وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩]:
يخبر - تعالى - في هذه الآية ممتنًا على عباده بأنه خلق لهم جميع ما في الأرض من أسباب المنافع من أنواع النبات والحيوان والمعادن، ثم صعد إلى السماء فخلق السمواتِ وجعلهُنَّ سبعًا، ثم أخبر أنه بكلِّ شيء عليمٌ، فدلَّت الآيةُ على كمال رحمته وكمال قدرته وإحاطة علمه، وذلك يقتضي أنه الإلهُ الحقُّ، لا يستحقُّ العبادةَ سواهُ، وفي ضمن ذلك تقريعٌ للذين كفروا به فأشركوا به وجحدوا ما أخبرَ به من البعث والجزاء، وبهذا يظهر اتصالُ هذه الآية بالتي قبلها، فالمخاطبون بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ هم الذين قيل لهم: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾.
وقال دليلًا على البعثِ لَمَّا أنكروه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الأرضِ وما فيها ﴿جَمِيعًا﴾ لِتَنتفِعُوا به وتَعتبرُوا ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ بعد خلقِ الأرضِ أي: قصدَ ﴿إلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ الضميرُ يرجعُ إلى السماء؛ لأنها في معنى الجملةِ الآيلةِ إليه، أي: صيَّرَها كما في آية أخرى: ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾ [فصلت: ١٢] ﴿سَبْعَ سَمَاوَات وَهْوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم﴾ مُجملًا ومُفصَّلًا، أفلا تَعتبرون أنَّ القادرَ على خلقِ ذلك ابتداءً - وهو أعظم منكم - قادرٌ على إعادتِكم؟
وقولُ المؤلِّف: (أي: الأرضِ وما فيها): يريد أنَّ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ يتضمَّن خلقَ الأرض وما فيها؛ لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ كما فصل ذلك في سورة فصلت.
[ ٨٣ ]
وقولُه: (لِتَنتفِعُوا به وتَعتبرُوا): يشير إلى ما تدلُّ عليه اللام في قوله: ﴿لَكُمْ﴾ من الامتنان بما خلقَه الله في الأرض من النعم لمصلحة العباد.
وقولُه: (بعد خلقِ الأرضِ أي: قصدَ): هذا بيانٌ لمعنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، وأنَّ ذلك بعد خلق الأرض كما تدلُّ عليه الآيات في سورة فصلت، وفسَّر المؤلِّف: ﴿اسْتَوَىْ﴾ بقَصَدَ، وهو معنى قول بعضهم: عمدَ، وهو معنى صحيح (^١)، والأَولى: تفسيرُه بصعد (^٢)؛ لأنَّ كلًّا منهما يتعدى بـ «إلى».
وقولُه: (الضميرُ يرجعُ إلى السماء): يريد ضمير جمع المؤنث «هُنَّ»، يقول: يرجع إلى السماء، وهو مفرد، فعَوْدُ الضمير إليها بلفظ الجمع باعتبار ما هي صائرةٌ إليه، وهو كونها سبعَ سموات، وأصل معنى السماء: العُلُو من سماء يسمو (^٣)، وكانت السماء دخانًا كما في آية فصلت: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهْيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، قال المفسِرون: وهذا الدخان هو بخارُ الماء الذي عليه العرش (^٤)، فسوَّى الله من هذه السماء سبعَ سماوات، كما قال في سورة
_________________
(١) قاله: الفراء وابن كيسان وابن قتيبة، واختاره: ابن كثير والسعدي. ينظر: «معاني القرآن» للفراء (١/ ٢٥)، و«معاني القرآن» للزجاج (١/ ١٠٧)، و«غريب القرآن» لابن قتيبة (ص ٤٥)، و«تفسير ابن كثير» (١/ ٢١٣)، و«تفسير السعدي» (١/ ٥٢ - ٥٣). وتفسير الاستواء هنا بالقصد ليس من التحريف المذموم؛ فإن ﴿اسْتَوَى﴾ ترد في القرآن على ثلاثة معاني: فتارة لا تعدى بالحرف، فيكون معناها: الكمال والتمام، كما في قوله عن موسى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾، وتارة تكون بمعنى «علا وارتفع»، وذلك إذا عديت بـ «على» كما في قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾، ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾، وتارة تكون بمعنى «قصد»، كما إذا عديت بـ «إلى» كما في هذه الآية، أي: لما خلق تعالى الأرض، قصد إلى خلق السماوات. ينظر: «تفسير السعدي» (١/ ٥٢ - ٥٣)، (١/ ٢٢ - ٢٣).
(٢) قال البغوي: قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: «أي: ارتفع إلى السماء»، واختاره الطبري. ينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٤٥٦) (١/ ٤٥٧)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (١/ ٧٥ رقم ٣٠٨)، و«تفسير البغوي» (١/ ٧٨).
(٣) تقدَّم (ص ٥٩).
(٤) روي بنحوه عن وهب بن منبه. ينظر: «تفسير الطبري» (١٢/ ٣٣٤)، و«زاد المسير» (٤/ ٤٧).
[ ٨٤ ]
فصلت: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢].
وقولُه: (مُجملًا ومُفصَّلًا): يريد أنَّ الله يعلم كلَّ الأشياء جملةً، ويعلم كلَّ واحدٍ منها بمفرده، ويعلم الكليات والجزئيات.
وقولُه: (أَفَلَا تَعْتَبِرُونَ …) إلى آخره: يشير إلى أنَّ ذِكر خلق السموات والأرض وعلمه بكلِّ شيءٍ سِيقَ للدلالة به على قدرته - تعالى - على البعث، وهذا في القرآن كثيرٌ؛ كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧].
* * *
[ ٨٥ ]