وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٦]:
اسم الإشارة راجعٌ إلى المنافقين، والإشارةُ إليهم بإشارة البعيد يُشعر ببعدِ منزلتِهم في الشر، وبُعدهم عن مواطنِ الرحمة والكرامة، يخبرُ - تعالى - عنهم أنهم بإيثارِهم الكفر على الإيمان قد استبدلوا الضلالةَ بالهدى، فسمَّى اللهُ هذا الاستبدال اشتراءً؛ تشبيهًا لهم بالتاجرِ المغبون إذ خسرَ في الصفقة؛ لأنه قد باع الشيءَ الثمين بأبخس الأثمان، وكانت تجارتُهُ تجارةً خاسرةً ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، وفي إسنادِ الربح إلى التجارة مجازٌ عقليٌّ؛ لأنَّ الأصلَ أن يُسندَ إلى صاحبِ التجارة، فإنَّ المعنى: فما ربحُوا ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى﴾ أي: استبدلُوها به ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ﴾ أي: ما ربحُوا فيها بل خسرُوا لمصيرهم إلى النارِ المؤبَّدة عليهم ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ فيما فعلوا.
وقولُ المؤلِّف: (استبدلُوها به): أي استبدلُوا الضلالةَ بالهُدى، يريد أنَّ معنى اشتروا: استبدلوا، وفي التعبير عن استبدلوا بـ ﴿اشْتَرَوْا﴾ استعارةٌ تصريحية، علاقتُها التشبيه؛ لأنه عبَّرَ بالمشبَّه به عن المشبّه، والضمير المنصوب في قوله: (استبدلُوها).
وقولُه: (أي: ما ربحُوا فيها): يشير إلى أنَّ الأصلَ إسنادُ الفعلِ رَبِحَ إلى صاحب التجارة، وقد أسند إلى التجارة، فكان من المجازِ العقلي الذي علاقتُه المحلية أو السببية.
[ ٥٢ ]
وقولُه: (بلْ خَسِرُوا …) إلى آخره: يريد أنه لم يقتصر أمرُهم على عدم الربح؛ بل خسروا خسرانًا مبينًا.
وقولُه: (فيما فعلوا): أي لم يكونوا على هدىً في استبدال الضَّلالة بالهدى، وفي هذا تأكيدٌ لنفي الربحِ عنهم، ونفيٌ للاهتداء عنهم قبل أن يُظهروا الإسلام، ويفعلوا ما فعلوا من الاستبدال، وفي هذا احترازٌ من أن يُظنَّ أنهم كانوا على هدىً قبل أن يفعلوا ما فعلوا.
* * *
[ ٥٣ ]