وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البقرة: ٢٦ - ٢٧]:
يخبر - تعالى - أنه لا يستحيي من ضربِ المثل ببعض الأشياء الحقيرة، بأنه - تعالى - حكيمٌ يريد بيان الحقِّ لعباده في كلِّ طريق للعباد ويحصل لهم به الفرقان بين الحق والباطل؛ لهذا ضرب المثل بالذبابِ والعنكبوت، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ الآية [العنكبوت: ٤١]، ولو شاء - تعالى - لضرب المثل بأحقرَ من العنكبوت كالبعوضة.
ومن حكمته - تعالى - في ذلك: ابتلاءُ العباد ليتميَّز المؤمن من الكافر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، وبضرب هذا النوع من الأمثال يهدي الله كثيرًا ويُضِلُّ به كثيرًا؛ يهدي به المؤمنين، ويُضِلُّ به الفاسقين الذين يعترضون على الله في كلامه وبيانه؛ فيقولون فيما ضربه اللهُ من الأمثال مُعترضين على الله: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. وأما الذين آمنوا فلا يعترضون على الله؛ لأنهم يعلمون أن ما جاء عن الله كلُّه حقٌّ.
والفاسقون: هم الخارجون عن طاعة الله بالكفر والنفاق ونقضِ الميثاق، ومِن فِسقِهم قَطْعُ ما أمرَ الله به أن يُوصل، وإفسادهم في الأرض بالمعاصي وبالصدِّ عن سبيل الله وقد حكم - تعالى - عليهم بالخسران؛ فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾، والكفار والمنافقون هم أخسرُ الناس؛ لأنهم صائرون إلى النار خالدين فيها، فبذلك يخسرون أنفسَهم وأهليهم؛ كما قال
[ ٧٦ ]
تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥].
ونزلَ ردًّا لقول اليهود لَمَّا ضرب الله المثلَ بالذبابِ في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبهُمْ الذُّبَاب شَيْئًا﴾ والعنكبوت في قوله: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوت﴾ ما أرادَ الله بذكرِ هذه الأشياء الخسيسةِ؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ﴾ يجعلَ ﴿مَثَلًا﴾ مفعولٌ أول ﴿مَا﴾ نكرةٌ موصوفة بما بعدها مفعولٌ ثان أي: مثل كان، أو زائدة لتأكيدِ الخِسَّة، فما بعدها المفعول الثاني ﴿بَعُوضَة﴾ مفردُ البعوضِ وهو صغارُ البَقِّ ﴿فَمَا فَوْقهَا﴾ أي: أكبرُ منها أي: لا يترك بيانُه لِمَا فيه مِنْ الحِكَم ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي: المثل ﴿الحَقُّ﴾ الثابت الواقع موقعه ﴿مِنْ رَبّهمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّه بِهَذَا مَثَلًا﴾ تمييزٌ أي: بهذا المثل، و«ما» استفهامُ إنكارٍ مبتدأٌ و«ذا» بمعنى الذي، بصلته خبرُهُ أي: أيُّ فائدةٍ فيه؟ قال - تعالى - في جوابِهم ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ أي: بهذا المثل ﴿كَثِيرًا﴾ عن الحقِّ لكفرِهم به ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ مِنْ المؤمنين لتصديقِهم به ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ الخارجينَ عن طاعتِه ﴿الَّذِينَ﴾ نَعْتٌ ﴿يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه﴾ ما عَهِدَهُ إليهم في الكتبِ من الإيمان بمحمَّدٍ ﴿مِنْ بَعْد مِيثَاقِهِ﴾ توكيدِهِ عليهم ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل﴾ مِنْ الإيمان بالنبي والرَّحمِ وغيرِ ذلك و«أنْ» بدلٌ مِنْ ضميرِ «به» ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي والتعويقِ عن الإيمان ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفونَ بما ذُكِرَ ﴿هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾ لمصيرِهم إلى النارِ المؤبَّدةِ عليهم.
وقولُ المؤلِّف: (ونزلَ ردًّا …) إلى آخره: يذكر هنا سببَ نزول هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾، وذلك أنَّ الله لَمَّا ضرب المثلَ بالذباب وبالعنكبوت
[ ٧٧ ]
لأصنام المشركين قال الكفار والمنافقون: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، ومعنى قولهم: أنَّ هذه الأشياء حقيرةٌ فكيف يضرب اللهُ المثلَ بهذه الأشياء الحقيرة التي يُستحيا من ذكرها؟! فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (^١)، فإنَّ ضَرْبَ الأمثال من طرق بيانِ الحق وإبطالِ الباطل، لذلك يضرب الله المثلَ بما شاء بعوضةً أو أكبر من البعوضة أو أصغر من البعوضة. وقولُه: (يجعلَ): فيه تفسيرُ ضربِ المثل بالجَعْلِ، والجَعْلُ: بمعنى: التصيير، ينصبُ مفعولين، وجعل المثل تشبيه الشيء بالشيء، ولذا جعل المؤلِّف مثلًا مفعولًا أولًا، و«ما» نكرة موصوفة.
وقولُه: (لا يترك بيانُه لِمَا فيه من الحِكَمِ): يريد أنَّ معنى الآية أنَّ الله لا يتركُ ضربَ المثَلِ بما شاء من صغيرٍ وكبيرٍ؛ لأنَّ في ضربِ المثل حِكَمًا، وهو بيان الحق.
وقولُه: (أي: المثل): يريد أنَّ الضمير في قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ يعود إلى المثل الذي ضربَه الله، فالمعنى: أنَّ الذين آمنوا بالله ورسوله يؤمنون بأنَّ المثلَ الذي يضربه الله يعلمون أنه الحق، أي: الموافقُ للحكمة المحصِّل للمقصود.
وقولُه: (تمييزٌ): يريد أنَّ ﴿مَثَلًا﴾ منصوبٌ على التمييز؛ لقولهم: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا﴾، وقدَّره المؤلِّف بقوله: «ماذا أراد الله بهذا المثل مثلًا» (^٢)، فاسم الإشارة راجعٌ إلى المثل الذي ضربه الله في ضرب المثل بالعنكبوت والذباب.
وقولُه: (و«ما» استفهامُ إنكارٍ مبتدأٌ …) إلى آخره: يريد أنَّ «ما» في قولهم: «ماذا» اسم استفهام، وهي: مبتدأ فهي في موضعِ رفع، والاستفهام إنكار أي: استنكارٌ واعتراضٌ من الكفار على ما ضربه الله من المثل، فالمعنى: أيُّ فائدةٍ
_________________
(١) وهو قول ابن عباس كما في رواية عطاء وأبي صالح عنه، والحسن وقتادة ومقاتل. ينظر: «أسباب النزول» للواحدي (ص ٢٣ - ٢٤)، و«العجاب» لابن حجر (١/ ٢٤٥).
(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٤٣٢).
[ ٧٨ ]
من ضرب ذلك المثل؟ و«ذا» في قولهم ﴿مَاذَا﴾ اسم موصول بمعنى: الذي، وجملة ﴿أَرَادَ اللَّهُ﴾ صلةُ الموصول، والموصول وصلتُه خبرُ المبتدأ الذي هو: «ما» الاستفهامية.
وقولُه: (قال - تعالى - في جوابِهم …) إلى آخره: يريد أنَّ قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ جوابٌ لقول الكفار: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، وقد تضمَّن الجواب بيانَ حكمته - تعالى - في ضرب المثل؛ وهي ابتلاء العباد فيهتدي به مَنْ آمن بأنه الحق - وهم كثيرٌ - ويُضِلُّ به مَنْ طعن في حكمة لله مِنْ ضرب المثل حتى قالوا: ماذا أراد الله بضرب هذا المثل، فإنه لا تظهرُ فيه حكمة فأيُّ فائدة في ضربه المثلَ؟ فصار ضَرْبُ المثل سببًا لهداية المؤمنين وسببًا لضلال الكافرين، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾.
وقولُه: (الخارجينَ عن طاعتِه): يريد أنَّ الفاسقين هم الكفار والمنافقون، فَفِسْقُهُم هو الفِسق الأكبر، وهو: المذكور في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]. وفي قول المؤلِّف: (الخارجينَ) إشارةٌ إلى أصل معنى الفِسق في اللغة، وهو الخروج عن الشيء، ومنه قولهم: «فسقتِ الرُّطبةُ مِنْ قشرها» أي: خرجتْ (^١).
وقولُه: (نَعْت): يريد أنَّ الاسم الموصول بصلتِه نعتٌ للفاسقين، فالموصول في محل نصب؛ لأنَّ الفاسقين مفعولٌ به ليضل، والاستثناء مُفرَّغ.
وقولُه: (مَا عَهِدَهُ إليهم …) إلى آخره: هذا تفسيرٌ للعهد الذي ينقضونه، وهو أنَّ مما عهد الله به إلى أهل الكتاب أن يؤمنوا بالنبي محمد ﷺ إذا
_________________
(١) ينظر: «لسان العرب» (١٠/ ٣٠٨).
[ ٧٩ ]
بعث إليهم، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به (^١)، والآية عامة لكل عهدٍ من الله، والأول هو المناسب لسببِ النزول (^٢).
وقولُه: (توكيدِهِ عليهم): أصل الميثاق: العهدُ المؤكَّدُ، لكنه هنا اسم مصدر؛ بمعنى: التوثيق؛ فالمعنى: ينقضون عهد الله من بعد توكيدِه عليهم.
وقولُه: (مِنْ الإيمان بالنبي والرَّحمِ وغيرِ ذلك): هذا بيانٌ من المؤلِّف للمراد بالموصول في قوله تعالى: ﴿مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ﴾ أي: يقطعون الذي أَمر الله بوصلِه.
وقولُه: (و«أنْ» بدلٌ مِنْ ضميرِ «به»): يريد أنَّ المصدر المؤول مِنْ «أن» والفعل بدلٌ من الضمير المجرور في «به» فيكون التقدير: أمر الله به بأن يوصل؛ أي: بوصلِه.
وقولُه: (بالمعاصي والتعويقِ عن الإيمان): يريد أنَّ الإفساد في الأرض يكون بمعاصي الله والصدِّ عن سبيله.
وقولُه: (الموصوفونَ بما ذُكِرَ): يريد أنَّ اسم الإشارة: ﴿أُولَئِكَ﴾ راجعٌ إلى الموصوفين بنقضِ عهد الله، وقطعِ ما أمر الله بوصله.
وقولُه: (لمصيرِهم إلى النارِ المؤبَّدةِ عليهم): هذا تعليل، فالمعنى: أنهم خسروا لمصيرهم إلى النار، وقد دلَّ القرآن على الذي خسروه، وهو أنفسهم وأهلوهم؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]، فهذا هو الخسران المذكور في هذه الآية، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) نسبه ابن الجوزي في «زاد المسير» (١/ ٤٨) لابن عباس ومقاتل، واختاره الطبري في تفسيره (١/ ٤٣٦ - ٤٣٧) بعد أن ساق الأقوال، ولم ينسبها.
(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٤٣٥ - ٤٥٧)، و«المحرر الوجيز» (١/ ١٥٨ - ١٥٩)، و«تفسير ابن كثير» (١/ ٢١٠).
[ ٨٠ ]