على طاعته، ولكنه تعالى أخبر أنه يمتعُ برزقه مَنْ كفر متاعًا قليلًا ثم يجزيه على كفره بعذاب النار، فبيَّنَ سبحانه أنَّ رِزقه في الدنيا يشمل البرَّ والفاجرَ والمؤمنَ والكافرَ.
﴿وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَذَا﴾ المكان ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ ذا أمنٍ، وقد أجاب اللهُ دُعاءَه فجعله حَرَمًا لا يُسفكُ فيه دمُ إنسانٍ، ولا يُظلَمُ فيه أحدٌ، ولا يُصادُ صيدُه، ولا يُختلى خلاه ﴿وَارْزُقْ أَهْله مِنْ الثَّمَرَات﴾ وقد فعل، بنقل الطائف من الشام إليه، وكان أقفر لا زرع به ولا ماء ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ
[ ٢٦٩ ]
وَالْيَوْم الْآخِر﴾ بدل من «أهله» وخصَّهم بالدعاء لهم موافقة لقوله: «لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ» ﴿قَالَ﴾ تعالى: ﴿وَ﴾ أرزقُ ﴿مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعهُ﴾ بالتشديد والتخفيف، في الدنيا بالرزق ﴿قَلِيلًا﴾ مدَّةَ حياته ﴿ثُمَّ أَضْطَرّهُ﴾ ألجئه في الآخرة ﴿إلَى عَذَاب النَّار﴾ فلا يجد عنها محيصًا ﴿وَبِئْسَ الْمَصِير﴾ المرجع هي.
وقولُ المؤلِّف: (المكان): يُبيِّنُ أنَّ المشار إليه المكان، ولو قال: البلاد؛ لكان أولى؛ لأنه المذكور في سورة إبراهيم.
وقولُه: (ذا أمنٍ …) إلى آخره: معناه: فيه أَمنٌ بسبب حُرمته؛ فلا يُسفَكَ فيه دمٌ، ولا يُنفَّر صيدٌ، ولا يُعضَدُ شجرُه، ولا يُختلى خَلاه؛ كما جاء في الصحيحين عن ابن عباس وأبي شريح (^١). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
وقولُه: (وقد فعل …) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ الله أجاب دعاء إبراهيم ﵇.
وأمَّا قولُه: (بنقل الطائف من الشام إليه): يبدو أنَّ هذه خرافة (^٢)، والصواب: أنَّ اللهَ أجاب دعاءَه بأن جعل الثمار تُجبَى إليه من كلِّ مكان؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧].
وقولُه: (بدل من أهله): أي بدلُ بعضٍ من كل، وهو اسم موصول في موضع نصب.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥٨٧)، (١٨٣٢) ومسلم (١٣٥٣)، (١٣٥٤).
(٢) ذُكر عن هشام بن عبيد الله، عن محمد بن مسلم الطائفي قال: بلغني أن إبراهيم ﷺ لما دعا للحرم: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ نقل الله الطائف من فلسطين. ينظر: «تفسير الطبري» (٢/ ٥٤٤)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (١/ ٢٣٠، رقم ١٢٢٢).
[ ٢٧٠ ]
وقولُه: (وخصَّهم بالدعاء لهم …) إلى آخره: يعني أنَّ إبراهيمَ خصَّ مَنْ آمن بالله واليوم الآخر بالدعاء لهم بالرزق من الثمرات.
وقولُه: (تعالى …) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ معنى الجملة: قال اللهُ تعالى: وأَرزقُ مَنْ كفرَ كما أَرزقُ مَنْ آمنَ، لكن مَنْ كفرَ أُمتِّعُه قليلًا في الدنيا ثم أضطره إلى النار يوم القيامة.
وقولُه: (بالتشديد والتخفيف): يُشير إلى أنَّ في التاء من ﴿أمتعه﴾ قراءتين؛ بالتشديد: ﴿أمتّعه﴾، والتخفيف: ﴿أمتِعه﴾ (^١).
وقولُه: (مدَّة حياته): تفسيرٌ للقليل، ومتاعُ الدنيا قليلٌ مهما طالت مدَّتُه؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨].
وقولُه: (أُلجِئُه في الآخرة): معناه: أنَّ اللهَ يُدخلُ الكافرَ النارَ بدفعٍ، بقوةٍ؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣].
وقولُه: (المرجع هي): بيانٌ لمعنى المصير، وبيانٌ للمخصوص؛ فالمصير فاعل «بئس»، والمخصوص بالذم قولُه: (هي).
* * *
_________________
(١) قرأ ابن عامر وحده ﴿فَأُمْتِعُهُ﴾ خفيفة من أَمْتَعْتُ، وقرأ الباقون ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ مشددة التاء من مَتَّعْتُ. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص ١٧٠)، و«النشر في القراءات العشر» (٢/ ٢٢٢).
[ ٢٧١ ]